لا تكن سمسار أهواء

ولذلك فإن على العلماء الصادقين العاملين -إن كانوا يريدون التغيير حقًا- أن يتمرّدوا على هذا الواقع، ويقطِّعوا حِبال شَرَكه، ويخرجوا عن سكة القاطرة التي رسمها لهم الطغاة المتجبرون المستبدون الذين يريدون منهم أن يجعلوا الجهاد عضين، فتراهم يسمحون لهم بالحديث عن جهادٍ يوافق أهواءهم ويلبي رغباتهم ويحقق مصالحهم أيامًا معدوداتٍ، حتى إذا انقضت المهمة وتحصل المقصود قلبوا لهم ظهر المجن وأولغوا فيهم المدى، وألجموا أفواههم وسفهوا فتاويهم فتصبح في عداد المنسوخات التي ترفع حكمًا وذكرًا، وفي الوقت نفسه تجدهم يحاربون جهادًا ربما كان أوضح راية وأجلى غايةً ويحاولون إلجاء أولئك العلماء ليكونوا لهم في قلب الحقائق سندًا وعضدًا؛ فينزلق معهم في هاوية الأهواء مَن لم يحصِّن نفسه بالورع والخشية لله، وبهذا أصبحت الأمة في كثيرٍ من الأحيان ليست متبعة في الحقيقة للعلم وأهله ولا متقيدة بأحكام النوازل وضوابطها، وإنما هي خاضعة لتقلبات أهواء السفهاء السفلة من الحكام الذين لا يرجون لله وقارًا وضائعة وراء شهواتهم التي يميلون بها عن الحق ميلًا عظيمًا.

وإنما سخَّروا بعض المنتسبين للعلم ليُخرجوا تلك الأهواء المرذولة العفنة في قالب العلم والفتوى فعلَ من يطلي العذرة بالمسك تطييبًا لها، ليكون العامي المسكين ضحيّة تلك الفتاوى وأسيرَها، وما كان لمتّبع هوى نفسِه أن يسلك جادَّة الحق ويسلـمَ من الانحراف والضلال، فكيف بمن استسلم لأهواء غيره من عُبَّاد الشهوات الصم البكم الذين لا يعقلون، فيجمع شرًا على شرٍّ فيصدق فيه المثل «أَحشَفًا وسوءَ كِيلة»؟

قال ﷻ: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ ٱلۡهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُمۡ عَذَابٞ شَدِيدُۢ بِمَا نَسُواْ يَوۡمَ ٱلۡحِسَابِ﴾ [ص: 26]، وقال ﷻ: ﴿فَإِن لَّمۡ يَسۡتَجِيبُواْ لَكَ فَٱعۡلَمۡ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهۡوَآءَهُمۡۚ وَمَنۡ أَضَلُّ مِمَّنِ ٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ بِغَيۡرِ هُدٗى مِّنَ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [القصص: 50].

ص 941

فيا لها من جنايةٍ عظيمة تجترح في حق الدين وأهله.

[البحر: المتقارب]

[البحر: المتقارب]

فَدَعْ عَنْكَ قِيلَ وَقَالَ فَلَنْ

تَجُرَّ عَلَى المَرْءِ غَيْرَ النَّدَمْ

وَلَا تَجْعَلِ الحَقَّ مِنْكَ عَلَى

شَفَا جُرْفٍ سَاقِطٍ مُنْهِدِمْ

تُقَسِّمُهُ بَيْنَ رَبٍّ كَرِيمٍ

وَبَيْنَ طُغَاةٍ عُتَاةٍ؛ نَعَمْ

تُدَنِّسُ إِشْرَاقَهُ بِالضَّلَالِ

وَتَهْوِي بِهِ مِنْ أَعَالِي الْقِمَمْ

فلا تركننَّ لباغٍ عتى

فتمسسك نارٌ بها مَن ظلَم

وَقُلْ قَالَ رَبِّي فَغُصُّوا بِهَا

فَمَا النُّورِ فِي شَرْعِنَا كَالظُّلَمْ

وَسِرْ ثَابِتَ الْقَلْبِ لَا تَخْشَهُمْ

وَقُلْ صَدَقَ اللهُ ثُمَّ اسْتَقِمْ١٬٦٤٩[يبدو أنه من شعر الشيخ؛ فهو يحمل نَفَس شِعره المعتاد -كما سيأتي-، ولم أقف على مَن قاله مع شدة التحري].

❖ ❖ ❖

ص 942