🎬المواد الصوتية والمرئية المصاحبة

مباحثة في الطائفة الممتنعة وقتالها

مباحثة في الطائفة الممتنعة وقتالها

مباحثة في الطائفة الممتنعة وقتالها

[يُحتمل أنها في: شوال 1430 هـ / 10 - 2009م، نُشرت صوتية في التلجرام]

۞

الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله؛ أرسله الله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، ولو كره الكافرون؛ صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، وعلى من اتهدى بهديه وسار على سنته على يوم الدين، ثم أمن ا بعد.

ص 2605

فموضوعنا اليوم ليس بعيدًا عن الموضوع الذي كنا نتكلم عنه بالأمس والمرتبط بأحكام المرتدين، لكن أنبه أولا إلى أن الموضوع اليوم لا أريد أن أدخل فيه من جهة الأحكام الفقهية المتعددة؛ فهذه كثيرة ولا تنتهي، ولكن أريدكم فقط أن تتصوروا أن هناك مسألة شرعيا تجدونها كثيرًا في ساحات الجهاد، ودائمًا يتكلم فيها الشباب فيما بينهم؛ منهم من يفقه ما يقول فيها، ومنهم من لا يفقه ما يقول يجد قولا فيردده، فأريد في هذه الجلسة فقط أن أبين لكم كيف تتصورون المسألة تصورًا صحيحًا.. يعني هذه المسألة التي يحصل فيها الكلام: ما هو التصور الصحيح لها؛ حتى إذا أصدر الإنسانُ حكمًا بعد ذلك يكون هذا الحكم مبنيًا على قواعدَ وأصول وطريقة صحيحة، وإذا خالفه غيرها في هذه المسألة يفهم ما هو وجه المخالفة في هذه المسألة.. هل هذه المخالفة معتبرة شرعًا ولها وجه وحظ من النظر، أم هي بدعة وضلالة كما يقوله بعض من لا يفقه هذه المسألة.

هذه المسألة تتعلق بحكم «الطائفة»؛ فقلَّ ما تدخل إلى ساحة من ساحات الجهاد إلا وتجد هناك جدلًا وكلامًا يدور بين الشباب، وربما حتى بين الكبار: هل أنت تكفر الطائفة عينًا؟ أم هي كافرة على العموم؟ يعني: هل أنت تكفر هذا الجيش عينًا، بحيث تحكم على كل واحد في هذا الجيش بأنه كافر أو مرتد، أم لا تكفر هذا الجيش وتعتبره في الجملة طائفة ردة أو غير هذا من الأقوال؟ فالكلام يدور على هذه النقطة؛ يعني: ما هو التوصيف لمثل هذا الكلام؟ هل هذا الكلام صحيح أو ليس صحيحًا؟ وما وجهة نظر من يقول بكذا ومن يقول كذا؟!

إذًا كلامنا ينصب على واقع، وكلامنا هنا ليس كلامًا مجردًا، ولا مأخوذًا من بطون الكتب فقط، وإنما ينصب على واقع نعيشه.

فأقول وبالله التوفيق: عندما نتكلم على حكم الطائفة، فنقصد بها الجيوش التي تدافع عن الأنظمة المرتدة في بلدان المسلمين.. ويتبعها بلا شك في ذلك: أجهزة الاستخبارات، التي هي أولى بالكلام عليها من الجيوش؛ فأقصد بحكم الطائفة هنا هو الكلام الذي ذكرته، ولا أتكلم على الأحكام الفقهية؛ كالأسير: ما حكمه؟ وأموالهم ما حكمها؟ فليس هذا الذي أتكلم عنه، ولكن أتكلم على جهة الحكم عليهم بالردة من عدمها.

فالجيش الباكستاني مثلا: من يقول إن الجيش الباكستاني كلهم مرتدون كفار؟ ومن يقول: الراية التي يقاتلون تحتها هي راية مرتدين، وكذلك نفس الكلام يقوله في الجيش المصري والجيش الجزائري والجيش الليبي والجيش السعودي والجيش الكويتي.. فما هو التصور الصحيح لهذه المسألة؟

وهناك نقاط وأمور ينبغي أن يُتفق عليهما بين المجاهدين، أو بين من يؤصل لهذه المسألة تأصيلًا صحيحًا:

ص 2606

1- الأمر الأول: أنَّ الطائفة الممتنعة عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة يجب قتالها باتفاق العلماء.. وهذا حكم شرعي عام يتعلق بإثبات أن كل طائفة ممتنعة -ومعنى ممتنعة أنَّ لها قوة وشوكة تأبى بها وتدفع بها من يريد أن يطالبها بالحكم الشرعي؛ فتمتنع عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة كالصلاة، فتقول: نحن لا نريد أن نصلي الصلوات الخمس، نأمرهم بالصلاة فيقولون: لا نصلي، فإذا أردنا أن نلزمهم قاتلوا دون ذلك؛ فهؤلاء يقاتلون بالاتفاق.. ولا نتكلم على التكفير الآن، ولكن نتكلم فقط عن حكم قتالهم؛ فهذه النقطة ينبغي أن يتفق عليها، وسأقرأ لكم كلام شيخ الإسلام في هذه المسألة بالتفصيل كما فصله هو بنفسه، ومثل ترك الصلاة: ترك الزكاة، وترك الحكم بما أنزل الله، والصيام والأذان أو غير ذلك.

فهذا حكم شرعي متفق عليه، ولا يلزم مِن وجوب قتال الطائفة الممتنعة تكفيرها، فلا يلزم أن تكون طائفة كافرة، فقد تمتنع على أمر ليس مكفِّرًا، وهذا كالخوارج الذين ذهب ابن عباس رضي الله عنه إلى معسكرهم وناظرهم؛ فإلى هذا الوقت لم يكونوا ممتنعين، ولكن عندما بقي بعضهم على مذهب الخوارج وقتلوا أحدَ أصحاب علي رضي الله عنه وطالبهم بأن يسلموا له القاتل فأَبَوا وقالوا: كلنا قتلنا، فصاروا هنا ممتنعين، وقاتلهم علي رضي الله عنه وقاتلهم الصحابة رضي الله عنهم معه؛ فالخوارج ليسوا كفارًا، على الأقل في حكم الصحابة رضي الله عنهم الذين قاتلوهم، ومع ذلك اتفق الصحابة على قتالهم.

ص 2607

والخلاف في تكفير الخوارج بين الصحابة -إذا صح هذا الخلاف- أو بين العلماء؛ ليس مبناه على ما امتنع عليه الخوارج، وإنما مبناه على الأدلة والأحاديث الخاصة التي وردت في الخوارج؛ فهناك أحاديث خاصة وردت في الخوارج تأمر بقتالهم وتمدح مَن قتلهم، فبعض الصحابة وبعض العلماء فَهم من هذه الأحاديث أن النبي ﷺ قضى أو حكم بكفرهم؛ فكفَّرَهم بالأحاديث وليس باعتبار ما امتنعوا عليه، وبعض العلماء قال: لا، فهم ليسوا كفارًا، وهذه الأحاديث ليست صريحة في تكفيرهم، وإنما هم أهل تأويل؛ فالخوارج إنما فعلوا ما فعلوا من القبائح من تكفيرهم للصحابة واستحلالهم لدماء المسلمين وأخذهم لأموالهم وانحيازهم عن دار الإسلام.. إنما فعلوا ذلك كله بتأويل من عندهم، ونحن سمعنا كيف يناظرهم ابن عباس؛ فهم يحتجون لأفعالهم بأدلة من القرآن اعتمدوا عليها، وإن كان الاستدلال والتأويل باطلًا؛ إلا أنهم اعتمدوا فيما قالوا على أدلة.. إذًا لا يلزم من وجوب قتال الطائفة تكفيرها.

ونفهم من هذا الكلام أن ما تمتنع عليه الطوائف منه ما يكون كفرًا صريحًا، ومنه ما لا يكون كفرًا؛ إذًا هنا يمكن أن نقول إن الطائفة الممتنعة عن شرائع الإسلام على نوعين:

أ- أن تكون هذه الشريعة التي امتنعت عليها: تركها كفرٌ، أو فعلها كفر؛ فقد يكون الأمر الذي امتنعت عليه كفرًا.

فلو أن الطائفة امتنعت على ترك الصلاة وقالت: نحن لا نصلي؛ ترك الصلاة على الصحيح كفر، فإذا تركوا الصلاة من غير تأويل ومن غير شيء؛ فهذه الطائفة امتنعت على أمر مكفر.

والصحابة رضي الله عنهم قاتلوا مانعي الزكاة، ولأن منع الزكاة اختُلِفَ فيه؛ هل مَن امتنع عن أداء الزكاة يَكفر أو لا يكفر، فقد وقع الخلاف بعد ذلك بين العلماء: هل الصحابة قاتلوا مانعي الزكاة وحكموا عليهم بأنهم مرتدون، أم أنهم لم يحكموا عليهم بالردة؟! ولهذا جعل بعض العلماء قتالَ مانعي الزكاة من باب قتال البغاة، وهذا كثير في كتب الفقه.. فيجعل بعض العلماء قتال الصحابة لمانعي الزكاة من باب قتال البغاة؛ لأن هذه الشريعة التي تركوها ليست كفرًا عنده، فأبوا أن يعطوا الزكاة بتأويل.

والذي يقول بأن الصحابة كفَّروا مانعي الزكاة يعلل هذا بأن سيرة الصحابة في قتال مانعي الزكاة هي نفس سيرتهم في قتالهم لأتباع مسيلمة المرتدين -وأتباع مسيلمة كفار لا خلاف فيهم- فغنموا أموالهم وسبوا نساءهم -إذا صح هذا القول-؛ فعاملوهم تمامًا كما يعاملون المرتدين، فجعلوا الدليل على كفر مانع الزكاة هو إجماع الصحابة، يعني ليس عندهم دليل مستقل يعتمدون عليه، ولكن أخذوا الحكم بالكفر على مانعي الزكاة الذين قاتلهم الصحابة من طريقة تعامل الصحابة معهم في أحكام القتال.

ص 2608

فمثال الطائفة الممتنعة على أمر مكفر: ترك الصلاة، فهذا أمر متفق عليه على الصحيح، وكذلك مانعي الزكاة كفرهم الصحابة ونقل الإجماع غير واحد عليه.. فهؤلاء امتنعوا على أمر مكفر فكفرهم الصحابة وقاتلوهم.

ب- أو أن تكون هذه الشريعة تركها ليس كفرًا: مثل ترك الأذان، ومع ذلك فالحكم واحد، وجوب القتال؛ وهنا ممكن أن نضرب لهم مثلا بقتال الخوارج الذين امتنعوا على أمور تأولوا فيها وقاتلهم الصحابة ولم يكفروهم.

فالخوارج ومانعي الزكاة: طائفتان ممتنعتان عن بعض شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة، بعضها كَفَر وبعضها لم يَكفر، ومع ذلك اتفق العلماء على وجوب قتالهم.

ولهذا فعندما تقرأ كلام شيخ الإسلام عن قتال التتار، ويقول: إن قتال هؤلاء واجب بإجماع العلماء، وأن قتالهم ليس من جنس قتال البغاة٣٬٣٥٢[انظر فتوى شيخ الإسلام في التتر ضمن: مجموع الفتاوى (28/513)، وكذلك راجع كتاب: ابن تيمية والمغول؛ تاريخ لم يقرأ، لمحمد براء ياسين].، وذلك لأنَّ البغاة طائفة مسلمة وقد يكونون من أهل العدل ولكنهم خرجوا على الإمام بتأويل، قال: ولكن قتالهم من جنس قتال مانعي الزكاة ومن جنس قتال الخوارج؛ فشيخ الإسلام يكفر مانعي الزكاة ولا يكفر الخوارج وعبارته صريحة في هذين الأمرين؛ فكيف يجعل قتال التتار من جنس طائفتين مختلفتين، إحداهما طائفة كافرة والأخرى طائفة ليست كافرة عنده؟! فيكون معنى كلامه أنَّ هذا من باب أن هذه الطائفة وهم التتار امتنعوا عن شرائع الإسلام، كما أن الخوارج امتنعوا عن شريعة من شرائع الإسلام، فالتتار لهم نصيبهم في هذا، وكما أن مانعي الزكاة امتنعوا عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة، فالتتار لهم نصيبهم في هذا.. فكان تركيز شيخ الإسلام على نوع القتال الذي يستحقه التتار: هل هو من قتال البغاة أم هو قتالٌ من نوع آخر؟، وهو الذي سماه «قتال الطائفة الممتنعة عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة».

ص 2609

إذًا من هنا نفهم أنه لا تلازمَ بين وجوب القتال وبين الحكم على الطائفة؛ فيمكن أن نتفق على حكم ونختلف في حكمٍ آخر، ولهذا فالخوارج هناك مَن كفرهم مِن العلماء وهناك من لم يكفرهم رغم اتفاقهم على قتالهم إذا كانوا طائفة ممتنعة.. فمانعي الزكاة وهي طائفة محددة قاتلها الصحابة، اختلف العلماء بعدهم -ولا أقول: اختلف الصحابة- في كفر مانعي الزكاة، واتفقوا على وجوب قتالهم.. فهذه هي النقطة الأولى التي لا بد أن تكون واضحة عندنا: أننا نتفق على وجوب قتال كل طائفة ممتنعة عن شرائع الإسلام، وقد نختلف في الحكم على هذه الطائفة، ونحن هنا لا لا نختلف في الحكم على أفرادها، بل الكلام على نفس الطائفة: هل هي طائفة ردة أو ليست طائفة ردة؛ فقد نتفق على وجوب قتال طائفة ممتنعة ونختلف في الحكم: هل هذه الطائفة فقط طائفة ممتنعة عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة التي ليست كفرًا (فهي ليست طائفة ردة إذًا)، أو أنها امتنعت على شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة التي يكون تركها كفرًا (فتكون طائفة ردة).

2- الأمر الثاني الذي ينبغي أن يتفق عليه: هو أن هذه الطوائف التي نتكلم عليها ظهرت في صورة طوائف ممتنعة، فالجيوش أو الاستخبارات أسست وقامت على ترك بعض الأمور التي أمر الشرع أمرًا قاطعًا بأدائها، وقامت على الامتناع عن فعل بعض الأمور التي نهى الشرع عن فعلها نهيًا جازمًا.. فلا تتصوروا عندما نقول «طائفة ممتنعة» أنه لا بد أن يكونوا منحازين في مكان معين أو في قرية معينة، وقد اجتمعوا وعندهم الرئيس أو السيد أمامهم وتكون الجماعة خلفه؛ ليس هذا هو المقصود، ولكن النظام أو القانون الذي قام عليه هذا الجيش أو جهاز الاستخبارات يعطي حصانة ومنعة لصاحبها ما دام منتميًا إلى هذا الجهاز -جهاز الاستخبارات أو الجهاز العسكري- ولذلك فإذا قُتل العسكري فحاله يختلف عما إذا قُتِل أحد الناس؛ من جهة العقوبة وتغليظها وربما تصل عقوبة من يقتل العسكري إلى الإعدام، وذلك لأن هذا الإنسان عنده مناعة، والذي أعطاه هذه المناعة هو القانون.

فهذه الجيوش باعتبار القانون الذي قامت عليه والمهام التي أوكلت إليها في داخل القانون -فكل جيش عنده قانون: ما هي مهامه؟ ما هي الأشياء التي يتدخل فيها والأشياء التي لا يتدخل فيها؟ ما هي الأشياء التي يتولى حمايتها والأشياء التي لا يتولى حمايتها؟- فهذا القانون مع وجود الحماية، القوة، السلاح، ومنعة القانون (وهي غير المنعة الحسية بالسلاح) جعلت هؤلاء في حكم الطائفة الممتنعة.

ص 2610

3- الأمر الثالث الذي ينبغي أن يتفق عليه: أن هذه الطوائف الممتنعة «والكلام عن هذه الجيوش» قد امتنعت على أمور مكفرة؛ يعني تولت وقامت بمهام أو بأعمال هي في نفسها هذه الأعمال كفر، إما تركًا وإما فعلًا، وهذه لا يحصيها إلا الله سبحانه وتعالى، منها: الدفاع عن الدستور الذي هو قانون وضعي، فأول مهام الجيش هي حماية الدستور؛ فيقول لك: «الدستور خط أحمر» فلا يجوز لأحد أن يقترب منه، وإذا شعرت أي دولة من الدول بأن هناك خطرًا على دستورها، والذي هو دستور وضعي يتضمن نقاطًا كفرية تخالف شرع الله عز وجل مخالفة واضحة صريحة بما لا يحصيه إلا الله عز وجل.. فإذا وصل الخطر إلى هذا الدستور فإن الدولة تنقلب إلى حالة الطوارئ مباشرة.. ومن الذي يتولى حالة الطوارئ؟ هي الجيوش.

ونحن نعلم أن هذه الدساتير هي قوانين وضعية فهي طواغيت، والذي شرَّعها طاغوت، والذي يتولى الحكم بها طاغوت أيضًا؛ ألم يقل الله عز وجل: ﴿أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزۡعُمُونَ أَنَّهُمۡ ءَامَنُواْ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوٓاْ إِلَى ٱلطَّٰغُوتِ وَقَدۡ أُمِرُوٓاْ أَن يَكۡفُرُواْ بِهِۦۖ وَيُرِيدُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَن يُضِلَّهُمۡ ضَلَٰلَۢا بَعِيدٗا﴾ [النساء: 60] إذًا الحُكمُ طاغوت، والذي يشرعه طاغوت، والذي يحكم بهذا القانون الوضعي المخالف لدين الله عز وجل داخلٌ في الطاغوت أيضًا.. وهؤلاء الثلاثة كلهم تحت حماية الجيش؛ يعني بالتعبير الأصلي: السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية والسلطة القضائية، هذه الثلاثة وهي أركان كل نظام، كلها تدخل تحت حماية الجيش، والجيش يتولى الدفاع عنها، ويتولى إقرار ما يصدر عنها، ويتولى إلزام الناس بتنفيذ وقبول ما يصدر عنها.

فالسلطة التشريعية منها: البرلمان الذي يتولى سن القوانين، وعلى رأسهم الملك أو الرئيس أو الأمير؛ فهذا لا بد أن يكون له حظ من السلطة التشريعية.

والسلطة التنفيذية هي الحكومة، كرئيس الوزراء وغيرهم، وهم الذين يشرفون على تنفيذ الأمور التي تصدر عن السلطة القضائية وعن السلطة التشريعية أيضًا؛ فيتولون تنفيذها.

ص 2611

والسلطة القضائية هي التي تحكم بحسب القوانين التي تسنها السلطة التشريعية، إذًا هي سلسلة متوالية.

فنقول: هذه الطوائف امتنعت على أمور مكفرة، وأنا الآن لا أتكلم على أعيان أفرادها، ولا أقول إن كل واحد من الجيش كافر، فليس هذا الذي أتكلم عليه الآن، وهذه النقطة ستأتي، ولكن أتكلم على النقاط التي ينبغي أن يُتَّفق عليها بين من يتكلم في هذه المسألة، سواء من يقول بهذا القول أو بغيره؛ لأن المخالفة في هذا كالمخالفة في الأمور المسلمات، فنحن نعلم أن الأرض كلها إنما تُحكم الآن بالقوانين الوضعية، وعندما نقول «تُحكم» يعني يُلزم الناس بهذه الأحكام، فمن الذي يلزم الناس بهذه الأحكام؟ هي الجيوش..

وتحت هذه النقطة احسب كل نقطة جزئية خالفوا فيها دين الله ﷻ.

ومن الأمور الظاهرة الواضحة مما امتنعوا عليه: مظاهرتهم للكفار الذين ظهر كفرهم؛ مظاهرتهم يعني إعانتهم ومساندتهم ومعاضدتهم للكفار الذين ظهر كفرهم، أقصد معاونتهم لهم على المسلمين.

وخذ مثلًا: الجيش الباكستاني، فلا أحد يجهل أن الأمريكان يقاتلون المسلمين في أفغانستان، وعندما أعلنت الحرب على طالبان كانت باكستان بعيدة في أول الأمر -بحسب الظاهر طبعًا- ثم في جلسة صريحة خرج برويز مشرف وقال: «نحن رأينا بعد المشورة أن نكون بجانب الحلف الذي يحارب الإرهاب»، يعني يحارب المسلمين..

فمن الذي تولى إسقاط دولة طالبان بالمعلومات الاستخباراتية الدقيقة؟ إنها الاستخبارات الباكستانية.

ومن الذي يتولى حفظ وحماية الحدود والقبض على أكثر من ست مئة مجاهد في باكستان؟ هم هؤلاء المجرمون.

ومن الذي يتولى الآن قتال المسلمين في سوهات وفي وزيرستان وفي غيرها؛ معاونةً واستجابة لدعوات الأمريكان؟ هم هؤلاء المجرمون.

ص 2612

وكذلك الجيش السعودي: فالقواعد الأمريكية الراسخة الموجودة في السعودية -في الخرج وغيرها-، والتي يراها الأعمى قبل البصير؟ هذه القواعد الأمريكية، من الذي يتولى حمايتها؟ والدفاع عنها؟ ليس الدفاع عن القاعدة من داخلها، وإنما أقصد حماية هذه القواعد من أن يصل إليها أحد، ومن الذي يزودهم بالطعام والشراب والبترول والذخيرة؟ ومن الذي فتح الموانئ في السعودية وفي الكويت لحاملات الطائرات الأمريكية لتصول وتجول؟ طبعًا النظام، ولكن الذي يتولى هذا الأمر مباشرة هم هذه الجيوش والاستخبارات.. وهذا الأمر من جملة الأمور التي لا يختلف العلماء فيها أن مظاهرة الكفار على المسلمين هي كفر، وهو من نواقض التي ذكرها الشيخ محمد بن عبد الوهاب في نواقض الإسلام.

ولكن هذا الأمر يختلف ظهوره من دولة إلى دولة بحسب الحال، يعني اليمن لم يكن أحد يعرف قبل أن تضرب سفينة «كول»؛ فلم يكن أحد يعرف أن هناك قوات أمريكية تصول وتجول في مياه اليمن، فلما ضربت ظهر هذا الشاويش «علي عبد الله صالح» وتكلم وأن هؤلاء ضيوف إلى غير ذلك.. وهذه السفينة «كول» كانت مباشرة ومشرفة على قصف العراق، وحماية القوات الأمريكية في المنطقة.. ولكن هذا الأمر لم يكن ظاهرًا، فالأمر قد يظهر من دولة إلى دولة، أو يكون أوضح من دولة إلى دولة، ولكن أصل المظاهرة والإعانة موجودة في الجملة عند الجميع.

ص 2613

وعددوا أنتم من النقاط التي لا يحصيها إلا الله سبحانه وتعالى، وكتب في هذا مشايخ كثيرون، وهي الأمور المكفرة التي اجتمعت عليها هذه الطوائف: الحكم بغير ما أنزل الله، التشريع المخالف لأمر الله عز وجل، استحلال دماء المسلمين (وفرقوا بين الخوارِج وبينهم؛ فالخوارج إنما كانوا يفعلون ذلك بتأويل، وأما هذه الطوائف فأصلًا لا يبحثون عن الحكم الشرعي، ولا يسألون عن فتوى مفتي، وإنما يقال له: اهجم على هذه الطائفة، فيهجم عليها.. أبِد هذه القرية، فيبيدها! ألم يُقتل في حماة في يوم واحد أكثر من عشرين ألف بين مصلي وراكع وساجد وامرأة وطفل وشيخ، عشرين ألفًا من المسلمين.. هذا الفعل من الذي قام به؟ قامت به هذه الجيوش، فعندما نقول: استحلال دماء المسلمين، فيعني هذا أنه أصلًا لا ينظر إلى حرمة لهذه الدماء، وإنما الأمر عنده متعلق بأمر الملك أو الرئيس: افعل، ولا تفعل ﴿وَقَالُواْ رَبَّنَآ إِنَّآ أَطَعۡنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا فَأَضَلُّونَا ٱلسَّبِيلَا۠﴾ [الأحزاب: 67].

فهذه النقاط الثلاثة ينبغي أن يتفق عليها، ولا يكابر في القول بها.

إذًا جمعت هذه الطوائف بين أمرين: أن لها شوكة وقوة تحمي به نفسها، وتجبر الناس على قَبول ما تريده؛ فالامتناع موجود، والأمر الثاني: أنَّ هذه الأمور التي امتنعت عليها أو عنها أمور معلومة من دين الإسلام بالضرورة، فكل مسلم يعرف أن سن تشريعٍ مخالفٍ لأمر الله عز وجل هذا كفر برب السماوات والأرض.. فهاتان النقطتان لا بد أن يتفق عليهما.

والآن نأتي إلى النقطة التي يحصل فيها الكلام: هل هؤلاء كفار على التعيين، أو أنها طوائف ردة؟ مع التنبيه على الأمر الذي ذكرته أولًا وهو الذي ينبغي أن يكون ثابتًا في أذهانكم: الاتفاق على وجوب القتال.

وحقيقة تأمَّلتُ كثيرًا وسألتُ مشايخ الجهاد الذين كانوا في الساحة عن مسألة: «هل هم كفار على التعيين؟ أو هم طائفة ردة في الجملة؟» ما هي ثمرة هذا الخلاف؟ يعني هل يترتب عليها شيء من الأحكام الفقهية في القتال؟ نحن نتعامل معهم من جهة القتال، هل يترتب على هذا الخلاف شيء من الأحكام الفقهية الجهادية؟ فما وجدنا، ولذلك فإنها تكاد تكون مجرد خلاف لفظي في الجملة.. ولكن مع ذلك لا بأس أن تفهموا صورة المسألة؛ ونتكلم هنا عن الطائفة الممتنعة المعاصرة، فلمشايخ الجهاد والمجاهدين في هذه المسألة قولان:

1- القول الأول يقولون: لا نحكم على أعيان هذه الطائفة وعلى كل فرد من أفراد هذه الطائفة بأنه مرتد، فالله أعلم بحاله، ولكن نحكم على الراية التي يقاتلون تحتها، وأنها راية ردة، وذلك باعتبار الأمور التي امتنعوا عليها. فيقولون: «طائفة ردة، على العموم» يعني الحكم على مجمل الطائفة، وعلى عموم هذا الجيش، أما إنزال الحكم على كل واحد منهم بعينه أنه مرتد، فيقول: لا أنزل هذا الحكم، وفي القتال وسفك الدماء وغنيمة أموالهم أتعامل معهم كأنهم مرتدون.

ص 2614

2- القول الثاني يقول: أحكم على أعيان هذه الطائفة أنهم كفار على التعيين؛ يعني يقول: إن هذه الجيوش، كل واحد فيها فأحكم عليه بأنه مرتد.. لماذا؟

لأنه أولًا ارتكب بعض المكفرات كما ذكرنا قبل قليل، والأمر الثاني لأنه امتنع على هذا الأمر المكفر، يقول: فأنا أحكم على كل واحد منهم بأنه كافر، وفي الآخرة أمره إلى الله، فأنا لا أعلم حاله في الآخرة.. هذان هما القولان في المسألة؛ طائفة ردة على العموم، وكفار على التعيين.

وأما من جهة أحكام القتال فما وجدنا فرقًا: فيقتل أسيرهم، يجهز على جريحهم، يتبع مدبرهم، تغنم أموالهم، نفس الأحكام في القتال.

والسؤال: ما علة القول الأول؛ أي: لماذا أصحاب القول الأول لم يحكموا على هؤلاء الأفراد بأنهم كفار على التعيين مع تلبسهم وفعلهم للأمور المكفرة؟ وتأملوا مأخذ قولهم لأنه يقع خلل في فهم كلامهم.

ص 2615

قالوا: نحن حكمنا على الراية، وحكمنا على الأفعال التي يقوم بها هؤلاء، وأما الحكم على أعيانهم فنتوقف فيه، باعتبار موانع التكفير التي تشيع وتنتشر بينهم؛ كالتأويل، والجهل، والإكراه، -وأما مانع القصد فليس له محل مانع هنا- فصاحب هذا القول يقول: أنا لا أبادر بالحكم على أعيان كل طائفة من الطوائف بأنه كافر لأنني أرى بحسب ما يظهر لي أنَّ هناك بعضَ موانع التكفير تنتشر بينهم؛ فقد يكون فيهم مَن هو كافر على التعيين، وإذا تبين لي أنه لا عذر له، وليس عنده تأويل؛ فأكفره ولا أتوقف في تكفيره. ولكن الحكم عليهم جميعًا بأنهم ليس عندهم شيء من موانع التكفير، مع أنني أراها بعيني؛ فهذه مجازفة.. فعدم تكفيرهم ليس مبنيًا على أنهم لم يستحلوا يستحلوا الحكم بغير ما أنزل الله ولا مظاهرة الكفار.. كلا، فأفعالهم عنده كفر لا يَشك في هذا، والراية التي يقاتلون تحتها راية كفر لا يَشك في هذا، ولكن الكفر عنده لا يسقط على الأعيان إلا بتوفر شروط وانتفاء موانع؛ فلذلك يقول: إن الموانع موجودة كما أراها؛ فالإكراه يدخل فيه التدريب الإجباري أو التجنيد الإجباري، وجاء في الحديث عن النبي ﷺ في الجيش الذي يغزو الكعبة قال: (وفيهم المجبور والمستبصر)٣٬٣٥٣[صحيح مسلم (2884)، ولفظه: (فِيهِمُ الْمُسْتَبْصِرُ وَالْمَجْبُورُ وَابْنُ السَّبِيلِ، يَهْلِكُونَ مَهْلَكًا وَاحِدًا، وَيَصْدُرُونَ مَصَادِرَ شَتَّى، يَبْعَثُهُمُ اللهُ عَلَى نِيَّاتِهِمْ)].، المجبور يعني المكره، وفيهم الجهل بل هم أجهل الناس ولا يعرفون حقيقة ما يفعلون، فلا هم عارفين الدستور ولا الحكم بغير ما أنزل الله ولا غيرها، وهناك بعضهم عنده تأويل؛ بسبب فتاوى الضلالة التي يقدمها لهم علماء السلطان فهو ماشي على أساس هذه الفتاوى.

فيقول: باعتبار هذه الأمور التي تنتشر بينهم فأنا أتوقف على الحكم على أفرادهم بالكفر.. هذا هو مبنى القول، ولذلك فصاحب هذا القول يقول: أنا قد أحكم على جزء من الطائفة بأنهم كفار على التعيين لعلمي بأنهم ليس عندهم شيء من موانع التكفير، فالحكم على الطائفة يمكن أن يتجزأ؛ فمثلًا يقول: الذين يتولون تعذيب الإخوة واعتقال الإخوة هؤلاء عندي كفار على التعيين؛ لأنه قطعًا ليس عندهم شيء من موانع التكفير، ويسمعهم الإخوة وهم يسبون الرب في كل وقت أو يسمع صاحبه يسب الرب ولا ينكر عليهم؛ فهؤلاء تولوا حرب الإسلام العلنية الواضحة مباشرة، فيقول: هذه الطائفة أكفرها على التعيين.

وقد تكون هذه الطائفة مثلًا -وهذا ليس حكمًا مقصودًا على التعيين لكن لضرب المثل فقط- هي «الكوماندوز» في الجيش في دولة ما، فيقول: عندي أن هؤلاء كفار على التعيين؛ لعلمي بأن من شروطهم أصلا عدم الصلاة وكذا وكذا؛ فعندي ليس عندهم شيء من موانع التكفير.. الحكم على الطائفة يمكن أن يتجزأ؛ يحكم على بعضها بأنهم كفار، ويحكم على بعضها بأنهم تحت راية ردة في الجملة.

ص 2616

وأما القول الثاني فمأخذهم أنهم يقولون: نحن لسنا مطالبين بالنظر في موانع التكفير، لأنه هو منع نفسه، وأصلًا ما ترك لي مجالًا حتى أنظر؛ أعنده موانع تكفير أم ليست عنده، بل امتنع بالسيف وبالقوة والشوكة من البداية؛ فجنى على نفسه بذلك، فأنا أحكم عليه بأنه كافر. ولذلك يقولون: إن الممتنع لا تجب استتابته، وهؤلاء ممتنعون.. فيقولون: إنه لا يجب علي أن أبحث عن موانع التكفير قبل القتال، وإنما نُعملُ موانعَ التكفير إذا علمنا بوجودها.. ففرق بين الصورتين.

فصاحب هذا القول يقول: ليس معنى قولي أنني أتوقف عن تكفيرهم حتى أعلم أعندهم موانع تكفير أم لا، فهم ممتنعون، ولكنَّ قولي مبني على علمي بوجود موانع التكفير التي أراها.. فإذا كان القول مبنيًّا على هذا، وهو أن الجميع يتفق على أن من عنده مانع من موانع التكفير فلا يحكم عليه بالكفر، ويمكن أن يتفق على وجوب القتال سواء كان مسلمًا أو كافرًا، فهذا الأمر متفقون عليه جميعًا لأنهم طائفة ممتنعة.

فإذا كان هذا هو مبنى الخلاف فقط: أعندهم موانع تكفير أم ليست عندهم موانع تكفير؟ فمن رأى أن موانع التكفير تنتشر بينهم وتشيع اعتبرها وتوقف عن الحكم بالتكفير على أعيان الطائفة، ومن اعتبر أن موانع التكفير التي عندهم غير معتبرة أصلًا وأنهم لم يتركوا مجالًا للبحث ومعرفة حقيقتهم، فقال: هم كفار على التعيين؛ فهذا هو مبنى هذه المسألة وهل يعذر الفرد أم لا يعذر.

والذي أقوله أنا في هذه المسألة: أن الأمر يختلف من بلد إلى بلد؛ فبعض البلدان أنا أحكم على جيوشها بأنهم كفار على التعيين، وبعض البلدان أعتبر طائفتهم طائفة ردة فقط.. بل في البلد الواحد قد يتغير الحكم من وقت إلى وقت؛ فقد تكون هذه الطائفة اليوم عندها مانع الجهل، ثمَّ مع استمرار الوقت ومع دعوة المجاهدين ومع إعلام المجاهدين؛ أعتقد أن هذا الجهل قد زال، فعندها ينتقل الحكم من الحكم عليهم بالإجمال إلى الحكم عليهم بالتعيين.. فالأمر يختلف من مكان إلى مكان ومن زمان إلى زمان في حق الطائفة الواحدة، ولا أرى أن تُنصب راية الخلاف والنزاع والشقاق على مسألةٍ بهذا التأصيل.

ولذلك حتى أصحاب هذا القول كثير منهم يقول: إن القول الأول معتبر، وأكثر من يتبنى القول الثاني وهو أنهم كفار على التعيين الشيخ أبو محمد المقدسي -فرج الله عنه- ومع ذلك يعتبر أن هذا قول يعذر صاحبه، ويعتبره قولًا عن اجتهاد.

ص 2617

فالمسألة إذًا واسعة، فلا يأتي أحد، ويقول: فلان لا يكفر الجيش الباكستاني؟ ماذا تقصد بقولك «لا يكفر الجيش الباكستاني؟ هل لا يرى قتالهم؟ هل لا يعاملهم في القتال معاملة المرتدين؟ أو هل يعتبرهم بغاة؟ أو هل لا يكفر كل واحد منهم؟» فإذا كان يقصد أنه لا يكفر كل واحد منهم، ويقول: أنا والله أرى أنهم ما زال فيهم جهل كثير، وأن بعض مولوية الضلالة يفتونهم؛ فأنا أعذرهم لهذا.. فالأمر في هذا واسع، وليس هذا من قطعيات الشريعة التي يجب أن يكون فيها القول متفَقًا؛ أقصد في تنزيل الحكم على هذه العينية.

وإذا كان العلماء اختلفوا في طائفة قاتلهم الصحابة، وهم مانعي الزكاة وهي طائفة محددة معروفة قاتلها الصحابة، والعلماء بعد ذلك اختلفوا في تكفيرهم، فكيف بنا في زماننا في الخلاف في تكفير هذه الطائفة من عدم تكفيرها؟

والخلاصة أننا ذكرنا أنه في أحكام القتال لم نجد فرقًا، وربما في الأحكام الأخرى كالذبائح والأنكحة فهنا يُبنى عليها أحكام.. فصاحب القول الثاني يعتبرهم مسلمين فيجيز مثلا ذبائحهم، ولكن القول الثاني يعتبرهم كفار فلا يجيز ذبائحهم، ولكن الذي يعنينا من جهة القتال؛ فهؤلاء حكمهم حكم المرتدين في القتال وأخذ المال وليس في الأبواب الأخرى، هكذا عبارة علماء الدعوة النجدية: «حكمهم حكم المرتدين في القتال وأخذ المال».

وذكرنا أنَّ الطائفة الواحدة قد يتجزأ الحكم فيها؛ فالإخوة في الجزيرة مثلا يكفرون «قوات الطواري» لعلمهم أن هذه الطائفة هي شر الطوائف، مع أن كل الجيش في الجملة يشترك في شيء واحد، فإذا وقع الخطر على عرش آل سعود فكلهم ينتفضون، ولكن هذه «الطواري» أسسوا أصلا لقتال الإخوة مباشرة؛ ففي داخل الجيش قد تحكم على طائفة أو جزء من الجيش يكون له اسم معين أو خاصية معينة؛ فتحكم عليهم بأن كل واحد منهم كافر؛ لعدم وجود موانع التكفير في حقهم، والبقية تحكم عليهم بأنهم طائفة ردة، وإن كان يجمعهم أنَّ حكمَهم في القتال واحد.

سؤال: الجيوش الموجودة الآن عندهم طاعة عمياء، فيقول: كذا جاءك الأمر، خلاص اخرج، ولا تسأل، قاتل، واضرب، ولا تسأل نهائيًا، وإذا سأل قالوا: أنت ليش تسأل؟ فقط أطع الأوامر، وهذا صار عرفًا سائدًا، سواء كان من تهجم عليه مسلمًا أو كافرًا.

ص 2618

الشيخ أبو يحيى: بل كنا نسمع منهم أكفر من هذا، وأشد من هذا، فكنا نسمع منهم الكفر البواح الذي لا يشك فيه أحد، والعياذ بالله، وحتى الإنسان لا يستطيع أن يقول ما كانوا يقولونه، وهذا غير الأمور الأخرى، ونحن نتكلم هنا فقط على حكم الطائفة من جهة ما امتنعت عليه، وأما انتشار سب الرب بينهم، وانتشار ترك الصلاة فيما بينهم، ومنع الزكاة فيما بينهم.. هذه بلا حساب، ولكنن فرق بين من يمنع الزكاة وهو ليس من الممتنعين، ولكنه جاهل بحكمها أو مقصر فيها، أو لم يجد من يعطيها، وبين من يمنعها وهو بالسيف ممتنع عنها، ولذلك قال الإمام أحمد في تكفير مانعي الزكاة: «إذا قاتل دونها كفر وإذا لم يقاتل لم يكفر»، هذا قول الإمام أحمد في مسألة مانعي الزكاة وهو الراجح.

وقد سألتم عن رأي الدكتور أيمن في هذه المسألة، والدكتور أيمن بعد أن قرأ ما كنت كتبته قديمًا في هذه المسألة قال: إن رأيي مطابق لرأيك تمامًا في هذه المسألة، يعني أن الأمر يختلف من بلد إلى بلد ويختلف من زمن إلى زمن، فموانع التكفير هذه تزول، وليست شيئًا ثابتًا راسخًا لا يزول؛ فقد تكون الطائفة اليوم عندها موانع، ولكن بعد البيان وإقامة الحجة وإزالة ما عندهم، ماذا يبقى لهم بعد ذلك؟!

ولذلك فالجيش الباكستاني أنا أحكم عليه بأنهم مرتدون، والجيش الجزائري كذلك، كفار صراحة على التعيين، وهناك كثير من الإخوة من قادة «تنظيم القاعدة» لا يكفرونهم على التعيين؛ فلو فرضنا أن هناك حكمًا شرعيًا يتعلق بأمور القتال يترتب على هذا الخلاف، وكان أمير الجهاد مختارًا لأحد القولين فيجب طاعته في هذا الأمر؛ فالاعتقاد شيء والأمر العملي شيء آخر، فالأمير لا يلزمني بأن أعتقد تكفيرهم، ولا يلزمني بأن أعتقد عدم تكفيرهم، لكن لو افترضنا أن هناك حكمًا شرعيًا مبنيًا على الخلاف في أحد القولين، والأمير العام اختار هذا القول بناءً على ما ذهب إليه، فتجب طاعته، لأن المسائل اجتهادية، يجب فيها طاعة الأمير.

ص 2619

وجيش صدام يدخل في هذا الحكم، والحكم عليه باعتبار الطائفة لا الأعيان، فإنه في زمن حرب العراق وإيران كانت فرقة الإعدام تقف خلف الجيش العراقي؛ فالذي يفر موته أقرب بحسب الأسباب مِن الذي يقاتل في الأمام، والذي لا يقاتل في الجيش يُعدم ويعلق أمام بيته.. فهل هناك إكراه أشد من هذا؟ ولا نتكلم هنا عن مسألة: هل يجوز للجندي المكرَه قتل المسلمين أو لا يجوز، ولكن كلامنا في: إكراهه معتبر في عدم تكفيره أو ليس بمعتبر؟ ففرق بين الأمرين، فلا نقول إنه إذا كان مكرهًا فمعناه أنه لا يأثم بقتل المسلمين، فليس هذا الذي نقوله، فإنَّ العلماء متفقون على أن المسلم لو أُكِره على قتل أخيه المسلم فلا يجوز له أن يقتله، ولكن نتكلم على أنه ما دام الجندي مجبرًا على أداء هذا الفعل والبقاء مع الجيش فهذا مانع لتكفيره، فالأمر ليس كله قتال؛ فهناك أمور أخرى مكره عليها، كالدفاع عن هذا النظام الكفري، فهل هذا الإكراه إكراه معتبر أو ليس بمعتبر؟ هذا الكلام عليه.

وهل السجن إكراه أم لا؟ كلام العلماء في هذا موجود، وكلام كثير من السلف أن السجن إكراه، وورد في حديث صحيح عند مسلم، في حديث الذين يغزون الكعبة، قال النبي صلى الله عليه وسلم عنه: (وفيهم المستبصر والمجبور)، فالنبي صلى الله عليه وسلم شهد لهم بأنهم يكونون مجبورين، فالمجبور يعني المكره٣٬٣٥٤[صحيح مسلم (2884)، وتقدم قبل قليل]..

هذه هي خلاصة هذه المسألة، وسأقرأ عليكم بعض كلام شيخ الإسلام في وجوب قتال الطائفة الممتنعة، جزاكم الله خيرًا، وكلام شيخ الإسلام طويل وكثير في هذه المسألة، وذكره في مواضع مختلفة في مجموع الفتاوى، ولكني أقرأ عليكم حتى نتعلم، فنقرأ نصًّا واضحًا يشفي في بيان حكم قتالهم.

ص 2620

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وكل طائفة خرجت عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة؛ فإنه يجب قتالها باتفاق أئمة المسلمين وإن تكلمت بالشهادتين، فإذا أقروا بالشهادتين وامتنعوا عن الصلوات الخمس وجب قتالهم حتى يصلوا، وإن امتنعوا عن الزكاة وجب قتالهم حتى يؤدوا الزكاة، وكذلك إن امتنعوا عن صيام شهر رمضان أو حج البيت العتيق، وكذلك إن امتنعوا عن تحريم الفواحش» لأن البلدان كلها محمية بهم «أو الزنا أو الميسر أو الخمر أو غير ذلك من محرمات الشريعة» مثل الربا «وكذلك إن امتنعوا عن الحكم في الدماء والأموال والأعراض والأبضاع ونحوها بحكم الكتاب والسنة، وكذلك إن امتنعوا عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجهاد الكفار إلى أن يسلموا ويؤدوا الجزية عن يد وهم صاغرون، وكذلك إن أظهروا البدع المخالفة للكتاب والسنة واتباع سلف الأمة وأئمتها؛ مثل أن يُظهروا الإلحاد في أسماء الله وآياته، أو التكذيب بأسماء الله وصفاته، أو التكذيب بقدره وقضائه، أو التكذيب بما كان عليه جماعة المسلمين على عهد الخلفاء الراشدين، أو الطعن في السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، أو مقاتلة المسلمين» يعني: لم يكتفِ مقاتلة المسلمين «حتى يدخلوا في طاعتهم التي توجب الخروج عن شريعة الإسلام» يعني: إذا قاتلوا المسلمين من أجل أن يدخلوهم في طاعتهم، فيريد أن يجعلك في النظام الديمقراطي، أو يجعلك في النظام الاشتراكي وأمثال هذه الأمور» قال الله تعالى: ﴿وَقَٰتِلُوهُمۡ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتۡنَةٞ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ كُلُّهُۥ لِلَّهِۚ﴾ [الأنفال: 39]، فإذا كان بعض الدين لله وبعضه لغير الله وجب القتال حتى يكون الدين كله لله»٣٬٣٥٥مجموع الفتاوى (مجلد 28، صفحة 510-511). هذا كلام شيخ الإسلام، فهل ثمة نص أوضح من هذا النص؟!

وله كلام كثير طبعًا في هذه المسألة بنفس التفصيل، وبزيادات ونقصان؛ فمن أراد أن يقف عليه فليراجعه في مجموعة الفتاوى، وكذلك في الفتاوى الكبرى.. فشيخ الإسلام في المجلد (28) كلامه كله الجهاد، وله كلام بالتفصيل فيه تضمن فتوى طويلة في قتال التتار فصل في حالهم وأصنافهم ومن يوجد في عسكرهم ثم تكلم على قتالهم.

ص 2621

وكذلك أذكر لكم هذا المقطع في الكلام عن بني عبيد، ذكره الشيخ محمد بن عبد الوهاب، قال: «ولو ذهبنا نعدد من كفره العلماء مع ادعائه الإسلام، وأفتوا بردته وقتله لطال الكلام، ولكن مِن آخر ما جرى: قصة بني عبيد ملوك مصر وطائفتهم، وهم يدعون أنهم من أهل البيت ويصلون الجمعة والجماعة ونصبوا القضاة والمفتين؛ أجمع العلماء على كفرهم وردتهم وقتالهم، وأنَّ بلادهم بلاد حرب يجب قتالهم ولو كانوا مكرهين مبغضين لهم». هذا كلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب٣٬٣٥٦[الرسائل الشخصية للشيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي (ص 220)]..

وأقرأ عليكم ما كنت كتبته في خلاصة هذه المسألة قديمًا؛ فهذا الكتاب كنتُ كتبته قديمًا في هذه المسألة سنة (1999 – 2000م) تقريبًا في «مناقشة الشيخ عبد القادر في دعوى الإجماع القطعي في تكفير أعوان الطواغيت»٣٬٣٥٧[وهو أول كتاب صنفه الشيخ، انظره في هذا المجموع، القسم الأول منه (ص 64)].، وهناك كتبت خلاصة هذا الباب وأقرأ عليكم الخلاصة فقط:

«وإذ ذلك كذلك، فإن مسألة حكم أنصار الحكام المرتدين المعاصرين، وهل هم كفار على التعيين أم لا؟ تبقى في دائرة الاجتهاد الذي تختلف فيه الأنظار؛ شريطة أن تكون مبنية على أدلة صحيحة واستدلال قويم.

فالقدر المتفق عليه في حقهم، أو الذي ينبغي أن يُتَّفَق عليه ولا يختلف فيه ابتداءً، هو أن هؤلاء المناصرين للحكام المرتدين قد تلبسوا بمكفرات متعددة، وامتنعوا عليها؛ كمظاهرة الكفار على المسلمين، واستحلال دماء وأموال المعصومين، وحمايتهم لقوانينِ ودساتيرِ الكافرين، وغير ذلك مما هو معلومٌ من حالهم؛ فبعد هذا القدر المتفق عليه في حقهم: مَن تبيّن له أن طائفة من هذه الطوائف الممتنعة في مكان من الأمكنة، أو زمان من الأزمنة، قد شاع بين أفرادها شيء من موانع التكفير المعتبرة، فلا يجوز له والحالة هذه الإقدام على تكفير أعيانهم وذلك لوجود المانع في حقهم، بل يبقى مستمسكًا بأصل إسلامهم إلا من عُلِمَ حاله منهم؛ كما أن من عَلِم أن بعض هذه الطوائف لم يعد عندها شيء من الموانع المعتبرة لا يحل له أن يتوقف عن تكفير أعيانها، والشهادة على القتلى بالنار، ليكون حكمه عليهم شاملًا لأحكام الدنيا والآخرة.

ص 2622

وكما أن إخراج المسلم من دائرة الإسلام بمجرد الظنون والأوهام ليس أمرًا هينًا، فكذلك لا تجوز الشهادة بالإسلام لمن عُلِم خروجه منه بيقين؛ فمدار أمر تكفير أعيان هذه الطوائف من عدمه متوقف على العلم بوجود موانع التكفير في حقهم، وهذا المجال هو الذي تختلف فيه الأنظار وتتعدد الاجتهادات، ولا يخفى أن هذا لا علاقة له من قريب أو بعيد بالبحث والتنقيب عن اعتقاد أفراد الطائفة، أو التفتيش عما انطوت عليه قلوبهم، بحيث يُنظر هل يرتكبون تلك الأفعال المكفرة استحلالًا أم لا؟

وبهذا يظهر أن هذه القضية الاجتهادية أدنى من أن تُعقدَ عليها ألوية الاختلاف، ويشمَّر فيها عن ساعد التنازع والشقاق، كيف والطوائف الممتنعة على أمور مكفرة لا زالت تظهر بين الحين والآخر منذ زمن بعيد، ولا زال العلماء أيضًا يختلفون في تكفيرها، ولم يَدَّعِ أحد منهم أن في المسألة إجماعًا قطعيًا، يُقْطع معه البحث والنظر، ويُلقي بمخالفه في دائرة الكفر، ولم يطرأ جديد حتى يكون إجماع الصحابة رضي الله عنهم المدعى خاصًا بأنصار الحكام المرتدين، ومقصورًا عليهم، بحيث يُستَثْنَون من هذا الاختلاف...» ٣٬٣٥٨[انظر رسالة: «نظرات في الإجماع القطعي» ضمن هذا المجموع للشيخ أبي يحيى (ص 169)].، إلخ وما زلت على هذا الرأي.

والله تعالى أعلم، وجزاكم الله خيرًا

ص 2623

📚
نهاية هذا المبحث

لقد أتممت قراءة كتاب: مباحثة في الطائفة الممتنعة وقتالها

يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.

تحميل الكتاب مفردًا