رسالة إلى الشيخ أبي عمر البغدادي

[ربيع الأول 1428 هـ / 3 - 2007م]

۞

الحمد لله حمدًا يرضاه، والصلاة والسلام على النبي الأوّاه، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه وبعد...

فإلى حضرة الأمير المكرّم السيد أبي عمر حفظه الله وسدّد على الخير خطاه وجنّبه أسباب الزلل ووقاه: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

فالله أسأل أن تصلك رسالتي وأنت تنعم بلذة الإيمان، ووفاء وصحبة الإخوان، وأن يمن عليك بالتسديد ويلهمك الرشد في القول والعمل، وأن يحفظكم من بين أيديكم ومن خلفكم ومن فوقكم ومن تحت أرجلكم، وأن يؤلف القلوب عليكم، ويفتح لكم من أبواب الخير والتوفيق ما يلملم به شعث المسلمين إنه سميع مجيب.

ثم إني كنت قد أرسلت لكم من قبل برسالة ضمنتها بعض ما أراه من نصائح وإرشادات أستوجبها واجب الأخوة وفرضها حق أداء الأمانة، لا سيما وأنتم اليوم في موطن هو من أعظم مواطن الإسلام خطورة وأشدها أهمية وأولاها بالاعتناء والمراقبة والتسديد والمقاربة والحاجة إلى الإعانة بالقول والعمل، ولست أدري إن كنتم قد اطلعتم على ما كتبته من قبل وهو المأمول أم حالت دون ذلك العوائق.

ص 3009

وعلى كلٍّ؛ فها أنا أردف رسالتي بأخرى من نظيراتها رأيت من المتحتم أن أدوّن فيها ما يلزم من البيان والمناصحة تعليقًا على ما جاء في كلمتكم المعنونة بـ «قل إني على بينة من ربي»، وذلك بغية الارتقاء بالخطاب إلى أعلى مستوياته أسلوبًا ومضمونًا فأقول:

أولًا: لا تنس -أيها القائد المكرم- أن منصبكم يحتم عليكم التدقيق البالغ والتحقيق الكامل لكل قضية تتناولونها في كلماتكم وأن ينتقى لأدائها أكمل العبارات، وأوضح الكلمات، وأحكم الجمل، وأن تضعوا نصب أعينكم قبل الشروع في تقرير أية قضية واتخاذ قرار فيها وإعلانه وإشهاره أن خطاباتكم ليست فقط موجهة إلى طائفة معينة محددة من الشباب الذين يوافقونكم في التفكير، والمنهج، والتصور، والفهم، والاستيعاب، والمتابعة ممن هم تحت ولايتكم ويأتمرون بأمركم بل إن تلك الخطابات تصل اليوم إلى القريب والبعيد، ويسمعها العالم المتبحر والجاهل المغمور، ويدقق في جزئياتها وتفاصيلها السياسي المحنك والصحفي الكاتب المحلل، وتبلغ إلى المحب المواد والعدو البغيض والمتأرجح بين هؤلاء وهؤلاء، ويعتني بها المسلمون على اختلاف أفهامهم ومستوياتهم واتجاهاتهم ومدارسهم وكذلك الكفار على تنوع مسالكهم ومواقفهم ومنطلقاتهم، ويتلقفها الساذج الأبله والماكر الكائد الخبيث، وباعتبار منزلتكم ومقامكم ومن خلال كلماتكم بين الحين والحين يتم تقويم مستوى دولتكم الموقرة وتحديد سياساتها، ومعرفة مواقفها من قضايا كبرى وصغرى متعددة، وبها تزداد طمأنينة المحبين المناصرين الموالين أو تتسرب إلى نفوسهم الرِّيَب والشكوك والتضعضع في المواقف.

ص 3010

فهذا الأصل أو المنطلق -أيها الأمير المكرم- لا بدّ من اعتباره والاعتداد به لزومًا قبل الشروع في كتابة الخطابات وتناول القضايا واتخاذ القرارات ليأخذ كل طرف من هؤلاء ما يستحقه ويناسبه شرعًا وواقعًا حتى لا تكون النتائج عكسية، وكل هذا يجمعه: «حدثوا الناس بما يعرفون أتريدون أن يكذب الله ورسوله»٣٬٧٢٢[رواه البخاري موقوفًا عن عليٍّ رضي الله عنه: (127)].، وكما في صحيح مسلم عن عَبْد اللَّهِ بن مَسْعُودٍ رضي الله عنه قال: «ما أنت بِمُحَدِّثٍ قَوْمًا حَدِيثًا لَا تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ إلا كان لِبَعْضِهِمْ فِتْنَةً»٣٬٧٢٣[صحيح مسلم (5)، موقوفًا على ابن مسعود رضي الله عنه]..

وتأمل معي أيها الأمير المكرم هذه النصيحة البليغة الوافية الكافية التي تفصح عن فقه في أداء الحق وعمق في معرفة الناس وخبرة وضع الكلمات في محالها، وذلك كما في البخاري أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بلغه أن رجلًا قال لو مات عمر لبايعت فلانًا، فقال عمر: «إني إن شَاءَ الله لَقَائِمٌ الْعَشِيَّةَ في الناس فَمُحَذِّرُهُمْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَغْصِبُوهُمْ أُمُورَهُمْ»، فقال عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: «يا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَا تَفْعَلْ! فإن الْمَوْسِمَ يَجْمَعُ رَعَاعَ الناس وَغَوْغَاءَهُمْ، فَإِنَّهُمْ هُمْ الَّذِينَ يَغْلِبُونَ على قُرْبِكَ حين تَقُومُ في الناس، وأنا أَخْشَى أَنْ تَقُومَ فَتَقُولَ مَقَالَةً يُطَيِّرُهَا عَنْكَ كُلُّ مُطَيِّرٍ، وَأَنْ لَا يَعُوهَا وَأَنْ لَا يَضَعُوهَا على مَوَاضِعِهَا، فَأَمْهِلْ حتى تَقْدَمَ الْمَدِينَةَ، فَإِنَّهَا دَارُ الْهِجْرَةِ وَالسُّنَّةِ، فَتَخْلُصَ بِأَهْلِ الْفِقْهِ وَأَشْرَافِ الناس، فَتَقُولَ ما قُلْتَ مُتَمَكِّنًا فَيَعِي أَهْلُ الْعِلْمِ مَقَالَتَكَ، وَيَضَعُونَهَا على مَوَاضِعِهَا، فقال عُمَرُ: واللهِ إن شَاءَ الله لَأَقُومَنَّ بِذَلِكَ أَوَّلَ مَقَامٍ أَقُومُهُ بِالْمَدِينَةِ»٣٬٧٢٤[صحيح البخاري (٦٨٣٠)]..‌

ص 3011

ومضمون هذه الكلمات البليغة الشريفة المنيفة هو عين ما أردناه، فلئن كان موسم الحج هو أعظم تجمع يضم المسلمين آنذاك، والعرب مع بلاغتهم وقوة أدائهم لمرادهم، وقدرتهم في التعبير عما في قلوبهم، قد روعي حالهم باعتبار المستمعين من الرعاع والغوغاء وأشباههم، ومن ثم تجنبوا مخاطبتهم بما لا يفقهون ويدركون، فإن وسائل الإعلام اليوم «تطير بكلماتك كل مطير» وتنقلها إلى الكبير والصغير والجليل والحقير، ولا تذكرها إلا وقد مزجتها بأكاذيب اختلقتها أو بعبارات حرفتها ومسختها؛ فحينئذٍ فإن الإتقان في الأداء ومراعاة أفهام الرعاع والغوغاء، ووضع الكلمات مواضعها التي تُدرك معها معانيها من غير عناء هو من الأمور اللازمة المتحتمة، ومن هنا فينبغي –أيها الأمير المكرم- الاهتمام بهذا الجانب أكمل الاهتمام ومراقبة أطراف الحديث وجوانبه وحواشيه حتى لا يشذ عن المراد ويصل إلى الأفهام على غير الوجه المقصود فيقع المحذور ويكون لبعض مستمعيه فتنة إما تمنعهم عن اتباع الحق أصالة وتصدهم عن قبوله ابتداء أو تخرجهم من دائرته بعد أن كانوا داخلها.

ثانيًا: لا يخفى عليكم -أيها الأمير المكرم- أن أداء التكاليف الشرعية والقيام بها منوط بالقدرة والوسع، وهذه قاعدة عامة تجري على الجماعات والدول تمامًا كما تجري على أعيان الأفراد، ولهذا فقد نص الفقهاء على أن الجهاد الكفائي يجب مرة كل عام إلا إذا كان بالدولة الإسلامية ضعف من قلة عدد أو عتاد بل حتى ولم يكن بسبب الضعف والعجز كما لو كان رجاء مصلحة معتبرة كالطمع في إسلام من يريدون قتالهم فإنه لا بأس بتأخيره ونحو ذلك من الأمثلة المعروفة لديكم.

فأنتم -أيها الأمير المكرم- تعلمون أنكم الآن في ابتداء تأسيس الدولة وفي أول خطوات التمكين لها، وأن الأمر لم يستقر بعد استقرارًا كاملًا وينضبط انضباطًا تامًّا بحيث تصبح فيه زمام «كل» الأمور بأيديكم وتحت سلطتكم، فالتمكين الذي أنتم فيه هو تمكين نسبي اعتباري نسأل الله أن يتمه على أكمل الوجوه، ولا أدل على ذلك من استمرار المدافعة بينكم وبين أعدائكم من النصارى وأذنابهم المرتدين، كما أن يد الدولة -أعزها الله- هي أقوى في بعض المناطق منها في المناطق الأخرى، وما دام الأمر كذلك فلا بد إذا من النظر إلى هذا الوضع نظرًا عمليًا واقعيًا يطابق الحال ويوافق الواقع وعلى ضوئه تجرون الأوامر والأحكام والقرارات التي تريدون أن تلزموا بها الناس.

ص 3012

وليس في هذا تضييع للشرع ولا تهاون في إقامة الأحكام ولا إقرار بالأوضاع المخالفة للدين، وإنما هو القيام بالتكاليف حسب القدرة «الحقيقية»، وهو ما يطابق ويوافق قاعدة الشرع التي ذكرناها آنفًا، والمقصود هنا فقط التنبيه على لزوم اعتبار هذه القضية اعتبارًا يتلاءم مع ما يمكن أن تُقيموه من شرائع الإسلام العامة، فإن إهمال هذا الجانب أو تجاهله وعدم الوقوف عند حقيقته ومحاولة القفز إلى الأمام مع التلبس بواقع العجز يؤدي قطعًا إلى الهدم أكثر مما نرجوه من البناء وسيحدث ردة فعل عكسية تتفجر من الواقع الذي نتعامل معه لا قِبل لنا بمعالجتها لا سيما مع الانشغال بجهات أو جبهات أخرى عسكرية وإعلامية جارفة لا تبقي ولا تذر.

ومن هنا فإني أرى أن إعلانكم بأن النصارى والصابئة المقيمين في «دولة العراق الإسلامية» هم محاربون وعليهم أن يجددوا عقد الذمة مرة أخرى وفق الشروط العمرية أمر في غاية الاستعجال، وهو فتح لجبهة جديدة موسعة ضدكم أنتم الآن في غنى تام عنها، ولا ندري ما الذي ألجأكم إليها ودفعكم نحوها ولـمَّا تنتهوا من أعدائكم الغزاة وأنصارهم بعد، فهلا تريثتم فيه وأخرتموه حتى يستقر لكم الحال وتجتمع في أيديكم معاقد الأمور، ويتقوى سلطانكم، فعندها -وعندها فقط- يمكنكم اللجوء إلى مثل هذه القرارات.

وهنا أمر مهم عليكم -أيها الأمير المكرم- أن تتنبهوا له، وهو أن الناس قد عاشوا جاهلية جهلاء عقودًا من الزمان، تجذر خلالها الضلال وامتدت فروعه في شعب حياتهم في العقيدة والأخلاق والسلوك والأحكام والعادات والمعاملات والسياسة والعلاقات وغيرها، فحياتهم العامة لم يعد لها من الصبغة الإسلامية إلا أقل من القليل، ومعاول الطاغوت كل تلك المدة تهدم وتهشم وتقيم صروحا من الكفر في واقع الناس وقلوبهم حتى ألفوها، وكثير منهم لم يعودوا يعرفون شيئًا منها، وإنما بقي تأييدهم ومناصرتهم للمجاهدين بحسب بقايا الفطر التي لم تلطخ ونظرًا للعداء المستقر في النفوس للنصارى وإلا فإن هواهم وميلهم مع الدنيا وملذاتها والدعة ودواعيها، وهذه الأمور أصبحت بينهم كالسجية التي تجري بها النفوس من غير تكلف ولا تحرج، وكل ذلك لا يخرج عن كونه طبقات متراكمة ومتراكبة من المنكرات التي تتنوع صورها بدءًا من الشرك الذي هو أعظم الظلم إلى أدنى، أدنى، فروع المنكرات والتي لم يعد كثير من الصلحاء الأتقياء يشعرون بها فضلًا عن التفكير بإنكارها.

ص 3013

فما دام الأمر بعمومه بهذه الحالة فمن غير المعقول أن يفكر الإنسان مهما بلغ من القوة والتمكين والسلطان والتأييد أن يغير كل هذه «المنكرات» دفعة واحدة ولا في مئة دفعة، وإن أية محاولة من هذا القبيل والتي تريد أن تقلب الواقع كله مرة واحدة ليتبدل من واقع مظلم جاهل يعج بالمنكرات إلى واقع عادل ناصع يشمله المعروف من جميع جوانبه فهو في الحقيقة حكم على المساعي بالفشل من منطلقها الأول، بل ربما سنكتشف عجزنا عن ذلك من خلال اصطدامنا بالواقع، ومن ثم ستتضاعف المنكرات أضعاف أضعاف ما كنا سنصلحه ونسعى لتغييره، فتنبهوا لذلك أيها الأمير المكرم وفقكم الله وسدد خطاكم.

وقد كنت كتبت رسالة نصح إلى الشيخ المجاهد أبي مصعب رحمه الله -ولعلكم اطلعتم عليها من قبل- وضمنتها شيئا من هذا المعنى فأرى أن أنقل إليكم طرفًا منه لأهميته فيما يظهر لي:

«الابتعاد عن الخلط بين مراحل الجهاد التي يقطعها المجاهدون في ساحاته المتعددة، إذ لا بد من التفريق من حيث الأحكام والتعامل مع الواقع بين فترة الحرب المضطربة والظروف المتداخلة وبين مرحلة التمكين التي ترسو فيها قواعد الدولة وتستقر قوتها وتثبت هيبتها وتُنظم إداراتها وتُنفذ أحكامها الشرعية بشموليتها، حيث تكون زمام الأمور كلها بيد قادة المسلمين وتنبسط سلطتهم على سائر بقاع الوطن الذي يقومون عليه، وهذه المرحلة هي الغاية القصوى التي يسعى إليها المجاهدون بعد تحطيم قوة أعدائهم وكسر شوكتهم وإجلائهم من أراضيهم.

ص 3014

فما دامت رحى الحرب قائمة والمعارك مستمرة فهذا يعني بالضرورة عدم تمكن المجاهدين التمكن الكامل الذي يخولهم فرض كل أوامرهم وإلزام الناس بقراراتهم سواء الشرعية أو الإدارية، فالناس في حالة الحرب بين رهبة العدو الذي لا يرقب فيهم إلا ولا ذمة وبين حبهم المجاهدين أو خوفهم من قوتهم، فربما حال فزعهم من انتقام أعدائهم بين إنفاذ كثير مما يُملى عليهم ويطلب منهم من قبل المجاهدين، وربما كان سبب ذلك هو شيوع الجهل وفشوه بينهم وغياب قضايا كثيرة ومتنوعة من قضايا الدين أو لعدم استيعابهم وإدراكهم لها إدراكًا إيجابيًا ينبني عليه التجاوب العملي مع متطلبات مرحلة الجهاد التي يعيشونها، وهذا أمر لا بد من مراعاته مراعاة حقيقية، فالمجاهدون عليهم أن يضعوا أنفسهم في مستواهم الحقيقي وهم في مرحلة السعي للتمكين سواء من حيث ولايتهم الإسلامية على الأمة أو من حيث قدراتهم و«سلطانهم» الذي يُمكِنهم به أن يأمروا به وينهوا، وعليهم ثانيًا أن يُراعوا حال مجموع الناس ويعتبروا الظروف التي يعيشونها والتقلبات التي تحيط بهم، والجهات المتعددة والسلطات والقوى التي تأمرهم وتنهاهم، وتحثهم وتطلب منهم، وتُرغبهم وتُرهبهم.

نعم... نحن نعلم أن في الأمة الطيب والخبيث والقوي والضعيف والقادر والعاجز والعالم والجاهل والمحِب والمبغض والمتفطن والغافل الذاهل وكل هذه الأصناف وغيرها هي مجموع الأمة التي يسعى المجاهدون لإنقاذهم وإخراجهم مما هم فيه من ضنك الحياة وجحيم النُظم الكافرة المتسلطة عليهم، فمن غير المقبول شرعًا وعقلًا أن يُعامل هؤلاء كلهم بأسلوب واحد وطريقة واحدة تنحصر في «افعل ولا تفعل..». ضاربين بعرض الحائط كل الاعتبارات التي يمكن أن تحول بينهم وبين ما يُطالبون بالقيام به أو التخلي عنه، ولا بد أن يستشعر الناس حقيقة ومن خلال معايشتهم للمجاهدين والتصاقهم بهم وتعاملهم معهم أنهم ما جاءوا إلا ليكونوا رحمة لهم وتخليصا لهم من طول العناء والشقاء والكبت الذي ما فتئوا يُقلَون في جحيمه طوال تسلط أئمة الكفر وأعوانهم عليهم، وهذا يتطلب جهدًا قوليًا وفعليًا كبيرًا من قِبل المجاهدين يتقدمه حسن الخلق ولين الجانب والشفقة بالخلق وكثرة الإرشاد ودوام التوجيه ومراعاة ظروفهم واعتبار أحوالهم وحمل همومهم».

ص 3015

ثالثًا: أيها الشيخ المبجل والقائد المسدد، اعلم حفظك الله أنك اليوم لم تعد قائد جماعة جهادية فقط قد عُرف أفرادها، بل أنت في مقام عظيم ولُقِّبت بلقب جليل ثقيل، ومن هنا فإن منزلة كلماتك لم تبق أيضًا على مستواها الأول بل ارتقت لتصبح كلام «قائد دولة»، وهو لا شك ما يعني وجوب التفريق بين الحالين، والناس كلهم -مسلمهم وكافرهم- يتطلعون من خلال استماعهم لكلماتكم لمعرفة وجهة الدولة في جميع القضايا، ولهذا فمن غير المناسب أن يتناول قائد في مثل منزلتكم الحديث عن تفاصيل الأمور ودقائقها وجزئياتها على الطريقة التي استمعت إليها في كلمتكم «قل إني على بينة من ربي»، حيث أسهبت في هذا المجال إسهابًا -فيما نرى- ما كان ينبغي أن يكون من مثلكم، زيادة على أن بعض تلك الأمور التي تحدثتم عنها لا علاقة لها بركائز وأصول الدولة حتى تذكر في خطاب عام من قبلكم يستمع إليه القريب والبعيد.

بل إن هناك أمورًا حتى ولو كانت من المهمات لا نرى حاجة لذكرها والتنصيص عليها، لأن الغرض والمقصود يمكن أن يحصل من غير إشهار وإعلان، خاصة فيما يتعلق بتكفير أعيان بعض من ذكرتم، فالكلام في مثل هذه المسائل الحساسة بالنسبة للمستمعين «من العلماء وطلبة العلم» لا يكفي فيه الإجمال والتعميم، وكان يغني عن ذلك مجرد ذكركم لقاعدة التكفير العامة والتوقف عندها وهو ما يؤدي مرادكم ويبلغ بغيتكم للجميع من غير دخول في قيل وقال وشبهات ورد، لا سيما ونحن أصلًا متهمون بمسألة التوسع والمجازفة بالتكفير، وهذا وإن كان ظلـمًا وعدوانًا في حقكم كما نعتقد.

ولكن لا يعني هذا تقليل أو استئصال هذا التخوف والاتهامات من قلوب كثير من المحبين المخلصين الناصحين، وقس على ذلك أكثر المسائل التفصيلية التي تناولتموها في كلمتكم، مثل تغطية المرأة وجهها، فهذه فضلًا عن كونها مسألة اجتهادية صرفة الخلاف فيها قديم، والأقوال فيها تكاد تكون متكافئة فلا وجه لأن تكون من ركائز وأصول الدولة، فكان ينبغي لكم -أيها الشيخ الكريم- أن تكتفوا بذكر محاربتكم لكل أسباب الفجور والفساد والاختلاط، ودعوتكم للعفة والطهارة وصيانة الأعراض، ثم يندرج تحت هذا الأصل العام جزئيات غير متناهية.

ص 3016

ثم إني أرى -أيها الشيخ الكريم- أن إدخال مثل هذه الجزئيات -لا سيما ما يتعلق بتكفير أعيان بعض الناس- في ثوابت الدولة وأصولها يعد من أعظم الأسباب التي تدعو لظهور الخلاف والتنازع، بل وبث روح الغلو بين عوام الشباب، وأظن أنكم تعانون مثل هذا في واقع حياتكم، فماذا لو كانت بعض الجماعات الجهادية الأخرى التي تعمل في ساحة العراق والتي لها قدم صدق في مواجهة المحتلين تخالفكم فيما ذهبتم إليه واخترتموه من المسائل بناء على ترجيح شرعي أقصى ما يقال فيه إنه خطأ؛ ألا يعد إدخال مثل هذه القضايا في ثوابت الدولة مما يحول بينكم وبين دخولهم تحت رايتكم؟.

فنحن علينا أن نُعَوِّدَ شبابنا على تقبل الآراء الأخرى ما دامت معتبرة، وفي نطاق الاختلاف المنضبط البعيد عن لوثة الأفكار المائعة، وأن نجعل التأصيلاتِ الشرعية للقواعد العامة صحيحة موافقة لمذهب السلف، أما إسقاط تلك العمومات على التفاصيل فهو مجال للاجتهاد واختلاف الأنظار قابل للصحة والخطأ؛ كما هي طريقة العلماء عند تقريرهم للمسائل الفقهية الاجتهادية غير المنصوصة، أما أن نحمل أفراد الدولة ورجالاتها على قول واحد ونجعله من أصول الاجتماع معهم ومن ركائز قيام دولتهم، فإن هذا سيجر عليكم محنًا ومشكلات وخلافات شرسة أنتم في غنى عنها، وقد وسع الله عليكم.

وبفضل الله تعالى؛ لقد خَبِرنا طريقة تفكير الشباب، وعرفنا المداخل التي يتسرَّب إليهم منها الانحرافات الفكرية خاصة الغلو والشطط والتنطع، فما من شيء أضر عليهم من إبعادهم عن إدراك الفوارق بين المسائل الاجتهادية أو الخلافية والمسائل القطعية الواضحة الجلية المنصوصة، وإن إقحام القسم الأول في الثاني وإدخاله فيه مع قلة العلم واشتعال الحماسة وانفعال النفوس وضغط الواقع يؤدي قطعًا إلى رجال يحملون عقولًا جامدة ونفوسًا متصلبة وتفكيرًا متحجرًا يجعلونها هي المعيار في الحكم على الآخرين.

ص 3017

وإن ترتيب الأمور بعضها على البعض وبناء الأحكام الواحد فوق الآخر بطريقة متسلسلة متوالية لا يمكن ضبطه بين الشباب، أعني أن خطورة الأمر لن تتوقف عند تكفير أشخاص بعينهم ظهر لكم كفرهم بل سيتجاوزه -بين شبابكم- إلى تنزيل قاعدة من لم يكفر هؤلاء فهو كافر لأنه مخالف لثوابت الدولة وأصول منهجها، وإن تجمعًا يفشو فيه التكفير «بالمجان» لا يمكن أن يستمر تماسكه ويبقى ترابطه، فلتتنبهوا -أيها الشيخ الكريم- لهذا الأمر تمام التنبه وأن تضعوا خطورته أمامكم وأن تحسبوا له ألف حساب، فو الله ما من داء مزق الجماعات الجهادية وفت في عضدها ودمر كياناتها ويسر تسليط أعدائها عليها مثل داء الغلو الذي عجز الجميع عن سد أبوابه والذي تتشوف نفوس الشباب بطبيعة حماستهم إلى اقتحامه.

والأمر كما قال النبي ﷺ: (إياكم والغلو في الدين فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين)٣٬٧٢٥[سبق تخريجه في: (ص 1301)].، وقال أيضًا: (لا تشددوا على أنفسكم فإنما هلك من قبلكم بتشديدهم على أنفسهم وستجدون بقاياهم في الصوامع والديارات)٣٬٧٢٦[رواه البخاري في التاريخ الكبير: (‌‌2090)، والبيهقي في شعب الإيمان: (٣٦٠١)، وضعفه الألباني].، وقال أيضًا: (إن هذا الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه فسددوا وقاربوا وأبشروا ويسروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة)٣٬٧٢٧[رواه البخاري: (39)].، عصمنا الله وإياكم من كل سوء وكفانا شرور أنفسنا وشرور أعدائنا، والله المستعان.

هذا ما أردت أن أسجله من ملاحظات ونصائح، وحاولت أن تكون التنبيهات بقواعد عامة مستقرة، وذكرت بعض الجزئيات للتمثيل، فنسأل الله أن ينفعنا وإياكم بما نكتب ونسمع ونقرأ وأن يحفظكم ويسدد خطاكم ويبارك في جهدكم ويرفع قدركم ويغيظ بكم أعداءكم ويقر أعين أحبتكم إنه سميع قريب.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

وكتبه / أبو يحيى الليبي

«17/ ربيع الأول / 1428هـ»

❖ ❖ ❖

ص 3018

📚
نهاية هذا المبحث

لقد أتممت قراءة كتاب: رسالة إلى الشيخ أبي عمر البغدادي

يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.

تحميل الكتاب مفردًا