باب وجوب أن يكون قتال المؤمن لإعلاء كلمة الله

الحديث الثاني: عَنْ أَبِي مُوسَى رضي الله عنه قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: الرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلْمَغْنَمِ، وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلذِّكْرِ، وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِيُرَى مَكَانُهُ، فَمَنْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: (مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)١٬٧٨٥متفق عليه، [البخاري: (٢٨١٠)، ومسلم: (١٩٠٤)]..

بعض فوائد الحديث:

الأولى: سؤال أهل العلم فيما يُشكل من مسائل الدين.

الثانية: تحرِّي الصحابة معرفةَ الحقِّ والتبيُّنَ في الأمور وطلبَ الإقدام فيها على بصيرة.

الثالثة: خطرُ الانقياد للنفسِ، والحذرُ من الاستجابةِ لداعيها إذ ربما جرَّت صاحبَها إلى الهلكة طلبًا لذكر الناس وثنائهم، فيكون حظُّه من عمله: فقد قيل!

الرابعة: أن سبيل الحقِّ واحدٌ وسبُل الباطل عديدة متفرِّقة.

الخامسة: لزوم تجرُّد المجاهد من حظِّ نفسه فلا يكون له مقصدٌ إلا علوَّ الحقِّ ونصرته.

السادسة: تطابق صور العمل الظاهرة لا تستلزم توافق النوايا الباطنة، وهذا المعنى يدل عليه أيضًا الحديث السابق إذ صورة الهجرة والقتال واحدة ظاهرًا ومتباينة قصدًا، كما قال العلامة ابن الحاج المالكي: «فالهجرة على حد واحد في الفعل وإنما كانت هذه لله وهذه لغير الله تعالى على ما انطوت عليه الجوارح الباطنة وهي النية، وقد قال الإمام أبو عبد الله مالك بن أنس رحمه الله تعالى: ألا ترى أن الساجد لله تعالى والساجد للصنم في صورة واحدة، وإنما كانت هذه عبادة وهذه كفرا بالنية»١٬٧٨٦المدخل: (1 /7)..

ص 1070

السابعة: الحذر الشديد من قصد الدنيا بعمل الآخرة.

الثامنة: شرف الجهاد وذلك لشرف مقصوده وهو إعلاء كلمة الله.

التاسعة: في أنَّ القتالَ طريقٌ لإعلاء كلمة الله والتمكين لشرعه، إذ به تكون هي العليا.

العاشرة: ميل النفس إلى تحصيل مكاسبها المعنوية -كالشهرة وطلب المدح- لا يقل عن حرصها على مكاسبها المادية، وكلٌّ موبقٌ لها.

الحادية عشرة: ضرورة تعهد المجاهد نيته لتكون فقط لإعلاء كلمة الله، قال الإمام الطحاوي رحمه الله: «فيه أن المقاتل لا يستحق الشهادة بقتاله حتى يكون معه من نيته أن تكون كلمة الله تعالى أعلى»١٬٧٨٧[شرح مشكل الآثار: (٥١٠٦)]..

الثانية عشرة: الجهاد عبادةٌ فهو مفتقرٌ إلى الإخلاص وصلاح النية.

الثالثة عشرة: قصرُ معنى «في سبيل الله» هنا على مَن قصد بقتاله إعلاء كلمة الله.

الرابعة عشرة: صحة اعتبار مفهوم المخالفة -بشروطه- في إثبات الأحكام الشرعية، فما سأل عنه الرجل تصريحًا نفاه النبي ﷺ في إجابته مفهومًا، إذ لم يقل: من قاتل للمغنم فليس في سبيل الله، ومن قاتل للذكر فليس في سبيل الله، ومن قاتل ليرى مكانه فليس في سبيل الله، مع أن الجواب قُصد به هذا.

متفرّقات:

ص 1071

أولًا: بعض تبويبات الأئمة: بوَّب عليه البخاري بقوله: «بَاب مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا»، وأيضًا: «بَاب مَنْ قَاتَلَ لِلْمَغْنَمِ هَلْ يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِهِ»، وأُدرِجَ عند مسلم تحت: «بَاب مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»، وبوَّب عليه البيهقي بقوله: «باب بَيَانِ النِّيَّةِ الَّتي يُقَاتِلُ عَلَيْهَا لِيَكُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﷻ»، وعند الترمذي تحت: «بَاب مَا جَاءَ فِيمَنْ يُقَاتِلُ رِيَاءً وَلِلدُّنْيَا»، والنسائي تحت: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا»، وابن ماجه تحت: «بَاب النِّيَّةِ فِي الْقِتَالِ»، وابن حبان تحت: «ذِكْرُ وَصْفِ الْغَزْوِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِي يَأْجُرُ اللَّهُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ».

ثانيًا: قال تقي الدين السبكي: «والذي قاتل شجاعة أو رياء أو حمية ليس قتاله لله فليس في سبيل الله، وهذا مقطوع به، والظاهر أنه لا يسمى شهيدا؛ لأن المعنيين اللذين ذكرا في معنى اسم الشهيد ليسا فيه، والنص لم يرد بتسميته وإنما نحن نظنه في الظاهر شهيدًا لعدم الاطلاع على فساد نيته»١٬٧٨٨فتاوى السبكي: (2 / 344).، وقال ابن دقيق العيد رحمه الله: «في الحديث دليل على وجوب الإخلاص في الجهاد وتصريح بأن القتال للشجاعة والحمية والرياء خارج عن ذلك»١٬٧٨٩[إحكام الأحكام: (2/318)]..

ثالثًا: قال الإمام ابن عبد البر رحمه الله: «وكل من قاتل لتكون كلمة الله العليا وكلمة الذين كفروا السفلى فهو في الجنة إن شاء الله»١٬٧٩٠التمهيد: (18/345)..

❖ ❖ ❖

ص 1072