المذهب الأول: عدم جواز الاستعانة بالمشركين في الحرب.
ذهب جمعٌ من العلماء رحمهم الله إلى تحريم الاستعانة بالكفار على الكفار في الحرب، وهو مذهب المالكية ويستثنون من ذلك أن يكون الكفار خدمًا للمسلمين ونحو ذلك مما لا يخرجون فيه عن الذلة الصغار والهون، وهي رواية عن الإمام أحمد، وعنه روايات أخرى يأتي ذكرها إن شاء الله، وكرهه الإمام الشافعي في القديم، وإليه ذهب ابن حزم، وابن المنذر، والجوزجاني، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، والشوكاني١٬٠٢٥للإمام الشوكاني رحمه الله في هذه المسألة أقوال، فقد نص في بعض كتبه على أن الاستعانة بالكفار لا تجوز مطلقًا، وفي بعضها استثنى منها حالة الضرورة فقط، وفي بعضها جوزها عند الحاجة.، وغيرهم من أهل العلم رحمهم الله جميعًا، واستدلوا لقولهم بعدة أدلة من الكتاب والسنة وهي:
الأول: قوله تعالى: ﴿لَّا يَتَّخِذِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلۡكَٰفِرِينَ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ فَلَيۡسَ مِنَ ٱللَّهِ فِي شَيۡءٍ إِلَّآ أَن تَتَّقُواْ مِنۡهُمۡ تُقَىٰةٗۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفۡسَهُۥۗ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلۡمَصِيرُ﴾ [آل عمران: 28]، وفي هذا يقول العلامة الألوسي رحمه الله: «وحمل الموالاة على ما يعم الاستعانة بهم في الغزو مما ذهب إليه البعض»١٬٠٢٦روح المعاني: (3/120).، وحجتهم في ذلك أن مما جاء في سبب نزول هذه الآية ما رواه الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما: «أنها نزلت في عبادة بن الصامت الأنصاري وكان بدريًا نقيبًا، وكان له حلفاء من اليهود فلما خرج رسول الله ﷺ يوم الأحزاب قال عبادة يا نبي الله إن معي خمس مئة من اليهود وقد رأيت أن يخرجوا معي فأستظهر بهم على العدو فأنزل الله تعالى: ﴿لَّا يَتَّخِذِ﴾ [آل عمران: 28]... إلخ»١٬٠٢٧(1) انظر: روح المعاني: (3/120)، وتفسير القرطبي: (4/85)، وزاد المسير: (1/371)، والتفسير الكبير: (8/10)، وقد ذكر الإمام ابن جرير رحمه الله سببًا آخر لنزول الآية حيث روى بسنده عن ابن عباس قال: «كان الحجاجُ بن عمرو حليف كعب بن الأشرف، وابن أبي الحقيق، وقيس بن زيد، قد بَطَنوا بنفر من الأنصار ليفتنوهم عن دينهم، فقال رفاعة بن المنذر بن زَنْبَر، وعبد الله بن جبير، وسعد بن خيثمة، لأولئك النفر: (اجتنبوا هؤلاء اليهود، واحذروا لزومهم ومباطنتهم لا يفتنوكم عن دينكم! فأبى أولئك النفر إلا مُباطنتهم ولزومهم، فأنزل الله ﷻ: ﴿لَّا يَتَّخِذِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلۡكَٰفِرِينَ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ﴾... إلى قوله: ﴿وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٢٩﴾» تفسير الطبري: (6 /314).، وقد أجمع جمهور علماء الأصول على أن صورة سبب النزول قطعية الدخول في الآية.
وَاجْزِمْ بِإِدْخَالِ ذَوَاتِ السَّبَبِ | وَارْوِ عَنِ الْإِمَامِ ظَنًّا تُصِبِ١٬٠٢٨(1) [رقم البيت (428)]. |
إلا أن الأمر هنا مبنيٌّ على صحة أثر ابن عباس المذكور، أما إدخال الاستعانة بهم في الحرب في عموم النهي الوارد عن اتخاذهم أولياء فلا يبعد القولُ به كما ذكره غير واحد من العلماء في نظير الآية المذكورة.
الثاني: قوله ﷻ:﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَكُمۡ هُزُوٗا وَلَعِبٗا مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَٱلۡكُفَّارَ أَوۡلِيَآءَۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ﴾ [المائدة: 57]، قال العلامة أبوبكر الجصاص رحمه الله: «نهى عن الاستنصار بالمشركين لأن الأولياء هم الأنصار، وقد روي عن النبي ﷺ أنه حين أراد الخروج إلى أحد جاء قوم من اليهود وقالوا نحن نخرج معك فقال: (إنا لا نستعين بمشرك)»١٬٠٢٩أحكام القرآن (4/104)، [والحديث مروي في صحيح مسلم: (1817)، ومسند أحمد: (٢٤٣٨٦)، وغيرهما]..
وهكذا سائر الآيات التي تنهى عن اتخاذ الكافرين أولياء، وقد استدل عدد من العلماء بها على منع الاستعانة بهم في الغزو وفي غيره مما يتعلق بشؤون المسلمين العامة كالولايات والكتابة، وذلك لما عُلم عنهم من الغش لهم، والسعي في إفساد دينهم ودنياهم، والحرص على كل ما فيه عنتهم ومشقتهم، فاستبطانهم لمثل هذه المضار، وانطواء قلوبهم على هذه الدسائس والخبائث، يمنع من ائتمانهم، ويزجر عن الثقة بهم، والركون إليهم؛ كما قال الله ﷻ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ بِطَانَةٗ مِّن دُونِكُمۡ لَا يَأۡلُونَكُمۡ خَبَالٗا وَدُّواْ مَا عَنِتُّمۡ قَدۡ بَدَتِ ٱلۡبَغۡضَآءُ مِنۡ أَفۡوَٰهِهِمۡ وَمَا تُخۡفِي صُدُورُهُمۡ أَكۡبَرُۚ قَدۡ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِۖ إِن كُنتُمۡ تَعۡقِلُونَ﴾ [آل عمران: 118].
قال الإمام ابن مفلح الحنبلي رحمه الله: «قال القاضي أبو يعلى من أئمة أصحابنا: وفي هذه الآية دليل على أنه لا يجوز الاستعانة بأهل الذمة في أمور المسلمين من العمالات والكتبة، ولهذا قال الإمام أحمد رضي الله عنه لا يستعين الإمام بأهل الذمة على قتال أهل الحرب»١٬٠٣٠الآداب الشرعية: (3/79).
وقال شيخ الإسلام رحمه الله بعد سوقه لآيات عدة تنهى عن موالاة الكافرين، وتحذر من موادتهم: «ولهذا كان السلف رضي الله عنهم يستدلون بهذه الآيات على ترك الاستعانة بهم في الولايات، فروى الإمام أحمد بإسناد صحيح عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قلت لعمر رضي الله عنه إن لي كاتبًا نصرانيًا، قال: مالك قاتلك الله؟! أما سمعت الله يقول: ﴿۞يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ ٱلۡيَهُودَ وَٱلنَّصَٰرَىٰٓ أَوۡلِيَآءَۘ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ﴾ [المائدة: 51]؛ ألا اتخذت حنيفًا، قال قلت: يا أمير المؤمنين لي كتابته، وله دينه، قال: لا أكرمهم إذ أهانهم الله، ولا أعزهم إذ أذلهم الله، ولا أدنيهم إذ أقصاهم الله»١٬٠٣١اقتضاء الصراط المستقيم: (1/50)، [وأثر عمر رواه ابن قتيبة في عيون الأخبار: (1/102)، والخلال في أحكام أهل الملل: (327)، وروى ابن أبي شيبة في المصنف: (25872) نحوه]، قلتُ: فأين هذا الاستعلاء الإيماني والاعتزاز العقدي من هوان بعض الجماعات الإسلامية التي ما فتئت تظهر إكرام النصارى الكفرة، وتجعلهم ضمن مرشحيها ليكونوا شركاء لها في مجالس الشرك، كل ذلك تملقًا للغرب الكافر ليمن عليها بشيء من جودِه الديمقراطي، لعلها تنال عندهم لقب الاعتدال والاتزان والوسطية فرضي الله عنك يا عمر!.
وأما من السنة:
الأول: عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا قَالَتْ: «خَرَجَ رَسُولُ اللّهِ ﷺ قِبَلَ بَدْرٍ، فَلَمَّا كَانَ بِحَرَّةِ الْوَبَرَةِ أَدْرَكَهُ رَجُلٌ، قَدْ كَانَ يُذْكَرُ مِنْهُ جُرْأَةٌ وَنَجْدَةٌ، فَفَرِحَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللّهِ حِينَ رَأَوْهُ؛ فَلَمَّا أَدْرَكَهُ قَالَ لِرَسُولِ اللّهِ ﷺ: جِئْتُ لأَتَّبِعَكَ وَأُصِيبَ مَعَكَ، قَالَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ: (تُؤْمِنُ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ؟) قَالَ: لاَ، قَالَ: (فَارْجِعْ. فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ)، قَالَتْ: ثُمَّ مَضَىٰ؛ حَتَّىٰ إذَا كُنَّا بِالشَّجَرَةِ أَدْرَكَهُ الرَّجُلُ، فَقَالَ لَهُ كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ، قَالَ: (فَارْجِـعْ فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ)، قَالَ: ثُمَّ رَجَعَ فَأَدْرَكَهُ بِالْبَيْدَاءِ، فَقَالَ لَهُ كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ: (تُؤْمِنُ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ؟)، قَالَ: نَعَمْ؛ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ: (فَانْطَلِقْ)»١٬٠٣٢رواه مسلم [١٨١٧] وغيره..
الثاني: عن خبيب بن عبد الرحمن عن أبيه عن جده قال: «خرج رسول الله ﷺ في بعض غزواته فأتيته أنا ورجل قبل أن نسلم فقلنا: إنا نستحي أن يشهد قومنا مشهدًا فلا نشهده، قال: (أسلمتما؟)، قلنا: لا، قال: (فإنا لا نستعين بالمشركين على المشركين)، فأسلمنا وشهدنا مع رسول الله ﷺ، فقتلت رجلًا وضربني الرجل ضربة فتزوجت ابنته، فكانت تقول: لا عدمت رجلًا وشحك هذا الوشاح، فقلت: لا عدمتِ رجلًا أعجل أباك إلى النار»١٬٠٣٣رواه أحمد [١٥٧٦٣]، والحاكم [٢٥٦٣] وقال: «هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه»، والطحاوي في مشكل الآثار [2577]، والبيهقي [(١٧٨٧٩)، واللفظ له]، والطبراني في الكبير [٤١٩٤]، وقال الهيثمي في «المجمع»: (5/303)، «رواه أحمد، والطبراني، ورجال أحمد ثقات»، وقال شعيب الأرناؤوط في تعليقه على المسند: «إسناده ضعيف دون قوله: (فلا نستعين بالمشركين على المشركين) فهو صحيح لغيره»..
الثالث: عن أبي حميد الساعدي رضي الله عنه قال: «خرج رسول الله ﷺ يوم أحد حتى إذا خلَّف ثنية الوداع نظر وراءه، فإذا كتيبة خشناء، قال ﷺ: (من هؤلاء؟) قالوا: هذا عبد الله بن أبي بن سلول في مواليه من اليهود من بني قينقاع، وهم رهط عبد الله بن سلام، فقال: (أوقد أسلموا؟)، قالوا: إنهم على دينهم، قال: (قل لهم فليرجعوا فإنا لا نستعين بالمشركين على المشركين)»١٬٠٣٤أخرجه الحاكم [٢٥٦٤]، والبيهقي [١٧٨٧٨]، والطبراني [في الأوسط: (5142)]، وقال الهيثمي في المجمع: «رواه الطبراني في الكبير، والأوسط، وفيه سعد بن المنذر بن أبي حميد ذكره ابن حبان في الثقات فقال: سعد بن أبي حميد فنسبه إلى جده، وبقية رجاله ثقات»، وقال الإمام ابن حجر في المطالب العالية: «هذا إسناد حسن»، وحسنه أيضًا الشيخ الألباني: (السلسلة الصحيحة: 1101).
قلت: وفي ذكر بني قينقاع إشكال سيأتي الكلام عليه في موضعه، مع بعض الكلام حول الحديث عمومًا..
الرابع: عن أَنَسِ بن مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللّه ﷺ قال: (لاَ تَسْتَضِيئُوا بِنَارِ الْمُشْرِكِينَ وَلاَ تَنْقُشُوا خَوَاتِيمَكُمْ عَرَبِيًّا)١٬٠٣٥أخرجه أحمد [١١٩٥٤]، والنسائي [٩٤٦٤]، والبيهقي [٢٠٤٠٨]، وضعفه الشيخ الألباني في ضعيف الجامع..
وقد فسر بعضهم الاستضاءة بنار المشركين بأنه استشارتهم في الأمور كما جاء في سنن البيهقي١٬٠٣٦[٢٠٤٠٨]. وغيرها عن الأزهر بن راشد البصري قال: «كان أنس بن مالك رضي الله عنه يحدث أصحابه، فإذا حدثهم بحديث لا يدرون ما هو أتوا الحسن ففسر لهم، فحدثهم ذات يوم قال: فذكر الحديث... فأتوا الحسن فقالوا: إن أنسًا حدثنا اليوم بحديثٍ لا ندري ما هو، قال: وما حدثكم فذكروه، قال: نعم، أما قوله: لا تنقشوا في خواتيمكم عربيًا؛ فإنه يقول: لا تنقشوا في خواتيمكم محمدًا، وأما قوله: لا تستضيئوا بنار المشركين؛ فإنه يقول: لا تستشيروا المشركين في شيء من أموركم، وتصديق ذلك في كتاب الله ﷻ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ بِطَانَةٗ مِّن دُونِكُمۡ لَا يَأۡلُونَكُمۡ خَبَالٗا﴾ [آل عمران: 118]».
وفي التاريخ الكبير للإمام البخاري١٬٠٣٧[4/568]. قال الحسن البصري في معنى الحديث: «نهى النبي ﷺ أن يستعان بالمشركين على شيء، وأن ينقش في خاتمه اسم محمد»، وقد استبعد الإمام ابن كثير تفسير الاستضاءة بنار المشركين باستشارتهم فقال: «وأما الاستضاءة بنار المشركين؛ فمعناه لا تقاربوهم في المنازل بحيث تكونون معهم في بلادهم، بل تباعدوا منهم وهاجروا من بلادهم، ولهذا روى أبو داود١٬٠٣٨[(٢٦٤٥)، وصححه الألباني].: (لا تتراءى ناراهما)، وفي الحديث الآخر: (من جامع المشرك أو سكن معه فهو مثله)١٬٠٣٩[رواه أبو داود: (2787) بلفظ مشابه، وصححه الألباني].، فَحمْلُ الحديثِ على ما قاله الحسن رحمه الله والاستشهاد عليه بالآية فيه نظر»١٬٠٤٠تفسير ابن كثير: (1/399)..
وقال الإمام ابن القيم رحمه الله: «وفسر قوله: (لا تستضيئوا بنار المشركين)١٬٠٤١[سبق قبل قليل].؛ يعني: لا تستنصحوهم ولا تستضيئوا برأيهم، والصحيح أن معناه: مباعدتهم وعدم مساكنتهم، كما في الحديث الآخر: (أنا بريء من كل مسلم بين ظهراني المشركين، لا تراءى نارهما)»١٬٠٤٢أحكام أهل الذمة: (1/71)، [وحديث (أنا بريء...) رواه أبو داود: (2645) بألفاظ مشابهة، والترمذي: (١٦٠٤) وصححه الألباني]..
وأما الآثار التي وردت بالنهي عن الاستعانة بالمشركين، فبعضها ليس صريحًا ولا خاصًا بأمر الحرب، إلا أن تعميم المنع ليشمل عدم الاستعانة بهم في أمور الحرب قد يعد من باب الأولى، وذلك لشدة خطورتها، وعظم ضررها، وأشهرها ما جاء عن أبي موسى رضي الله عنه: «أن عمر رضي الله عنه أمره أن يرفع إليه ما أخذ وما أعطى في أديمٍ واحد، وكان لأبي موسى كاتب نصراني يرفع إليه ذلك، فعجب عمر رضي الله عنه وقال: إن هذا لحافظ، وقال: إن لنا كتابًا في المسجد، وكان جاء من الشام فادعه فليقرأ، قال أبو موسى: إنه لا يستطيع أن يدخل المسجد، فقال عمر رضي الله عنه أجنبٌ هو؟! قال: لا بل نصراني، قال: فانتهرني وضرب فخذي، وقال أخرجه وقرأ: ﴿۞يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ ٱلۡيَهُودَ وَٱلنَّصَٰرَىٰٓ أَوۡلِيَآءَۘ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَإِنَّهُۥ مِنۡهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [المائدة: 51]، قال أبو موسى: والله ما توليته إنما كان يكتب، قال: أما وجدت في أهل الإسلام من يكتب لك؟ لا تدنهم إذ أقصاهم الله، ولا تأمنهم إذ أخانهم الله، ولا تعزهم بعد إذ أذلهم الله فأخرجه»١٬٠٤٣أخرجه البيهقي [٢٠٤٠٩] واللفظ له، وأحمد [وليس في مسنده، بل هو في: أحكام أهل الملل والردة - من «الجامع» للخلال (ص117) بإسناده عن أحمد، ونقلها من كتاب الخلال أصحاب موسوعة: «الجامع لعلوم الإمام أحمد – الفقه (9/46)]، وابن أبي حاتم [٦٥٠٨]، وصحح شيخ الإسلام إسناده في «مجموع الفتاوى»: (25/326)، و«اقتضاء الصراط المستقيم»: (1/50)..
وهكذا كان أئمة المسلمين وأولو الأمر منهم يحتاطون لهم ويصونون أسرارهم، فقد أبعد هذا الكاتب لئلا يطلع على خفايا أمورهم وخبايا شئونهم، وذلك لأن الكتابة شأنها عظيم في الإمارة والسياسة، فأين هذا ممن ألقى حبل الثقة على الغارب مغررًا بالمسلمين ومتملقًا للكفرة المجرمين؛ فراح يولي النصارى المناصب ويكل إليهم المهام، ويجعلهم من المرشحين والمنتسبين إلى جماعته الإسلامية.
ومن الآثار أيضًا أن خالدًا رضي الله عنه كتب إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: «إن بالشام كاتبًا نصرانيًا لا يقوم خراج الشام إلا به، فكتب إليه: لا تستعمله، فكتب: إنه لا غنى بنا عنه، فكتب إليه عمر: لا تستعمله، فكتب إليه: إذا لم نوله ضاع المال، فكتب إليه عمر رضي الله عنه: مات النصراني، والسلام»١٬٠٤٤مجموع الفتاوى: (28/643)، وبعضهم يجعل صاحب القصة مع عمر ليس خالدًا..
ومن ذلك ما رواه ابن سعد في الطبقات١٬٠٤٥[الطبقات الكبرى (6/202)]. عن أبي هلال الطائي عن أسق قال: «كنت مملوكًا لعمر بن الخطاب وأنا نصراني، فكان يعرض علي الإسلام ويقول: إنك لو أسلمت استعنت بك على أمانتي، فإنه لا يحل لي أن أستعين بك على أمانة المسلمين، ولست على دينهم، فأبيت عليه، فقال: ﴿لَآ إِكۡرَاهَ فِي ٱلدِّينِۖ﴾ [البقرة: 256]، فلما حضرته الوفاة أعتقني وأنا نصراني، وقال اذهب حيث شئت».
❖ ❖ ❖