تحرير مسألة فقهية من نوازل الأموال في الجهاد المعاصر «مناقشة لفتوى الشيخ عبد الله عزام بحرمة الادخار اليوم»

[هدية العدد الثاني لمجلة أمة واحدة التابعة لتنظيم قاعدة الجهاد

تاريخ كتابتها مجهول، ولكنها نُشرت 1440 هـ - 2019م]

۞

السؤال: سألتكم مرة عن جواز أخذ الكفالة من بيت مال الجهاد لمجاهد غني، وحكم ادخار بعض الأموال لحاجة طارئه لمجاهد يأخذ الكفالة من بيت المال، وقد أجبتم أن كلا الأمرين جائزان، لكن الأخ عاطف الباكستاني لفت نظري إلى مقال من كتاب الشيخ عبد الله عزام رحمه الله «في الجهاد فقه واجتهاد»، حيث تطرق إلى هذه المسائل وشدد على المجاهدين في هذا؟

الجواب: جزاكم الله خيرًا على التنبيه والعناية، وإن كنت لا أذكر أنني صرحت هكذا بجواز ما ذكرت في السؤال، وكما قلت لك في رسالة سابقة فإنني أتهم في ذلك ذاكرتي لكثرة النسيان والله المستعان.

ص 2928

وقد قرأت ما قاله الشيخ عبد الله عزام رحمه الله أكثر من مرة، ولا شك أنه شدد في الأمر تشديدًا بليغًا، ولا أظن أن أحدًا من المجاهدين سابقًا وحاليًّا يلتزم بما ذكره ولا يقدر على أكثره إلا أولو العزم منهم.. وقليل ما هم، لا سيما في مسألة المصاريف في شراء السلاح والذخيرة والملابس والأحذية والطعام؛ سواء في المراكز أو المضافات أو المعسكرات، بل الذي جرى عليه العمل بينهم أن ما يحصل من المال العام غالبًا هو الذي يتم به التكفُّل بتجهيز الأخ المجاهد وتوفير احتياجاته القتالية، هذا مع أن بعض المجاهدين يقومون بتجهيز أنفسهم كليًا أو جزئيًا، وأكثر ما يكون ذلك في شراء سلاحه وذخيرته لا غير، وبعض الجماعات تشترط على من له قدر معين من المال أن يتولى شراء بعض حاجياته كالسلاح ونحوه، وذلك بحسب حال بيت مالها من السعة أو العسرة وهو معلومٌ عندكم، هذه هي الصورة الغالبة بين المجاهدين علي الأقل في الساحة التي نحن فيها.

فأولًا: لا ريب أن الجهاد يتعين على المسلمين في أموالهم كما يتعين عليهم في أنفسهم، والحاجة تدعو إلى هذا كما تدعو إلى ذاك، بل كثيرًا ما تكون الحاجة إلى الأموال أشد من الحاجة إلى الرجال، وقد أمر المسلمون بهما مقترنين في كتاب الله تعالى مرارًا، وقدم الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس في كل الآيات إلا واحدة، كما قال تعالى: ﴿ٱنفِرُواْ خِفَافٗا وَثِقَالٗا وَجَٰهِدُواْ بِأَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ﴾ [التوبة: 41]، قال الواحدي: «وهذا يدل على أن الموسر يجب عليه الجهاد بالمال إذا عجز عن الجهاد بالبدن لزمانة أو علة، فوجوب الجهاد بالمال كوجوبه بالبدن على الكفاية»٣٬٦٦٣التفسير المحيط: (2 / 500)..

وقال ﷻ: ﴿لَا يَسۡتَـٔۡذِنُكَ ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ أَن يُجَٰهِدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلۡمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: 44]، وقال ﷻ: ﴿إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ثُمَّ لَمۡ يَرۡتَابُواْ وَجَٰهَدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلصَّٰدِقُونَ﴾ [الحجرات: 15].

وقال النبي ﷺ: (جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم)٣٬٦٦٤رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، والدارمي [٢٤٧٥]، والحاكم، [وسبق في: (ص 689)].، وجعل المجهز بماله أحد الغازين؛ كما قال النبي ﷺ: (من جهز غازيًا في سبيل الله فقد غزا، ومن خلف غازيًا في سبيل الله بخير فقذ غزا)٣٬٦٦٥متفق عليه، [البخاري: (٢٨٤٣)، ومسلم: (١٨٩٥)]..

ص 2929

وقد اشترط العلماء لوجوب الجهاد الاستطاعة المالية كما هو في الاستطاعة البدنية، إذ جمع الله بينهما في قوله: ﴿لَّيۡسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ وَلَا عَلَى ٱلۡمَرۡضَىٰ وَلَا عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِۦۚ مَا عَلَى ٱلۡمُحۡسِنِينَ مِن سَبِيلٖۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٩١ وَلَا عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوۡكَ لِتَحۡمِلَهُمۡ قُلۡتَ لَآ أَجِدُ مَآ أَحۡمِلُكُمۡ عَلَيۡهِ تَوَلَّواْ وَّأَعۡيُنُهُمۡ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمۡعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ﴾ [التوبة: 91-92]؛ ولهذا فإن الجهاد بالمال قد يجب ويتعين على المرأة والصبي وإن لم يجب عليهما بأنفسهما، كما ذكر ذلك غير واحد من العلماء.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «والعاجز عن الجهاد بنفسه يجب عليه الجهاد بماله في أصح قولي العلماء وهو إحدى الروايتين عن أحمد؛ فإن الله أمر بالجهاد بالمال والنفس في غير موضع من القرآن وقد قال الله تعالى: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُمۡ﴾ [التغابن: 16]، وقال النبي ﷺ: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم)، أخرجاه في الصحيحين، فمن عجز عن الجهاد بالبدن لم يسقط عنه الجهاد بالمال كما أن من عجز عن الجهاد بالمال لم يسقط عنه الجهاد بالبدن»٣٬٦٦٦مجموع الفتاوى: (28 / 87)، [والحديث تقدم في (ص 520)]..

وقال أيضًا: «ومن عجز عن الجهاد ببدنه وقدر على الجهاد بماله وجب الجهاد بماله وهو نص أحمد في رواية أبي الحكم وهو الذي قطع به القاضي في «أحكام القرآن» في سورة براءة عند قوله تعالى: ﴿ٱنفِرُواْ خِفَافٗا وَثِقَالٗا﴾ [التوبة: 41]؛ فيجب على الموسرين النفقة في سبيل الله، وعلى هذا فيجب على النساء الجهاد في أموالهن إن كان فيها فضل وكذلك في أموال الصغار إذا احتيج إليها كما تجب النفقات والزكاة، وينبغي أن يكون محل الرِّوايتين في واجب الكفاية، فأما إذا هجم العدوّ فلا يبقى للخلاف وجهٌ فإن دفع ضررهم عن الدين والنفس والحرمة واجبٌ إجماعًا»٣٬٦٦٧الاختيارات الفقهية: (607)..

وليُراجع ما كتبه بعد هذا الكلام فإن فيه فوائدًا جمة ونكتًا بديعة وفقهَ بصيرٍ يحتاج المجاهد إلى مثله.

ص 2930

وقوله: «فأما إذا هجم العدو... إلخ»؛ يدل على أن وجوب الجهاد بالمال عند مداهمة العدو بلاد المسلمين محلُّ اتفاقٍ دفعًا لضررهم وكفًّا لشرهم، وهو فرع الإجماع على تعيُّن الجهاد في مثل هذا المواطن، ويسميه بعض العلماء بالنفير العام، والأمر في هذا جليٌّ؛ فإن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجبٌ، ولعل محل هذا أيضًا فيما لو كان بيت المال مُنعدمًا أو خاليًا أو لا يفي بحاجة الجهاد، وهذا لا يمنع وجوب تجهيز المسلم الغني نفسه للجهاد، كما قال الإمام السرخسي رحمه الله بعد كلامٍ سابقٍ له: «أما إذا كان في بيت المال فذلك المال في يد الإمام مُعدٌّ لمثل هذه الحاجة فعليه أن يصرفه إليها، ولا يحل له أن يأخذ من المسلمين شيئًا لاستغنائه عن ذلك بما في يده، وكذلك إن كان الغازي صاحب مالٍ فلا حاجة به إلى الأخذ من غيره، وتمام الجهاد بالمال والنفس؛ ولأنّه لو أخذ من غيره مالًا فعمله في الصورة كعمل من يعمل بالأجرة فلا يكون ذلك لله تعالى خالصًا»٣٬٦٦٨المبسوط: (10 / 75)..

وقال الإمام القرطبي رحمه الله في تعيين إنفاق المال لجهة الحاجة -ومنها الجهاد- عند تعيِّنها: «واتفق العلماء على أنه إذا نزلت بالمسلمين حاجة بعد أداء الزكاة فإنه يجب صرف المال اليها، قال مالك رحمه الله: «يجب على الناس فداء أسراهم وإن استغرق ذلك أموالهم»، وهذا إجماعٌ أيضًا»٣٬٦٦٩تفسير: (2 / 242)..

وقال ابن القيم في الفوائد المستنبطة من غزوة تبوك: ««وجوب الجهاد بالمال كما يجب بالنفس، وهذا إحدى الروايتين عن أحمد، وهي الصواب الذي لا ريب فيه، فإن الأمر بالجهاد بالمال شقيق الأمر بالجهاد بالنفس في القرآن، وقرينة، بل جاء مقدمًا على الجهاد بالنفس في كل موضعٍ إلا موضعًا واحدًا، وهذا يدل على أن الجهاد به أهم وآكد من الجهاد بالنفس، ولا ريب أنه أحد الجهادين، كما قال النبي ﷺ: (من جهز غازيًا فقد غزا)، فيجب على القادر عليه كما يجب على القادر بالبدن، ولا يتم الجهاد بالبدن إلا ببذله، ولا ينتصر إلا بالعَدَد والعُدَد، فإن لم يقدر أن يكثر العدد وجب عليه أن يمدّ بالمال والعدّة، وإذا وجب الحجّ بالمال على العاجز بالبدن فوجوب الجهاد بالمال أولى وأحرى»٣٬٦٧٠زاد المعاد: (3 / 488)، [والحديث صحيح، تقدم في: (ص 2928)]..

ثانيًا: إذا ثبت أن الجهاد يتعين بالمال كما يتعين بالنفس، وأنه عند الحاجة إليه وخلوِّ بيت مال المسلمين مما يكفي لإقامته -خاصةً عند تعين الجهاد- يُلزَمُ أغنياء المسلمين وموسروهم بالإنفاق حتى تُسد الحاجات.

ص 2931

يبقى السؤال: ما هو القدر من المال الذي يجب على المسلم أن ينفقه في الجهاد حتى تبرأ ذمته ويسمى به مجاهدًا بماله، وأيضًا ما هو القدر الذي يحرم عليه ادّخاره؟

وذلك أن الجهاد المالي في مثل هذه الحال؛ هو واجب على مجموع الأمة، كما هو الحال في الجهاد بالنفس، فإذا قصَّر بعضهم عن النفقة وفرّطوا في القيام بأدنى ما يجب عليهم منها استمرت حاجة الجهاد إلى المال وبقيت المطالبة قائمةٌ؛ فهل يكون تقصير البعض فيما تعيّن في حقهم من النفقة سببًا في تضعيف المطالبة على مَن بذل من ماله ما كان يلزمه ابتداءً ضمن مجموع الأمة؟ فيكون المقصّر آثمًا بتقصيره والمنفق مطالبًا بزيادة نفقته وتكميل ما شحَّ عنه الآخرون؟ أم أن الواجب في حقّه آنذاك أن يجهَّز نفسه لزومًا ومن سواه تطوعًا وتفضلًا، مع أن هذا قد لا يؤدي تمام الغرض ولا يقود إلى كمال المقصود وهو إقامة الجهاد على الوجه الذي يدفع به ضرر العدو ويحفظ دين المسلمين ودنياهم.

قال الإمام القرطبي رحمه الله: «فإن قيل: كيف يصنع الواحد إذا قصّر الجميع... قيل له: يعمد إلى أسيرٍ واحدٍ فيفديه، فإنه إذا فدى الواحد فقد أدى في الواحد أكثر مما كان يلزمه في الجماعة، فإن الأغنياء لو اقتسموا فداء الأسارى ما أدى كل واحدٍ منهم إلا أقل من درهم، ويغزو بنفسه إن قدر وإلا جهز غازيًا، قال ﷺ: (من جهز غازيًا فقذ غزا، ومن خلفه في أهله بخير فقذ غزا)، أخرجه الصَّحيح، وذلك لأن مكانه لا يغني وماله لا يكفي»٣٬٦٧١تفسير القرطبي: (8 / 152)، [والحديث تقدم في: (ص 2928)].، وذكر ابن العربي مثله وهو سابق له.

ص 2932

فعلَّق براءة ذمته هنا على فدائه لأسيرٍ من أسرى المسلمين لا على قدر المال الْمُنفق، وفي هذا تحصيل شيءٍ جزئيٍّ من مقاصد الجهاد، وزادوا أن عليه أن يجاهد بنفسه، ومقصوده -والله أعلم- أن يجهّز نفسه بحاجيات الجهاد ثم يغزو؛ فيكون المتعين عليه هو تجهيز نفسه؛ لأنهم قالوا بعدها: «وإلا جهز غازيًا»؛ أي إن لم يكن قادرًا على الجهاد بنفسه لزمه تجهيز غازٍ؛ فكأن مفهومه أنه حين قدرته على الجهاد بنفسه وماله لا يجب عليه تجهيز غيره، وعلل ذلك بما ذكره في آخر كلامه من أن مكانه لا يغني؛ أي في مباشرة الجهاد بنفسه فلا يحصل به كفردٍ غناءً ونكايةً، وماله لا يكفي ليعمَّ الجميع به، والموضع موضع تأمل، والله أعلم.

ثالثًا: ومعنى الجهاد بالمال هو أن ينفق المجاهد على تجهيز نفسه فيما يحتاجه لجهاده، أو يدفع ما يُشترى به ما يحتاجه الجهاد من سلاحٍ وعتادٍ ومركوبٍ ولباسٍ وغيرها، أو أن يجهز غازيًا؛ أي يهيئ له ما يتم به جهاده، كما قال القاسمي رحمه الله: «قال الحاكم: الجهاد بالمال ضروب: منها إنفاقه على نفسه في السير في الجهاد، ومنها صرف ذلك إلى الآلات التي يستعان بها على الجهاد، ومنها صرفه إلى من ينوب عنه أو يخرج معه»٣٬٦٧٢محاسن التأويل: (5 / 422)..

وقال أبو بكر الجصاص رحمه الله: «والجهاد بالمال يكون على وجهين: أحدهما: إنفاق المال في إعداد الكراع والسلاح والآلة والراحلة والزّاد وما جرى مجراه مما يحتاج إليه لنفسه، والثاني: إنفاق المال على غيره مما يُجاهد ومعونته بالزّاد والغدة ونحوها»٣٬٦٧٣أحكام القرآن: (4/ 318)..

ص 2933

وقد ذكر شيخ الإسلام رحمه الله أن الوعيد لاحق بمن يكنز أمواله ولا ينفق منها على الجهاد عند الحاجة إليها، ومعلوم أن الوعيد لا يلحق إلا التارك للواجب أو المرتكب للمحرَّم، وعليه فيكون كنز المال مع حاجة الجهاد إليه محرمًا، قال رحمه الله: «فإن الله فرض على المسلمين الجهاد بالأموال والأنفاس، والجهاد واجب على كل مسلمٍ قادرٍ، ومن لم يقدر أن يجاهد بنفسه فعليه أن يجاهد بماله إن كان له مال يتسع لذلك، فإن الله فرض الجهاد بالأموال والأنفس، ومن كنز الأموال عند الحاجة إلى إنفاقها في الجهاد، من الملوك أو الأمراء أو الشيوخ أو العلماء أو التجار أو الصُّناع أو الجند أو غيرهم، فهو داخل في قوله سبحانه: ﴿۞يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلۡأَحۡبَارِ وَٱلرُّهۡبَانِ لَيَأۡكُلُونَ أَمۡوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡبَٰطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۗ وَٱلَّذِينَ يَكۡنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلۡفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرۡهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٖ ٣٤ يَوۡمَ يُحۡمَىٰ عَلَيۡهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكۡوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمۡ وَجُنُوبُهُمۡ وَظُهُورُهُمۡۖ هَٰذَا مَا كَنَزۡتُمۡ لِأَنفُسِكُمۡ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمۡ تَكۡنِزُونَ﴾ [التوبة: 34-35]، خصوصًا إن كانت الأموال من أموال بيت المال، أو أموال أُخذت بالربا ونحوه، أو لم تؤدَّ زكاتها ولم تُخرج حقوق الله منها»٣٬٦٧٤جامع المسائل: (5 / 298)..

فظاهر قوله: «ومن كنز الأموال عند الحاجة... إلخ»؛ أن ما يُحتاجُ إليه من المال للجهاد؛ فلا يجوز كنزه، وأن من له مال يسع جهاده ونفقة من يعول؛ يجب عليه أن يجاهد به، إذ لو مُنع من كنزه لإعانة غيره على الجهاد فهو في حقِّ نفسه أولى إن لم يكن من أهل الأعذار، فالمرء قد يتعين عليه الجهاد بنفسه وماله معًا، وقد يتعين عليه بأحدهما بحسب الحال.

قال أبو بكر الجصاص الحنفي رحمه الله: «فأوجب فرض الجهاد بالمال والنفس جميعًا، فمن كان له مال وهو مريض أو مقعد أو ضعيف لا يصلح للقتال فعليه الجهاد بماله بأن يعطيه غيره فيغزو به كما أن من له قوة وجلد وأمكنه الجهاد بنفسه كان عليه الجهاد بنفسه، وإن لم يكن ذا مالٍ ويسارٍ بعد أن يجد ما يبلغه، ومن قوي على القتال وله مال فعليه الجهاد بالنفس والمال ومن كان عاجزًا بنفسه مُعدمًا فعليه الجهاد بالنصح لله ولرسوله»٣٬٦٧٥أحكام القرآن: (4 / 16)، وقد نقل نحو هذا الكلام ابن الجوزي عن القاضي أبي يعلى الحنبلي فليُراجع في زاد المسير: (2 /263)..

فتحصّل من مجموع ما ذكر أن الجهاد بالمال قرين الجهاد بالنفس بل هو مقدَّم عليه ذكرًا وحاجةً، ولا يتم الثاني إلا بوجود الأول، وأنه قد يتعين على العاجز عن الجهاد بنفسه بل على من لا يجب عليه الجهاد بالنفس أصلًا كالنساء والصبيان، وأن المرء يجب عليه الجهاد بماله كما يجب عليه الجهاد بنفسه، ومعنى الجهاد بالمال في حقه أن يجهز نفسه بما يحتاجه في جهاده، أو يجهز غيره كأن يجعله لشخصٍ معينٍ، أو أن يشتري بأمواله عتادًا وسلاحًا ومركوبًا ونحو ذلك مما يحتاجه الجهاد والمجاهدون، وأنه عند حاجة الجهاد للمال؛ فيحرُم كنزه حتى تسدّ تلك الحاجة، ويبقى ما هو حدُّ ما يجب نفقته من المال حتى تسقط التبعة ولا يطالب بغيره وذلك في حقِّ الشخص الواحد، كذلك ما هو القدر الذي يجوز للمرء أن يكنزه وليس له أن يزيد عليه؟ وهل تقصير الناس في واجب جهاد المال يضاعف الطلب في حقِّ غيرهم من الْمُنفقين فيه؟

ص 2934

فالذي يفهم من كلام الأئمة سابقًا -وبالأخص ابن تيمية رحمه الله– أن الأمر معلَّق ببقاء حاجة الجهاد إلى المال، فحيثما كانت الحاجة قائمة والسلعة موجودة وجب الإنفاق وحرم الاكتناز.

ومعلوم أن حاجة الجهاد للمال -خاصةً في هذا الزمان- لا تنقطع ولا تكاد تقف عند حدٍّ؛ لكثرة جبهاته وتنوِّع صوره وطول معاركه، ولعدم وجود دولةٍ إسلاميةٍ ببيت مالها الذي يسدُّ مطالبه ويُغني القائمين عليه، ووجوب الإنفاق المتعين يعم سائر المسلمين القادرين وليس مقصورًا على المجاهدين في ساحات الجهاد بل هم محلُّ تلك النفقة كما جعل الله لهم سهمًا في الزكاة.

وحاجة الجهاد التي تدعو إلى إنفاق المال لسدها يقدِّرها المختصون -والله أعلم- والذي كان من قبل موكولًا إلى الأئمة القائمين بالأمر، وأما اليوم فيعسر تقديره لتعدد جبهات القتال، وكثرة الجماعات القائمة به، وعدم انقطاع حاجته بغزوة أو غزوتين، بل حاجته لم تزل مستمرة باقية لا تنقطع، فإن سدّت في جهةٍ لم تُغن عن جهةٍ أخرى، هذا مع تعدد أبواب احتياجه، فلم يعد مقصورًا على شراء السلاح وتوفير المركوب وآلات حفر الخندق وغيرها، فهي من المسائل المحيَّرة حقًا، والتي يعسر القطع فيها بقولٍ، لا سيما وأن حال المجاهدين اليوم في أغلب الساحات ليس على صورة جيشٍ محددٍ عدده، معلوم وجهته، مقدَّرٍ وقتُ ذهابه وإيابه، وإنما معاركهم لا تنقطع إذا ما نُظر إليها على العموم والإجمال، وساحات جهادهم هي مواطن سكناهم في الغالب، والمخاطر تحدق بهم وبأهليهم من كل جانب.

ومن لم يكن في ساحة قتالٍ بسلاحه فهو في محل إمدادٍ لإخوانه والخطر شامل لهم جميعًا، هذا مع ما يتوقع من انقطاع بعض الأسر بعد مقتل عائلها أو أسره عن الجهات التي كانت تمدها وتعينها إما لبعدٍ أو خوفٍ أو نسيانٍ أو تبدل حالٍ، وقد وقع هذا كثيرًا، وحصل أن بقيت بعض أسر المجاهدين الأسرى أو الشهداء في حالة لا يحسُن ذكرها مع أنها بين أهلها وأقاربها، ولكن لخلوِّ وِفاضها وشدة حاجتها وظهور فاقتها نالها أذى الأقربين، ولو كانت مكفيةً مستغنيةً لما مسها السوء.

فإلزام المجاهد في مثل هذه الحال بأن يُنفق جميع ماله ومنعه من ادِّخار شيء لأهله وأولاده -مع قوة احتمال تعرضهم للخطر أو انقطاع النفقة- فيه تعسيرٌ شديدٌ وتعنيتٌ لا يخفى! بل قد يكون ذلك مدعاةٌ لتخلي الكثير عن الجهاد وتركهم لساحاته خشية أن يخلِّفوا أبناءهم وأسرهم فقراء عالةً يتكففون الناس، ودفع مثل هذه المفسدة -أعني إلجاء المجاهدين لترك الجهاد- محتَّمٌ، إذ أن من الادِّخار أو كنز بعض المال يؤدي إلى إخلاء ساحة الجهاد، أو عدم قيام المجاهد بواجبه على الوجه الأفضل حذرًا من الموت وتلافيًا لأمور يخشاها على أسرته، وما نفعُ مجاهدٍ يحذر الموت؟! فالادِّخار في مثل هذه الحال وإن كان مفسدةً، إلا أن منعه قد يؤدي إلى مفسدةٍ أكبر، فتُتَحمل تلك لدفع هذه جريًا على قاعدة الشرع، وقد راعى العلماء مثل هذا الأمر في بعض مسائل الجهاد، كما قالوا: إن ما يأخذه المجاهد من بيت المالِ يستمر لأسرته إن قتل؛ تحريضًا له على الجهاد ومنعًا من النكول عنه إذا علم أن أسرته تستغني بعد موته كما كانت مستغنية في حياته، وهذا ملحظٌ مهمٌ.

قال العلامة بدر الدين بن جماعة الشافعي: «إذا مات بعض المرتزقة من الأجناد استمرَّ عطاؤه على بناته وزوجاته إلى أن يتزوجن ما يكفيهن وعلى صغار أولاده الذّكور إلى أن يبلغوا ويستقلوا بالكسب أو يرغبوا في أهليّة الجهاد، وعلى الأعمى والزمن منهم أبدًا قدر الكفاية؛ كل ذلك لترغيب أهل الجهاد، وتوفير خواطرهم عليه، وتطبيب قلوبهم على عيالهم بعدهم. وإذا مات المرتزق في أثناء الحول صرف إلى ورثته ما يخصّه من السّنة من عطاء، وإن مات بعد الحول صرف حقه في السنة إلى ورثته»٣٬٦٧٦تحرير الأحكام: (125)..

فالتعليل الذي ذكره في إعطاء بناته وزوجاته وأولاده؛ يُشعِر بأنهم لم يستحقوا ما أخذوا من العطاء إلا لأجل الترغيب في الجهاد والتحريض عليه وتسكين نفوس المجاهدين بالاطمئنان على حال من يخلِّفون، وعلى هذا القول يعطون ولو كانوا أغنياء كما قال الماوردي «وإذا قيل: إنَّهم يعطون قدر الكفاية فسواءً كانوا أغنياء ذوي كفايةٍ أو فقراء ذوي حاجة»٣٬٦٧٧الحاوي الكبير: (8 / 450)..

ص 2935

أما إذا نُظِر فقط إلى قيام الصفة التي يُستحق بها العطاء «وهي اتصافهم بالجهاد» فهي ليست موجودةً في حقهم، وإنما كانوا يأخذون ما يأخذون تبعًا للمرتزق، ولهذا منع بعض العلماء من إجراء الراتب لهم بعد موت المجاهد أو عجزه عن القيام بالجهاد لزمانة أو مرضٍ وهؤلاء أمرُّوا الأمر على ظاهره من غير مراعاة لما ذكره المجوِّزون من التعليل كما قال الإمام الماوردي رحمه الله: «واختلف الفقهاء في استبقاء نفقات ذريته من عطائه في ديوان الجيش على قولين: أحدهما: أنه قد سقطت نفقتهم من ديوان الجيش لذهاب مستحقه، ويحالون على مال العشر والصدقة. والقول الثاني: أنه يستبقي من عطائه نفقات ذريته ترغيبًا له في المقام، وبعثًا له على الإقدام.

واختلف الفقهاء في سقوط عطائه إذا حدثت به زمانة على قولين: أحدهما: يسقط؛ لأنه في مقابلة عمل قد عُدم. والقول الثاني: أنه باقٍ على العطاء ترغيبًا في التجند والارتزاق»٣٬٦٧٨الأحكام السلطانية: (306)..

وهذا الكلام الذي ذكره هؤلاء العلماء هو في حقِّ من له راتب مقرر ثابت من بيت المال يكفيه ومن يعول، أما حال المجاهدين اليوم فهو مختلف تمامًا عن هذا، إذ ما يأخذونه من كفالاتٍ أكثر مصادرها تبرعات المحسنين وصدقات المصَّدِّقين، وقليلٌ منه يكون مكتسبًا من فيء أو غنيمة، فليس هناك بيت مال للمسلمين تُجمع فيه الأموال من مصادرها المعلومة الثابتة، وحال المجاهدين اليوم ليس على الصفة التي كان عليها حال من لهم دولة وديوان وأرزاق، وإنما أغلبهم متطوّعون بأداء واجب الجهاد؛ بمعنى أن أحدهم يأتي إلى الجهاد متى شاء ويترك ساحته متى شاء، وليس الحديث هنا عن إثمه من عدمه، وإنما حكاية الحال وتوصيف الواقع هو ذا.

ص 2936

فالفرق بين هذه الحال وبين من كان ضمن جيش دولة الإسلام الذين لهم راتبهم وتجري عليهم أرزاقهم في وقتٍ معلوم، وقدرٍ معلوم، وموردٍ معلوم، ومن عاش في ساحات الجهاد وعلم حال المجاهدين وما يمرون به بين الحين والحين من الضائقة والعسرة سواء في نفقاتهم الخاصة أو في حاجات جهادهم؛ أدرك يقينًا أن صفة الجهاد اليوم وكيفيته من هذه الجهة تختلف تمامًا عما قرره كثيرٌ من الفقهاء في كتب الفقه والسياسة الشرعية؛ وعليه فلا بد من مراعاة هذا الجانب واعتباره في تطبيق ما قالوا على الحال اليوم.

فالذي يظهر لي -والله تعالى أعلم- أنه ليس ثمة حدٌّ معينٌ لا يجوز للمرء المجاهد بنفسه أن يبلغه في كنزه للمال وادِّخاره له إذا أدى ما تعين في ماله من النفقات والزكوات؛ لأن مثل هذا التحديد يحتاج إلى دليل من الشرع، وإنما مردُّ الأمر إلى المعروف، ويحكَّم فيه العرف، بحيث يكون الحال متوسطًا بلا سرفٍ ولا تقتير، ولا بخلٍ ولا تبذير، وإنما الأمر بين، بين، وأحوال الناس في هذا تختلف وتتفاوت، ولا بد من مراعاة ذلك، وهو ميزانٌ جاءت الإشارة إليه في الشرع، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجۡعَلۡ يَدَكَ مَغۡلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبۡسُطۡهَا كُلَّ ٱلۡبَسۡطِ فَتَقۡعُدَ مَلُومٗا مَّحۡسُورًا﴾ [الإسراء: 29]، وقال ﷻ: ﴿وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمۡ يُسۡرِفُواْ وَلَمۡ يَقۡتُرُواْ وَكَانَ بَيۡنَ ذَٰلِكَ قَوَامٗا﴾ [الفرقان: 67].

قال الشنقيطي رحمه الله: «والظاهر أن التوسط في الإنفاق الذي مدحهم به شاملٌ لإنفاقهم على أهليهم، وإنفاقهم المال في أوجه الخير»٣٬٦٧٩أضواء البيان: (6 / 76)..

ولقد كان الشارع يكِل أمر تقدير النفقة في الجهاد وغيره إلى صاحب المال مع الحثِّ والتحريض والتحضيض، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: «أمرنا رسول الله ﷺ يومًا أن نتصدق، فوافق ذلك مالًا عندي، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يومًا، فجئت بنصفِ مالي، فقال رسول الله ﷺ: (ما أبقيت لأهلك؟)، قلت: مثله، قال: وأتى أبو بكر رضي الله عنه بكل ما عنده، فقال له رسول الله ﷺ: (ما أبقيت لأهلك؟)، قال: أبقيت لهم الله ورسوله، قلت: لا أسابقك إلى شيءٍ أبدًا»٣٬٦٨٠رواه أبو داود [١٦٧٨]، والترمذي [(٣٦٧٥) وقال: «حسن صحيح»]، والحاكم [١٥١٠]، والبيهقي [٧٧٧٤]، [وحسنه الألباني].، وبوَّب عليه البيهقي بقوله: «باب ما يُستدل به على أن قوله ﷺ: (خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى)، وقوله حين سُئل عن أفضل الصّدقة: (جهدٌ من مُقِلٍّ)، إنما يختلف باختلاف أحوال الناس في الصبر على الشدة والفاقة والاكتفاء بأقل الكفاية».

ص 2937

وفي غزوة تبوك كان الجهاد متعينًا لاستنفار النبي ﷺ مَن بالمدينة، وكانت الحاجة إلى المال شديدة، ولم يكن عنده ﷺ ما يكفي لتجهيز كل من أراد الخروج مع حرصهم على ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَلَا عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوۡكَ لِتَحۡمِلَهُمۡ قُلۡتَ لَآ أَجِدُ مَآ أَحۡمِلُكُمۡ عَلَيۡهِ تَوَلَّواْ وَّأَعۡيُنُهُمۡ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمۡعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ﴾ [التوبة: 92].

ومع ذلك لم يرد أن النبي ﷺ أمر أغنياء الصحابة بأن يُخرجوا للجهاد جميع أموالهم إلا ما يكفي لنفقة أهليهم، وإنما كان يحضهم ويحرضهم ويرغبهم ويقول: (من يجهز جيش العسرة؟)٣٬٦٨١[رواه النسائي: (٣٦٠٦)، وصححه الألباني].، ثم يفوِّض قدر ما يُخرج إليهم، ولهذا فإن عثمان رضي الله عنه -وهو من أغنياء الصحابة- قد جهز جيش العسرة وأنفق عليه، ولم يسأله النبي ﷺ كم أبقى، ولا ألزمه بتجهيز البكَّائين، وهكذا بقية الصحابة؛ عن عبد الرحمن بن سمرة، قال: جاء عثمان إلى النبي ﷺ بألف دينار حين جهز جيش العسرة فنثرها في حِجره، قال عبد الرحمن: فرأيت النبي ﷺ يقلبها في حِجرِه ويقول: (ما ضرَّ عثمان ما عمل بعد اليوم مرتين)٣٬٦٨٢رواه الترمذي [(٣٧٠١)، وقال: «حديث حسن غريب»، وحسنه الألباني]..

وهذا مع إلحاح الحاجة لا سيما في غزوة تبوك التي كان النبي ﷺ قاصدًا فيها غزو الروم، واستقبل فيها سفرًا بعيدًا، فاجتمع فيها ثلاثة أمور:

الأول: تعيُّن الجهاد لاستنفار النبي ﷺ الصحابة، ولهذا عوقب الثلاثة الذين خُلّفوا؛ بهجرانهم، لقدرتهم على النفير وانتفاء العذر في حقّهم.

الثاني: وجود الصحابة القادرين على الجهاد بأنفسهم، والعاجزين عنه بأموالهم، هذا مع حرصهم الشديد على مرافقة النبي ﷺ، كما قصَّ الله ﷻ شأنهم في سورة «براءة»؛ وهذا يعني وجود الحاجة إلى المال في هذه الغزوة ليتمكن هؤلاء من النفير والخروج، وكما قال النبي ﷺ لبعض الأشعريين لما جاءوه ليحملهم: (والله لا أحملكم، وما عندي ما أحملكم عليه)٣٬٦٨٣متفق عليه، [البخاري: (٦٦٢٣)، ومسلم: (١٦٤٩)]..

ص 2938

الثالث: وجود مال فائض عند بعض الصحابة رضي الله عنهم، مما يمكن أن يُجهَّز به بعض الفقراء، ومع ذلك لم يلزمهم النبي ﷺ بإخراج جميع ما عندهم، ولم يحرِّج عليهم في إبقاء ما شاؤوا، وإنما كان يحض على النفقة، ويدعو للمطّوعين، ويثني على الْمُنفقين، وجعل أمر تقدير ما يخرج إلى صاحب المال.

ولكن ما يُنبه عليه أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا في الغالب يجهزون أنفسهم للقتال، كما قال النبي ﷺ لكعب بن مالك لما تخلف عن الغزوة: (ما خلفك، ألم تكن قد ابتعت ظهرك)٣٬٦٨٤متفق عليه، [البخاري: (٤٤١٨)، ومسلم: (٢٧٦٩)].، فيجمع بين تجهيز نفسه إن كان قادرًا، وبين تجهيز غيره من المسلمين بما يشاء ويقدر.

قال العلامة رشيد رضا رحمه الله: «كان المسلمون في الصَّدر الأول ينفق كلٌّ على نفسه في القتال، ومن كان عنده فضل من المال بذل منه في تجهيز غيره كما فعل عثمان رضي الله عنه في تجهيز جيش العسرة في هذه الغزوة، وكما فعل غيره من أغنياء الصّحابة رضي الله عنهم، وهكذا يفعل أهل نجدٍ الآن، ولما صار بيت المال غنيًا بكثرة الغنائم صار الأئمّة والسّلاطين يجهزون الجيش من بيت المال»٣٬٦٨٥تفسير المنار: (10 / 399)..

ولا أحسب أن أحدًا من العاجزين عن الجهاد بأنفسهم يشح بماله عند سعته وقدرته ويمنعه من احتاج إليه من الغزاة القادرين بأبدانهم، بل كانوا يبذلونه بالسماحة وطيب النفس.

عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن فتى مِن أسلم قال: «يا رسول الله، إني أريد الغزو وليس معي ما أتجهَّزُ، قال: (ائتِ فلانًا، فإنه قد كان تجهَّز، فمرض)، فأتاهُ، فقال: إن رسول الله ﷺ يقرئك السلام، ويقول: أعطني الذي تجهَّزت به، قال: يا فلانة، أعطيه الذي تجهَّزت به، ولا تحبسي عنه شيئًا، فوالله لا تحبسي منه شيئًا، فيبارك لك فيه»٣٬٦٨٦رواه مسلم [١٨٩٤]..

ونفقات الجهاد اليوم جُلُّها -كما ذكرنا- قائمة على صدقات المطِّوعين والمحسنين، وليس له بيت مالٍ بالمعنى المعروف قديمًا، بحيث يكون محدد الموارد، وإنما هي أموال تنفق لأجل الجهاد ولوازمه، والله تعالى أعلم.

❖ ❖ ❖

ص 2939

📚
نهاية هذا المبحث

لقد أتممت قراءة كتاب:

يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.

تحميل الكتاب مفردًا