رسالة إلى الأخ أبي محمد الجولاني
[رجب 1433 هـ / 5 - 2012م]
۞
حمدًا وصلاةً وسلامًا على مُصطفاه، وبعد:
من العبد الفقير/ عبد الحليم، إلى أخيه الفاضل/ أبي محمد الجولاني -حفظه الله-: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...
أسأل الله أن تصلك رسالتي وأنت وسائر مَن معك من الجنود الأخيار في أحسن أحوالكم دينًا ودنيا، وأن يثبت أقدامكم ويُفرِغ عليكم صبرًا ويفتح عليكم ولكم.
نتابع بكل اهتمام مجريات الأحداث في شام الرباط والأمل مع تسارع وتيرة تغيرات الواقع يومًا بعد يوم أو لحظة إثْر لحظة، ومع شدة وأهوال ما يجري هناك إلا أن هناك مكاسب عظيمة ومِنَنًا جسيمة في طيَّات تلك الشدائد لا بد أن تلمسها، والمحافظة عليها وإحسان استثمارها وإتقان رعايتها؛ حتى لا تضيع من أيدينا.
وفي هذه الرسالة المختصرة أحب أن أَذكُر بعض النقاط التي لم يتيسر لي الظرف الآن للإسهاب فيها، فأحببتُ أن أذكرها كرؤوس أقلام حتى تسنح الفرصة للتوسع، واللبيب مثلكم تكفيه الإشارة:
1- وقود الحرب الرجال وبقاؤها واستمرارها ببقائهم، فأنتم تدركون -بلا شك- أن المعركة لا تزال -مع ضراوتها- في أول أمرها، والله وحده يعلم كم ستطول وتبقى، وعليه، فيجب عليكم في هذه النقطة:
أ- الاهتمام التام بالمحافظة على كوادركم العسكرية، والشرعية، والسياسية وغيرها؛ حتى تجدوا عند نزول الكارثة أبا بكر وعمر وعثمان وعليًا وخالدًا...، فأنا أطلب منكم طلبًا جازمًا، منع إدخال الإخوة الكوادر في العمليات الاستشهادية مهما كانت دواعي ودوافع ذلك، وخاصة الطاقات الشرعية.
ب- الاجتهاد في استقطاب وتدريب وتربية أكبر عدد من الشباب، فالآن النفوس مُهيَّأَة، والقلوب مُقبلة، والمحرك والمهيِّج قائمٌ موجود، وهذه الفرصة قلَّما تتوفر أو تتكرر، فدربوا أكبر عدد من الشباب ومن سائر مناطق البلد، حتى لو كان التدريب على فترات متقطعة يتخللها مشاركة ميدانية في العمليات.
ج- المحافظة على القيادة مع عدم انقطاعها التام عن متابعة أفرادها، بل ينبغي أن يكون لها توجيه خاص لأفرادها الذين في الميدان عبر الرسائل الموجهة كتابةً أو تسجيلًا أو نحوه.
والخلاصة: أن كل فرد تكسبونه اليوم فستجدونه غدًا، وتأملوا في معركتنا مع عباد الصليب كم لها الآن وكم أكلَت من الرجال مجاهدين وعوام ولـمَّا تنتهي بعد! واعتبروا أيضًا بحال إخوانكم الصابرين في العراق سواء على مستوى القيادة أم الأفراد، فخذوا هذا الأمر بكامل جوانبه وضعوه دومًا نصْب أعينكم، طول المعركة وشراستها وتعقيدها وكثرة متطلباتها.
2- في غزوة بدر قال النبي ﷺ للصحابة: (إذا أكثَبوكم فارموهم واستبقوا نَبْلكم)٣٬٧٧٠[رواه البخاري: (٣٩٨٤)].، فنعم، عليكم أن تستبقوا نبلكم وألَّا تنثروا كل ما في كنانتكم من أعمال وعمليات وأنتم لا تزالون في أول المعركة التي ستطول حتمًا، فكدِّسوا وخزِّنوا وأمِّنوا ما أمكنكم من السلاح والذخائر ليوم كريهةٍ وسدادِ ثغر، مع الاهتمام بإتقان التخزين؛ حتى لا يعود على أسلحتكم بالضياع، ومن هذا القبيل نرجو منكم -حزمًا- تضييق دائرة العمليات الاستشهادية إلى أقصى حد ممكن حتى تقرب من الوقف إن أمكن، ولعلي -إن شاء الله- أكتب لكم بعض الضوابط الميدانية المتَّبعة عندنا للقيام بالعمليات الاستشهادية؛ حتى تؤتي ثمارها على أكمل وجه.
وطبعًا لا تعني هذه النقطة التوقف عن العمل العسكري والإكثار منه! ولكن ألَّا نَصُب كل أو جُل إمكانياتنا في أول المعركة، حتى إذا جاء وقت الحسم وجدنا أنفسنا أفقر المجموعات عددًا وعتادًا وعدة فتكون ثمرة التضحيات في أيدي غيرنا!
3- تماسُك صف الجماعة قائم على:
أ- وضوح منهجها مع قُربِه للفهم.
ب- قيادة صادقة، وفية، رحيمة، عفوَّة، لينة، مُشاوِرة.
ج- الإشباع العملي لرغبات الأفراد -الجنود- وعدم تكدسهم بلا عمل.
إذا توفرت هذه الأمور الثلاثة كركائز؛ فبإذن الله ستجد جماعتك متماسكة قوية على طول الطريق، وإن أي خلل في واحد منها ستكون عاقبته انكباب الجماعة على نفسها وانشغالها بمشكلاتها ولن يجدي أو ينفع حينها عهود مُغلظة مأخوذة، ولا صفقات بيعة معقودة، وستكون كلها هباء، ومن يقرر شق الصف سيجد أو يخترع لنفسه ألف سبب وحجة للتنصُّل منها، ولن يقنعه مقنع مهما أوتي من الحجج.
وعليه، فأرجو ألَّا تُشغلوا أنفسكم كثيرًا ولا قليلًا بقضية «هل بايعت أم لم تبايع» ولا «مَن هي الجماعة الشرعية في الساحة» ولا «لا بد أن تبايع» فإن هذا لا كبير جدوى وراءه لا واقعًا ولا شرعًا، فرصُّ الصفوف وتوحيد الكلمة وتنسيق الجهود أكبر من أن يُعالَج بمثل هذا الطرح الذي يكاد يُثبت عدم نجاحه في كثير من الأحيان والتجارب، فلا تضيقوا على أنفسكم فيما وسَّع فيه الشرع عليكم.
ويمكن أن يكون عندكم في لائحة داخلية خاصة تقسيم العاملين معكم إلى عدة مراتب:
أولها: المبايعون الذين هم ركائز الجماعة فهمًا وعملًا وجدًا.
ثانيها: الموالون المحِبون الذين لا يكادون يختلفون كثيرًا عمن سبقهم في العمل والفهم وهم سامعون ومطيعون، وهم مجال الانتقاء على مَهْل لطلب البيعة منهم من غير تعنيت ولا تشديد ولا إلزام.
ثالثها: المناصرون من سائر المسلمين.
وعليه، فلا تُهدر أي طاقة يمكن الاستفادة منها في معركتنا الطويلة.
وتذكروا أنه يجوز الاستعانة بالمنافق في الجهاد إجماعًا، ومثله الفاسق، بل حتى المشرك ذكره الفقهاء -كما هو معلوم-، فلا تضعوا أنفسكم في دائرة تشددون فيها على أعمالكم وفي الأمر سعة كبيرة.
وأكرر وأقول: «المعركة طويلة»، وهذه النقطة تتطلب منكم «كجماعة» أن تتعاملوا مع الجماعات الخيِّرة في الساحة معاملة الأب الحنون، لا معاملة المنافِس المخاصم، فإن احتاجوا فأعينوهم، وإن أحسنوا فاشكروهم، وإن اقتربوا منكم شبرًا فاقتربوا منهم ذراعًا، وامنعوا عامة أفرادكم من الطعن فيهم أو الاستخفاف بتضحياتهم، ولتكن طرق علاج وإصلاح الأخطاء مقتصرة على المستوى القيادي أو مَن تُفوضه القيادة تفويضًا مباشرًا من أهل العقل والحكمة وحسن الرأي والمشورة.
4- عامة المسلمين هم بحركم الذي فيه تسبحون، فالله الله فيهم فكونوا «كجماعة» أقرب الناس إليهم وأرفقهم بهم، وألينهم معهم، فقدموهم على أنفسكم في كل ما يُريحهم ويحفظهم، وابذلوا كل ما تستطيعون لتأليفهم، فوالله لقد صبروا في هذه المحنة العقيم صبرًا يذيب الصخور، فإن ضيَّعْنا هذا الكنز العظيم بأخطائنا فإننا مسؤولون أمام الله -تعالى-، ولا تنسوا أن الناس قد عاشوا سنين بل عقودًا طويلة وآلات الإرهاب والخراب والفساد تعمل في قلوبهم وعقولهم، وهذا مما يستدعي تحمُّل الكثير الكثير مما قد يصدر عنهم مما يُعَدُّ انعكاسًا لسنوات التِّيه التي عاشوها تحت وطأة الطغيان، بل ينبغي أن تشددوا على كل مَن تبدر منه تجاوزات من أفرادكم تجاه عامة المسلمين؛ حتى لا يتسع الخرق ونزرع الشوك في طريقنا بأيدينا.
ولا بد أن يشعر الناس بقربكم منهم في معاناتهم، كنقل جرحاهم، وتسهيل الطرق للمهاجرين منهم، وحسن مخاطبتهم حتى يروا بأعينهم الحقائق التي يتحطم عليها الدجل الإعلامي الذي سيُشَنُّ عليكم فيما بعد.
[البحر: الكامل]
[البحر: الكامل]
وَلَقَدْ أَمُرُّ عَلَى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي | فَمَضَيْتُ ثُمَّتَ قُلْتُ: لَا يَعْنِينِي٣٬٧٧١[قاله: شمر بن عمر الحنفيّ، انظر: الأصمعيات (ص 126)]. |
وخيرٌ من ذلك: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلۡجَٰهِلُونَ قَالُواْ سَلَٰمٗا﴾ [الفرقان: 63].
واعلموا أن هناك صنفًا من الناس يقتاتون بالردِّ عليهم، ولا يجدون راحتهم إلا في ذلك، فليكن عنوان مرحلتكم: ﴿وَٱصۡبِرۡ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَۖ﴾ [لقمان: 17]، وتأملوا كيف جمع الله قلوب الناس على الشيخ أسامة رحمه الله، وكفَّ ألسنتهم عنه؛ بسبب صدقه -كما نحسبه- وعفة لسانه وعدم انشغاله بالدفاع عن نفسه، بل كان أشد نقدًا للذات من أعدائه؛ حتى يرتقي بجماعته إلى دَرَج الكمال والفضائل ولا يشتغل بالرد على هذا والطعن في ذاك.
أخي الكريم؛ الكلام طويل، وما دوَّنتُه رؤوس أقلام المقصد منها دوام التواصل والتناصح؛ حتى نجني ثمار التضحيات على أكمل حال، فما كان فيها من خير وصواب فبتوفيق الله، وما سوى ذلك فمن النفس والشيطان.
وسلامي لجنودكم الأبرار الأخيار، ولْتُرُوا الله منكم ما يحب، وإن هذا الدين متين فأوغِل فيه برفق والله معكم ولن يَتِركم أعمالكم.
والسلام مسك الختام..
أخوكم/ عبد الحليم
«٦ رجب الحرام ١٤٣٣ هـ»
❖ ❖ ❖
لقد أتممت قراءة كتاب: رسالة إلى الأخ أبي محمد الجولاني
يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.
تحميل الكتاب مفردًا