نظرات في الإجماع القطعي
«مناقشة الشيخ عبد القادر بن عبد العزيز في ادعائه الإجماع القطعي على كفر أنصار الحكام المرتدين على التعيين وما رتبه على ذلك من كفر من خالف هذا الإجماع»
نُشر هذا الكتاب عبر عدة حلقات في مجلة الفجر الإسلامية؛ الصادرة عن «الجماعة الإسلامية المقاتلة بليبيا» رسميًّا..
وقد كانت الحلقة الأخيرة المنشورة من الكتاب في العدد (54) من مجلة «الفجر» في شهر: صفـر 1421هـ / 2- 2000م
وبهذا يكون «النظرات» أولَ كتابٍ علمي يُصدره الشيخ، وهو من الأدلةِ القوية على وضوحِ منهج الشيخ تجاه الغلو مبكرًا، ورفضه الأسباب الداعية إليه..
۞
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، وبعد:
فلما كانت الأمة الإسلامية اليوم تعاني من كثرة النوازل المتعددة والوقائع المتنوعة، وذلك بسبب واقعها المتشابك والمتداخل؛ صار البحث عن الأحكام الشرعية المتعلقة بتلك النوازل والوقائع وتوضيح كيفية التعامل معها وفق الضوابط الشرعية أمرًا لازمًا وضروريًا لا مناص منه ولا محيد عنه، إذ إن التملص والتفلت من مهمة إيضاح أحكامها ومحاولة غض الطرف عنها -تحت أية دعوى- يفضي بلا شك إلى إيقاع الناس في دوامة الحيرة التي لا مخرج لهم منها، ويسوقهم إلى اضطراب لانهاية له ولا غاية، بل ربما أدى ذلك -وكثيرًا ما يقع- إلى إنتاجِ وإظهار نوازلَ جديدة وقضايا غريبة؛ قد تكون أشد تعقيدًا وأكثر استفحالًا من سابقتها، وهكذا دواليك.
هذا وقد يكون ظهور الطوائف الممتنعة المنافحة عن الحكام المرتدين من أعظم النوازل المعاصرة التي احتاجت من أهل العلم إلى اجتهادٍ صحيح منضبط يُظهر كثيرًا من الأحكام الشرعية المرتبطة بها، لا سيما وأنها وثيقة الصلة بحياة المسلمين وتحركاتهم اليومية؛ مما يؤكد حتمية بيان أحكامها بيانًا شافيًا كافيًا، ويلح في إخراجها للناس بوضوح وجلاءٍ لا يبقى معهما غبش ولا لبس؛ ﴿لِّيَهۡلِكَ مَنۡ هَلَكَ عَنۢ بَيِّنَةٖ وَيَحۡيَىٰ مَنۡ حَيَّ عَنۢ بَيِّنَةٖۗ﴾ [الأنفال: 42].
وممن قام ببحث هذه المسألة وتناولها من بعض جوانبها الشيخ: «عبد القادر بن عبد العزيز»١٨[هو الشيخ سيد إمام عبد العزيز إمام الشريف، ويُعرف كذلك بالدكتور فضل، وُلد في 8/1950م، في مدينة بني سويف، بجنوب مصر، تخرج من كلية طب القاهرة عام 1974م، بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف الأولى، ولُوحق عقب اغتيال السادات 1981م فخرج مهاجرًا لخراسان وأصبح أبرز شخصية علمية في جماعة الجهاد والعرب في بيشاور، يصنف ويعلم ويقضي، ثم غادر من باكستان عقب اعتقالات العرب في بيشاور 1993م، وتوجه إلى السودان، ثم وصل إلى اليمن أواخر التسعينات، وعمل في مشافيها متطوعا؛ حتى أُلقي القبض عليه بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر مباشرةً، ومكث في سجن الأمن السياسي بصنعاء عامين وخمسة أشهر، ثم سُلم لمصرَ في 28/ 2/2004م، وله عدد من الكتب القيمة التي لا يُستغنى عنها، ولكنه غلا في بعض مقالاته كهذا الكتاب، ثم كانت له تراجعات عن أفكارِ الجهاد بالكلية، مع سباب وشتائم لا تليق بالرجل، وقد رد عليه الشيخ أبو يحيى في «التبديد»، وكان الناس يظنون أنه مكره لأسره، ولكنه ظهر في الثورة المصرية يُهاجم الجهاد وأهله وهو طليقٌ حر، ولم يتراجع عن تراجعاته، غفر الله لنا وله]. في كتابه «الجامع في طلب العلم الشريف».
وكان أساسُ بحثِه للمسألة منصبًّا على بيانِ حكم أنصار الحكام المرتدين؛ بحيث أجاب عن التساؤل المشهور: هل يُحكم على أعيان هذه الطوائف بالردة؟ أم يُكتفى بوصفها بأنها طوائف ردة على العموم دون النظر إلى أعيان أفرداها؟
وكان خاتمة ما توصل إليه بحثه واستقر عليه رأيه في المسألة هو الحكم على أنصار الحكام المرتدين بالكفر على التعيين ظاهرًا «أي في أحكام الدنيا»، لا باطنًا «أي في أحكام الآخرة»؛ مُعللًا هذا التفصيل باحتمال وجود مانع من موانع التكفير المعتبرة عند بعض أفراد تلك الطوائف يمنع من القطع بكفرهم، وذلك لأن الحكم عليهم يقع دون تبيّن الشروط والموانع في حقهم بسبب امتناعهم بالشوكة؛ واستند في تقرير هذا الحكم إلى بعض الآيات.
وذكر من السيرة حادثة العباس مع النبي ﷺ وقصة أسره يوم بدر.
بل وادعى إجماع الصحابة رضي الله عنهم القطعي على ذلك حتى حكم على من خالفه في هذا الحكم بالكفر ومشاقة سبيل المؤمنين ومفارقة جماعتهم، كما سيأتي كلامه في ثنايا هذا البحث إن شاء الله.
فمما دفعنا للكتابة في هذا الموضوع ومناقشة هذا الدليل -أعني الإجماع المذكور-: أنَّ هذا من النصيحة التي تعد من أهمِّ قواعد هذا الدين وأسسه التي بها يحفظ على أصوله؛ إذ هي جزء من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي من البر والتقوى التي أمر الله عباده أن يتعاونوا عليها.
كما قال ﷻ: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۖ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ﴾ [المائدة: 2]، وقال النبي ﷺ: (الدين النصيحة، قلنا لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم)١٩رواه مسلم [55]..
لا سيما أن الخطأ لا يكاد يسلم منه أحد؛ فكل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون.
وكذلك دفعنا إلى التعليق على هذا الدليل «دعوى الإجماع القطعي» خصوصًا -زيادة على ما فيه من أخطاء وتجاوزات-:
ما رأيناه ولمسناه من الآثار السلبية التي أنتجها بين الشباب، وذلك راجع إلى قالب العبارات الجازمة القاطعة التي صِيغ بها -وهو أسلوب تكرر كثيرًا في الكتاب- مما أدى إلى استغلال المغالين -جماعاتٍ وأفرادًا- له؛ بحيث صار مَحضَنًا يتكاثرون تحته، وملجأً ومتكأً يعزِّزون به ركنهم، ويقوّون باطلهم وزيفهم، وينمّون وينشرون أفكارهم الضالة ومذاهبهم المنحرفة؛ مع علمنا اليقيني أن المؤلف لم يرد ذلك أو يقصده، ولا هو يوافقهم أو يؤيدهم فيما ذهبوا إليه من التعميمات والإطلاقات والمجازفات.
بل وللأسف؛ فقد تعدى أمر هذا الدليل إلى بعض الطيبين وتسرَّب إليهم فَعَدُّوا هذه المسألة -الحكم على أنصار الحكام المرتدين- مما يُوالَى ويُعادى عليها، وأن لا مجال لإبداء أي رأي آخر فيها، وصارت عندهم إحدى المحكات التي يعرف بها المرجئ من غيره، وغدا يُلوَّح «بدليل الإجماع القطعي المدَّعىَ» في وجه كل من خالفه في ذلك الحكم.
ونحن إذ نناقش الشيخ عبد القادر بن عبد العزيز في هذه المسألة؛ فإن ذلك لا يعني إطلاقًا أن يعد نقاشنا تجريحًا أو استنقاصًا له أو لكتابه المذكور؛ بل المقصد الأول والأساسي هو بيان الحق الذي ظهر لنا وذلك نصحًا له ولعامة المسلمين، وكل من له أدنى معرفة وإنصاف يعلم أنه لا تلازم البتة بين التخطئة والإثم، لقول النبي ﷺ: (إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر)٢٠رواه البخاري [6919] عن عمرو بن العاص..
قال شيخ الإسلام رحمه الله: «فأما الصديقون، والشهداء، والصالحون؛ فليسوا بمعصومين، وهذا في الذنوب المحققة، وأما ما اجتهدوا فيه، فتارة يصيبون، وتارة يخطئون، فإذا اجتهدوا وأخطؤوا فلهم أجر على اجتهادهم، وخطؤهم مغفور لهم، وأهل الضلال يجعلون الخطأ والإثم متلازمين، فتارة يغلون فيهم، ويقولون: إنهم معصومون، وتارة يجفون عنهم، ويقولون: إنهم باغون بالخطأ، وأهل العلم والإيمان لا يُعَصِّمُون ولا يؤَثِّمون»٢١مجموع الفتاوى: (35/69)..
ومعلوم أن كتب أهل العلم الثقات ممن يقتدى بهم طافحة بالردود والمناقشات لبعضهم ولم ينزل ذلك من مكانة الراد أو المردود عليه، والشيخ عبد القادر نفسه قد امتلأ كتابه المذكور بالرد على أكابر العلماء وفحولهم ممن لا يشك أحد في رسوخهم في العلم وتضلعهم منه.
وقبل أن نشرع في تفاصيل المناقشة نود أن ننبه إلى أن المقصود من هذا البحث كما هو واضح من عنوانه: التعقيب على أحد الأدلة التي استند إليها الشيخ عبد القادر في بحثه لمسألة «حكم أنصار الحكام المرتدين»، وهو دليل الإجماع، وليس الغرض مما كتبناه هو التعليق على الحكم النهائي الذي توصل إليه في أصل هذه المسألة، وإن سبقنا القلم أو خانتنا العبارة في موضع ما فَفُهِم منها خلاف هذا؛ فالتعويل على ما ذكرناه تصريحًا في هذا الموطن.
فنسأل الله أن يهدينا لما اختلف فيه من الحق بإذنه ويجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه إنه سميع قريب مجيب، ولا حول ولا قوة إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.
ويمكن إجمال الأمور التي سيدور عليها هذا البحث في ثلاث مسائل يتفرع عن كل واحدة منها جزئيات تذكر في محلها وتبيّن في مواضعها بإذن الله تعالى.
المسألة الأولى: في بيان بعض المسائل المتعلقة بالإجماع عند الأصوليين.
المسألة الثانية: في بيان بطلان ما ادعاه من الإجماع القطعي.
المسألة الثالثة: بعض الأخطاء التي وقع فيها عند استدلاله بالإجماع المذكور.
❖ ❖ ❖
لقد أتممت قراءة كتاب:
يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.
تحميل الكتاب مفردًا