المقدمة
۞
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد...
فلن نكون مبالغين إذا قلنا إنَّ الخط الأول للحملة الصليبية العاتية التي تشنها أمريكا وحلفاؤها على المسلمين وبلدانهم هم شبكة الجواسيس بجميع أصنافها وشتى أنواعها وأوصافها، وأنهم الركيزة الأولى التي تعتمد عليها في أعمالها العسكرية الكبيرة والصغيرة، فهم أعينها الحقيقيون الذين تطلع بهم على خفايا مطوية وخبايا مزوية ما كان لها أن تصلها وتخلص إليها لولاهم، وهم يدها الطولى التي لم تزل تمتد إلى أعماق البيوت، وأدغال الغابات، وشواهق الجبال، ومنعرجات الوديان، وظلمات الكهوف، لتقدم لها هدفًا عجزت تقنياتها الحديثة -رغم تطورها وانتشارها- عن بلوغه أو التعامل معه بمجردها، فهم الكتائب المكتَّبة، والجنود المجنَّدة، الحاضرون الغائبون الذين بثتهم ليتخللوا صفوف المسلمين عمومًا والمجاهدين خصوصًا ويتوغلوا بينهم نكايةً ومحاربةً فانبثوا في الأرض انبثاث الجراد المنتشر.
ومع اشتغالهم ليلًا ونهارًا، وقيامهم بمهامهم وأعمالهم بانتظام إخفاءً وإسرارًا، وتلقيهم التوجيهات، بل والأوامر كما يتلقاها الجندي من قائده، إلا أنهم لا يكاد يشعر بهم أحد، فتُرى آثارهم من تقتيل، وتدمير، وأسر، ومطاردات، ولا تُرى أعيانهم، كحال الشيطان الذي يرانا هو وقبيله من حيث لا نراهم، فكم من القادة الأبطال الذين خطفتهم أيدي العدى بسببهم؟ وكم من البيوت الخفية التي دكت على ساكنيهم بطائرات لا تسمع ولا تبصر ولا تعلم السر ولا الجهر اعتمادًا على معلوماتهم وإرشاداتهم؟ وكم من المجاهدين الأخفياء الذين كانوا يعدون أركانًا في الجهاد من غير أن يستشعر بذلك مستشعر فوجئوا باعتقالهم أو ملاحقتهم؟ وكم من طرق الإمداد العسكري والمالي التي اتخذها المجاهدون كعصب حياةٍ لاستمرار جهادهم وهي أبعد ما تكون عن مراكز العدو ومراقبته ومتابعته إذا بالكمائن تنصب لهم وقد رصد الجواسيس وقت انطلاقهم وبَلَّغوا عن ساعة تحركهم وعددهم وعدَّتهم؟
كما أن خطورتهم لا تكمن فقط في قدرة هذه «الكتائب» الخفية على التغلغل والولوج إلى الأعماق، بل تعدى الأمر ذلك لينضاف إليها تنوع أجناس وأصناف وأوصاف هذه الجنود الخفية الضارية الضاربة فإذا بها تضم في طياتها الشيخ العجوز الهرم الذي احدودب ظهره ولا يكاد يقدر على خطو خطوتين، والشابَ الفتي القوي الذي يذرع الأرض طولًا وعرضًا، والمرأةَ الضعيفة القاعدة في قعر بيتها، والفتاةَ التي لازال ماء الشباب يجري في عروقها، بل وربما المراهق الذي لم يبلغ الحلم ولم يشمله التكليف أصلًا، ومن كل هؤلاء قد يكون ذلك الجاسوس دكتورًا، أو ممرضًا، أو مهندسًا، أو موظفًا، أو مدرسًا، أو طالبًا، أو مؤذنًا، أو خطيبًا، أو إمام مسجد، أو سمسارًا، أو متسوِّلًا، أو سائق أجرة، أو صاحب متجر.
وبالجملة فليس هناك حدٌّ أو ضابطٌ يتوقف عنده تجنيد الشخص في ممارسة التجسس واستخدامه لأغراضه؛ فالمعتبر في ذلك فقط هو قدرته على تحصيل المعلومة وإيصالها إلى الجهة التي اختار العمل معها، وهذا ما يُبيّن أن اعتماد الأعداء عليها أكبر وأعظم من اعتمادهم على جيوشهم العسكرية العلنية.
فمن المعلوم أن اختيار الشخص ليكون جنديًا ضمن جيش من الجيوش وفي أي جناح من أجنحتها يعتمد على مواصفات ثابتة ودقيقة تؤهله للقبول ليصبح بعد ذلك فرادًا من أفرادها سواء كانت تلك المواصفات عقلية، أو جسدية، أو صحية، أو فكرية، أما «جندي» التجسس فيكفيه للتأهيل قدرتُه على الوصول إلى المعلومة المطلوبة منه ثم نقلها إلى الجهة المعنيّة، ولا يهم بعد ذلك أن يكون سليمًا أم معاقًا، رجلًا أم امرأة، بالغًا أم غير بالغ، توافقت العقيدة معه أم تخالفت، بل كلما كانت حاله وأوصافه أبعد عن الإثارة والتشكيك ولفت الانتباه كان أنسب لممارسة المهمة وأقرب إلى تحصيل المقصود.
ومع خطورة هذا الأمر على الإسلام والمسلمين، وكونه أعظم سلاح فتاك استخدمه العدو -ولا زال- في معركته العصرية العالمية، ورغم تداخل مسائله الشرعية لا سيما عند النزول إلى الواقع العملي التفصيلي، والتعامل مع قضاياه تعاملًا مباشرًا، إلا أن هذه المسألة لم تأخذ حقها من البحث من الناحية الفقهية، ولم تجد العناية الكافية من العلماء وطلبة العلم ليدخلوا إلى تفاصيلها وينزلوا عند جزئياتها، كما تناولوا الكثير من المسائل التي ارتبطت بالحملة الصليبية الجديدة.
فنظرًا لأهمية الموضوع، وللحاجة الملحة لبيان بعض تفاريعه ومسائله، وجدت نفسي مضطرًا للكتابة فيه بما يفتح الله ويَمُنُّ، ومن يأت الأمور على اضطرار...فليس كمثل آتيها اختيارا، وأنا -مع ذلك- معترفٌ بقصوري وقلة بضاعتي، وأرجو أن يكون عذري أن داعي الطلب لا ينقطع نداؤه، ومع دوام الصياح والإلحاح فلا مجيب، والأمر لا يحتمل الإهمال والإغفال، ولا يحل معضلتَه الاختفاءُ والانزواء، ولا يقطع دابره لم أرَ ولم أسمع، ولا يكف عاديته أن لا تمر بوادٍ قرب واديه، فالشر مستطير، والخطب خطير، والضرر قاصف، والسيل جارف، ونار الحرب تزداد استعارًا، والواقع يسأل ليلًا ونهارًا؛ فالإجابة حتمٌ ولا بد.
مع العلم أنني قد أرسلت لعددٍ من سادتنا العلماء الفضلاء بمجموعة من الأسئلة المهمة المتعلقة بالموضوع -وسأنقلها بنصها في آخر البحث- ومرت على ذلك الأيام وكرت الشهور ولم يأتِ من طرفهم جواب ولا كتاب، وللغائب عذره والعوائق جمة، ولو كفونا المؤنة لما تحملت أعباءه ولا عالجت عناءه، وما الموطن موطن انتظار وقد سالت دماء، ودمرت ديار، وقُتِّل الأخيار، وازداد الأوار، فالاتكال على الكريم الغفار، فمنه العون وعليه وحده المعتمد ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وأشير هنا إلى أني كنت قد كتبت بحثًا بعنوان «حكم الجاسوس المسلم» قبل ثلاثة عشر عامًا ونشر في مجلة الفجر على ثلاث حلقات، ولم يعد عندي نسخة من أصل البحث، ولم أجد شيئًا من أعداد الفجر التي نشر فيها، وقد مرت السنون، وباعدت بيننا الأسفار، وترامت الأقطار، وتناوب الليل والنهار، فلعل من يحتفظ بشيء من أعداد المجلة التي نشر فيها البحث يرسل به إليَّ محتسبًا أجره عند الله وإني له لمن الشاكرين، وهذا أوان الشروع في المقصود وبالله التوفيق.
❖ ❖ ❖