فتوى حول مسجد الضرار واستهداف الضباط فيه
[محرم 1431 هـ / 1 - 2010م]
۞
السؤال: كما تعلمون -وفقكم الله- فإن الحرب بين المجاهدين والحكومة الباكستانية المرتدة وبدعم مباشر ومستمر من أمريكا على أشدها، مستخدمين في ذلك كل ما يملكونه من الأسلحة المدمرة المتطورة التي دمروا بها المدارس الدينية، والمساجد، والبيوت، وقتلوا ما لا يحصى من عوام المسلمين من النساء والأطفال والشيوخ، وكل ذلك يشهد به القريب والبعيد ويعلمه الصديق والعدو بحيث أصبح محاولة إنكاره ضربًا من المكابرة.
وفي المقابل فإن إمكانات المجاهدين ووسائلهم محدودة ومتواضعة مقارنة بما عند عدوهم، وقتال جنود المرتدين في ساحات القتال التي يحتلونها ويقتحمونها فقط لا يكفي ولا يؤدي الغرض من ردعهم، وهذا يستدعي قصد قياداتهم ورؤسائهم، واقتحام حصونهم التي يديرون منها معركتهم ويدبرون شؤون حربهم، ومن العسير الوصول إلى تلك القيادات مجتمعة في مكانٍ واحدٍ وذلك لشدة تحصنهم، فبعد ترصد المجاهدين مرات عديدة، وتمكنهم من الدخول لأهم مناطقهم العسكرية؛ اكتشفوا أن كثيرًا من القادة الكبار الذين يقومون مباشرةً بإدارة المعركة وتدبير شؤونها ومتابعتها يجتمعون لصلاة الجمعة في مسجدٍ من مساجدهم الخاصة بهم في منطقتهم العسكرية المحصّنة؛ فما ترون في تفجير هذا المسجد وقتل مَن فيه لكف شرهم عن المسلمين وإضعاف العدو بقتل أكبر قادته مع العلم أنه:
أولًا: أن المسجد المذكور يوجد داخل منطقة عسكرية مغلقة شديدة الحراسة بحيث لا يدخلها إلا أناسٌ معينونٌ لهم علاقة مباشرة بالعمل العسكري؟
ثانيًا: بعد الترصد رأينا أن هناك عددًا كبيرًا من الضباط الكبار يكونون في هذا المسجد، وكل من يكون معهم إنما هم من حراسهم ومن له ارتباطٌ مباشرٌ بأعمالهم؟
ثالثًا: ومن الناحية العسكرية فإن مقتل أمثال هؤلاء القادة سيؤدي إلى إضعاف العدو إلى حدّ كبيرٍ وإرباكه وإحداث فراغٍ هائلٍ في محل قيادته؟
فأفتونا مأجورين إن شاء الله تعالى..
❖ ❖ ❖
الجواب: الحمد لله الموفق للصواب.
ما دام الحال على ما جاء في السؤال السائل؛ فإنه لا بأس باستهداف مَن في المسجد الموصوف بما ذُكرِ ولو بتدميره عليهم، وليس لهذا المسجد ولا لِمَن فيه من المحاربين حرمةٌ تمنع من قتلهم وتستدعي الكفّ عنهم، وذلك للأدلة الآتية:
الأول: أما المسجد فإن النبي ﷺ قد أمر أصحابه رضي الله عنهم بتحريق مسجد الضرار الذي جاء ذكره في كتاب الله بقوله ﷻ: ﴿وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مَسۡجِدٗا ضِرَارٗا وَكُفۡرٗا وَتَفۡرِيقَۢا بَيۡنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَإِرۡصَادٗا لِّمَنۡ حَارَبَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ مِن قَبۡلُۚ وَلَيَحۡلِفُنَّ إِنۡ أَرَدۡنَآ إِلَّا ٱلۡحُسۡنَىٰۖ وَٱللَّهُ يَشۡهَدُ إِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ ١٠٧ لَا تَقُمۡ فِيهِ أَبَدٗاۚ﴾ [التوبة: 107-108].
وقصة مسجد الضرار معروفة مشهورة في كتب التفسير والحديث والسيرة وغيرها، وملخصها: أن طائفة من المنافقين بنوا مسجدًا بأمرٍ من رجل يقال له أبو عامر الفاسق، وطلبوا من النبي ﷺ أن يصلي لهم فيه، ومقصدهم في ذلك هو ما بيَّنه القرآن في الآية المذكورة مع حلفهم بأنهم ما أرادا ببنائه إلا الحسنى، فنهى الله ﷻ نبيه ﷺ من الصلاة فيه، فأمر النبي ﷺ بتحريقه وهدمه، وقد ذكر الله ﷻ أسبابًا عدةً لاتخاذ أولئك المنافقين للمسجد منها التفريق بين المؤمنين، والإرصاد -يعني الانتظار لمجيء- من حارب الله ورسوله وهو أبو عامر الفاسق، ولا شك أن المسجد العسكري المذكور هو من مواطن الحرب لله ورسوله، وأن القائمين بوسطه هم إخوة أبي عامر الفاسق في ذلك، ولم يقتصر أمرهم على التفريق بين المؤمنين وإنما تعداه إلى تقتيلهم وتدمير بيوتهم ومساجدهم التي أسست على تقوى من الله، ومدارسهم التي يذكر فيها اسم الله كثيرًا، فأية حرمة تبقى لمسجدٍ كهذا؟ ولو كان كغيره من المساجد لِمَ خصوه بأنفسهم وتحصنوا فيه عن غيرهم؟
الثاني: وهو يتعلق بالمصلين فيه، وهم أئمة الكفر أو أعوانهم وأنصارهم وحراسهم، ورؤوس الإجرام المفسدون في الأرض، بسفك الدماء، وقتل الضعفاء، وتحريق القرى، وتدمير المساجد والمدارس، والموالاة والمناصرة لمن يحارب الله ورسوله من النصارى الأمريكان، فأمثال هؤلاء لا أمان لهم، ولا إيمان، يقتلون أينما كانوا لردتهم، ولشدة محاربتهم للدين، وعظيم فسادهم في الأرض، ولتحصنهم وتمنِّعهم وتعذر الوصول إليهم، وقد قال الله ﷻ: ﴿وَإِن نَّكَثُوٓاْ أَيۡمَٰنَهُم مِّنۢ بَعۡدِ عَهۡدِهِمۡ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمۡ فَقَٰتِلُوٓاْ أَئِمَّةَ ٱلۡكُفۡرِ إِنَّهُمۡ لَآ أَيۡمَٰنَ لَهُمۡ لَعَلَّهُمۡ يَنتَهُونَ﴾ [التوبة: 12]، وقال ﷻ: ﴿فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلۡأَشۡهُرُ ٱلۡحُرُمُ فَٱقۡتُلُواْ ٱلۡمُشۡرِكِينَ حَيۡثُ وَجَدتُّمُوهُمۡ وَخُذُوهُمۡ وَٱحۡصُرُوهُمۡ وَٱقۡعُدُواْ لَهُمۡ كُلَّ مَرۡصَدٖۚ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ﴾ [التوبة: 5].
ولهذا فإن النبي ﷺ قد أمَّن الناس يوم فتح مكة إلَّا عددًا ممن اشتدت محاربته للدين، وفيهم بعض المرتدين فإنه قال في حقهم: (اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة)، وقتل بعضهم -وهو عبد الله بن خطل- وهو متعلق بأستار الكعبة، وذلك لعظم جرمه، هذا مع شرف الكعبة -شرفها الله- وعظيم حرمتها، فعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: «لما كان يوم فتح مكة أمّن رسول الله ﷺ الناس إلا أربعة، وامرأتين، وقال: (اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة)؛ عكرمة بن أبي جهل، وعبد الله بن خطل، ومقيس بن صبابة، وعبد الله بن أبي أسرح، فأما عبد الله بن خطل، فأُدرِك وهو متعلق بأستار الكعبة، فاستبق إليه سعيد بن حريث، وعمار بن ياسر، فسبق سعيد عمارًا -وكان أشب الرجلين- فقتله»٣٬٦٨٧رواه النسائي [٤٠٦٧]، والحاكم [٢٣٢٩]، وابن أبي شيبة [٣٩٦٧٠]، وغيرهم [وصححه الألباني]..
وجاء في «تفسير روح البيان» قوله: «واستثنى عليه السلام جماعة من النساء والرجال أمر بقتلهم وإن وجدوا متعلقين بأستار الكعبة منهم ابن خطل ونحوه؛ لأن الكعبة لا تعيذ عاصيًا ولا تمنع من إقامة حدٍ واجب، وكانوا طغاةً مردة مؤذين لرسول الله عليه السلام أشد الأذى»٣٬٦٨٨تفسير روح البيان: (9 / 39)..
الثالث: أن هؤلاء مع شدة حربهم لله ولرسوله وللمؤمنين، وعظيم إفسادهم للدين والدنيا، وتشريدهم للآمنين المستضعفين وإخراجهم لهم من ديارهم، يتعذر أو يتعسر الوصول إليهم وقطع دابر شرهم، وكف صيالهم إلا بذلك، فالقيام بمثل هذه العملية -حتى على افتراض تدمير مسجدٍ له حرمته- هو دفعٌ لعدو صائل على دين الناس ودنياهم لا يمكن دفعه أو تقليل شره إلا بذلك، ومعلوم أن الشرع قد أجاز للإنسان أن يدفع عن نفسه، وأن يقتل المعتدي الصائل عليه ولو كان مسلـمًا إذا لم يندفع شره إلا بقتله، وذلك لحديث النبي ﷺ: (من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد)٣٬٦٨٩رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي وغيرهم [وسبق في: (ص 2025)]..
وقد جاء في هذا المعنى أحاديث كثيرة، ومعلومٌ أيضًا أن حرمة دم المسلم أشد وأعظم عند الله تعالى حتى من حرمة الكعبة، كما قال ابن عمر رضي الله عنهما وقد نظر إلى الكعبة: «ما أعظمك وأعظم حرمتك، والمؤمن أعظم حرمة عند الله منك»٣٬٦٩٠[رواه الترمذي: (٢٠٣٢)، وقال الألباني: «حسن صحيح»]..
ومع ذلك أباح الشرع دم المسلم الصائل المعتدي الذي لا ينكف شره إلا بقتله، حتى ولو كان اعتداؤه على مالٍ يسير كما ذكر ذلك العلماء؛ ففي «رد المحتار»: «ويجوز أن يقاتل دون ماله وإن لم يبلغ نصابًا ويقتل من يقاتله عليه»٣٬٦٩١رد المحتار: (15 / 394)..
فأية حرمة تبقى للمسجد المذكور ومَن فيه هم من المحاربين لله ولرسوله، الصائلين على الدين والدماء والأعراض والأموال، الذين استبيحت دماؤهم ابتداءً بمجرد ردتهم ومناصرتهم للكفار، فكيف وقد انضاف إليها هذه الحرب التي لم يراعوا فيها حرمة صغير ولا كبير، ولا رجل ولا امرأة، ولا مسجد، ولا مصحف، بل أهلكوا بحربهم الحرث والنسل؟!
وعليه؛ ليس هناك أي حرجٍ ولا تردد في شرعية تدمير مسجد الضرار المذكور بمن فيه؛ نصرةً للمستضعفين، وكفًا لشر المعتدين، وقطعًا لدابر المفسدين، وإعزازًا لكلمة الدين، قال ﷻ: ﴿وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ لَّهُدِّمَتۡ صَوَٰمِعُ وَبِيَعٞ وَصَلَوَٰتٞ وَمَسَٰجِدُ يُذۡكَرُ فِيهَا ٱسۡمُ ٱللَّهِ كَثِيرٗاۗ وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: 40]، والله تعالى أعلم.
وكتبه / أبو يحيى الليبي
«23 / محرم / 1431 هـ»
❖ ❖ ❖
لقد أتممت قراءة كتاب: فتوى حول مسجد الضرار واستهداف الضباط فيه
يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.
تحميل الكتاب مفردًا