المذهب الثاني: جواز الاستعانة بالمشركين بشروط
وإليه ذهب الحنفية، والشافعية، وهو رواية عن الإمام مالك، ورواية أيضًا عن الإمام أحمد رحمهم الله وذلك عند الحاجة ومع بعض الشروط المتفرقة والتي سنذكرها فيما بعد إن شاء الله، واستدل أصحاب هذا القول بالأدلة التالية:
الأول: عن ذي مخبر قال: «سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ستصالحون الروم صلحًا وتغزون أنتم وهم عدوًا من ورائكم)»١٬٠٤٦رواه أحمد [١٦٨٢٥]، وأبو داود [٤٢٩٢]، وابن ماجه [٤٠٨٩]، والحاكم [٨٢٩٩] وغيرهم، وصححه الشيخ الألباني في صحيح الجامع: (5925)..
الثاني: عن أمية بن صفوان بن أمية عن أبيه: «أن رسول الله ﷺ استعار منه أدرعًا يوم حنين فقال: أغصبٌ يا محمد؟ فقال: (لا بل عارية مضمونة)»١٬٠٤٧رواه أحمد [١٥٣٠٢]، وأبو داود [٣٥٦٢]، والحاكم [٢٣٠٠]، والبيهقي [١١٤٧٨]، وصححه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة: (631)..
الثالث: شهود صفوان بن أمية غزوة حنين مع النبي ﷺ مع أنه كان مشركًا، كما جاء في كتب السير وغيرها لما اشتد القتل وظن أهل الريب من القرشيين أن الدائرة ستكون على المسلمين: «صرخ كلدة بن الحنبل: ألا بطل السحر! فقال صفوان بن أمية وهو يومئذٍ مشرك: اسكت فض الله فاك فوالله لأن يَرُبَّني رجل من قريش أحب إليّ من أن يربني رجل من هوازن»١٬٠٤٨أخرجه ابن حبان [٦١٢٤]، وأبو يعلى [١٨٦٣]، وقال الهيثمي: «ورواه البزار باختصار وفيه ابن إسحاق وقد صرح بالسماع في رواية أبي يعلى، وبقية رجال أحمد رجال الصحيح»، مجمع الزوائد: (6/246)..
الرابع: وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «شهدنا مع رسول الله ﷺ خيبر فقال رسول الله ﷺ لرجل ممن معه يدعي الإسلام: (هذا من أهل النار)، فلما حضر القتال قاتل الرجل من أشد القتال وكثرت به الجراح، فجاء رجل فقال: يا رسول الله أرأيت الذي تحدثت أنه من أهل النار قد قاتل في سبيل الله من أشد القتال فكثرت به الجراح، فقال: (أما إنه من أهل النار)، فكاد بعض الناس يرتاب، فبينما هو على ذلك إذ وجد الرجل ألم الجراح فأهوى بيده إلى كنانته، فانتزع سهما فانتحر بها، فاشتد رجال من المسلمين إلى رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله صدق الله حديثك، قد انتحر فلان وقتل نفسه، فقال رسول الله ﷺ: (الله أكبر! أشهد أني عبد الله ورسوله، يا بلال قم فأذن لا يدخل الجنة إلا مؤمن، وإن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر)»١٬٠٤٩رواه البخاري [٣٠٦٢] ومسلم [١١١] وغيرهما..
الخامس: ما جاء في قصة الحديبية الطويلة وفيها: «... فبينا هم كذلك إذ جاءهم بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه من خزاعة، وكانوا عَيْبَةَ نصح رسول الله ﷺ من أهل تهامة، فقال: إني تركت كعب بن لؤي، وعامر بن لؤي نزلوا أعدادًا مياه الحديبية، معهم العوذ المطافيل، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت، فقال رسول الله ﷺ: (إنا لم نجئ لقتال أحد، ولكن جئنا معتمرين...)... القصة»١٬٠٥٠أخرجها البخاري [٢٧٣١] وأحمد [١٨٩٢٨] وغيرهما..
السادس: ما رواه الطحاوي عن ثابت بن الحارث الأنصاري، عن بعض من كان مع رسول الله ﷺ قال: «لما بلغ رسول الله ﷺ جمع أبي سفيان ليخرج إليه يوم أحد، فانطلق إلى اليهود الذين كانوا في النضير، فوجد منهم نفرا عند منزلهم، فرحبوا، فقال: (إنا جئناكم لخير، إنا أهل الكتاب، وأنتم أهل الكتاب، وإن لأهل الكتاب على أهل الكتاب النصر، وإنه بلغنا أن أبا سفيان قد أقبل إلينا بجمع من الناس، فإما قاتلتم معنا، أو أعرتمونا سلاحًا)»١٬٠٥١«مشكل الآثار» [٢٥٧٩]، وسيأتي كلام طويل متعلق بهذا الحديث إن شاء الله..
ووجه الدلالة في الحديث ظاهر، حيث أن النبي ﷺ خيَّر اليهود بين أمرين: إما أن يقاتلوا معه، وإما أن يُعيروه السلاح، وفي هذا استعانة بهم على المشركين في الحالين أعني إعارتهم السلاح أو قتالهم معه، ويكفي في الدلالة على الحكم همُه بالأمر وطلبه منهم، ولو لم يخرجوا معه ويُعينوه، فالحكم الشرعي يثبت من قِبَلِه لا من قِبَلهم.
قال الطاهر بن عاشور وهو يذكر بعض حجج المجوِّزين للاستعانة: «واحتجوا أيضًا بأنّ النبي ﷺ لما بلغه أنّ أبا سفيان يجمع الجموع ليوم أحد، قال لبني النضير من اليهود: (إنَّا وأنتم أهل كتاب وإنّ لأهل الكتاب على أهل الكتاب النصر فإمّا قاتلتم معنا وإلّا أعرتمونا السلاح)»١٬٠٥٢التحرير والتنوير: (3/79)..
السابع: عن ابن عباس قال: «استعان رسول ﷺ بيهود قينقاع فرضخ لهم ولم يسهم لهم»١٬٠٥٣أخرجه البيهقي [١٧٩٧٠] وقال: «تفرد بهذا الحسن بن عمارة وهو متروك ولم يبلغنا في هذا حديث صحيح»، السنن الكبرى: (9/35). وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: «قوله روي أنه ﷺ استعان بيهود بني قينقاع في بعض الغزوات ورضخ لهم، أبو داود في المراسيل، والترمذي عن الزهري أن رسول الله ﷺ استعان بناس من اليهود في حربه وأسهم لهم والزهري مراسيله ضعيفة»، تلخيص الحبير: (4/100).
وقد أرسل إليّ بعدُ بعض الفضلاء أن مما يمكن أن يضاف إلى أدلة المجيزين للاستعانة قصة مخيريق اليهودي وهي كما رواها ابن عساكر عن محمد بن بشر بن حميد عن أبيه قال: «سمعت عمر بن عبد العزيز يقول في خلافته بخناصرة سمعت بالمدينة والناس يومئذ بها كثير من مشيخة المهاجرين والأنصار أن حوائط النبي ﷺ؛ يعني السبعة التي وقف من أموال مخيريق وقال: «إن أصبت فأموالي لمحمد ﷺ يضعها حيث أراه الله»، وقتل يوم أحد، فقال رسول الله ﷺ: (مخيريق خير يهود)»، تاريخ مدينة دمشق: (10/229).
والجواب عن الاستدلال من جهتين: الأولى: الحاجة إلى إثبات صحة الأثر وأن النبي ﷺ استعان به يوم أحد.
والثانية: أن كثيرا من العلماء ذكروا أن مخيريق ممن أسلم قبل مشاركته في غزوة أحد، فمن هؤلاء العلماء السهيلي حيث يقول: «وقال فيه: مخيريق خير يهود ومخيريق مسلم ولا يجوز أن يقال في مسلم: هو خير النصارى ولا خير اليهود؛ لأن أفعل من كذا إذا أضيف فهو بعض ما أضيف إليه، فإن قيل: وكيف جاز هذا؟ قلنا: لأنه قال خير يهود ولم يقل خير اليهود ويهود اسم علم كثمود»، الروض الأنف: (1/247).
وقد ذكره ابن حجر في الإصابة: (6/46) وقال: «مخيريق النضري الإسرائيلي من بني النضير ذكر الواقدي أنه أسلم واستشهد بأحد»، وقال النووي رحمه الله: «قال القاضي عياض رضي الله عنه في تفسير صدقات النبي ﷺ المذكورة في هذه الأحاديث قال صارت إليه بثلاثة حقوق أحدها ما وهب له ﷺ وذلك وصية مخيريق اليهودي له عند إسلامه يوم أحد وكانت سبع حوائط»، شرح النووي على صحيح مسلم: (12/82)، مع أن بعض العلماء نصوا على أنه مات على كفره..
وأما الآثار التي استدل بها من جوّز الاستعانة بالكفار في الحرب فمنها:
الأول: عن الحسن بن صالح عن الشيباني: «أن سعد بن مالك رضي الله عنه غزا بقوم من اليهود فرضخ لهم»١٬٠٥٤رواه البيهقي [١٧٨٨٠]، وابن أبي شيبة [٣٥٣٧٨]، وابن حزم [5/398]، وسعد بن مالك: هو سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه..
الثاني: عن جابر قال: «سألت الشعبي عن المسلمين يغزون بأهل الكتاب؟ فقال الشعبي: أدركت الأئمة الفقيه منهم وغير الفقيه يغزون بأهل الذمة فيقسمون لهم، ويضعون عنهم من جزيتهم، فذلك لهم نفل حسن»١٬٠٥٥المحلى: (7 /334)، ثم قال ابن حزم: «والشعبي ولد في أول أيام علي وأدرك من بعده من الصحابة رضي الله عنهم»، ورواه أيضا ابن أبي شيبة: [٣٥٣٧٩]..
الثالث: عن القاسم بن محمد: «أن سلمان بن ربيعة غزا بلنجر فاستعان بناس من المشركين فقال: يحمل أعداء الله على أعداء الله»١٬٠٥٦أخرجه سعيد بن منصور في سننه: (2/331)، [٢٩٢٨]، وابن أبي شيبة في مصنفه: (7/660)، [٣٥٣٧٣]، وذكره ابن حزم بغير إسناد فقال: «وكان سلمان بن ربيعة يستعين بالمشركين على المشركين» (المحلى: 7/33).
قال ياقوت الحموي: «بَلنجَرُ: بفتحتين وسكون النون وجيم مفتوحة وراء: مدينة ببلاد الخزَرِ، خلف باب الأبواب، قالوا فتحها عبد الرحمن بن ربيعة»، وقال البلاذري: «سلمان بن ربيعة الباهلي وتجاوَزَها ولقيه خاقان في جيشه خلف بَلنجَرَ فاستشهد هو وأصحابه وكانوا أربعة آلاف» معجم البلدان: (1 /357)..
هذا مجمل الأدلة التي اطلعت عليها مما اعتُمدت في الاستدلال، سواء من قبل المانعين للاستعانة أو المجوزين لها، وقبل الشروع في مناقشة الأقوال، والنظر فيما يترجح منها، وذِكْرِ طرق العلماء في الجمع والتوفيق بين الأدلة؛ لا بد أن نذكر هنا الشروط التي نص عليها من جوَّز الاستعانة بالمشركين على المشركين، حتى لا يفهم أحد أن هؤلاء العلماء قد أرخوا الحبل على الغارب فأجازوا الاستعانة بهم مطلقًا وعلى كل حال من غير ضبط ولا ربط ولا قيد، فيَنسِب إليهم من المذاهب والأقوال ما لم يذهبوا إليه أو يقولوا به.
شروط المجيزين للاستعانة
ومجمل هذه الشروط التي سنذكرها مبثوثة ومتفرقة في كتبهم، ومنقولة من خلال عباراتهم؛ بمعنى أنها ليست مسرودة سردًا واحدًا في كتاب من هذه الكتب، وإنما يذكر كل إمامٍ أو فقيه طرفًا منها، وينص على بعضها بحسب ما يقتضيه المقام أو يذهب إليه اجتهاده، فقد تتطابق كلمتهم وتتوافق في التنصيص على شيء من الشروط، وقد ينفرد بعضهم بذكر شروط أخرى لم يأتِ ذكرها عند غيره:
الشرط الأول: أن يكون الكافر الذي يُستعان به حسن الرأي في المسلمين؛ بمعنى ألا يكون غاشًا لهم، مدلسًا عليهم، حريصًا على إيصال الضرر بهم، وأن يكون ظاهرَ الصدقِ فيما يُشير به من رأي، أو يقوم به من عملٍ، فإن فُقد هذا الشرط فلا يجوز الاستعانة به، لأن في ذلك تغريرًا بالمسلمين، وإيقاعهم فيما فيه الإضرار بهم، بل إن المستعين بكافرٍ فاقدٍ لهذا الشرط يُعد من أعظم الغاشين لله ولرسوله وللمؤمنين، وما حاله إلا كحال من يسوق غَنمه إلى مسبعة وهو يَعلم، ويزعم بعد ذلك أنه يحسن رعيها ويحرص على حفظها.
قال الشيرازي الشافعي: «فإن احتاج أن يستعين بهم؛ فإن لم يكن من يستعين به حسن الرأي في المسلمين لم نستعن به، لأن ما يخاف من الضرر بحضورهم أكثر مما يرجى من المنفعة، وإن كان حسن الرأي في المسلمين جاز أن نستعين بهم»١٬٠٥٧المهذب: (2/230)..
وقال الإمام ابن قدامة رحمه الله: «ويشترط أن يكون من يستعان به حسن الرأي في المسلمين، فإن كان غير مأمون عليهم لم تجزئه الاستعانة به، لأننا إذا منعنا الاستعانة بمن لا يؤمَن من المسلمين مثل المخذل، والمرجف، فالكافر أولى»١٬٠٥٨المغني: (10/447)..
وقال أيضًا: «فإن دعت حاجة إليه ولم يكن حسن الرأي في المسلمين لم يستعن به أيضًا؛ لأن ما يخشى من ضرره أكثر مما يرجى من نفعه، وإن كان حسن الرأي فيهم جاز»١٬٠٥٩الكافي: (4/122)..
وننبه هنا إلى أن الأصل هو عدم الوثوق في الكفار، وطرحُ الطمأنينة إلى رأيهم، والاستنامة لمشورتهم، وذلك لما يضمرونه لنا من البغضاء والعداوة والحسد، ولما جُبلت عليه نفوسهم الخبيثة من الحرص على إيقاع الضرر بالمسلمين، وتحين الفرص واغتنام الأحوال لذلك، والسعي الدائم لصدهم عن دينهم.
وعليه فلا بد من استصحاب هذا الأصل، والاستمساك به، والتفطن له، وتوطيد النفس عليه، وعدم الاغترار والانجرار وراء ظواهر خداعة، وتمويهات يُلبس بها الكفرة على السذج ليخفوا هذه الحقيقة التي بينها القرآن أيما بيان، وحذَّر المؤمنين من دخائل نفوس أعدائهم أتم تحذير، وكشف لهم ما تنطوي عليه صدورهم من الضغائن والأحقاد، كما قال ﷻ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ بِطَانَةٗ مِّن دُونِكُمۡ لَا يَأۡلُونَكُمۡ خَبَالٗا وَدُّواْ مَا عَنِتُّمۡ قَدۡ بَدَتِ ٱلۡبَغۡضَآءُ مِنۡ أَفۡوَٰهِهِمۡ وَمَا تُخۡفِي صُدُورُهُمۡ أَكۡبَرُۚ قَدۡ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِۖ إِن كُنتُمۡ تَعۡقِلُونَ ١١٨ هَٰٓأَنتُمۡ أُوْلَآءِ تُحِبُّونَهُمۡ وَلَا يُحِبُّونَكُمۡ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱلۡكِتَٰبِ كُلِّهِۦ وَإِذَا لَقُوكُمۡ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوۡاْ عَضُّواْ عَلَيۡكُمُ ٱلۡأَنَامِلَ مِنَ ٱلۡغَيۡظِۚ قُلۡ مُوتُواْ بِغَيۡظِكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾ [آل عمران: 118-119].
قال الإمام السعدي رحمه الله في تفسير الآية الأولى: «هذا تحذير من الله لعباده عن ولاية الكفار، واتخاذهم بطانة، أو خصيصة، وأصدقاء يسرون إليهم ويفضون لهم بأسرار المؤمنين، فوضح لعباده المؤمنين الأمور الموجبة للبراءة من اتخاذهم بطانة بأنهم: ﴿لَا يَأۡلُونَكُمۡ خَبَالٗا﴾ [آل عمران: 118]؛ أي: هم حريصون غير مقصرين في إيصال الضرر بكم، وقد بدت البغضاء من كلامهم، وفلتات ألسنتهم، وما تخفيه صدورهم من البغضاء والعداوة أكبر مما ظهر لكم من أقوالهم وأفعالهم، فإن كانت لكم فهوم وعقول فقد وضح الله لكم أمرهم»١٬٠٦٠تفسير السعدي: (1/973)..
وقال ﷻ: ﴿إِن يَثۡقَفُوكُمۡ يَكُونُواْ لَكُمۡ أَعۡدَآءٗ وَيَبۡسُطُوٓاْ إِلَيۡكُمۡ أَيۡدِيَهُمۡ وَأَلۡسِنَتَهُم بِٱلسُّوٓءِ وَوَدُّواْ لَوۡ تَكۡفُرُونَ﴾ [الممتحنة: 2]، والآيات في هذا كثيرة معلومة.
قال الإمام الشافعي -وهو من القائلين بجواز الاستعانة مع هذا الشرط- بعد أن ذكر كثيرًا من صفات المنافقين التي بينها الله ﷻ في كتابه: «فمن شُهِرَ بمثل ما وصف الله تعالى المنافقين لم يحل للإمام أن يدعه يغزو معه، ولم يكن لو غزا معه أن يسهم له ولا يرضخ؛ لأنه ممن منع الله ﷻ أن يغزو مع المسلمين، لِطلْبَتِه فتنتهم، وتخذيله إياهم، وأن فيهم من يستمع له بالغفلة، والقرابة، والصداقة، وأن هذا قد يكون أضرَ عليهم من كثير من عدوهم، قال: ولما نزل هذا على رسول الله ﷺ، لم يكن ليخرج بهم أبدًا، وإذا حرم الله ﷻ أن يخرج بهم فلا سهم لهم، لو شهدوا القتال، ولا رضخ، ولا شيء؛ لأنه لم يحرم أن يخرج بأحد غيرهم.. قال الشافعي: وإن كان مشرك يغزو مع المسلمين، وكان معه في الغزو من يطيعه من مسلم، أو مشرك، وكانت عليه دلائل الهزيمة، والحرص على غلبة المسلمين، وتفريق جماعتهم لم يجز أن يغزو به.. لأن هذا إذا كان في المنافقين مع استتارهم بالإسلام، كان في المكتشفين في الشرك مثله فيهم، أو أكثر، إذا كانت أفعاله كأفعالهم أو أكثر، ومن كان من المشركين على خلاف هذه الصفة، فكانت فيه منفعة للمسلمين، بدلالة على عورة عدو، أو طريق، أو ضيعة، أو نصيحة للمسلمين، فلا بأس أن يغزى به»١٬٠٦١الأم: (4/129)، وما ذكره الإمام الشافعي رحمه الله من الأمور التي قد يكون فيها منفعة للمسلمين كالدلالة على عورات الكفار أو طرق الوصول إليهم ونحو ذلك، قد يفهم منها أن الاستعانة بهم محصورة في خصوص هذه الأمور دون إشراكهم في القتال، وقد ذكرنا من قبل أنه في مذهبه القديم كره الاستعانة بهم، كما قال الإمام البيهقي رحمه الله: «وقد كره الشافعي في القديم في رواية أبي عبد الرحمن البغدادي عنه الاستعانة بالمشركين»، معرفة السنن والآثار: (14/287)، إلا أن كلامه في مواطن أخرى وما نقله عنه أهل مذهبه يدل على تجويزه للاستعانة بهم في القتال أيضًا، كما قال الإمام البيهقي: «ورخص في الجديد بالاستعانة بهم إذا كانت فيهم منفعة للمسلمين، واحتج بخروج صفوان بن أمية معه في غزوة حنين وهو مشرك»، ومن العجيب أن الإمام القرطبي رحمه الله قد ذكر أن الصحيح عن الشافعي هو منعه من الاستعانة بالكفار فقال: «وهذا هو الصحيح من مذهب الشافعي»، تفسير القرطبي: (6/224)، ولكن الظاهر أن أهل مذهبه أدرى، أو أنه بنى هذا القول على مذهبه القديم؛ لأنه ذكر في موطن آخر من تفسيره خلاف هذا، فقال: «وقال أبو حنيفة والشافعي والثوري والاوزاعي: لا بأس بذلك إذا كان حكم الاسلام هو الغالب، وإنما تكره الاستعانة بهم إذا كان حكم الشرك هو الظاهر»، تفسير القرطبي: (8 /100)... والله أعلم..
وقال الشيخ محماس جلعود في كتابه الموالاة والمعاداة: «فلا يجوز الانخداع بما يظهره الكفار من صداقة وإخلاص حيث إنهم أعداء عقيدة لا ترجى مودتهم، وما يتظاهرون به من صداقة ونصح، فإنما هو لأغراض في أنفسهم، ولمصالحهم الخاصة، وللمكر والوقيعة بالمسلمين كالأفعى ينخدع الجاهل برقبتها ونعومتها وفي فمها السم الزعاف، وهؤلاء الكفار كذلك فإن مبدأهم في التعامل مع المسلمين، أن لا إثم ولا خطيئة عليهم في خيانة المسلمين في أنفسهم وأموالهم وأعراضهم، بل يرون ذلك قربة وقصاصًا عما فعله المسلمون بأسلافهم في الشام ومصر والأندلس، وقد حذرنا الله منهم، وبين لنا مواقفهم منا، ونظرتهم إلينا في التعامل والمعاملة، حتى نكون على بينة في معاملتنا لهم»١٬٠٦٢[الموالاة والمعاداة في الشريعة الإسلامية: (2/811-812)]..
ومع ما ذكرنا من أن الأصل عدم الوثوق في الكفرة، فليس هناك ما يمنع من أن يكون فيهم مؤتمنون يشذون عن هذا الأصل كما قال شيخ الإسلام رحمه الله: «فإن المشركين وأهل الكتاب فيهم المؤتمن، كما قال تعالى: ﴿۞وَمِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ مَنۡ إِن تَأۡمَنۡهُ بِقِنطَارٖ يُؤَدِّهِۦٓ إِلَيۡكَ وَمِنۡهُم مَّنۡ إِن تَأۡمَنۡهُ بِدِينَارٖ لَّا يُؤَدِّهِۦٓ إِلَيۡكَ إِلَّا مَا دُمۡتَ عَلَيۡهِ قَآئِمٗاۗ﴾ [آل عمران: 75]؛ ولهذا جاز ائتمان أحدهم على المال، وجاز أن يستطب المسلم الكافر إذا كان ثقة، نص على ذلك الأئمة كأحمد وغيره... وهو جائز إذا لم يكن فيه مفسدة راجحة مثل ولايته على المسلمين، وعلوه عليهم ونحو ذلك»١٬٠٦٣مجموع الفتاوى: (4/114)..
الشرط الثاني: أن يكون حكم الإسلام هو الساري عليهم الجاري فوقهم، فالإسلام يعلو ولا يعلى، ومعنى هذا، أن يكون من يُستعان به من الكفار تحت قهر جيش المسلمين، وتابعًا لهم، وخاضعًا لسلطانهم، ومؤتمرًا بأوامرهم، فلا يكون مساويًا لهم في القوة، والعدد، والعُدد، أحرى أن لا يكون فوقهم وأقوى منهم، وهذا يدل أيضًا على أن تدبير الأمور وتسيسها وتسييرها بيد جيش الإسلام وقادته، ولهم في ذلك تمام الاستقلال، فخططهم وأوامرهم نابعة من محض النظر والاجتهاد والمصلحة الراجحة عندهم، وليس للكفرة المستعان بهم يدٌ في فرض رأي أو إلزام بمشورة أو إصدار لأمر.
قال الإمام ابن عبد البر رحمه الله: «وقال الشافعي، والثوري، والأوزاعي، وأبو حنيفة، وأصحابهم لا بأس بالاستعانة بأهل الشرك على قتال المشركين، إذا كان حكم الإسلام هو الغالب عليهم، وإنما تكره الاستعانة بهم، إذا كان حكم الشرك هو الظاهر»١٬٠٦٤التمهيد: (12/35)..
وقال الإمام الشافعي رحمه الله: «ولا بأس إذا كان حكم الإسلام الظاهر أن يستعان بالمشركين على قتال المشركين؛ وذلك أنهم تحل دماؤهم مقبلين ومدبرين ونياما وكيفما قدر عليهم إذا بلغتهم الدعوة»١٬٠٦٥الأم: (4/219)..
وقال الطحاوي رحمه الله: «قال أصحابنا: لا بأس بالاستعانة بأهل الشرك على قتال المشركين، إذا كان حكم الإسلام هو الغالب الجاري عليهم، وإنما يكره الاستعانة بهم إذا كان حكم الشرك الظاهر، وهو قول الشافعي»١٬٠٦٦مختصر اختلاف العلماء: (3/428)..
وقال أبو المظفر أسعد بن محمد بن الحسين الكرابيسي النيسابوري الحنفي: «يجوز للمسلمين الاستعانة بأهل الذمة على الكفار إذا لم يكن لهم شوكة، ولا يجوز الاستعانة بأهل الذمة إذا كانت لهم شوكة، والفرق أن الشرط في مخالطتهم أن يكونوا تحت قهرنا وحكمنا، فإذا كان فيهم قلة كانوا تحت قهرنا فلم يكن بالاستعانة بهم ضرر بالمسلمين فجازت الاستعانة بهم، وليس كذلك إذا كانت لهم شوكة لأنهم ربما لا يكونون تحت قهرنا، ولا يؤمن أن يخرجوا علينا، ويظهر دينهم وإذا لم يؤمن في الاستعانة بهم الأضرار لا يستعان بهم»١٬٠٦٧الفروق: (1/319 320)..
ولأن التفريط في هذا الشرط يؤدي إلى جعل سبيلٍ للكافرين على المؤمنين، إما حالًا وإما مآلًا كما سيأتي في الشرط التالي، وأعني بقولي: حالًا؛ بأن يتغلب الكفار المستعان بهم على جيش المسلمين ويستقلوا بقوتهم وينفردوا بأحكامهم، ويُخضعوا من معهم من المسلمين لها، ويلزموهم بها، ويكون جيش المسلمين -والعياذ بالله- في حالةٍ من الاضطرار، والانكسار، والضعف، والتبعية، بحيث يعجز أمام حاجته لهم عن الاستقلال بنفسه والانفراد بسلطانه وشوكته، وبهذا تكون يدهم هي الغالبة، وسبيلهم هي الجارية، وكلمتهم هي العالية، ولا مخرج من هذا إلا بعلوِّ يد المسلمين عليهم، وخضوع الكفرةِ وانقيادهم لقيادتهم.
قال الإمام الشوكاني رحمه الله: «وقد روي عن الشافعي المنع من الاستعانة بالكفار على المسلمين، لأن في ذلك جعلَ سبيلٍ للكافر على المسلم، وقد قال تعالى: ﴿وَلَن يَجۡعَلَ ٱللَّهُ لِلۡكَٰفِرِينَ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: 141]، وأجيب بأن السبيل هو اليد، وهي للإمام الذي استعان بالكافر، وشرط بعض أهل العلم ومنهم «الهادوية» أنها لا تجوز الاستعانة بالكفار والفساق، إلا حيث يكون مع الإمام جماعة من المسلمين يستقل بهم في إمضاء الأحكام الشرعية على الذين استعان بهم ليكونوا مغلوبين لا غالبين، كما كان عبد الله بن أبي ومن معه من المنافقين يخرجون مع النبي ﷺ للقتال وهم كذلك»١٬٠٦٨نيل الأوطار: (12/18)..
وقال أيضًا: «وحكى في البحر عن العترة وأبي حنيفة وأصحابه أنها تجوز الاستعانة بالكفار والفساق، حيث يستقيمون على أوامره ونواهيه»١٬٠٦٩نيل الأوطار: (12/18)..
فلا بد إذن من وضع هذا الشرط الخطير نصب أعين كل من أراد أن يحتج بكلام الفقهاء في هذه المسألة، وأن لا يخادع نفسه ويُضلل جماعته بالتنصل منه والتغاضي عنه، بحجة الحاجة حينًا والضرورة أحيانًا، فيرمي جماعته في أحضان دولٍ كافرة كاسرة غادرة ارتماء الطفل الرضيع العاجز في حجر أمه، فيهلك جماعته، ويضيع جهودها، ويحرف مسارها، تحت وطأة ضغط القوانين، وتوالي الشروط من تلك الدول الكافرة، والتحكم في مسيرة جماعته بحسب ما يصب في مصلحة تلك الدول، ويوافق سياساتها الظرفية المتقلبة، فتصبح تلك الجماعة تتقلب بها المصالح، وتصعد وتنزل بين أمواج الشروط، وهي كالقشة الصغيرة في ذلك البحر الخضم المتلاطم، بلا تحكم ولا انضباط، لا تملك من أمرها شيئًا، ثم يزعم قادتها وأمراؤها بعد ذلك كله أن ما يفعلونه لا يتجاوز «الاستعانة بالمشركين على المشركين»، فحذار حذار من التلاعب بكلام الأئمة وتجاوز شروط الفقهاء، ولنحذر أكثر من أن تنسب مزالقنا إليهم ونجعلها مذاهبهم، فيكون الحال كلابس ثوبي زور.
الشرط الثالث: أن يكون مآل الحكم بعد الغلبة والظفر للإسلام وأهله، وفرقُ ما بين هذا الشرط والذي قبله، أن الشرط السابق يتعلق بإجراء أحكام الإسلام على المشركين المستعان بهم حينَ الاستعانة وأثناءها، أما هذا الشرط فهو ينص على أن الجيش الإسلامي الذي استعان بالكفار واثقٌ بأن حكم الإسلام هو الذي سيؤول إليه الأمر بعد النصر وكسر شوكة أعدائهم ومتحققٌ من ذلك، وقادرٌ عليه بحسب ما معه من القوة والشوكة ووفق سنن الأسباب، أما إذا كانت هذه الاستعانة ستؤدي إلى ظهور كلمة الشرك -والعياذ بالله- وغلبة أهلها، وبسط يدها فإنها محرمةٌ آنذاك قطعًا.
قال الإمام أبو بكر الجصاص الحنفي رحمه الله: «وقال أصحابنا: لا بأس بالاستعانة بالمشركين على قتال غيرهم من المشركين إذا كانوا متى ظهروا كان حكم الإسلام هو الظاهر، فأما إذا كانوا لو ظهروا كان حكم الشرك هو الغالب فلا ينبغي للمسلمين أن يقاتلوا معهم»١٬٠٧٠أحكام القرآن: (6/78)..
وقال أيضًا في قوله تعالى: ﴿بَشِّرِ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ بِأَنَّ لَهُمۡ عَذَابًا أَلِيمًا ١٣٨ ٱلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ ٱلۡكَٰفِرِينَ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۚ أَيَبۡتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلۡعِزَّةَ فَإِنَّ ٱلۡعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعٗا 13﴾ [النساء: 138-139]؛ «قيل في معنى قوله: ﴿أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۚ﴾؛ أنهم اتخذوهم أنصارًا وأعضادًا؛ لتوهمهم أن لهم القوة والمنعة بعداوتهم للمسلمين بالمخالفة جهلًا منهم بدين الله، وهذا من صفة المنافقين المذكورين في الآية، وهذا يدل على أنه غير جائز للمؤمنين الاستنصار بالكفار على غيرهم من الكفار؛ إذا كانوا متى غلبوا كان حكم الكفر هو الغالب، وبذلك قال أصحابنا.
وقوله: ﴿أَيَبۡتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلۡعِزَّةَ﴾ [النساء: 139]؛ يدل على صحة هذا الاعتبار، وأن الاستعانة بالكفار لا تجوز، إذا كانوا متى غلبوا كان الغلبة والظهور للكفار، وكان حكم الكفر هو الغالب»١٬٠٧١أحكام القرآن: (5/261)..
ولا يخفى على أحد مدى أهمية هذا الشرط، ووجوب مراعاته مراعاة تامة، لأن إهماله والتساهل في التقيد به، يؤدي إلى خلاف مقصد الاستعانة، فيكون حال المستعين في ذلك كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثًا.
إذ إن المطلوب الأول -عند من أجازها- هو التَقوي بهؤلاء الكفرة لإعزاز الدين، وعلوِّ كلمة الحق، وانقهار الشرك، وانقماع أهله، فإذا كانت الاستعانة بالكفار على إخوانهم الكفار ستكون سببًا في تقوي الكفر ببعضه، وتسلط أربابه على المسلمين، والحيلولة دون غلبة حكم الإسلام، ومنْعِ أن يكون الدين كله لله، فما فائدة تلك الاستعانة إذن؟!
وكم من الجماعات التي تساهلت في هذا الأمر وهي قادرة على عدم الوقوع فيه، ولم تراعِ هذا الشرط بل لم تلتفت إليه أصلًا، وانشغلت بأعباء المعركة وضخامتها وانكبت على مشكلاتها، ولم تولِ عنايةً لمكائد أعدائها الذين يتظاهرون بمد يد العون لها، وبالغت في إحسان الظن بهم، وتوسعت في مسألة الاستعانة بدعوى الحاجة إلى خبراتهم وطاقاتهم وإمكاناتهم، وأن ذلك كله لا يخرج عن كونه «تقاطع مصالح» يُستفاد منها، حتى إذا اقترب النصر، ولاحت مخايل الظفر، ودنى وقت جني الثمر؛ كشر أولئك الأعداء عن أنيابهم، وبرزوا على حقيقتهم، وراحوا يعيثون في الجهاد فسادًا جهارًا بعد أن كانوا يفسدونه إسرارًا، فصاروا أعداءً مفضوحين مكشوفين، وقد كانوا –زعمًا معاونين مساندين، فضاعت الجهود وتشتت الطاقات وجنى الثمرةَ غيرُ أهلها، وما ذلك إلا بسبب التهاون في مبدأ الأمر، والاغترار بمصالح مغرية مؤقتة والغفلة عن مفاسد عظمى ملازمة لهذه المصالح أو مؤدية إليها فكانت الكارثة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
الشرط الرابع: وجود الحاجة الحقيقية للاستعانة، فقد ذكر كثيرٌ من الفقهاء القائلين بجواز الاستعانة أنه لا بد من تحقق الحاجة إليها، وإلا بأن لم تدع حاجةٌ إلى ذلك فلا يجوز.
قال الإمام النووي رحمه الله: «وقال الشافعي وآخرون: إن كان الكافر حسن الرأي في المسلمين، ودعت الحاجة إلى الاستعانة به استعين به، وإلا فيكره»١٬٠٧٢شرح مسلم: (6/280)..
وقال العلامة الألوسي رحمه الله: «وذكر بعضهم جواز الاستعانة بشرط الحاجة والوثوق أما بدونهما فلا تجوز وعلى ذلك يحمل خبر عائشة»١٬٠٧٣تفسير الألوسي: (2/477)..
وقال الحازمي رحمه الله: «وذهبت طائفة إلى أن للإمام أن يأذن للمشركين أن يغزوا معه، ويستعين بهم بشرطين: أحدهما: أن يكون في المسلمين قلة بحيث تدعو الحاجة إلى ذلك..»١٬٠٧٤نصب الراية: (8/239).، وقول الحازمي: «أن يكون في المسلمين قلة»؛ هو بيان لبعض صور الحاجة التي تجوز معها الاستعانة عند القائلين بها، ولكن لا بد من التنبه إلى أنه ليس مطلق القلة يُعد حاجةً، بل هي كما قيدها بأنها القلة التي يحتاج معها إلى الاستعانة بهم.
وقال الإمام الشوكاني رحمه الله: «وأما الاستعانة بالكفار على الكفار فقد وقع ذلك منه ﷺ في غير موطن، ووقع منه الرد لمن أراد إعانته من المشركين على قتال المشركين، وقال لهم إنه لا يستعين بمشرك، ويمكن الجمع بأن الجواز مع الحاجة ورجاء النفع والرد مع عدمهما أو أحدهما فيكون ذلك مفوضا إلى نظر الإمام»١٬٠٧٥السيل الجرار: (4/521)، وكون الأمر مفوضًا إلى رأي الإمام هو عين القول الذي رده الإمام الشوكاني في موضع آخر محتجًا بأن النهي عن الاستعانة نكرة في سياق النفي تفيد العموم والتفويض يخالف ذلك انظر: نيل الأوطار: (12/18).
قلت: وما أكثر المواضع التي تجد فيها إماما من الأئمة يحتج بدليل في موطن أو يوجهه توجيهًا ما ثم ينقض ذاك الدليل ويرد التوجيه نفسه في مكان آخر، ومثل هذا مما ينبغي أن يغرس الورع في قلب الإنسان ويحمله على التأني والتريث فلا يبادر إلى رمي التهم لعالم من العلماء خالف نفسه في مسألة من المسائل أو رد على قوله فيها، فتجد بعض المتسرعين يحمل مثل هذا الفعل على أسوأ المحامل، وربما كان التماس العذر سهل المنال ولا يحتاج إلى تكلف وجهد ومع ذلك فلا حرج عنده من وصم ذلك العالم بالتلاعب بالشرع، والانجرار وراء الأهواء والله المستعان..
ولعل بعض العلماء عبر عن الحاجة بوجود فائدة من تلك الاستعانة كما قال الإمام ابن العربي المالكي رحمه الله: «... والصحيح منعه لقوله عليه السلام إنا لا نستعين بمشرك، وأقول إن كانت في ذلك فائدة محققة فلا بأس به»١٬٠٧٦أحكام القرآن: (1/351).، وقد يعد هذا قولًا مستقلًا، ويحمل معنى الفائدة المحققة على المصلحة الظاهرة المؤكدة والله أعلم.
الشرط الخامس: أن يكون الْمُستعان بهم مأمونين، وهذا الشرط يقارب الشرط الأول وليس إياه، ولهذا جمع بينهما بعض العلماء وعدهما شيئًا واحدًا كما جاء في حواشي الشرواني وغيره من كتب الشافعية: «إنما تجوز الاستعانة بهم بشرطين: أحدهما ما ذكره بقوله تؤمن خيانتهم، قال في الروضة وأن يعرف حسن رأيهم في المسلمين، والرافعي جعل معرفة حسن رأيهم مع أمن الخيانة شرطا واحدا»١٬٠٧٧حواشي الشرواني: (9/238)..
ولكن بالتأمل يظهر أن بينهما فرقًا ولو كان دقيقًا، فالأمانة تقابلها الخيانة، وحسن الرأي والنصح، يقابله التدليس والغش، وعلى كل حال فالمقصود من هذا الشرط أن يكون الكافر الذي يُستعان به موثوقًا مأمونًا، لا يبتهل أول فرصة ليخون، ولا يترقب أدنى سبب ليغدر، فتطمئن النفس إليه، ويأمن المسلمون جانبه، والأمانة المشترطة هنا هي فيما يتعلق بأمر الجيش والمجاهدين، وليست الأمانة المطلقة، فقد يكون الكافر معروفًا بالصدق، ومشتهرًا بالأمانة في بيعه وشرائه وسائر معاملاته، ولكنه شديد العداوة للمسلمين، عظيم الحنق عليهم، يتحين كل لحظة لإيقاع أعظم الضرر بهم، فمثل هذا لا يشمله هذا الشرط ولا يجوز الاستعانة به، فأمانته في معاملاته لا تشفع له لتجويز الاستعانة به في الجهاد.
قال الإمام ابن القيم رحمه الله عند عده لفوائد صلح الحديبية: «ومنها: أن الاستعانة بالمشرك المأمون في الجهاد جائزة عند الحاجة لأن عينه الخزاعي كان كافرًا إذ ذاك وفيه من المصلحة أنه أقرب إلى اختلاطه بالعدو وأخذه أخبارهم»١٬٠٧٨زاد المعاد: (3/267)..
وقال الإمام السرخسي رحمه الله عند ذكره لبعض الاحتمالات التي رد لأجلها النبي ﷺ من جاءه من المشركين مريدًا القتال معه: «وقيل: كان يخاف الغدر منهما لضعف كان بالمسلمين يوم بدر؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدۡ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدۡرٖ وَأَنتُمۡ أَذِلَّةٞۖ﴾ [آل عمران: 123]، وإذا خاف الإمام ذلك فلا ينبغي أن يستعين بهم، وأن يمكنهم من الاختلاط بالمسلمين»١٬٠٧٩المبسوط: (12/23)..
وقال الإمام النووي رحمه الله: «الثالثة تجوز الاستعانة بأهل الذمة وبالمشركين في الغزو ويشترط أن يعرف الإمام حسن رأيهم في المسلمين ويأمن خيانتهم»١٬٠٨٠روضة الطالبين: (4/11)..
وقال الحازمي رحمه الله: «وذهبت طائفة إلى أن للإمام أن يأذن للمشركين أن يغزوا معه، ويستعين بهم بشرطين:... والثاني: أن يكونوا ممن يوثق بهم في أمر المسلمين»١٬٠٨١نصب الراية: (8/239)..
الشرط السادس: أن تكون لدى المسلمين قوة تكف شر خيانتهم فيما لو خانوا، وهذا الشرط كالقيد اللازم للذي سبقه، أو هو احتراز لا بد منه، فمع اشتراط أن يكون من يُستعان به مأمونًا موثوقًا، إلا أن ذلك وحده لا يكفي، ولا يسوِّغ الاتكال على الثقة به اتكالًا كاملًا، بل يتحتم الاحتياط في شأنه، ويلزم أخذ الأهبة لتوقع غدره وخيانته، بحيث يمكن دفع شره، ومنع ضرره إن حصلت منه، فحتى لو انضمت فرقة الكفار المستعان بها إلى الذين يقاتلهم المسلمون لأمكنهم قتالهم وردهم جميعًا.
قال الإمام النووي: «وشرط الإمام البغوي وآخرون شرطًا ثالثًا، وهو أن يكثر المسلمون بحيث لو خان المستعان بهم وانضموا إلى الذين يغزونهم لأمكننا مقاومتهم جميعًا»١٬٠٨٢روضة الطالبين: (4 /11)..
قال الخطيب الشربيني في شرح المنهاج: ««وله الاستعانة» على الكفار «بكفار» من أهل الذمة وغيرهم، وإنما تجوز الاستعانة بهم بشرطين:...
وثانيهما: ما ذكره بقوله: «ويكونون بحيث لو انضمت فرقتا الكفر قاومناهم؛ أي إنهم إذا انضموا إلى الفرقة الأخرى أمكن دفعهم، فإن زادوا بالاجتماع على الضعف لم تجز الاستعانة بهم، وشرط العراقيون قلة المسلمين، قال الرافعي: وهذا الشرط وما قبله أي هو مقاومة الفريقين كالمتنافيين؛ لأنهم إذا قلوا حتى احتاجوا لمقاومة فرقة إلى الاستعانة بالأخرى كيف يقدرون على مقاومتهما معًا؟ قال المصنف: ولا منافاة؛ لأن المراد أن يكون المستعان بهم فرقة يسيرة لا يكثر العدد بهم كثرة ظاهرة.
قال البلقيني: وفيه لين، ثم أجاب بأن الكفار إذا كانوا مئتين مثلا، وكان المسلمون مئة وخمسين، ففيهم قلة بالنسبة لاستواء العددين، فإذا استعانوا بخمسين كافرًا فقد استوى العددان، ولو انحاز هؤلاء الخمسون إلى العدو فصاروا مئتين وخمسين أمكن المسلمين مقاومتهم لعدم زيادتهم على الضعف»١٬٠٨٣مغني المحتاج: (17/291)..
فأصحاب هذا الشرط من العلماء يوجبون على أمراء الجهاد وأتباعهم أن يكونوا فطنين حذرين، وأن لا يتعاملوا مع أعدائهم الذين يتخللون صفوفهم تعاملَ الغِر الغُمْرِ الأعمى، فيبالغوا في الاطمئنان إليهم، والثقة بهم، والتوسع في ائتمانهم، مع الغفلة عمَّا قد يكونون أضمروه من الخيانة، وأرادوه من الخديعة، ودبروه من المكيدة، حتى إذا حصل ما حصل وجد المجاهدون أنفسهم -وبسبب غفلتهم وتهاونهم- في مصيدة محكمة أعدت لهم، فحوّطهم المستعان بهم والمستعان عليهم وطوقوهم جميعًا، وهم لم يعدوا لمثل هذا الحدث عدته، ولم يأخذوا له أهبته، فأغفلوه وغفلوا عنه، وعندها سيعضون أصابع الحسرة والندامة ولات ساعة مندم، والله وحده المستعان.
الشرط السابع: مخالفة اعتقاد الكفار المستعان بهم لاعتقاد المستعان عليهم، وهذا قد اشترطه الإمام الماوردي من الشافعية كما قال رحمه الله: «فإذا ثبت جواز الاستعانة بالمشركين على قتال المشركين وشروطها بهم فعلى ثلاثة شروط:... والثالث: أن يخالفوا معتقد المشركين كاليهود مع النصارى وعبدة الأوثان فإن وافقوهم لم يجز»١٬٠٨٤الحاوي الكبير: (14/ 279).، وبعض علماء الشافعية جعل اختلاف المعتقد هو سبب أمننا من خيانتهم، كما جاء في حاشية الجمل: ««و» له «استعانة بهم» على كفار عند الحاجة إليها «إن أمناهم» بأن يخالفوا معتقد العدو»١٬٠٨٥حاشية الجمل: (21/364).، وتفسيره أن تخالف الاعتقاد يورث العداوة والتضاد في الجملة، فالكفر وإن كان ملة واحدة إلا أن قلوب أهله متنافرة، ترشح بالأحقاد على بعضهم كما قال الله ﷻ في حق أهل الاعتقاد الواحد منهم: ﴿تَحۡسَبُهُمۡ جَمِيعٗا وَقُلُوبُهُمۡ شَتَّىٰۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَعۡقِلُونَ﴾ [الحشر: 14].
ومع ذلك فدوافع العداوة بين الكفار ليس محصورة في تضاد الاعتقاد وتخالفه، بل قد تكون عداوتهم المبنية على تدافع بعض الأمور الدنيوية أشد وأعظم، ولهذا ترى من الحروب الاستئصالية التي تقع بين الدول النصرانية الكبرى -وهي في دينهم ومعتقدهم سواء- أغلبها مبني على تعارض المصالح، والتنافس على الثروات، فيبيدون بعضهم لأجلها ولا يبالون، فالذي يظهر لي أن ما اشترطه الإمام الماوردي رحمه الله ليس مقصودًا به خصوص المخالفة في الاعتقاد الديني، وإنما قيام الدواعي القوية على وجود العداوة فيما بينهم والتي تكون سببًا في تنافرهم وتقاتلهم، وهو ما يعرف اليوم بتعارض المصالح، ولكن ينبغي أن يكون هذا الأمر ظاهرًا محققًا مسلَّمًا، وليس مجرد تخيلات وتحليلات.
الشرط الثامن: ألا يكونوا منفردين برايتهم، بل يقاتلون تحت راية الجيش الإسلامي، فكما شرط بعض العلماء أن تكون أحكام الإسلام هي الجارية عليهم، فكذلك هنا اشترطوا ألا تكون للكفار المستعان بهم راية ينفردون بها ويستقلون بالقتال تحتها.
قال الإمام السرخسي الحنفي رحمه الله في بيان أحد الأسباب المحتملة لرد النبي ﷺ لحلفاء عبد الله بن أبي يوم أحد: «... أو تأويله أنهم كانوا متعززين في أنفسهم، لا يقاتلون تحت راية المسلمين، وعندنا إنما يستعين بهم إذا كانوا يقاتلون تحت راية المسلمين، فأما إذا انفردوا براية أنفسهم فلا يستعان بهم»١٬٠٨٦المبسوط: (12/23)..
وقال أيضًا: «والذي روي أن النبي ﷺ يوم أحد رأى كتيبة حسناء١٬٠٨٧[هكذا ورد في شرح السير للسرخسي، ولعل الخلل في الأصل، والمشتهر في كتب السيرة لفظ: كتيبة خشناء، ولكن جاء في المبسوط (10/24) الجمعُ بينهما: «فإذا كتيبة حسناء، أو قال: خشناء»؛ فيُحتمل أنهما بمعنىً]... تأويله أنهم كانوا أهل منعة، وكانوا لا يقاتلون تحت راية رسول الله ﷺ، وعندنا إذا كانوا بهذه الصفة فإنه يكره الاستعانة بهم»١٬٠٨٨شرح كتاب السير الكبير: (1/451)..
وكما ترى فإن كلام الإمام السرخسي في الموطنين اشتمل أمرين، يحتمل أن يكونا متلازمين، ويحتمل أن يجعل كل منهما شرطًا مستقلًا يمنع معه الاستعانة بالمشركين، وهما: وجود المنعة، وهذا يعني أن للكفار فئتهم وشوكتهم وقوتهم التي يتظاهرون بها، والثاني: وجود راية مستقلة بهم يقاتلون تحتها دون راية المسلمين.
وقال ابن الهمام الحنفي رحمه الله: «ولا بأس أن يستعان بالمشركين على قتال المشركين إذا خرجوا طوعًا... ولا يكون لهم راية تخصهم»١٬٠٨٩شرح فتح القدير: (5/503)، وليس معنى عدم انفرادهم براية تخصهم ضرورة أن يكونوا مفرقين داخل الجيش الإسلامي، وإنما المقصود أن رايتهم التي يقاتلون تحتها وجماعتهم التي ينتمون إليها لا تشذ عن راية جيش الإسلام ولا تستقل بنفسها عنه، أما وضعهم العسكري الميداني عند الاستعانة بهم فراجع إلى تقدير القادة، فإن رأوا أفردوهم وإن رأوا فرقوهم بحسب المصلحة كما قال الإمام الماوردي رحمه الله: «فإذا خرجوا معهم على هذه الشروط اجتهد والي الجيش رأيه فيهم، فإن كان أفرادهم متميزين أصلح لتعلم نكايتهم، أفردهم بحيث يرى أنه أصلح، إما في حاشية العسكر، أو من أمامه، أو من ورائه، وإن كان اختلاطهم بالمسلمين أولى؛ لئلا تقوى شوكتهم خلطهم بهم، فإن العمل بشواهد الأحوال المختلفة أولى من القطع بأحدها»، [الحاوي الكبير: (14/279)]..
فإذا كان العلماء قد منعوا من الاستعانة بهم في حالة يكون معها جيش المسلمين هو الأقوى، وسلطانه هو الأعلى، ورايته هي المقدَّمة، إلا أن للكفار راية استقلوا بها لأنفسهم، فكيف إذا كانت راية الكفار هي العليا، ويدهم في تسيير الأمور وتدبيرها هي الطولى، والمسلمون معهم أهون من أهل الذمة، فلا تسمع لهم كلمة، ولا تُرى لهم راية، ولا يستشارون في شأن كبير ولا حقير؟
صفوة القول في الشروط
فهذه هي خلاصة الشروط مما وقفت عليه والتي ذكرها العلماء المجوِّزون للاستعانة بالكفار على قتال الكفار، وهي شروط واضحة المعالم، محددة المضمون، بينة المغزى، مدرَكة الحكمة، تدور إجمالًا على الحذر الدائم من الكفرة، والاحتياط التام من الركون إليهم والميل نحوهم، وتجنب الاغترار بظواهرهم والانخداع بدعاواهم، وتوجب أخذ جميع الأسباب لمنع أو تقليل مفاسدهم، والاجتهاد في الحيلولة دون وصولها للمسلمين.
ولا شك أن من سيذهب إلى القول بجواز الاستعانة بالكفار على الكفار مع التقيد بهذه الشروط الغليظة المحكمة لن يعثر إلا على صور وحالات في غاية الندرة يمكن أن تنطبق عليها كل هذه الشروط.
فليتقِ الله أناسٌ تلاعبوا ويتلاعبون بأقوال الفقهاء، وخبطوا في الأدلة خبط عشواء، وخلطوا الحق بالباطل، ولبسوا ودلسوا، فجنوا على أمة الإسلام بتحريفاتهم وتلاعبِ تأويلاتهم جنايةً عظيمة جسيمة، أثقلت كاهلها، وتسلط بسببها أعداؤها، وزادت الإسلام محنة على مِحَنه، وكربة فوق كُرَبه، ولو أنهم أدركوا حقيقة واقعهم إدراك الكيس الفطِن، وتبصروا بمكائد أعدائهم تبصر اللوذعي اللقِن، وتقيدوا بشروط وضوابط علماء الإسلام، وأعطوها حقها، وأوقعوها موقعها، وجنبوا أنفسهم ميول الأهواء، ومخادعات النفوس، لما زلت بهم الأقدام، وضلت بغفلتهم أو تغافلهم الأفهام، وامتحن بسببهم أهل الإسلام والله المستعان.
كيف جمع العلماء بين أدلة المنع والجواز؟
اضطربت أقوال العلماء رحمهم الله اضطرابًا كبيرًا في كيفية الجمع والتوفيق بين الأدلة الصريحة الصحيحة التي تمنع من الاستعانة بالمشركين على المشركين وبين الأدلة التي يُفهم منها خلاف ذلك، والتي اعتمدها بعضهم في القول بالجواز بحسب الشروط المذكورة آنفًا، وسأحاول في هذا الموطن ذكر معظم أقوالهم ومذاهبهم واختياراتهم التي اطلعت عليها مما قصدوا الجمع به بين الأدلة مع مناقشة ما يحتاج إلى مناقشة حتى نخلص إلى ما يظهر رجحانه وقوته ومن الله وحده العون.
القول الأول: أن أدلة النهي عن الاستعانة بالمشركين منسوخة، وعليه فإن حكمها قد رفع بورود بعض الحوادث المتأخرة التي تدل على جواز الاستعانة بهم، وقد صرح بعض العلماء بمسألة النسخ واستعمل هذا اللفظ بعينه، وعبر عنه بعضهم بأن ذلك كان في وقت خاص، والحصيلة واحدة والمعنى متفق.
وممن جعل القول بالنسخ هو أحد احتمالات أوجه الجمع بين أدلة النهي والجواز الإمام الشافعي رحمه الله حيث قال: «الذى روى مالك كما روى رد رسول الله ﷺ مشركًا أو مشركين في غزاة بدر وأبى أن يستعين إلا بمسلم، ثم استعان رسول الله ﷺ بعد بدر بسنتين في غزاة خيبر بعدد من يهود بنى قينقاع كانوا أشداء، واستعان رسول الله ﷺ في غزاة حنين سنة ثمان بصفوان بن أمية وهو مشرك، فالرد الأول إن كان لأن له الخيار أن يستعين بمسلم أو يرده كما يكون له رد المسلم من معنى يخافه منه، أو لشدة به فليس واحد من الحديثين مخالفًا للآخر، وإن كان رده لأنه لم يرَ أن يستعين بمشرك، فقد نسخه ما بعده من استعانته بمشركين، فلا بأس أن يستعان بالمشركين على قتال المشركين إذا خرجوا طوعا»١٬٠٩٠الأم: (4/276)، وقال الماوردي رحمه الله في أجوبته عن أدلة المانعين للاستعانة: «أنه قد استعان بهم بعد بدر فكان ما تأخر قاضيًا على ما تقدم»، [الحاوي الكبير: (14 /279)]..
وقال العلامة الألوسي رحمه الله: «وما روي عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أنها قالت: خرج رسول الله ﷺ لبدر فتبعه رجل مشرك كان ذا جراءة ونجدة ففرح أصحاب النبي ﷺ حين رأوه، فقال له النبي ﷺ: (ارجع فلن أستعين بمشرك)١٬٠٩١[تقدم في (ص 562)]. فمنسوخ بأن النبي ﷺ استعان بيهود بني قينقاع ورضخ لهم، واستعان بصفوان بن أمية في هوازن»١٬٠٩٢تفسير الألوسي: (2/477)..
وقال الإمام ابن حجر رحمه الله: «قال المهلب وغيره: لا يعارض هذا قوله ﷺ: (لا نستعين بمشرك)؛ لأنه إما خاص بذلك الوقت، وإما أن يكون المراد به الفاجر غير المشرك...، وأجاب عنه الشافعي بالأول، وحجة النسخ شهود صفوان بن أمية حنينا مع النبي ﷺ وهو مشرك وقصته مشهورة في المغازي»١٬٠٩٣فتح الباري: (9/301)..
مناقشة للقول:
[البحر: الرجز]
[البحر: الرجز]
رَفْعٌ لِحُكْمٍ أَوْ بَيَانِ الزَّمَنِ | بَمُحْكَمِ التَّنْزِيلِ أَوْ بِالسُّنَنِ١٬٠٩٤[البيت رقم: (466)]. |
[البحر: الرجز]
[البحر: الرجز]
وَالْجَمْعُ وَاجِبٌ مَتَى مَا أَمْكَنَا | إِلَّا فَـلِلْأَخِيرِ نَسْخٌ بُيِّـنَا١٬٠٩٥[البيت رقم: (867)]. |
ففي كلامهم الذي نقلته آنفًا، نصوا على أن الناسخ لمنع الاستعانة دليلان:
الأول: أن النبي ﷺ استعان بيهود بني قينقاع في غزوة خيبر١٬٠٩٦[كما في الحديث الذي في (ص 568)]..
الثاني: أنه ﷺ استعان بصفوان بن أمية يوم حنين١٬٠٩٧[كما في الحديث الذي في (ص 566)]..
وبما أن غزوتي خيبر وحنين متأخرتان عن غزوة بدرٍ وهي التي قال فيها النبي ﷺ: (لن أستعين بمشرك)، فإن استعانته ﷺ فيهما بالمشركين قد نسخت هذا النهي الذي ثبت في غزوة بدر، هكذا هو تقريرهم لمسألة النسخ هنا، ولكن بالتأمل والنظر لا يظهر أن في هذا الكلام مَقنعًا؛ لأن الأدلة التي جعلوها ناسخة لا يثبت بها حكمُ الاستعانة ثبوتًا مستقلًا ابتداءً فضلًا عن القول بأنها ناسخة ورافعة لحكمٍ متقرر ثابت متيقنٍ بأدلة تنهى عن الاستعانة بالمشركين، وبيان ذلك:
أن قصة استعانته ﷺ بيهود بني قينقاع ضعيفة فلا تقوم بها حجة، كما نص على ذلك غير واحد من أهل العلم، وهي من مراسيل الزهري التي قال فيها عدد من العلماء هي كالريح، بل إن الإمام الشافعي رحمه الله نفسه يقول: «يقولون: نحابي، ولو حابينا أحدًا لحابينا الزهري، وإرسال الزهري ليس بشيء؛ ذلك أن نجده يروي عن سليمان بن أرقم»١٬٠٩٨جامع التحصيل: (90).، وقد ذكرت أقوال العلماء في هذا الأثر وكلامهم عليه أعلاه، فلينظر.
ولهذا قال الإمام ابن المنذر رحمه الله: «وأما ما ذكره الشافعي من خبر يهود بني قينقاع، فليس مما يقوم به حجة؛ لأنا لا نعلمه ثابتا، ولعله أخذ ذلك من أخبار المغازي، وعامة أخبار المغازي لا تثبت من جهة الإسناد»١٬٠٩٩الأوسط: (10/36)..
وأما استعانته ﷺ بصفوان بن أمية، فالثابت أن النبي ﷺ استعار أدرعًا من صفوان بن أمية يوم حنين، وهذا وإن كان نوعًا من الاستعانة فالكلام ليس عليه، إذ أقصى ما يمكن أن يقال فيه إن هذا النوع مستثنى من النهي فهو في الاصطلاح تخصيص لا نسخ.
أما استعانته بصفوان نفسه في القتال، وطلبه الخروج معه لذلك فهذا وإن كان مشهورًا في كتب السير والمغازي إلا أنه لا يثبت ثبوتًا تقوم به حجة، نعم... خرج صفوان بن أمية طوعًا من عند نفسه وقد كان إذ ذاك مشركًا لينظر لمن تكون الغلبة وعلى من تقع الدائرة، ولم يشارك في قتال، ولم يَدْعُه أحدٌ للمشاركة فيه أصلًا، ومع كفره وشركه فقد تألفه النبي ﷺ بكثير من العطايا حتى دخل الإسلام في قلبه، قال الإمام ابن كثير رحمه الله: «وأما المؤلفة قلوبهم فأقسام: منهم من يعطى ليسلم، كما أعطى النبي رضي الله عنه صفوان بن أمية من غنائم حنين، وقد كان شهدها مشركا، قال فلم يزل يعطيني حتى صار أحب الناس إلي بعد أن كان أبغض الناس إلي»١٬١٠٠تفسير ابن كثير: (2/366).، وهذا يدل على أنه حين فَصَل للاطلاع على المعركة كان مشركًا، إلا أنه لم يخرج مقاتلًا ولا مستعانًا به.
وفي صحيح مسلم١٬١٠١[٢٣١٣]. وغيره: أَنَّ صَفْوَانَ قال: «والله لقد أَعْطَانِي رسول اللَّهِ ما أَعْطَانِي وَإِنَّهُ لَأَبْغَضُ الناس إليّ فما بَرِحَ يُعْطِينِي حتى إنه لَأَحَبُّ الناس إليّ».
وعلى هذا فإن هذه الأدلة التي ساقوها محتجين بها على جواز الاستعانة أولًا وعلى نسخها للأدلة المانعة ثانيًا لا تصلح دليلًا على الاستعانة أصلًا فكيف تعارض أدلة المنع الصريحة الصحيحة حتى تنسخها؟!
وليس القول بالنسخ هينًا حتى يصار إليه من غير تثبتٍ ولا تروٍ ولا تحققٍ لشروطه، فهو في حقيقته إلغاء لحكمٍ شرعيٍ قررته الأدلة، وإسقاط له عن عهدة التكليف وتبرئة للنفس من تبعاته، وما كان كذلك فشأنه ليس يسيرًا، ولهذا فهو آخر ما يلجأُ إليه العلماء بعد استفراغ الوسع وبذل الجهد في جمع الأدلة ومحاولة التوفيق بينها ما وجدوا إلى ذلك سبيلًا.
قال الإمام الطبري رحمه الله: «إن شيئًا من أحكام الله تعالى التي أثبتها في كتابه أو بيَّنها على لسان رسوله ﷺ، غير جائز فيه أن يقال له ناسخ لحكم آخر، أو منسوخ بحكم آخر، إلا والحكمان اللذان قضى لأحدهما بأنه ناسخ والآخر بأنه منسوخ ناف كل واحد منهما صاحبه، غيرُ جائز اجتماع الحكم بهما في وقت واحد بوجه من الوجوه»١٬١٠٢تفسير الطبري: (7/12)..
القول الثاني: أن الكفار إذا خرجوا مع جيش المسلمين من غير طلب ولا إذن جاز وإلا فلا، وحاصل هذا الكلام حمل أدلة المنع التي تنهى عن الاستعانة بالمشركين على طلب ذلك منهم، أو الإذن لهم، وعليه فلا يجوز طلب الإعانة من المشركين في القتال، فأما إن خرجوا ضمن الجيش من تلقاء أنفسهم تبرعًا وتطوعًا فلا يعد هذا من الاستعانة فلا يشمله النهي.
قال ابن رشد: «قول ابن القاسم لا أحب للإمام أن يأذن لهم في الغزو دليل على أنهم إن لم يستأذنوه لم يجب عليه أن يمنعهم، وعلى هذا يحمل غزو صفوان بن أمية مع رسول الله ﷺ حنينا والطائف»١٬١٠٣التاج والإكليل: (3/352)..
وقال الخرشي عند قول خليل في مختصره: ««واستعانة بمشرك»؛ يعني أنه يحرم علينا أن نستعين بكافر في الجهاد، إلا أن يكون خادما لنا في هدم، أو حفر، أو رمي منجنيق، وما أشبه ذلك، والسين للطلب، فالممنوع طلب إعانتهم، وحينئذ فمن خرج من تلقاء نفسه لا يحرم علينا معاونته، وهو ظاهر سماع يحيى خلافا لأصبغ»١٬١٠٤شرح مختصر خليل للخرشي: (9/465)..
وقال الإمام الطحاوي رحمه الله: «إن ما رويناه من قصة صفوان، ليس بمخالف لما رويناه في سواها في هذا الباب من قول رسول الله ﷺ: (إني لا أستعين بمشرك)١٬١٠٥[تقدم في (ص 562)].؛ لأن قتال صفوان كان معه ﷺ، لا باستعانة منه إياه في ذلك، ففي هذا ما يدل على أنه إنما امتنع من الاستعانة به وبأمثاله، ولم يمنعهم من القتال معه باختيارهم لذلك، وكان تركه ﷺ الاستعانة بهم محتملًا أن يكون من قول الله ﷻ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ بِطَانَةٗ مِّن دُونِكُمۡ لَا يَأۡلُونَكُمۡ خَبَالٗا﴾ [آل عمران: 118]؛ فكانت الاستعانة بهم اتخاذه لهم بطانة، ولم يكن قتالهم معه بغير استعانة منه بهم اتخاذا منه إياهم بطانة»١٬١٠٦مشكل الآثار: (6/72)، وعنده نحو هذا في: معتصر المختصر: (1/229)..
وما نقلته آنفًا عن الإمام الشافعي من قوله: «فلا بأس أن يستعان بالمشركين على قتال المشركين إذا خرجوا طوعًا»، يحتمل أن يكون من هذا الباب، وهو أن الاستعانة المنهي عنها إنما هي في طلبها من الكفار لا إن خرجوا في جيش الإسلام تطوعًا من عند أنفسهم، ويحتمل أن يقصد بقوله: «إذا خرجوا طوعًا»؛ أي خرجوا مختارين وليسوا مكرهين على الخروج للقتال، كما لو كان المستعان بهم أهل ذمة فلا يجوز للإمام أن يجبرهم ويلزمهم الخروج معه لقتال الكفار.
فهنا أمران:
الأول: حرمة الاستعانة وهي طلب العون من الكفار لقتال الكفار كما نقلته عن بعض علماء المالكية، والإمام الطحاوي.
والثاني: حرمة الإذن لمن جاء منهم مستأذنًا في ذلك، كما هو عند بعض علماء المالكية.
فأما إن تطوع الكافر للقتال اختيارًا من غير استعانة به ولا إذن له فهي الصورة الجائزة لديهم، ودليلها عندهم قصة خروج صفوان بن أمية يوم حنين مع النبي ﷺ، ولكن كما ذكرت من قبل، فإن قصة خروج صفوان بن أمية يوم حنين لأجل القتال لا تثبت، فهو لم يخرج من بيته مقاتلًا، ولم يُروَ عنه أنه قاتل في هذه الغزوة لا باستعانة ولا إذن ولا غيرهما، ومجرد وجوده ومشاهدته للمعركة لا يستلزم ذلك، وعليه فلا يصح تأسيس الحكم على دليل كهذا، فيبقى النهي عن الاستعانة عامًا إلا ما خصه الدليل منها.
وسيأتي مزيد بحث للمسألة عند محاولة الترجيح إن شاء الله، وإنما المقصد الآن هو المرور على الطرق التي حاول العلماء رحمهم الله أن يجمعوا بها بين الأدلة.
ونشير هنا إلى أن الحافظ ابن حجر رحمه الله لم يرتضِ صنيع الطحاوي في طريقة الجمع هذه ورد ذلك قائلا: «وقال الطحاوي: قصة صفوان لا تعارض قوله: (لا أستعين بمشرك)؛ لأن صفوان خرج مع النبي ﷺ باختياره لا بأمر النبي ﷺ له بذلك، قلت: وهي تفرقة لا دليل عليها ولا أثر لها؛ وبيان ذلك أن المخالف لا يقول به مع الإكراه، وأما الأمر فالتقرير يقوم مقامه»١٬١٠٧فتح الباري: (9/301)..
ولا يخفى أن محل المنع فيما لو عَلِم الإمام بخروج من خرج من المشركين في الجيش بغير إذنه ولا طلبه، وأما لو خرج المشرك وشارك في القتال بغير إذن الإمام ولا علمه فلا شيء في ذلك، ودليل ذلك ما رواه الإمام أحمد رحمه الله عن أبي هريرة أنه كان يقول: «حدثوني عن رجل دخل الجنة لم يصل قط، فإذا لم يعرفه الناس سألوه من هو؟ فيقول: أصيرم بني عبد الأشهل عمرو بن ثابت بن وقش، فقلت لمحمود بن لبيد كيف كان شأن الأصيرم قال: كان يأبى الإسلام على قومه فلما كان يوم أحد وخرج رسول الله ﷺ إلى أحد بدا له الإسلام فأسلم، فأخذ سيفه فغدا حتى أتى القوم فدخل في عرض الناس، فقاتل حتى أثبتته الجراحة، فبينا رجال بني عبد الأشهل يلتمسون قتلاهم في المعركة إذا هم به، قالوا والله إن هذا لَلأصيرم، وما جاء به؟! لقد تركناه وإنه لمنكر لهذا الحديث، فسألوه ما جاء به، فقالوا: ما جاء بك يا عمرو أحدبا على قومك أو رغبة في الإسلام فقال بل رغبة في الإسلام، آمنت بالله وبرسوله وأسلمت، ثم أخذت سيفي فغدوت مع رسول الله ﷺ فقاتلت حتى أصابني ما أصابني، فلم يلبث أن مات في أيديهم فذكروه لرسول الله ﷺ فقال إنه لمن أهل الجنة»١٬١٠٨[رواه أحمد: (٢٣٦٣4)، وحسن إسناده الأرنؤوط]، قال الهيثمي: «رجاله ثقات»..
والشاهد من القصة أن بني عبد الأشهل لم يعرفوا أن الأصيرم قد خرج معهم ولا أنه أسلم إلا بعد انتهاء المعركة، ولهذا فحينما رآه بعض الصحابة يريد القتال معهم ولم يعلموا بإسلامه أمروه بالابتعاد عنهم، وهذا مما يقوي أن الصحابة كان قد استقر عندهم عدم الاستعانة بالكافر سواء جاء طوعًا من نفسه أم طلبًا من المسلمين، فقد قال الإمام ابن حجر رحمه الله: «وقد وقع من وجه آخر عن أبي هريرة سببُ مناضلته عن الإسلام فروى أبو داود من وجه آخر، والحاكم١٬١٠٩[أبو داود: (٢٥٣٧)، والحاكم: (٢٥٣٣)].، وغيرهما، من طريق حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن عمرو بن أقيش كان له ربا في الجاهلية، فكره أن يسلم حتى يأخذه فجاء في يوم أحد، فقال: أين بنو عمي، قالوا بأحد، قال بأحد؟! فلبس لأمته، وركب فرسه، ثم توجه قبلهم، فلما رآه المسلمون قالوا: إليك عنا يا عمرو، قال: إني قد آمنت، فقاتل حتى جرح، فحمل إلى أهله جريحا، فجاءه سعد بن معاذ فقال لأخته سليه حمية لقومه أو غضب لله ولرسوله؟ فقال: بل غضب لله ورسوله، فمات فدخل الجنة وما صلى لله صلاة، هذا إسناد حسن، ويجمع بينه وبين الذي قبله بأن الذين قالوا أولًا إليك عنا قوم من المسلمين من غير قومه بني عبد الأشهل، وبأنهم لما وجدوه في المعركة حملوه إلى بعض أهله، وقد تعين في الرواية الثانية من سأله عن سبب قتاله»١٬١١٠الإصابة: (4/ص609)..
فحينما ظن المسلمونَ أن عَمْرًا لا يزال على شركه -مع أنه جاء متطوعًا من غير طلب- ردوه وأمروه بالابتعاد عن عسكرهم وقالو له: «إليك عنا يا عمرو»، وبمجرد أنه أخبرهم أنه قد آمن سكتوا عنه ولم يمنعوه أو يدفعوه فَعلِم أنه لا فرق في معنى الاستعانة المنهي عنها بين من طُلب منه ذلك، وبين من جاء من تلقاء نفسه وأن الجميع يمنعون ويبعدون، وأن مدار الإذن من عدمه على وجود الإيمان فحسب.
القول الثالث: أن أمر الاستعانة راجع إلى اجتهاد الإمام، فالامتناعُ منها وفعلُها كل ذلك بحسب ما يؤدي إليه نظره وتحريه وتوخيه الأصلح، وتحصيله للأنفع.
وفي هذا يقول الإمام الشافعي رحمه الله كما نقلناه قبلًا: «الذي روى مالك كما روى رد رسول الله ﷺ مشركًا أو مشركين في غزاة بدر وأبى أن يستعين إلا بمسلم، ثم استعان رسول الله ﷺ بعد بدر بسنتين في غزاة خيبر بعدد من يهود بنى قينقاع كانوا أشداء، واستعان رسول الله ﷺ في غزاة حنين سنة ثمان بصفوان بن أمية وهو مشرك، فالرد الأول إن كان لأن له الخيار أن يستعين بمسلم أو يرده كما يكون له رد المسلم من معنى يخافه منه، أو لشدة به فليس واحد من الحديثين مخالفًا للآخر»١٬١١١الأم: (4/276)..
وقال الإمام ابن حجر وهو يعدد بعض طرق الجمع بين أدلة المسألة: «ومنها: أن الأمر فيه إلى رأي الإمام»١٬١١٢الفتح: (9/301)، وهو بنصه عند الإمام الشوكاني: نيل الأوطار: (12/18)، وقد ردا هذا القول بأن النهي عام؛ حيث جاء نكرة في سياق النفي..
القول الرابع: أن الاستعانة جائزة بأهل الكتاب فقط، لا بالمشركين عبدة الأوثان أو مَن سواهم، وقد ذهب إلى هذا القول الإمام الطحاوي رحمه الله فقال: «لأن اليهود الذين دعاهم رسول الله ﷺ في هذا الحديث إلى قتال أبي سفيان معه ليسوا من المشركين الذين قال رسول الله ﷺ في الآثار الأُوَل إنه لا يستعين بهم، أولئك عبدة الأوثان، وهؤلاء أهل الكتاب الذين ذكرنا مباينة ما هم عليه، وما عبدة الأوثان عليه في الباب الذي قبل هذا الباب؛ لأن هؤلاء أهل الكتاب الذين نجتمع نحن وهم في الإيمان بما يؤمنون به من كتب الله ﷻ التي أنزلها على من أنزلها عليه من أنبيائه، ونؤمن نحن وهم بالبعث من بعد الموت، وأولئك الآخرون لا يؤمنون بشيء من ذلك، فنحن وهؤلاء الكتابيون في قتال عبدة الأوثان يد واحدة، والغلبة لنا؛ لأنا الأعلون عليهم، وهم تباع لنا في ذلك، وهكذا حكمهم إلى الآن عند كثير من أهل العلم، منهم أبو حنيفة وأصحابه، يقولون: لا بأس بالاستعانة بأهل الكتاب في قتال من سواهم إذا كان حكمنا هو الغالب، ويكرهون ما سوى ذلك إذا كانت أحكامنا بخلاف ذلك، ونعوذ بالله من تلك الحال»١٬١١٣مشكل الآثار: (6/73)..
وقال أيضًا: «فأما من سواهم ممن تمسك بكتابه الذي جاء به الذي يذكر أنه على دينه فمخالف لذلك، ولا بأس بالاستعانة بمثله في قتال المشركين؛ لأنه ليس بمشرك، إنما هو كتابي كافر، وهو عدو للكفار من عبدة الأوثان كما نحن أعداء لهم»١٬١١٤مشكل الآثار: (6/74)..
وكون أهل الكتاب ليسوا بمشركين كما قال الإمام الطحاوي رحمه الله فغير مَسلَّم، بل هو مردودٌ، لمخالفته لكتاب الله ﷻ كما قال سبحانه: ﴿ٱتَّخَذُوٓاْ أَحۡبَارَهُمۡ وَرُهۡبَٰنَهُمۡ أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلۡمَسِيحَ ٱبۡنَ مَرۡيَمَ وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُوٓاْ إِلَٰهـٗا وَٰحِدٗاۖ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ سُبۡحَٰنَهُۥ عَمَّا يُشۡرِكُونَ﴾ [التوبة: 31]، قال الإمام ابن جرير رحمه الله: «﴿سُبۡحَٰنَهُۥ عَمَّا يُشۡرِكُونَ﴾ [التوبة: 31]، يقول: تنزيهًا وتطهيرًا لله عما يُشرك في طاعته وربوبيته، القائلون: «عزير ابن الله»، والقائلون: «المسيح ابن الله»، المتخذون أحبارهم أربابًا من دون الله»١٬١١٥تفسير الطبري: (14/213)..
وفي البخاري١٬١١٦[٥٢٨٥]. عن نافع أن ابن عمر كان إذا سُئل عن نكاح الرجل النصرانية أو اليهودية قال: إن الله حرم المشركات على المسلمين، ولا أعلم من الإشراك شيئا أكبر من أن تقول المرأة ربها عيسى وهو عبد من عباد الله.
والمقصود بهذا الأثر أن ابن عمر رضي الله عنهما صرح بأن النصارى مشركون، بل جعل شركهم أعظم وأكبر أنواع الإشراك، أما تحريمه نكاح الكتابيات لشركهن، فقد جاء الكتاب بخلاف ذلك كما قال سبحانه: ﴿وَٱلۡمُحۡصَنَٰتُ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ وَٱلۡمُحۡصَنَٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ إِذَآ ءَاتَيۡتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحۡصِنِينَ غَيۡرَ مُسَٰفِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِيٓ أَخۡدَانٖۗ﴾ [المائدة: 5].
وقال الإمام ابن القيم رحمه الله عند كلامه على حكم دخول الذميين الحرم: «للناس قولان في دخول أهل الكتاب في لفظ المشركين:
الأول: فابن عمر وغيره كانوا يقولون هم من المشركين، قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما لا أعلم شركًا أعظم من أن يقول المسيح ابن الله وعزير ابن الله، وقد قال تعالى فيهم: ﴿ٱتَّخَذُوٓاْ أَحۡبَارَهُمۡ وَرُهۡبَٰنَهُمۡ أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ﴾ [التوبة: 31].. الآية.
والثاني: لا يدخلون في لفظ المشركين لأن الله سبحانه جعلهم غيرهم في قوله: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّٰبِـِٔينَ وَٱلنَّصَٰرَىٰ وَٱلۡمَجُوسَ وَٱلَّذِينَ أَشۡرَكُوٓاْ﴾ [الحج: 17].
قال شيخنا: والتحقيق أن أصل دينهم دين التوحيد فليسوا من المشركين في الأصل، والشرك طارئ عليهم، فهم منهم باعتبار ما عرض لهم لا باعتبار أصل الدين، فلو قدر أنهم لم يدخلوا في لفظ الآية دخلوا في عمومها المعنوي وهو كونهم نجسا، والحكم يعم بعموم علته»١٬١١٧أحكام أهل الذمة: (1/399400)، وقد رد الإمام ابن حزم القول بأن أهل الكتاب ليسوا مشركين بإسهاب فليراجع في كتابه المحلى: (2/865) فإنه مهمٌ..
وقال العلامة الشنقيطي رحمه الله: «فتأمل قوله تعالى في اليهود والنصارى: ﴿سُبۡحَٰنَهُۥ عَمَّا يُشۡرِكُونَ﴾ [التوبة: 31] يظهر لك صدق اسم الشرك عليهم فيتضح إدخالهم في عموم ﴿إِنَّمَا ٱلۡمُشۡرِكُونَ نَجَسٞ﴾ [التوبة: 28]، ووجه الفرق بينهم بعطف بعضهم على بعض، هو أنهم جميعا مشركون، والمغايرة التي سوغت عطف بعض المشركين على بعض، هي اختلافهم في نوع الشرك، فشرك المشركين غير أهل الكتاب، كان شركًا في العبادة؛ لأنهم يعبدون الأوثان، وأهل الكتاب لا يعبدون الأوثان، فلا يشركون هذا النوع من الشرك، ولكنهم يشركون شرك ربوبية، كما أشار له تعالى بقوله: ﴿ٱتَّخَذُوٓاْ أَحۡبَارَهُمۡ وَرُهۡبَٰنَهُمۡ أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ﴾ [التوبة: 31]... الآية، ومن اتخذ أربابًا من دون الله فهو مشرك به في ربوبيته، وادعاء أن عزيرًا ابن الله والمسيح ابن الله من الشرك في الربوبية، يستلزم الشرك في العبادة، قال تعالى: ﴿وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُوٓاْ إِلَٰهـٗا وَٰحِدٗاۖ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ سُبۡحَٰنَهُۥ عَمَّا يُشۡرِكُونَ﴾ [التوبة: 31]»١٬١١٨الرحلة إلى أفريقيا: (2/38)، وله في المسألة مبحث في كتابه القيم [دفع إيهام الاضطراب: 47]، وبمثل هذه الأقوال يتعلق بعض المنهزمين المعاصرين الذين يحاولون جهدهم التقرب إلى الغرب والتملق لساسته ومفكريه، إلا أن الفرق بين أولئك الأئمة العظماء وبين هؤلاء المستسلمين أن منطلق أولئك هو الدليل الشرعي والبحث المتجرد فأخطأوا في مثل هذه المسائل كما يقع الخطأ في غيرها، أما مبعث المعاصرين ومنبع تأصيلاتهم وتأويلاتهم هو الانهزام النفسي ومسايرة الواقع فأعمالهم منصبة على تطويع الأدلة وإخضاعها لأهوائهم وأهواء ساستهم وسادة ساستهم وليست متوجهة إلى الخضوع لها والسير وراءها فشتان بين خضوع الأولين وإخضاع المعاصرين..
ولا شك أن لأهل الكتاب أحكامًا قد خصهم بها الشرع كحل ذبائحهم ونكاح نسائهم، ولكن هذا لا يخرجهم عن كونهم مشركين، ولا يعني أن اسم الشرك ليس شاملًا لهم ولا منطلقًا عليهم، ولهذا فالأصل أن جميع أحكام المشركين تعمهم إلا ما أخرجه الدليل منها كالتي أشرنا إليها.
فما ذهب إليه الإمام الطحاوي من أن جواز الاستعانة خاص بأهل الكتاب، إن كان ذلك مبنيًا على دليل مستقل استثناهم من عموم النهي عن الاستعانة بالمشركين، فهو مقبولٌ، أما أن يكون تجويز ذلك بناء على أنهم غير داخلين في النهي أصلًا لعدم شمول لفظ «المشركين» لهم فهذا غير صحيح، وهو بعيد جدًا والله تعالى أعلم.
ولهذا لما أشكل على الإمام الطحاوي رحمه الله حديث أبي حميد الساعدي رضي الله عنه، والذي قال فيه: «خرج رسول الله ﷺ يوم أحد حتى إذا خلَّف ثنية الوداع نظر وراءه، فإذا كتيبة خشناء، قال ﷺ: (من هؤلاء؟)، قالوا: هذا عبد الله بن أبي بن سلول في مواليه من اليهود من بني قينقاع، وهم رهط عبد الله بن سلام، فقال: (أوقد أسلموا؟)، قالوا: إنهم على دينهم، قال: (قل لهم فليرجعوا فإنا لا نستعين بالمشركين على المشركين)»١٬١١٩[سبق في (ص 563)].؛ لأن هذا الحديث جلي في رد يهود بني قينقاع وهم أهل كتاب، وصريح في إطلاق لفظ الشرك عليهم أجاب عنه الإمام الطحاوي بجواب غريب حيث قال رحمه الله: «وجه قول رسول الله ﷺ لهؤلاء اليهود الذين من بني قينقاع ما قاله لهم في حديث أبي حميد كان بعد وقوفه ﷺ على ما بينهم وبين عبد الله بن أبي المنافق من الحلف، والمحالفة هي الموافقة من الحالفين للحالفين، فكانوا بذلك خارجين من الكتاب الذي كانوا من أهله مما سواهم من اليهود الذين كانوا في النضير في ذلك بخلافهم؛ لأنهم لم يحالفوا منافقًا، وكان أولئك بما حالفوا المنافق الذي حالفوه مرتدين عما كانوا فيه إلى ما هو عليه، فكانوا بذلك كالمرتدين من أهل ملتنا إلى يهودية أو إلى نصرانية، فلا يكونون بذلك يهودًا ولا نصارى؛ لأن ذبائحهم غير مأكولات؛ ولأن نساءهم اللاتي دخلن معهم في ذلك غير منكوحات.
فمثل ذلك بنو قينقاع لما حالفوا عبد الله بن أبي المنافق، فواطئوه على ما هو عليه من النفاق، ووافقوه على ذلك؛ خرجوا بذلك من حكم الكتاب الذي كانوا من أهله، وصاروا مشركين كمشركي العرب الذين أخبر رسول الله ﷺ أنه لا يستعين بهم، فلم يستعن بهم في قتاله المشركين لذلك، فأما من سواهم ممن تمسك بكتابه الذي جاء به الذي يذكر أنه على دينه فمخالف لذلك، ولا بأس بالاستعانة بمثله في قتال المشركين؛ لأنه ليس بمشرك، إنما هو كتابي كافر، وهو عدو للكفار من عبدة الأوثان كما نحن أعداء لهم»١٬١٢٠مشكل الآثار: (6/74)..
ومَن تأمل قليلًا وجد نفس لفظ الحديث الذي جاء في قصة أبي حميد الساعدي يرد هذا التأويل حيث قال الصحابة رضي الله عنهم حينما سألهم النبي ﷺ إن كانوا أسلموا، فقالوا: «إنهم على دينهم»، وفي لفظ قالوا: «بل هم على دينهم»، فكلامهم رضي الله عنهم صريح في أن بني قينقاع مستقرون على دينهم الذي هو اليهودية، ومع ذلك فقد ردهم النبي ﷺ وبين أن سبب ردهم هو كونهم مشركين فلهذا لا يستعين بهم على مشركين مثلهم، وليس في سياق الكلام ما يشعر بأن محالفتهم لعبد الله بن أبي جعلتهم خارجين عن كونهم «أهل كتاب» واستحقوا بها حكم المشركين لهذا السبب، وهو انتقال من تعليل واضح قريب مدرَك إلى احتمال بعيد لا يخلوا استنباطه من نوع تكلف.
ثم إن كان موجب ردهم هو محالفتهم لابن أبي المنافق لعلّل الرد بذلك، واختيار اسم الشرك لهم بمجرد تحالفهم معه غير معهود، ولو كان مجرد المحالفة يخرجهم عن كونهم أهل كتاب ويستحقون معها جميع أحكام المشركين لكان أولى منهم بذلك بنو قريظة الذين ناصروا عليه الأحزاب وجاهروا له بذلك، لأنهم أعانوا وحالفوا المشركين شركا صريحًا.
القول الخامس: أن الاستعانة المنهي عنها إنما هي استعانة الذليل بالعزيز، قال العلامة الألوسي رحمه الله: «على أن بعض المحققين ذكر أن الاستعانة المنهي عنها إنما هي استعانة الذليل بالعزيز، وأما إذا كانت من باب استعانة العزيز بالذليل فقد أذن لنا بها، ومن ذلك اتخاذ الكفار عبيدًا وخدمًا ونكاح الكتابيات منهم، وهو كلام حسن كما لا يخفى»١٬١٢١تفسير الألوسي: (2/477)..
وهذا تخصيص لعموم ألفاظ الأحاديث الناهية عن الاستعانة من غير دليل يعوّل عليه، خاصةً وأن المواضع التي كانت سببًا لورود تلك الأحاديث كان فيها المسلمون أعز ما يكونون، وغزوة بدر التي رد فيها المشرك الذي جاء لنصرته، وإن جاء فيها قول الله ﷻ: ﴿وَلَقَدۡ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدۡرٖ وَأَنتُمۡ أَذِلَّةٞۖ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ﴾ [آل عمران: 123]، فذلتهم لم تكن من جهة الاستعانة وإنما كانت بسبب قلة العدد والسلاح، وأي ذلة يمكن أن تكون في الاستعانة برجل أو رجلين جاءوا بأنفسهم طوعًا طالبين المشاركة في القتال.
القول السادس: أن النبي ﷺ إنما رد من رده من المشركين لتفرسه الإسلام في بعضهم، ولتأليف بعضهم عليه، وهذا يمكن إدراجه بصورة أو بأخرى في قول من قال إن الأمر راجع إلى اجتهاد الإمام، قال الإمام ابن حجر رحمه الله وهو يذكر بعض طرق الجمع بين أدلة المسألة: «وأجاب غيره في الجمع بينهما بأوجه غير هذه: منها أنه ﷺ تفرس في الذي قال له: (لا أستعين بمشرك)، الرغبة في الإسلام فرده رجاء أن يسلم فصدق ظنه»١٬١٢٢فتح الباري: (9/301).، ثم عقب على هذا بقوله: «وفي كل منهما نظر من جهة أنها نكرة في سياق النفي فيحتاج مدعي التخصيص إلى دليل»، وقال الإمام الشوكاني بعد أن ذكر هذا القول: «وفيه نظر لأن قوله: لا أستعين بمشرك نكرة في سياق النفي تفيد العموم»١٬١٢٣نيل الأوطار: (8/130)..
وقال الإمام القرافي رحمه الله ناقلًا عن بعض علماء المالكية أنه قال: «لا بأس أن يقوم بمن سالمه على من حاربه لأنه استعان بأهل الكتاب على عبدة الأوثان، والجواب عن الحديث السابق أنه تفرس فيه الإسلام إذ منعه»١٬١٢٤الذخيرة: (3/406)..
قال محمد عليش المالكي: «وجهه أن صفوان كان من المؤلفة قلوبهم، فيحتمل أنه أجازه للتألف لا لخروجه من تلقاء نفسه»١٬١٢٥منح الجليل شرح مختصر خليل (6/11)..
القول السابع: أن الاستعانة بهم إنما تجوز حال الضرورة، إلا أن بعض العلماء بنى هذا الحكم على أدلة خاصة من نفس المسألة جعلها كالمخصِّصة لأحاديث النهي؛ فحمل أدلة الجواز على الضرورة لا غير، وبعضهم جوزها بناء على أن الضرورات تبيح المحظورات كما أبيحت الميتة للمضطر.
قال الإمام الطحاوي رحمه الله: «وقد روي أنه لما بلغ رسول الله ﷺ جمع أبي سفيان ليخرج إليه يوم أحد، انطلق إلى بني النضير وهم يهود فقال لهم: (فإما قاتلتم معنا وإما أعرتمونا سلاحًا)١٬١٢٦[سبق في (ص 567)].، قال أبو جعفر: ويحتمل أن يكون ذلك لضرورة دعت إليه»١٬١٢٧مختصر اختلاف العلماء: (3/429)، ومثل هذا تمامًا قاله الإمام ابن عبد البر رحمه الله في [التمهيد: 12/37]..
وقال الرحيباني الحنبلي: «وتحرم استعانة بكافر لحديث عائشة رضي الله عنها... (فارجع فلن أستعين بمشرك)١٬١٢٨[سبق في (ص 562)].، متفق عليه؛ ولأن الكافر لا يؤمن مكره وغائلته لخبث طويته، والحرب تقتضي المناصحة، والكافر ليس من أهلها «إلا لضرورة»؛ لحديث الزهري أن النبي ﷺ استعان بناس من المشركين في حربه رواه سعيد، وروي أيضًا أن صفوان بن أمية شهد حنينا مع النبي ﷺ، وبهذا حصل التوفيق بين الأدلة والضرورة مثل كون الكفار أكثر عددا أو يخاف منهم»١٬١٢٩مطالب أولي النهى: (2/532)، وقال المرداوي: «والصحيح من المذهب: أنه يحرم الاستعانة بهم إلا عند الضرورة، جزم به في الخلاصة، وقدمه في الفروع، والمحرر، والرعايتين، والحاويين» (الإنصاف: 7/60)، فكما ترى فإن الإمام المرداوي رحمه الله قد صرح بأن الصحيح من مذهب الحنابلة حرمة الاستعانة بالمشركين إلا عند الضرورة، ولهذا فقد يكون هناك نظر فيما جاء في الموسوعة الفقهية من كون الصحيح من مذهب الحنابلة جواز الاستعانة بالكافر عند الحاجة إذ قالوا: «فذهب الحنفيّة والحنابلة في الصّحيح من المذهب... إلى جواز الاستعانة بغير المسلم عند الحاجة»، نعم القول بالجواز عند الحاجة قول معروفٌ في المذهب، لكن الشأن في جعله صحيح مذهبهم، فليحرر..
وقال صديق حسن خان بعد أن ذكر أدلة المجوزين والمانعين: «فيجمع بين الأحاديث بأن الاستعانة بالمشركين لا تجوز إلا لضرورة لا إذا لم تكن ثم ضرورة»١٬١٣٠الروضة الندية: (3/443)، وقد ذكرتُ من قبل أن هذا هو أحد أقوال الإمام الشوكاني رحمه الله..
وبوَّب الإمام البخاري رحمه الله فقال: «باب استئجار المشركين عند الضرورة أو إذا لم يوجد أهل الإسلام»، قال الإمام ابن حجر: «هذه الترجمة مشعرة بأن المصنف يرى بامتناع استئجار المشرك حربيًا كان أو ذميًا إلا عند الاحتياج إلى ذلك كتعذر وجود مسلم يكفي في ذلك... ثم ذكر حديثين وقال: وكأنه أخذ ذلك من هذين الحديثين مضمومًا إلى قوله ﷺ: (إنا لا نستعين بمشرك)، أخرجه مسلم وأصحاب السنن، فأراد الجمع بين الأخبار بما ترجم به»١٬١٣١فتح الباري: (7/100)..
أما الإمام ابن حزم رحمه الله فذهب إلى جواز الاستعانة بالكفار في القتال عند الضرورة، ولكن لم يرُم بذلك الجمع بين الأدلة، فهو لا يرى أن هناك دليلًا يجيز الاستعانة بهم أصلًا، ولكن اعتمد على العمومات التي تبيح فعل المحظور حال الاضطرار، فقال رحمه الله: «وقد ذكرنا هذا في كتاب الجهاد من قول رسول الله ﷺ: (إننا لا نستعين بمشرك)، وهذا عموم مانع من أن يستعان به في ولاية، أو قتال، أو شيء من الاشياء، إلا ما صح الإجماع على جواز الاستعانة به فيه، كخدمة الدابة أو الاستئجار، أو قضاء الحاجة ونحو ذلك مما لا يخرجون فيه عن الصغار، والمشرك اسم يقع على الذمي والحربي. قال أبو محمد رحمه الله: هذا عندنا ما دام في أهل العدل منعة فإن أشفوا على الهلكة واضطروا ولم تكن لهم حيلة فلا بأس بأن يلجئوا إلى أهل الحرب، وأن يمتنعوا بأهل الذمة ما أيقنوا أنهم في استنصارهم لا يؤذون مسلما ولا ذميا في دم أو مال أو حرمة مما لا يحل، برهان ذلك قول الله تعالى: ﴿وَقَدۡ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيۡكُمۡ إِلَّا مَا ٱضۡطُرِرۡتُمۡ إِلَيۡهِۗ﴾ [الأنعام: 119]، وهذا عموم لكل من اضطر إليه، إلا ما منع منه نص أو اجماع، فإن علم المسلم واحدا كان أو جماعة أن من استنصر به من أهل الحرب أو الذمة يؤذون مسلما أو ذميًا فيما لا يحل، فحرام عليه أن يستعين بهما وإن هلك، لكن يصبر لأمر الله تعالى وإن تلفت نفسه وأهله وماله، أو يقاتل حتى يموت شهيدا كريما، فالموت لا بُدَّ منه ولا يتعدى أحد أجله»١٬١٣٢المحلى: (11/113)..
وقد ذكر الإمام ابن حزم هذا الكلام تحت مسألة: «هل يستعان على أهل البغي بأهل الحرب أو بأهل الذمة أو بأهل بغي آخرين».
إلا أن هناك نوعًا آخر سماه الإمام ابن حزم استعانة، فجوزه، وهو ما إذا أمكن المسلمين أن يتخللوا صفوف الكفار ويندسوا بينهم ليضربوا بعضهم ببعض، وهذا النوع ليس من الاستعانة التي يتكلم عنها الفقهاء في هذا الباب، وإنما عنى الإمام ابن حزم بهذه التسمية أن مكيدتنا لأهل الحرب واستثارتهم بتحريش إخوانهم وتهييجهم عليهم يؤدي إلى إضعافهم وإنهاك قوتهم فكأننا بذلك قد استعنا ببعض الكفار على بعض، لأن ضرب هؤلاء معونة لنا على إضعاف أولئك وضرب أولئك معونة لنا على هؤلاء حتى يمكِّننا الله من الفريقين، فقال رحمه الله: «وإن أمكننا أن نضرب بين أهل الحرب من الكفار حتى يقاتل بعضهم بعضا، ويدخل إليهم من المسلمين من يتوصل بهم إلى أذى غيرهم فذلك حسن، وقد قال رسول الله ﷺ: (إن الله ينصر هذا الدين بقوم لا خلاق لهم)١٬١٣٣[تقدم في (ص 322)].... قال أبو محمد رحمه الله: فهذا يبيح الاستعانة على أهل الحرب بأمثالهم، وعلى أهل البغي بأمثالهم من المسلمين الفجار الذين لا خلاق لهم»١٬١٣٤المحلى: (11/113)..
القول الثامن: أن الاستعانة بالمشركين غير جائزة بحالٍ، لا عند الضرورة ولا غيرها، وهذا القول في الحقيقة ليس فيه جمع بين أدلة المنع والجواز، وإنما هو اعتماد مطلق على أحاديث النهي، وكأنهم لم يلتفتوا أصلًا إلى الأدلة التي ذهب إليها المجوزون ولم يعتبروها صالحة للاستدلال، فضلًا عن المعارضة فأسقطوها رأسًا، وهو رواية عن الإمام أحمد، وإليه ذهب أصبغ من المالكية، وأحد أقوال الإمام الشوكاني في المسألة، وبعض أئمة الدعوة النجدية، وإليه ذهب العلامة الألباني والعلامة حمود العقلاء من المعاصرين.
قال الإمام ابن مفلح رحمه الله: «وأطلق أبو الحسين وغيره أن الرواية لا تختلف أنه لا يستعان بهم ولا يعاونون، وأخذ القاضي من تحريم الاستعانة تحريمها في العمالة والكتبة، وسأله أبو طالب عن مثل الخراج؟ فقال: لا يستعان بهم في شيء»١٬١٣٥الفروع: (11/ 379)..
وقال الدسوقي المالكي رحمه الله: «قوله: (بمشرك)؛ المراد به مطلق الكافر لا خصوص من يشرك مع الله إلها آخر فهو من إطلاقٍ الخاص، وإرادة العام، قوله: «لم يمنع على المعتمد»؛ أي كما هو سماع يحيى خلافًا لأصبغ حيث قال بالمنع في هذه أيضًا»١٬١٣٦حاشية الدسوقي على الشرح الكبير: (7/ 158)..
وقال الإمام الشوكاني رحمه الله: «والحاصل أن الظاهر من الأدلة عدم جواز الاستعانة بمن كان مشركا مطلقا؛ لما في قوله ﷺ: (إنا لا نستعين بالمشركين) من العموم، وكذلك قوله: (أنا لا أستعين بمشرك) ولا يصلح مرسل الزهري لمعارضة ذلك؛ لما تقدم من أن مراسيل الزهري ضعيفة، والمسند فيه الحسن بن عمارة وهو ضعيف، ويؤيد هذا قوله تعالى: ﴿وَلَن يَجۡعَلَ ٱللَّهُ لِلۡكَٰفِرِينَ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ سَبِيلًا ١٤١﴾ وقد أخرج الشيخان١٬١٣٧[البخاري: (٢٨٠٨) واللفظ له، ومسلم: (١٩٠٠)]. عن البراء قال: (جاء رجل مقنع بالحديد فقال: يا رسول الله أقاتل أو أسلم؟ قال: أسلم ثم قاتل، فأسلم ثم قاتل فقتل، فقال ﷺ: عمل قليلا وأجر كثيرا) وأما استعانته ﷺ بابن أبي فليس ذلك إلا لإظهاره الإسلام»١٬١٣٨نيل الأوطار: (12/19)..
وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن رحمهم الله: «وأما مسألة: الاستنصار بهم، فمسألة خلافية، والصحيح الذي عليه المحققون: منع ذلك مطلقًا، وحجتهم حديث عائشة رضي الله عنها وهو متفق عليه، وحديث عبد الرحمن بن حبيب، وهو حديث صحيح مرفوع، اطلبهما تجدهما فيما عندك من النصوص، والقائل بالجواز احتج بمرسل الزهري، وقد عرفت ما في المراسيل، إذا عارضت كتابًا أو سنة»١٬١٣٩الرسائل والمسائل النجدية: (3/67)، وحديث عائشة الذي أشار إليه وذكر أنه متفق عليه إنما هو في صحيح مسلم فحسب، [وهو المتقدم في (ص 562)، وقوله «عبد الرحمن بن حبيب» خطأ؛ ففي كتب السنة الأصول اسمه: عبد الرحمن بن خُبيب؛ كما ذكره ابن سعد في الطبقات الكبرى (3/404)، وأحمد في مسنده (15763)، وقد تقدم ذكره في (ص 563) أيضًا]..
وقال أيضًا: «الشبهة التي تمسَّك بها من قال بجواز الاستعانة هي ما ذكرها بعض الفقهاء من جواز الاستعانة بالمشرك عند الضرورة وهو قول ضعيف مردود مبني على آثار مرسلة تردها النصوص القرآنية، والأحاديث الصحيحة الصريحة النبوية»١٬١٤٠الرسائل والمسائل النجدية: (3/164)..
وقال العلامة الألباني رحمه الله في السلسلة الضعيفة: «ويتلخص مما سلف أن الحديث ضعيف، وأنه لا يثبت في الباب شيء، مع معارضته لحديث عائشة الصحيح، وأن الصواب من تلك الأقوال التي قيلت حوله قول ابن المنذر ومن وافقه: أنه لا يجوز الاستعانة مطلقًا»١٬١٤١[السلسلة الضعيفة: (13/209)]..
❖ ❖ ❖
فبهذه الأوجه التي ذكرتها حاول العلماء رحمهم الله الجمع بين أدلة النهي عن الاستعانة بالمشركين في القتال، والأدلة التي يُفهم منها جواز ذلك، وسأحاول بعون الله وتوفيقه ترجيح ما تظهر لي قوة دليله.
فعند التأمل والنظر نجد أن أدلة المانعين تعد أقوى من جهة الثبوت، وأصرح من حيث الدلالة، وأكثر تكرارًا لتأكيد الحكم، وأبْيَن في تعليله، وألصق بعين المسألة، ولذا فينبغي أن تكون هي الأصل التي يعول عليه ثم ينظر بعد ذلك فيما يظهر معارضته لها ومن ثَم سلوك مسلك الجمع أو الترجيح للتوفيق بينها.
فالحق أن كل الأدلة التي صحت واعتمدها المجوزن للاستعانة يمكن حملها على حالات وصور لا تعارض فيها أدلة المنع، كما سنرى إن شاء الله، مع استحضار أن الكلام متوجه للاستعانة بالمشركين في خصوص القتال، ولا يشكل على ذلك إشكالًا قويًا معتبرًا إلا حديثٌ واحد رغم ندرة ذكره في كتب الفقهاء وأبحاث الباحثين، وعليه فنتكلم على هذا الحديث أولًا ثم نعرج على باقي الأدلة لننظر في الأوجه التي يمكن أن تجتمع بها مع أدلة المانعين.
والحديث الذي قصدته هو ما رواه الإمام الطحاوي رحمه الله فقال: «حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: حدثني عبد الرحمن بن شريح أنه سمع الحارث بن يزيد الحضرمي يحدث عن ثابت بن الحارث الأنصاري، عن بعض من كان مع رسول الله ﷺ قال: لما بلغ رسولَ الله ﷺ جمعُ أبي سفيان ليخرج إليه يوم أحد، فانطلق إلى اليهود الذين كانوا في النضير، فوجد منهم نفرًا عند منزلهم، فرحبوا، فقال: (إنا جئناكم لخير، إنا أهل الكتاب وأنتم أهل الكتاب، وإن لأهل الكتاب على أهل الكتاب النصر، وإنه بلغنا أن أبا سفيان قد أقبل إلينا بجمع من الناس، فإما قاتلتم معنا، أو أعرتمونا سلاحا)»١٬١٤٢مشكل الآثار: (6/73)، [٢٥٧٩]..
فسند هذا الحديث في غاية الصحة ورجاله كلهم أئمة أثبات ثقات إلا ثابت بن الحارث الأنصاري فقد اختلف في صحبته١٬١٤٣فيونس شيخ الإمام الطحاوي، هو يونس بن عبد الأعلى الصدفي أبو موسى روى له مسلم، والنسائي، وابن ماجة، قال عنه الذهبي: «ثقة فقيه محدث مقرئ من العقلاء النبلاء» (الكاشف2/403)، وقال عنه الإمام ابن حجر: «ثقة، توفي سنة: (264هـ)».
وابن وهب هو عبد الله بن وهب بن مسلم أبو محمد المصري الإمام الفقيه المعروف، روى له الستة، قال عنه الحافظ بن حجر: ثقة حافظ عابد، توفي سنة: (197هـ).
وعبد الرحمن بن شريح بن عبيد الله بن محمود المعافري، أبو شريح الإسكندراني، روى له الستة، وقال عنه الحافظ: ثقة فاضل، توفي سنة: (167هـ).
والحارث بن يزيد الحضرمي أبو عبد الكريم المصري، روى له مسلم، والنسائي، وأبو داود، وابن ماجة، قال عنه الحافظ بن حجر: ثقة ثبت عابد، توفي سنة: (130هـ).
وثابت بن الحارث الأنصاري، عده ابن حجر في بعض كتبه من الصحابة كما في الإصابة: (1/384)، وقال الحافظ أيضا: «وقد ذكره في الصحابة الحسن بن سفيان، والبغوي، وابن مندة، وغيرهم ومن قبلهم محمد بن سعد» تعجيل المنفعة: (1 / 62)، إلا أنه قال في آخر كلامه عنه: ولم أجد في طريق من طرق أحاديثه أنه صرح بسماعه من النبي ﷺ والذى يظهر أنه تابعي (تعجيل المنفعة:1/62)، بل عده بعض العلماء من البدريين كما قال الإمام ابن الأثير: شهد بدرا يعد في المصريين (أسد الغابة1/139)، وذكره بعضهم في التابعين، فقال عنه العجلي: ثابت بن الحارث الأنصاري مصري تابعي ثقة. معرفة الثقات: (1/259)، وأطال الشيخ الألباني الكلام عن ثابت بن الحارث هذا في السلسلة الضعيفة وخلص إلى أنه ليس صحابيًا فقال: «والخلاصة: أن ثابتا هذا لم تثبت صحبته، فهو تابعي، وحينئذ لا بد من إثبات عدالته بالنقل عن أحد أئمة الجرح والتعديل، وهذا معدوم...وعليه تكون أحاديثه معلولة بالجهالة تارة وبها وبالإرسال تارة» [السلسلة الضعيفة: 13/263] ولهذا قال عن هذا الحديث: منكر.
قلت: ولكن قال العجلي: مصري تابعي ثقة، وقال الإمام ابن حجر عنه: «وذكره ابن خلفون في الثقات بهذه الترجمة لم يزد» (تعجيل المنفعة: 1/62) فالظاهر -والله أعلم- أن الحديث لا يتنزل عن درجة الاحتجاج به، لأن شأن ثابت بن الحارث الأنصاري دائر بين كونه صحابيًا وحينئذ لا يحتاج إلى تعديل، وبين كونه تابعيًا وقد وثقه بعض الأئمة ولم ينقل فيه غيرهم جرحًا والله تعالى أعلم..
ففي هذا الحديث قال النبي ﷺ ليهود بني النضير: (فإما قاتلتم معنا، أو أعرتمونا سلاحًا)١٬١٤٤[سبق في (ص 567)].، وهو طلبٌ صريح منه ﷺ أن يعينوه في قتاله للمشركين فإما أن يشاركوا بأنفسهم، أو يقووا جيش الإسلام بإعارتهم السلاح.
والذي وقفت عليه من كلام العلماء في توجيه هذا الحديث خصوصًا طريقان:
الأول: تخصيص جواز الاستعانة بأهل الكتاب دون من سواهم من المشركين، كما نقتله آنفًا عن الإمام الطحاوي، بناءً على أن أهل الكتاب لا يشملهم لفظ (المشركين) الوارد في الأحاديث التي تنهى عن الاستعانة بهم، فقال رحمه الله: «لأن اليهود الذين دعاهم رسول الله ﷺ في هذا الحديث إلى قتال أبي سفيان معه ليسوا من المشركين الذين قال رسول الله ﷺ في الآثار الأول إنه لا يستعين بهم»١٬١٤٥مشكل الآثار: (6/73).، وقد بينا سابقا ضعف هذا التوجيه وبعده.
الثاني: أن طلب النبي ﷺ الاستعانة بهؤلاء اليهود إنما كان لضرورة، فكأن هؤلاء العلماء قد استقر عندهم ابتداء أن الأصل الثابت هو النهي عن الاستعانة بالكفار، وهذه الحالة العينية التي ثبتت فيها استعانته ﷺ بهم محمولة على حال الضرورة، وهو توجيه ثان ذهب إليه الإمام الطحاوي رحمه الله فقال: «وقد روي أنه لما بلغ رسول الله ﷺ جمع أبي سفيان ليخرج إليه يوم أحد، انطلق إلى بني النضير وهم يهود فقال لهم: (فإما قاتلتم معنا، وإما أعرتمونا سلاحًا)١٬١٤٦[سبق في (ص 567)].، قال أبو جعفر: ويحتمل أن يكون ذلك لضرورة دعت إليه»١٬١٤٧مختصر اختلاف العلماء: (3/428، 429)، وللإمام ابن عبد البر كلام يكاد يكون مطابقًا لهذا: التمهيد: (12/36)..
والذي يظهر لي -والله تعالى- أعلم أن هذا حصل حينما كان بين النبي ﷺ وبين اليهود موادعة تشارطوا فيها لبعضهم، وذلك أول مقدمه المدينة، فجاءت استعانته بهم بناء على بعض بنود المعاهدة، وقد يفهم ذلك من نفس الحديث المذكور، إذ جاء فيه: (وإن لأهل الكتاب على أهل الكتاب النصر)١٬١٤٨[سبق في (ص 567)].، ولا شك أن وجوب نصرتنا لأهل الكتاب والعكس ليس حكما شرعيًا ثابتًا محكمًا مستقرًا مستمرًا، وإنما كان هذا جزءًا من الاتفاق الذي أبرمه النبي ﷺ مع اليهود في أول أيام هجرته، وذلك لما كان أمر الإسلام ضعيفًا، ولهذا لا أحسب أن أحدًا من العلماء يقول إنه يجب على المسلمين مناصرة أهل الكتاب على أعدائهم على كل حال.
كما أنهم لا يوجبون عليهم مناصرتنا ضد أعدائنا، وعليه فالظاهر أن لفظ (أهل الكتاب) في هذا الحديث هو من العام المراد به الخصوص وهم يهود المدينة الذين وادعهم رسول الله ﷺ دون غيرهم، كما أن النصر المقصود هو المعهود عندهم، وهو ما تشارطوه في الكتاب الذي كان بينهم، فكأن النبي ﷺ يقول لهم، وأنتم تعلمون أن لنا عليكم حق النصرة كما اتفقنا معكم، فوفّوا بالشرط إما بقتالكم معنا وإما بإعارتنا السلاح.
هذا وما ذكرناه هنا قد جاء مصرحًا به في وثيقة موادعة النبي ﷺ ليهود المدينة، كما روى الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام بسند صحيح عن الزهري أنه قال: «بلغني أن رسول الله ﷺ كتب بهذا الكتاب: (هذا الكتاب من محمد النبي رسول الله بين المؤمنين والمسلمين قريش وأهل يثرب ومن تبعهم فلحق بهم فحلَّ معهم وجاهد معهم)... وفيه:
(وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين... وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وأن بينهم النصيحة والنصر للمظلوم، وأن المدينة جوفها حرم لأهل هذه الصحيفة... وأن بينهم النصر على من دهم يثرب، وأنهم إذا دعوا اليهود إلى صلحِ حليفٍ لهم فإنهم يصالحونه، وإن دعونا إلى مثل ذلك فإنه لهم على المؤمنين، إلا من حارب الدين)»١٬١٤٩الأموال: (1/263) [رقم: (٥١٨)]..
وعما جاء في الصحيفة من قوله: (وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين)، قال الإمام أبو عبيد: «فهذه النفقة في الحرب خاصة شرط عليهم المعاونة له على عدوه، ونرى أنه إنما كان يسهم لليهود إذا غزوا مع المسلمين بهذا الشرط الذي شرطه عليهم من النفقة، ولولا هذا لم يكن لهم في غنائم المسلمين سهم... إلى أن قال:
وإنما كان هذا الكتاب فيما نرى حدثان مقدم رسول الله المدينة قبل أن يظهر الإسلام ويقوى، وقبل أن يؤمر بأخذ الجزية من أهل الكتاب، وكانوا ثلاث فرق: بنو القينقاع، والنضير، وقريظة.
فأول فرقة غدرت ونقضت الموادعة بنو القينقاع، وكانوا حلفاء عبد الله بن أبي، فأجلاهم رسول الله عن المدينة، ثم بنو النضير، ثم قريظة»١٬١٥٠الأموال: (1/266). وقد ذكر الإمام بن سيد الناس وثيقة الموادعة هذه ثم قال: «هكذا ذكره ابن إسحاق وقد ذكره ابن أبي خيثمة فأسنده: حدثنا أحمد بن جناب أبو الوليد حدثنا عيسى بن يونس حدثنا كثير بن عبد الله بن عمرو المزني عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ كتب كتابا بين المهاجرين والأنصار فذكره بنحوه» (عيون الأثر: 1/318)..
وقد روى أبو داود، والطبراني في الكبير، والبيهقي واللفظ له في قصة مقتل كعب بن الأشرف عن كعب بن مالك -وهو أحد الثلاثة الذين تيب عليهم- أنه قال: «أن كعب بن الأشرف اليهودي كان شاعرًا، وكان يهجو رسول الله ﷺ ويحرض عليه كفار قريش في شعره، وكان رسول الله ﷺ قدم المدينة وأهلها أخلاط، منهم المسلمون الذين تجمعهم دعوة رسول الله ﷺ، ومنهم المشركون الذين يعبدون الأوثان، ومنهم اليهود وهم أهل الحلقة والحصون، وهم حلفاء للحيين الأوس والخزرج، فأراد رسول الله ﷺ حين قدم المدينة استصلاحهم كلهم، وكان الرجل يكون مسلـمًا وأبوه مشرك، والرجل يكون مسلـمًا وأخوه مشرك.
وكان المشركون واليهود من أهل المدينة حين قدم رسول الله ﷺ يؤذون رسول الله ﷺ وأصحابه أشد الأذى... فلما قتلوه -أي قتلوا كعب بن الأشرف- فزعت اليهود ومن كان معهم من المشركين، فغدوا على رسول الله ﷺ حين أصبحوا، فقالوا: إنه طرق صاحبنا الليلة، وهو سيد من سادتنا فقتل، فذكر لهم رسول الله ﷺ الذي كان يقوله في أشعاره وينهاهم به، ودعاهم رسول الله ﷺ إلى أن يكتب بينه وبينهم وبين المسلمين كتابًا ينتهوا إلى ما فيه، فكتب النبي ﷺ بينه وبينهم وبين المسلمين عامة صحيفة، كتبها رسول الله ﷺ تحت العذق الذي في دار بنت الحارث، فكانت تلك الصحيفة بعد رسول الله ﷺ عند علي بن أبي طالب رضي الله عنه»١٬١٥١[رواه البيهقي: (١٨٦٢٨) واللفظ له، وأبو داود: (3000)، والطبراني: (19/76)]، وصححه الألباني رحمه الله، صحيح سنن أبي داود: (3/154)..
فلا يبعد أن تكون هذه الصحيفة التي كتبها النبي ﷺ بينه وبين اليهود وبين المسلمين عقب مقتل كعب هي نفس وثيقة الموادعة التي نقلت بعضًا منها في رواية أبي عبيد القاسم بن سلام، خاصة وأن كلا الحديثين من رواية الزهري.
وكعب بن الأشرف كان يهوديًا وأمه من بني النضير، فإن صح أن ما كتبه النبي ﷺ بينه وبين اليهود بعد مقتل كعب هو نفسه الكتاب الذي ذكره أبو عبيد وغيره، فهذا يعني أنه كُتب متأخرًا بعد غزوة بدر بستة أشهر، وذلك لأن ابن الأشرف قتل في ربيع الأول من السنة الثالثة كما ذكر ابن سعد، أي بين بدرٍ وأحد، فغزوة أحد كانت في شوال من السنة الثالثة، وهذا ما يؤكد أن النبي ﷺ حينما طلب من بني النضير مناصرته في غزوة أحد كانت الصحيفة قد كتبت بينه وبينهم، وهو ما يقوي أن يكون هذا الطلب بناءً على بنود معهودة معروفة تضمنتها وثيقة الموادعة.
وعلى كل حال فموادعة النبي ﷺ ليهود المدينة عند قدومه إليها متفقٌ عليها بين علماء السير كما قال الإمام الشافعي رحمه الله: «لم أعلم مخالفًا من أهل العلم بالسير، أن رسول الله ﷺ لما نزل المدينة وادع يهود كافة على غير جزية»١٬١٥٢الأم: (4/210)..
قال الإمام ابن القيم معلقًا على كلام الشافعي: «وهو كما قال الشافعي رحمه الله تعالى وذلك أن المدينة كان فيما حولها ثلاثة أصناف من اليهود، بنو قينقاع، وبنو النضير، وبنو قريظة، وكان بنو قينقاع وبنو النضير حلفاء الخزرج، وكانت قريظة حلفاء الأوس، فلما قدم النبي ﷺ هادنهم ووادعهم مع إقراره لهم ولمن كان حول المدينة من المشركين من حلفاء الأنصار على حلفهم وعهدهم الذي كانوا عليه، حتى إنه عاهد اليهود أن يعينوه إذا حارب»١٬١٥٣أحكام أهل الذمة: (3/1404)..
وقال أيضًا: «وهذه الصحيفة معروفة عند أهل العلم روى مسلم في صحيحه عن جابر رضي الله عنه قال: «كتب رسول الله على كل بطن عقوله ثم كتب أنه لا يحل لمسلم أن يتولى مولى رجل مسلم بغير إذنه»، فقد بين فيها أن كل من تبع المسلمين من اليهود فإن له النصر، ومعنى الاتباع؛ مسالمته وترك محاربته لا الاتباع في الدين كما بينه في أثناء الصحيفة فكل من أقام بالمدينة ومخاليفها غير محارب من يهود دخل في هذا»١٬١٥٤أحكام أهل الذمة: (3/1408)..
وقال في خصوص بني النضير الذين وردت استعانة النبي ﷺ بهم: «وأما النضير وقريظة فكانوا خارجا من المدينة، وعهدهم مع رسول الله أشهر من أن يخفى على عالم»١٬١٥٥نفس المصدر: (3/ 1410)..
وقال رحمه الله: «فقد ذكر ابن كعب مثل ما في هذه الصحيفة، وبين أنه عاهد جميع اليهود، وهذا مما لا يعلم فيه نزاع بين أهل العلم بسيرة النبي ﷺ، ومن تأمل الأحاديث المأثورة والسيرة كيف كانت معهم علم ذلك ضرورة»١٬١٥٦نفس المصدر: (3/1411)..
وعليه فإن طلب النبي ﷺ من بني النضير إعانته على حرب أبي سفيان إما بأنفسهم وإما بسلاحهم كان بناءً على وثيقة الاتفاق التي كانت بينه وبينهم، وإنما حصلت تلك الموادعة في أول أيام الإسلام بالمدينة حيث كان المسلمون في ضعف، ولم ينزل كثيرٌ من الأحكام الشرعية، وخاصة أحكام الجهاد والتي منها فرض الجزية، وإخراج المشركين من جزيرة العرب كما أوصى رسول الله ﷺ بذلك وهو على فراش الموت.
فالضرورة أو ما يقاربها هي التي ألجأت النبي ﷺ إلى تلك الموادعة لانشغاله بقتال قريش الذين اشتدوا في حربهم له بعد هجرته، وحتى لا يثير أهل المدينة ومَن حولها عليه ولـمَّا يترسخ أمرُ الإسلام ويتقوَّ فيها، لا سيما وأهل المدينة من الأوس والخزرج كانوا حديثي عهد بحروب طاحنة وعصبيات جاهلية عميقة قد يستغلها الخصوم فيثيرونها ويفجرونها بمكائدهم ودسائسهم، خاصة من قِبل اليهود الحاقدين الذين ما فتئوا يغتنمون أدنى الفرص لذلك، فبسبب ذلك كله وقعت الموادعة والتي كان من ضمن شروطها: (وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة... وأن بينهم النصر على من دهم يثرب)١٬١٥٧[تقدم في (ص 606)]..
فلعلَّ مجموع هذه الأمور التي ذكرتها هي الضرورة التي قصدها الإمامان الطحاوي وابن عبد البر فيما نقلته عنهما إذ قالا: «يحتمل أن يكون لضرورة دعته إلى ذلك»١٬١٥٨[مختصر اختلاف العلماء للطحاوي: (3/430)، والتمهيد لابن عبد البر: (7/414)]..
وإذا استقام وصح أن الضرورة التي دعت النبي ﷺ للاستعانة بيهود بني النضير هي ما ذكرتُ، فهل هذا الحكم يعد منسوخًا بناء على أن بعض أحاديث النهي عن الاستعانة بالمشركين جاءت متأخرة عن هذه الحادثة، ولأن ذلك كان في أول أمر الإسلام وحالة ضعفه وقبل أن تنزل آية السيف وفرض الجزية، أم أن هذا الحكم باق وجار ومنزّل كلما كان حال الإسلام والمسلمين مشابهًا لوضع النبي ﷺ حينما طلب إعانة بني النضير له إما بالنفس وإما بالسلاح؟ فيه تأمل.
هذا وقد جاء في نص الحديث الذي رواه الإمام الطحاوي أن استعانته ﷺ ببني النضير كانت في غزوة أحد، والتي وقعت في شهر شوال من السنة الثالثة للهجرة ولا يختلف أهل السير في ذلك.
وفي المقابل فقد جاء عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «كانت غزوة بني النضير وهم طائفة من اليهود على رأس ستة أشهر من وقعة بدر»١٬١٥٩أخرجه الحاكم [٣٧٩٧] وقال: «هذا حديث صحيح الإسناد على شرط الشيخين ولم يخرجاه»، ووافقه الذهبي، ومن طريق الحاكم رواه البيهقي في: الدلائل: (3/200)، ولكن قال: «كذا قال: عن الزهري، عن عروة، عن عائشة. وذكر عائشة فيه غير محفوظ»..
وفي البخاري١٬١٦٠[في مطلع باب «حديث بني النضير، ومخرج رسول الله ﷺ إليهم في دية الرجلين، وما أرادوا من الغدر برسول الله ﷺ»].: «قال الزهري عن عروة: كانت على رأس ستة أشهر من وقعة بدر قبل أحد».
وعند البيهقي في الدلائل١٬١٦١[3/278]. عن الزهري، في حديثه عن عروة، قال: «ثم كانت وقعة أحد في شوال على رأس ستة أشهر من وقعة بني النضير».
وهذا مشكلٌ مع حديث استعانته ﷺ بهم في غزوة أحد كما رواه الطحاوي، فإذا كان غزوه ﷺ لهم بعد غزوة بدرٍ كما في حديث عائشة وعروة، فمعنى هذا أن رسول الله ﷺ قد أجلاهم من المدينة قبل غزوة أحد فكيف يكون قد استعان بهم بعد ذلك، وهم الذين نزلت فيهم سورة الحشر التي سماها حبر الأمة ابن عباس رضي الله عنه «سورة النضير»، كما في البخاري١٬١٦٢[٤٠٢٩].: «عن سعيد بن جبير قال: قلت: لابن عباس سورة الحشر، قال: قل سورة النضير».
وهي التي نزل فيها قول الله ﷻ: ﴿هُوَ ٱلَّذِيٓ أَخۡرَجَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ مِن دِيَٰرِهِمۡ لِأَوَّلِ ٱلۡحَشۡرِۚ مَا ظَنَنتُمۡ أَن يَخۡرُجُواْۖ وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمۡ حُصُونُهُم مِّنَ ٱللَّهِ فَأَتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِنۡ حَيۡثُ لَمۡ يَحۡتَسِبُواْۖ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعۡبَۚ يُخۡرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيۡدِيهِمۡ وَأَيۡدِي ٱلۡمُؤۡمِنِينَ فَٱعۡتَبِرُواْ يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَبۡصَٰرِ﴾ [الحشر: 2].
وقد ذهب عددٌ من العلماء إلى أن غزوة بني النضير قد وقعت بعد غزوة أحد وعلى هذا فلا إشكال، قال البيهقي: «وذهب موسى بن عقبة، ومحمد بن إسحاق بن يسار، وغيرهما من أهل المغازي، إلى أن غزوة بني النضير كانت بعد أحد، وكذلك رواه ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة بن الزبير»١٬١٦٣دلائل النبوة: (3/201).
وقال البخاري: «وجعله ابن إسحاق بعد بئر معونة وأحد»..
وقال الإمام ابن القيم: «وزعم محمد بن شهاب الزهري أن غزوة بني النضير كانت بعد بدر بستة أشهر، وهذا وهم منه، أو غلط عليه، بل الذي لا شك فيه أنها كانت بعد أحد، والتي كانت بعد بدر بستة أشهر هي غزوة بني قينقاع»١٬١٦٤زاد المعاد: (3/249)..
وقال الإمام ابن حجر: «وإذا ثبت أن سبب إجلاء بني النضير ما ذكر من همهم بالغدر به ﷺ، وهو إنما وقع عندما جاء إليهم ليستعين بهم في دية قتيلي عمرو بن أمية، تعين ما قال بن إسحاق؛ لأن بئر معونة كانت بعد أحد بالاتفاق»١٬١٦٥فتح الباري: (7/332)..
فالظاهر أن الراجح هو تأخر غزوة بني النضير عن أحد، والتي وقعت بين بدر وأحد هي غزوة بني قينقاع وهم أول من أجلاه النبي ﷺ من اليهود، وعليه فالمتحتم هو البحث في توقيت ورود الأحاديث الصحيحة التي نهت عن الاستعانة بالمشركين، وهل هي متأخرة عن غزوة أحد أم لا، حتى يمكن القول بنسخ جواز الاستعانة التي وردت في الحديث الذي رواه الطحاوي، هذا مع التنبه إلى أن القول بالنسخ إنما يكون عند العجز عن الجمع بين الأدلة، فالإعمال أولى من الإهمال مهما أمكن ذلك.
فأول وأصح الأحاديث التي جاء فيها التصريح بعدم الاستعانة بالمشركين، هو حديث عائشة رضي الله عنها الذي رواه الإمام مسلم وغيره، وهو أول أدلة المانعين التي ذكرتها في مطلع هذا البحث، وفيه: (فارجع فلن أستعين بمشرك)١٬١٦٦[الوارد في (ص 562)].، وهذا الحديث هو متقدمٌ قطعًا عن حديث الإمام الطحاوي، إذ جاء فيه التصريح بأنه كان في غزوة بدر كما قالت عائشة رضي الله عنها: «خَرَجَ رَسُولُ اللّهِ قِبَلَ بَدْرٍ»، وفي هذا الحديث قالت عائشة رضي الله عنها: «ثم مضى حتى إذا كنا بالشجرة أدركه الرجل»، وعائشة رضي الله عنها لم تشهد بدرًا فكيف تقول: «كنا» بضمير جمع المتكلمين، وقد أجاب عن هذا الإشكال الإمام النووي رحمه الله فقال: «هكذا هو في النسخ: «حتى إذا كنا»، فيحتمل أن عائشة كانت مع المودعين فرأت ذلك، ويحتمل أنها أرادت بقولها: «كنا» كان المسلمون والله أعلم»١٬١٦٧شرح النووي على مسلم: (12/199)..
فهذا الحديث لا يمكن أن يكون ناسخًا لحديث استعانته ببني النضير، لأنه متقدمٌ عليه، والسابق لا ينسخ اللاحق، هذا على افتراض التعارض من كل وجه، وعدم إمكانية الجمع بينهما.
وأما ثاني الأحاديث فهو حديث خبيب بن عبد الرحمن عن أبيه عن جده١٬١٦٨[المتقدم في (ص 563)].، وهذا الحديث لم يصرح في أي الغزوات التي ردهما فيها رسول الله ﷺ لشركهما، وإنما قال: «خرج رسول الله ﷺ في بعض غزواته»، وجَدُّ خبيب بن عبد الرحمن، هو خبيب بن يساف أو أساف صحابيٌ، فمن العلماء من جعله بدريًا فكانت قصة إسلامه هذه في غزوة بدر، ومنهم من جعل أول غزوة يشهدها مع النبي ﷺ هي غزوة أحد، بل إن ابن سعد عدَّ الرجل الذي رده النبي ﷺ في غزوة بدر كما في حديث عائشة السابق هو نفسه خبيب بن يساف، وقصته هي نفس القصة، فقال بعدما روى حديث عائشة المذكور وقبله حديث خبيب: «وهو خبيب بن يساف وكان قد تأخر إسلامه، حتى خرج رسول الله ﷺ إلى بدر فلحقه فأسلم في الطريق، وشهد بدرًا، وأحدًا والخندق، والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ وتوفي في خلافة عثمان بن عفان»١٬١٦٩الطبقات الكبرى: (3/535)..
وكذلك قال أبو القاسم بن بشكوال: «الرجل الذي قال له النبي ﷺ إنا لن نستعين بمشرك الراوي، وحسن إسلامه هو خبيب بن يساف قال ذلك الواقدي في مغازيه عن أشياخه»١٬١٧٠غوامض الأسماء المبهمة: (1/210)..
وقد عده ابن إسحاق وموسى بن عقبة والواقدي ممن شهد بدرًا وهؤلاء هم أهل السير.
وقال الحافظ ابن حجر عن خبيب: «صحابي شهد بدرًا... وذكر ابن إسحاق عن حفيده خبيب بن عبد الرحمن قال: ضرب جدي يوم بدر فمال شقه فتفل عليه النبي ﷺ ورده ولأمه»١٬١٧١تعجيل المنفعة: (1/116)..
وما ذكره الحافظ هنا عن ابن إسحاق جاء في نفس رواية رد النبي ﷺ له كما عند الأصبهاني عن خبيب: «قال فأسلمنا وشهدت مع رسول الله ﷺ، وأصابتني ضربة على عاتقي فجافتني، فتعلقت يدي، فأتيت رسول الله ﷺ فتفل عليها وألزقها فالتأمت وبرأت»١٬١٧٢دلائل النبوة للأصبهاني: (1/109)، والبيهقي الدلائل: (6/371)..
وقال ابن أبي حاتم: «خرج مع النبي ﷺ وهو مشرك فرده النبي ﷺ ثم أسلم فشهد أحدًا»١٬١٧٣الجرح والتعديل: (3/387).، فيُفهم من كلامه أن أول مشهد له كان غزوة أحد.
وعلى كل حال فالظاهر أن خبيبًا كان بدريًا كما ذهب إليه جل العلماء، وعليه فقصة رده وإسلامه تكون يوم بدرٍ، فهو إما نفسه الذي رده رسول الله ﷺ على ما جاء في حديث عائشة رضي الله عنها، كما ذهب إلى ذلك ابن سعد، وإما أن تكون قصة مستقلة، فيكون أمر الرد تكرر ذلك اليوم، وكل ذلك لا يضر في وجه الشاهد الذي سيق له الدليل، وهو كون القصة جاءت قبل استعانة النبي ﷺ بيهود بني النضير والتي كانت في أحد، وعليه فلا تكون ناسخة لحكم تلك الاستعانة، تمامًا كحديث عائشة رضي الله عنها.
وإن قيل إنه يحتمل أن تكون قصته يوم أحد، فكذلك هذا لا يؤثر؛ فالنسخ لا يحصل بأدلة محتملة بل لا بد من تحقق التاريخ وتيقن التأخر، والله أعلم.
وأما ثالث أحاديث المنع من الاستعانة بالمشركين فهو حديث أبي حميد الساعدي رضي الله عنه١٬١٧٤[المتقدم في (ص 563)].، والذي صرح فيه أن هذه القصة كانت يوم أحد كما قال: «خرج رسول الله ﷺ يوم أحد» وعند التأمل في هذا الحديث يظهر أن فيه إشكالًا قويًا، ولم أر أحدًا -فيما اطلعت- أثاره أو نبه عليه، ووجه الإشكال هو أن هذه القصة جاء فيها أن اليهود الذين كانوا مع عبد الله بن أبي هم مواليه من بني قينقاع، كما جاء: «قالوا: هذا عبد الله بن أبي بن سلول في مواليه من اليهود من بني قينقاع، وهم رهط عبد الله بن سلام»١٬١٧٥[الطبقات الكبرى لابن سعد: (2/37)، وذكره ابن حجر العسقلاني في المطالب العالية: (٤٢٦٣)، وحسّن إسناده]..
ومعلومٌ عند أهل السير أن بني قينقاع قد تم إجلاؤهم في شهر شوال من السنة الثانية أي بعد غزوة بدر بنحو شهرٍ فقط، فمن إجلائهم إلى غزوة أحد سنة كاملة، فكيف خرجوا مع ابن أبيّ حتى يكونوا هم الذين ردهم النبي ﷺ في غزوة أحد بقوله: (قل لهم فليرجعوا فإنا لا نستعين بالمشركين على المشركين)١٬١٧٦[سبق في (ص 563)]..
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: «فكان أول من نقض العهد من اليهود بنو قينقاع، فحاربهم في شوال بعد وقعة بدر، فنزلوا على حكمه وأراد قتلهم، فاستوهبهم منه عبد الله بن أبيّ، وكانوا حلفاءه فوهبهم له وأخرجهم من المدينة إلى أذرعات»١٬١٧٧فتح الباري: (7/330).قال ياقوت الحموي: «أذرعات: بالفتح ثم السكون وكسر الراء وعين مهملة وألف وتاء، كأنه جمع أذرعة، جمع ذراع جمع قلة، وهو بلد في أطراف الشام، يجاور أرض البلقاء وعمان ينسب إليه الخمر» (معجم البلدان: 1/130)..
فقد تم إجلاء بني قينقاع إلى هذا الموضع البعيد جدًا عن المدينة، فكيف جاء بهم عبد الله بن أبي يوم أحد، بل كيف سيتطوعون ليعينوا النبي ﷺ على قتال كفار قريش وهو الذي أخرجهم من المدينة راغمين صاغرين!
وقال الحافظ أيضًا: «وذكر الواقدي أن إجلاءهم كان في شوال سنة اثنتين، يعني بعد بدر بشهر، ويؤيده ما روى ابن إسحاق بإسناد حسن عن ابن عباس قال لما أصاب رسول الله ﷺ قريشا يوم بدر جمع يهود في سوق بني قينقاع، فقال: يا يهود أسلموا قبل أن يصيبكم ما أصاب قريشا يوم بدر، فقالوا: إنهم كانوا لا يعرفون القتال، ولو قاتلتنا لعرفت أنا الرجال»١٬١٧٨فتح الباري: (7/332)..
وقال الإمام ابن القيم رحمه الله: «فحاربته بنو قينقاع بعد ذلك بعد بدر، وشرقوا بوقعة بدر، وأظهروا البغي والحسد، فسارت إليهم جنود الله يقدمهم عبد الله ورسوله يوم السبت للنصف من شوال على رأس عشرين شهرًا من مهاجره، وكانوا حلفاء عبد الله بن أبي ابن سلول... وحاصرهم خمسة عشر ليلة إلى هلال ذي القعدة، وهم أول من حارب من اليهود وتحصنوا في حصونهم فحاصرهم أشد الحصار... فنزلوا على حكم رسول الله في رقابهم، وأموالهم، ونسائهم، وذريتهم، فأمر بهم فكتفوا، وكلم عبد الله بن أبي فيهم رسول الله وألح عليه، فوهبهم له، وأمرهم أن يخرجوا من المدينة ولا يجاوروه بها، فخرجوا إلى أذرعات من أرض الشام، فقلَّ أن لبثوا فيها حتى هلك أكثرهم»١٬١٧٩زاد المعاد: (3/126)..
هذا وقد جاء في بعض روايات حديث أبي حميد الساعدي التصريحُ بأن القصة كانت عند خروج النبي ﷺ إلى أحد، وأطلقت بعض الروايات ولم تعين الغزوة، كما أن بعض الروايات جاء ذكر بني قينقاع فيها صريحًا وبعضها بخلاف ذلك١٬١٨٠فممن روى أن هؤلاء القوم هم بنو قينقاع الحاكم في المستدرك: (2/133) [2600]، والطبراني في الأوسط: (5/221) [5142]، والطحاوي في مشكل الآثار: (6/47)، وابن المنذر في الأوسط: (10/35)، والبيهقي في السنن الكبرى: (9/37) [17878]، ومعرفة السنن والآثار: (14/287) [17833]، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني: (6/18) [2068]، وابن سعد في الطبقات الكبرى: (2/48)، فعند هؤلاء جميعا وغيرهم ذكروا أن الذين ردهم رسول الله ﷺ هم بنو قينقاع الذين كانوا خارجين مع عبد الله بن أبي، وقد نقلنا من صحح هذا الحديث من الأئمة عند ذكر حجج المانعين للاستعانة..
ولا شك أن بني قينقاع هم موالي عبد الله بن أبي وهم رهط عبد بن سلام كما جاء في حديث أبي حميد الساعدي وفي غيره من الأحاديث، فقد روى البخاري ومسلم١٬١٨١[البخاري: (٤٠٢٨) واللفظ له، ومسلم: (1766)]. عن ابن عمر رضي الله عنهما: «حاربت النضير، وقريظة، فأجلى بني النضير وأقر قريظة، ومنَّ عليهم حتى حاربت قريظة، فقتل رجالهم، وقسم نساءهم، وأولادهم، وأموالهم بين المسلمين، إلا بعضهم لحقوا بالنبي ﷺ فآمنهم، وأسلموا، وأجلى يهود المدينة كلهم، بني قينقاع وهم رهط عبد الله بن سلام ويهود بني حارثة وكل يهود المدينة».
فالخلاصة في هذا الحديث: أن الأمر المحقق والذي يكاد يكون مقطوعًا به ولا يختلف فيه علماء السير وغيرهم، أن يهود بني قينقاع كانوا أول من تم إجلاؤهم من المدينة، وأن إجلاءهم وقع عقيب غزوة بدرٍ، فهو بلا شك قبل غزوة أحد التي كانت في شوال من السنة الثالثة للهجرة بالاتفاق، وبناء على هذه الحقيقة فلا وجه لأن يكون يهود بني قينقاع قد خرجوا مع عبد الله بن أبي في غزوة أحدٍ في كتيبة «خشناء»؛ أي كثيرة السلاح بعدما نُفوا إلى أذرعات بالشام.
ولا يمكن -فيما أرى- تجاوز هذا الإشكال تجاوزًا مقبولًا مقنعًا إلا بواحد من الاحتمالات التالية:
الاحتمال الأول: أن يكون إقحام غزوة أحد في الحديث وهمًا من أحد الرواة، وعليه فتكون الغزوة التي خرج فيها عبد الله بن أبي بهذه الكتيبة هي بدرٌ وليست أحدًا، لأنها الغزوة السابقة لإجلائهم، فقد كانت محاصرة بني قينقاع بعد غزوة بدر بنحو شهر فقط، وعليه فيكون سؤال النبي ﷺ لـمَّا رأى عبد الله بن أبي ومَن معه مِن مواليه فقال: (أوقد أسلموا؟)، ليس خاصًا باليهود الذين كانوا مع ابن سلول بل يدخل فيهم أيضًا ابن أبي نفسه، لأنه إذ ذاك لم يكن تستر بنفاقه بل كان مصرحًا بالكفر والشرك، وإنما تظاهر بالإسلام بعد غزوة بدر وظهور شوكة المسلمين كما جاء في البخاري١٬١٨٢[٤٥٦٦]. وغيره عن أسامة بن زيد قال: «فلما غزا رسول الله ﷺ بدرا، فقتل الله به صناديد كفار قريش، قال ابن أبي ابن سلول ومن معه من المشركين وعبدة الأوثان: هذا أمر قد توجه، فبايعوا الرسول ﷺ على الإسلام فأسلموا».
وبناء على ذلك أيضًا يكون جواب الصحابة للنبي ﷺ حينما قالوا: «إنهم على دينهم»؛ مقصودًا به جَمْعُ ابن أبي كله بما فيهم هو؛ لأنه إلى ذلك الوقت كان مجاهرًا بشركه ومعلنًا بكفره، فيكون قول النبي ﷺ: (قل لهم فليرجعوا فإنا لا نستعين بالمشركين على المشركين)١٬١٨٣[المتقدم في (ص 563)]. شاملًا لهم جميعًا، فإذا صح هذا الاحتمال، فلا يمكن القول بأن هذا الحديث ناسخٌ للحديث الذي رواه الطحاوي في استعانته ﷺ ببني النضير، لأن ذلك في غزوة أحد، فيكون متأخرًا عن حديث أبي حميد الساعدي، والمتقدم لا ينسخ المتأخر.
هذا ويمكن الاستئناس لهذا الاحتمال بالروايات التي لم يذكر فيها غزوة أحد كما جاء في عدد من كتب الحديث.
الاحتمال الثاني: أن يكون اليهود الذين أحضرهم معه عبد الله بن أبي يوم أحد ليسوا مواليه من بني قينقاع رهط عبد الله بن سلام، وإنما هم قومٌ آخرون، أو المقصود بعض بقاياهم، وهذا الاحتمال أضعف وأبعد من سابقه، لأن المعروف أن رهط عبد الله بن سلام هم بنو قينقاع موالي ابن أبي، ثم إن ابن أبي قد خرج مع النبي ﷺ يوم أحد وإنما انخزل بمن معه من المنافقين بنفسه وكانوا ثلاث مئة، ولم يرده النبي ﷺ ردًا وفي ذلك نزل قول الله ﷻ: ﴿وَلِيَعۡلَمَ ٱلَّذِينَ نَافَقُواْۚ وَقِيلَ لَهُمۡ تَعَالَوۡاْ قَٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوِ ٱدۡفَعُواْۖ قَالُواْ لَوۡ نَعۡلَمُ قِتَالٗا لَّٱتَّبَعۡنَٰكُمۡۗ هُمۡ لِلۡكُفۡرِ يَوۡمَئِذٍ أَقۡرَبُ مِنۡهُمۡ لِلۡإِيمَٰنِۚ يَقُولُونَ بِأَفۡوَٰهِهِم مَّا لَيۡسَ فِي قُلُوبِهِمۡۚ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا يَكۡتُمُونَ﴾ [آل عمران: 167].
فلو صح هذا الاحتمال -وهو بعيد جدًا- فيكون ﷺ قد قال: (قل لهم فليرجعوا فإنا لا نستعين بالمشركين على المشركين)، بعد ذهابه لبني النضير ليعينوه بأنفسهم أو بسلاحهم، لأن هذا كان وهو ما زال في المدينة، وقصة ابن أبي جاءت بعدما خرج إلى أحد، فإذا صح التعارض من كل وجه فيمكن أن يكون ما في قصة ابن أُبي ناسخًا لاستعانته ببني النضير.
هذا وإنما ذكرت هذا الاحتمال -مع بُعْدِه- تتميمًا للتقسيم، وحصرًا للمخارج التي يمكن أن يزول بها الإشكال.
الاحتمال الثالث: أن تكون القصة بهذا التفصيل ضعيفة، وإن صح قوله ﷺ: (لا نستعين بالمشركين على المشركين)١٬١٨٤[المتقدم في (ص 563)]. بالشواهد الأخرى، ولكن كما رأينا فقد حسنها أو صححها أئمة أجلة من أصحاب هذا الفن، ومع ذلك فأرى أن أمرها يحتاج إلى مزيد بحث في الأسانيد ونظر في حال الرواة، ولعل الله ييسر لها من أهل العلم المختصين من يمحصها تمحيصًا أكبر
وأقرب الاحتمالات -فيما أرى- وأيسرها تقبّلًا وأقواها لإزالة الإشكال هو الاحتمال الأول، لأن الخطب فيه يسير، وهو احتمال وقوع وهم من أحد الرواة، ومثل هذا ليس بمستنكرٍ ولا مستبعد١٬١٨٥لا سيما وأن مدار القصة على راو واحد عند الجميع وهو: محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي، قال عنه الحافظ بن حجر: «صدوق له أوهام» (التقريب: 1/499)، وقال ابن حبان: «كان يخطئ» (الثقات: 7/377)، وهو وإن روى له الستة إلا أن الحافظ قال: «روى له البخاري مقرونا بغيره، ومسلم في المتابعات» (تهذيب التهذيب: 9/333).
فالشاهد أن جَعْلَ هذه الغزوة هي غزوة أحد قد يكون من أوهامه، والله تعالى أعلم.
وقد كنت أرسلت نسخة من هذا البحث إلى فضيلة الشيخ أبي الوليد الأنصاري حفظه الله، فأرسل مشكورًا مأجورًا ملاحظات مطولة حول هذه الإشكالات، وخلاصتها تضعيف حديث أبي حميد الساعدي إلا قوله (لا نستعين بالمشركين على المشركين) لشواهده، وأجاب بعدة أجوبة عن الإشكال الحاصل بإيراد لفظة بني قينقاع في رواية القصة، وصفوتها عدم التسليم بأن بني قينقاع قد تم إجلاؤهم بعد غزوة بدر مباشرة فكان مما كتبه حفظه الله: «وعلى كل حال فالأمر طويل الذيول؛ ويحتمل الكثير من البسط والأخذ الرد؛ والذي يهمنا في هذا المقام هو إثبات أن بني قينقاع كانوا في المدينة وقت أحد؛ وأن ما ذكر من إجلائهم قبلها لم يثبت من طريق صالح للاعتماد عليه؛ وقد روي ذلك عن الزهري لكنه مرسل ومراسيله لا يعول عليها عند أهل العلم رحمهم الله، ولذا ضعف خبره هذا الشافعي كما حكاه عنه البيهقي في السنن.
وإذ الأمر كما بينت فلا وجه للحكم على محمد بن عمرو بالوهم في حديث أبي حميد، لا في ذكر يوم أحد ولا في ذكر بني قينقاع؛ بل كون رواته الثلاثة الذين رووه عنه من الثقات مع ما فصلناه فيما مضى قرينة على أنه ضبط ما رواه في هذا الخبر؛ والله أعلم» [رسالة: القلادة الحسناء في الكلام عن حديث الكتيبة الخشناء]..
وصفوة القول: فإن هذه الأحاديث الثلاثة وهي حديث عائشة وخبيب بن يساف وأبي حميد الساعدي رضي الله عنهم هي التي جاء فيها التصريح بعدم الاستعانة بالمشركين، ولا شك في ثبوت هذا عن النبي ﷺ لا سيما وأن حديث عائشة رضي الله عنها في صحيح مسلم، فهي عمدة المانعين للاستعانة بالمشركين في القتال.
والذي يظهر فإن جميعها كان في غزوة بدر أي قبل أن يقول النبي ﷺ لبني النضير: (إما قاتلتم معنا وإما أعرتمونا سلاحا)١٬١٨٦[المتقدم في: (ص 567)].، فحديث عائشة رضي الله عنها صرحت فيه أن ذلك كان يوم بدر، وخبيب بن يساف أسلم يوم بدرٍ كما ذهب إلى ذلك جل العلماء وعدوه بدريًا، فقصة رده ثم إسلامه كان في هذا اليوم، وحديث أبي حميد الساعدي قد ذكرت وجه اعتباره في يوم بدرٍ دفعًا للإشكال القوي إن لم يوجه هذا التوجيه.
وعليه فحتى لو افترض التعارض بين هذه الأحاديث وحديث (إما قاتلتم معنا) تعارضًا تامًا من كل وجه بحيث يتعذر معه الجمع بينهما تعذرًا محققًا، فليس شيء من هذه الأحاديث الثلاثة يصلح ناسخًا لحكم جواز الاستعانة الذي دل عليه حديث الطحاوي، لفقدها أحد شروط القول بالنسخ، وهو تأخر الدليل الناسخ عن المنسوخ في التاريخ، والأحاديث الثلاثة الناهية عن الاستعانة بالمشركين جاءت سابقة لحديث ثابت بن الحارث الأنصاري بعامٍ كاملٍ فلا يعقل أن تكون ناسخة له.
[البحر: الرجز]
[البحر: الرجز]
وَالْجَمْعُ وَاجِبٌ مَتَى مَا أَمْكَنَا | إِلَّا فَـلِلْأَخِيرِ نَسْـخٌ بُيِّنَا١٬١٨٧[البيت رقم: (867)]. |
فإذا تحقق هذا الأمر فليس هناك إلا محاولة التوفيق بين هذه الأحاديث التي ظاهرها التعارض للخروج بحكم شرعي صحيح يدل عليه مجموعها، ويكون لكل فردٍ من أفرادها نصيب في الدلالة عليه والله ولي التوفيق.
وتفصيل هذا الكلام وبيانه على النحو التالي:
إن الأمر المتيقن والمقطوع به هو ورود النهي عن الاستعانة بالمشركين على المشركين في القتال في وقتٍ ما، وهذا الحكم الشرعي ثبت بأدلة شرعية صحيحة صريحة لا مطعن في دلالتها، ولو لم يكن في ذلك إلا حديث عائشة رضي الله عنها الثابت في صحيح مسلم لكفى، فإذا انضم إليه حديثا خبيب بن يساف -على القول بأنه قصة مستقلة- وأبي حميد الساعدي بناء على صحته ازداد الحكم تقررًا وتأكدًا لاعتضاده بهما.
وبما أن هذه الأحاديث لها الأسبقية والتقدم عن سائر الأدلة التي استند إليها القائلون بالجواز؛ فينبغي أن تكون هي الأصل المستصحب والمستمسَك به في جميع الأحوال والأزمنة، لأن أصل الحكم الشرعي في هذه المسألة قد ثبت بها، وهي أيضًا ناقلة للحكم من الإباحة الأصلية إلى الحرمة والنهي، وعليه فالأصل أن يستمر هذا الحكم ثابتًا على حاله حتى يأتي من الأدلة الصحيحة ما يعارضه معارضة تامة أو جزئية، فيقال بنسخه في الأولى وباستثناء الصورة المعارِضة في الثانية، ويمكن زيادة إيضاح قوة دلالة أحاديث المنع في النقاط التالية:
أولًا: أن قول النبي ﷺ في حديث عائشة رضي الله عنها الذي في صحيح مسلم: (ارجع فلن أستعين بمشرك) وتكراره لهذا المنع كلما طلب منه ذلك المقاتل أن يتبعه ويشاركه في القتال يعد نصًا صريحًا عامًا في نفي الاستعانة بالمشركين، ومثله قوله ﷺ للذين جاءا ليشهدا معه مشهد قومهما: (فإنا لا نستعين بالمشركين على المشركين)، وكذلك حديث أبي حميد الساعدي والذي جاء فيه هذا اللفظ بعينه إلا أنه في قصة أخرى.
ثانيًا: وتعدد هذه الحوادث مع ثبوت الحكم نفسه فيها وبيانه من النبي ﷺ مرارًا يدل على أنه حكم مقرر وليس حادثة عين عابرة تتعلق بظروف خاصة، وبهذا يندفع قول من قال: إن رد النبي ﷺ ربما كان لأجل طمعه في إسلام من رده لما تفرسه فيهم، فلو صح هذا وقُبل في حديث عائشة والذي بعده، فلا يمكن أن يكون هو السبب في رده لليهود الذين مع عبد الله بن أبي بن سلول حيث جاء في رواية الطبراني١٬١٨٨[في المعجم الأوسط: (٥١٤٢)]. أن الصحابة قالوا: «هذا عبد الله بن أبي في ست مئة من مواليه من اليهود»، فلا يتصور أن يكون رد النبي ﷺ لكل هؤلاء طمعًا في إسلامهم في تلك اللحظة وهم كما جاء وصفهم في الحديث بأنهم «كتيبة خشناء»؛ أي كثيرة السلاح، بل ولو كان الطمع في الإسلام هو أحد الأسباب فليس هو السبب الوحيد ولا الأول ولا عليه المعوَّل لأن صريح العبارة يرد ذلك، وعمومها يأبى قصرها على هذا المعنى، والتعليل الذي اقترن به الحكم ينفيه ويقصيه يبين ذلك الأمر اللاحق وهو:
ثالثًا: قد ثبت في الأصول أن اقتران الوصف بالحكم يدل على عليَّة ذلك الوصف، وهذا المسلك يسمى في علم الأصول بمسلك «الإيماء والتنبيه»، وضابطه أن يقترن الوصف بحكم لو لم يكن ذلك الوصف علة له لكان معيبًا في الكلام الفصيح، وقد ذكره صاحب مراقي السعود في موضعين:
[البحر: الرجز]
[البحر: الرجز]
دَلَالَةُ الْإِيمَاءِ وَالتَّنْبِيِهِ | فِي الْفَنِّ تُقْصَدُ لَدَى ذَوِيهِ | |
أن يُقْرَنَ الْوَصْفُ بِحُكْمٍ إِن يَكُنْ | لِغَيْرِ عِلَّةٍ يَعِبْهُ مَنْ فَطِنْ١٬١٨٩[الأبيات: (141) و(142)]. |
[البحر: الرجز]
[البحر: الرجز]
وَالثَّالِثُ الْإِيمَا اقْتِرَانُ الْوَصْفِ | بِالْحُكْمِ مَلْفُوظَيْنِ دُونَ خُلْفِ | |
وَذَلِكَ الْوَصْفُ أَوِ النَّظِيرُ | قِرَانُهُ لِغَيْرِهَا يَضِيرُ١٬١٩٠[الأبيات: (685) و(686)]. |
فالصفة المذكورة في الحديث هي «الشرك» والحكم المقترن بها هو عدم الاستعانة بالمشركين، فلو لم يكن لذكر صفة الشرك وربطها بالامتناع عن الاستعانة بالمشركين تأثير في الحكم لكان بعيدًا عن سنن الفصحاء ولعُدَّ حشوًا وهو ما ينزه عنه مَن لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى.
فدل ذلك على أن المانع من الاستعانة بهم -حسب ألفاظ هذه الأحاديث- هو تلبسهم واتصافهم بهذه الصفة، لا سيما وأن هذا المعنى التعليلي يتأكد بسؤال النبي ﷺ للذي قال له: «جِئْتُ لأَتَّبِعَكَ وَأُصِيبَ مَعَكَ»، (تُؤْمِنُ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ؟)، وقوله للآخريْن: (أسلمتما؟)، وفي الحديث الثالث: (أو أسلموا)، فلو لم يكن لإسلامهم تأثير في حكم الاستعانة لكان السؤال عنه لغوًا؛ لأنه سؤال عمَّا لا فائدة فيه في ذلك الموطن، ولهذا فإن ترتب الحكم على وجود الإسلام من عدمه يعد ترتبًا مباشرًا وارتباطه به ارتباطًا وثيقًا بينًا، والنبي ﷺ قد أوتي جوامع الكلم فهو أبلغ البلغاء وأفصح الفصحاء، وقوله أبعد ما يكون عن الحشو وأنزهه عن اللغو وأبعده عن العي الذي تختلط معه المعاني وتلتبس معه الأحكام، وهذا بيِّن كما ترى؛ فترك التعليل الظاهر الموافق للقواعد الأصولية المنضبطة والانتقال إلى الاستنباطات المظنونة وربما الموهومة التي ليس لها ما يدل عليها دلالة خاصة أو يقويها على هذا الظاهر طريق غير مرضي.
[البحر: الرجز]
[البحر: الرجز]
وَيَلْزَمُ الْعُمُومُ فِي الزَّمَانِ | وَالْحَالُ لِلْأَفْرَادِ وَالْمَكَانِ١٬١٩١[(358)]. |
ولا يستثنى من ذلك إلا ما أخرجه الدليل المخصِّص عند التعارض، لأن استثناء بعض أفراد أو أحوال أو أزمنة العام من غير حجة يعد ضربًا من التحكم المحض والذي لا يعجز عنه أحد، واستعمال هذا في الدين يؤدي إلى اضطراب لا نهاية له ويقود إلى تفلت لا انضباط معه.
إذا تقرر هذا فإن الألفاظ التي وردت في النهي عن الاستعانة بالمشركين في هذه القضية سواء بصيغة الإفراد كقوله ﷺ: (لن أستعين بمشرك) أو بصيغة الجمع كقوله عليه الصلاة السلام: (لا نستعين بالمشركين على المشركين) هي من قبيل الألفاظ العامة الشاملة لكل من اتصف بصفة الشرك على كل حال وفي كل وقت.
والعموم جاء في موطنين:
الأول: في حق «المشرك» الذي نهينا عن الاستعانة به؛ لأنه في الحديث الأول نكرة في سياق النفي، وفي الثاني: جاء لفظ «المشركين» معرفًا بالألف واللام وهما من ألفاظ العموم كما هو معروف في الأصول، فتكون قضية التعميم هنا هي عدم الاستعانة بأي مشرك ومن أي نحلة سواء كان وثينًا أم يهوديًا أم نصرانيًا أم مجوسيًا أم غيرهم.
[البحر: الرجز]
[البحر: الرجز]
اَلْمَصْدَرُ اسْمُ مَا سِوَى الزَّمَانِ مِنْ | مَدْلُولَيِ الْفِعْلِ كَأَمْنٍ مِنْ أَمِنْ١٬١٩٢[ألفية ابن مالك، البيت (286)] |
وعند جماعة من البلاغيين ينحل عن مصدر وزمن ونسبة، وهذا هو الظاهر كما حرره بعض البلاغيين، في بحث الاستعارة التبعية.
فالمصدر إذن كامنٌ في مفهوم الفعل إجماعًا، فيتسلط النفي الداخل على الفعل على المصدر الكامن في مفهومه، وهو في المعنى نكرة، إذ ليس له سبب يجعله معرفة، فيؤول إلى معنى النكرة في سياق النفي، وهي من صيغ العموم»١٬١٩٣أضواء البيان: (3/139)..
[البحر: الرجز]
[البحر: الرجز]
وَالنَّكِرَاتُ فِي سِيَاقِ نَفْيِهَا | تَعُمُّ كَالْفِعْلِ الَّذِي فِي طَيِّهَا١٬١٩٤[مرتقى الأصول، البيت (381)]. |
هذه هي قضية العموم في هاتين العبارتين من حيث الأصل وما يستثنى منهما إنما يقوم بدليله المخصِّص سواء كان آية أو حديثًا أو إجماعًا أو قياسًا، وما لم يجئ شيءٌ من ذلك فإن العام يبقى على عمومه، ولهذا فإن كثيرًا من العلماء استدلوا بهذه الأحاديث على منع الاستعانة بالكفار في أمور ليس لها تعلق بالقتال معتمدين في استدلالهم على العموم الذي قضت به دلالاتها.
وقد يعتضد هذا الأصل ويتقوى العموم الذي دلت عليه أحاديث المنع بالآيات الكثيرة التي تنهى عن اتخاذ الكافرين أولياء، وقد مر معنا قصة عمر مع أبي موسى الأشعري رضي الله عنهما وأن عمر احتج على أبي موسى في المنع من استكتاب النصراني -وهو نوع من الاستعانة بالكفار- بقول الله تعالى: ﴿۞يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ ٱلۡيَهُودَ وَٱلنَّصَٰرَىٰٓ أَوۡلِيَآءَۘ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَإِنَّهُۥ مِنۡهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [المائدة: 51]، كما احتج جمعٌ من العلماء بمثل هذه الآيات على النهي عن الاستنصار بالكفار، وقد ذكرت بعض أقوالهم في أول البحث.
إذا تبيّن هذا وعلمنا أن أدلة النهي عن الاستعانة بالمشركين هي السابقة المقررة للحكم الأول في هذه المسألة، وأنها عامة في الأفراد والأحوال والأزمنة، وأن الأصل هو استصحاب هذا الحكم والأخذ به، وأن الأدلة التي يفهم منها جواز الاستعانة لا تعارض هذا الحكم معارضة تامة من كل وجه يتعذر معها الجمع فالذي يظهر لي رجحانه في هذه المسألة هو:
أن الأصل في حكم الاستعانة بالمشركين على المشركين في القتال هو المنعُ استمساكًا بالأدلة الصحيحة الصريحة القاضية بذلك، ويستثنى من النهي حالة الضرورة أو الحاجة الشديدة فيجوز معها الاستعانة بهم، مع التقيد بالشروط التي نصَّ عليها الفقهاء المجوِّزن للاستعانة والتي ذكرتها سابقًا.
وبهذه الكيفية ينفى التعارض التام بين أدلة النهي والجواز، فيوضع كل دليل موضعه بحيث يتم إعمال الجميع ولا يبطل أو يهمل شيء منها، وبمعنى أوضح فإن النهي العام الذي دلت عليه أحاديث المنع الثلاثة يعدُّ مخصَّصًا بأدلة مستقلة أخرجت من ذلك العموم بعض صور الاستعانة وحالاتها نبين ما تيسر منها في الفقرة التالية.
صور وحالات يجوز فيها الاستعانة بالكفار في الحرب.
الأولى: عند الضرورة أو الحاجة الشديدة، والذي يدل على جواز الاستعانة بالكفار في مثل هذه الحال هو الحديث الذي رواه الإمام الطحاوي وأطلت الكلام عليه، إذ تبين من خلال ما ذكرته سابقًا أن هذا كان في مبدأ قدوم النبي ﷺ إلى المدينة حينما كان الإسلام ضعيفا، ومشركو قريش لا يفتأون عن بذل أقصى ما يستطيعون لمحاربة المسلمين في المدينة، وكان ذلك بناء على بعض بنود المعاهدة التي عقدها النبي ﷺ مع اليهود قبل نزول أحكام الجهاد النهائية بسنوات، وبعدما بلغه أن أبا سفيان قد جمع أمره وحشد جيشه لمداهمة المدينة، فكان وضع المسلمين حرجًا وأمرهم شديدًا وتسليحهم متواضعًا، فالذي يظهر أن مجموع هذه الأمور -والتي يمكن أن نصفها بالضرورة أو الحاجة الشديدة- هي التي ألجأت النبي ﷺ إلى طلب المعونة من يهود بني النضير، وقد مرَّ معنا من قبل أن الإمامين الطحاوي وابن عبد البر قد حملا الحديث على حال الضرورة وهو محمل حسن.
وممن منع الاستعانة بالكفار في القتال إلا في حال الضرورة، الإمام أحمد ومن تبعه من أصحابه، والإمام ابن حزم، والإمام الشوكاني، والعلامة صديق حسن خان، وغيرهم وقد نقلت الأقوال في ذلك فلا نطيل بإعادتها.
اعتراض ودفعه
قد يعترض على حصر جواز الاستعانة بالكفار في الضرورة أو ما يقاربها باستعانته ﷺ بخزاعة على قتال المشركين يوم فتح مكة، إذ ذكره بعض العلماء دليلا على الجواز كما قال الإمام الشوكاني: «وخرجت خزاعه مع النبي ﷺ على قريش عام الفتح وهم مشركون»١٬١٩٥الدراري المضية: (1/483)..
وأصل ذلك هو دخولهم في عقد رسول الله ﷺ كما دخلت بنو بكر في حلف قريش في صلح الحديبية ففي حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم أنهما قالا: «كان في صلح رسول الله ﷺ يوم الحديبية بينه وبين قريش أنه من شاء يدخل في عقد محمد وعهده دخل، ومن شاء أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل، فتواثبت خزاعة، فقالوا: نحن ندخل في عقد محمد ﷺ وعهده، وتواثبت بنو بكر، فقالوا: نحن ندخل في عقد قريش وعهدهم»١٬١٩٦رواه أحمد [١٨٩١٠]، والبيهقي في الدلائل: [5/6]، وفي السنن الكبرى [١٨٨٥٩]، وغيرهم..
ثم إن النبي ﷺ بعدما استنصرته خزاعة لما غدرت بهم بنو بكر خرج بسبب ذلك لفتح مكة، فكانوا معه حينما دخلها، وأذن لهم رسول الله ﷺ في القتال، فعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: «لما فتحت مكة على رسول الله ﷺ قال: (كفوا السلاح إلا خزاعة عن بني بكر، فأذن لهم حتى صلى العصر ثم قال كفوا السلاح)»١٬١٩٧رواه أحمد [(٦٦٨1)، واللفظ له]، وابن أبي شيبة [٣٩٦٧٦]، وأبو عبيد [في الأموال: (٣٠٠)]، وابن حبان عن ابن عمر [٤٠٩٦]، ومحمد بن إسحاق الفاكهي [في أخبار مكة: (5/219)]..
فيقال لا شك أن النبي ﷺ لم يكن يوم الفتح محتاجًا إلى معونة أحد من المشركين لكثرة جيش المسلمين وانقماع كفار قريش وشدة رعبهم وفَرَقهم.
وعليه فالظاهر من الحديث السابق أن أمر النبي ﷺ لجميع الناس بأن يكفوا السلاح ولا يأذن لأحد في القتال إلا لخزاعة في قتالهم بني بكر دون مَن سواهم من المشركين، كل هذا يدل دلالة واضحة وقوية على أن هذا ليس من باب الاستعانة في صدر ولا ورد، وإنما كان لمعنى آخر مستقل يتعلق بخزاعة تجاه بني بكر خصوصًا، وهو أخذ ثأرهم وشفاء صدورهم منهم؛ لأن بني بكر كانوا قد غدروا وقاتلوا خزاعة حتى ألجأوهم إلى الحرم، وإلا فلو كان الإذن لخزاعة من باب الاستعانة، فما وجه حصر قتالهم في بني بكر ساعة من نهار، ولِمَ يأذن لهم ويمنع المهاجرين والأنصار من ذلك.
وقد صرح شيخ الإسلام رحمه الله أن أكثر خزاعة كانوا مسلمين عند عقدِ صلحِ الحديبية فقال: «إن النبي ﷺ كان قد صالح قريشًا وهادنهم عام الحديبية عشر سنين، ودخلت خزاعة في عقده، وكان أكثرهم مسلمين، وكانوا عيبة نصح لرسول الله مسلمهم وكافرهم»١٬١٩٨الصارم المسلول: (2/217)..
فلا يبعد أن تكون القلة الباقية منهم قد دخلت في الإسلام في المدة التي بين صلح الحديبية إلى فتح مكة، ويتقوى هذا بأن عددًا من السلف وأكثر المفسرين قالوا إن المقصود بالمؤمنين في قوله تعالى: ﴿قَٰتِلُوهُمۡ يُعَذِّبۡهُمُ ٱللَّهُ بِأَيۡدِيكُمۡ وَيُخۡزِهِمۡ وَيَنصُرۡكُمۡ عَلَيۡهِمۡ وَيَشۡفِ صُدُورَ قَوۡمٖ مُّؤۡمِنِينَ﴾ [التوبة: 14]، هم خزاعة وذلك بأن يشفي الله صدورهم ممن غدر بهم ونال منهم وهم بنو بكر ومَن أمدهم بالسلاح من كفار قريش١٬١٩٩وهو قول مجاهد، والسدي، وعكرمة..
قال الإمام ابن جرير رحمه الله: «﴿وَيُذۡهِبۡ غَيۡظَ قُلُوبِهِمۡۗ﴾ [التوبة: 15]، يقول الله تعالى ذكره ويذهب وجد قلوب هؤلاء القوم المؤمنين من خزاعة على هؤلاء القوم الذين نكثوا أيمانهم من المشركين وغمها وكربها بما فيها من الوجد عليهم بمعونتهم بكرًا»١٬٢٠٠تفسير الطبري: (10/91).، فهذه الآية تدل على أن هذه الطائفة المقاتِلة من خزاعة كانوا مؤمنين، فهم الذين يشفي صدورهم ويذهب غيظ قلوبهم بأخذهم الثأر ممن نقضوا العهد وتسلطوا عليهم بالقتل وهو معنى متوافق مع إذن النبي ﷺ لخزاعة بقتال بني بكر إلى العصر ليحصل هذا المعنى الذي نص عليه القرآن.
[البحر: الرجز]
[البحر: الرجز]
هُمْ بَيَّتُونَا بِالْوَتِيرِ هُجَّدَا | فَقَتَّلُونَا رُكَّعًا وَسُجَّدَا ١٬٢٠١[المغازي للواقدي: (2/789)]. |
فهو يدل أيضًا على أن كل أو أكثر خزاعة كانوا مسلمين، وقد صرح الإمام الشافعي رحمه الله على أن خزاعة دخلوا في الإسلام قبل فتح مكة فقال في مناظرة له: «فإن قال قائل: ما دل على ذلك؟ قيل له: أسلم أبو سفيان بن حرب بمر الظهران وهي دار خزاعة وخزاعة مسلمون قبل الفتح في دار الإسلام»١٬٢٠٢الأم: (5/152)..
فالأمر دائر بين أن تكون خزاعة كلها أسلمت قبل أو يوم الفتح، أو أن يكون أكثرها كذلك، فإن كان الأول بطل استدلال من استدل بقتالهم على جواز الاستعانة، وإن كان الثاني فعلى المدعي أثبات أن المقاتلين كانوا من مشركي خزاعة ولا سبيل إلى ذلك، والدليل متى تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال، هذا مع أن القرائن الظاهرة تدل على أن تخصيص النبي ﷺ خزاعةَ بإطلاق يدهم في قتال بني بكر إنما كان لمعنى يتعلق بهم دون غيرهم وقد ذكرنا ذلك من قبل.
الثانية: أما الصورة الثانية التي يجوز فيها الاستعانة بالكفار، فهي استعارة السلاح وغيره من المعدات منهم عند الحاجة إلى ذلك، وجواز شرائها، ويدل على ذلك قول النبي ﷺ لبني النضير (إما قاتلتم معنا وإما أعرتمونا سلاحا)١٬٢٠٣[سبق في: (ص 567)].، وكذلك استعارته ﷺ أدرعًا من صفوان بن أمية يوم حنين، وقد مر ذكر هذه الأحاديث.
قال الإمام القرطبي رحمه الله عن حديث صفوان: «وفيه أيضا جواز استعارة السلاح، وجواز الاستمتاع بما استعير إذا كان على المعهود مما يستعار له مثله، وجواز استلاف الإمام المال عند الحاجة إلى ذلك ورده إلى صاحبه، وحديث صفوان أصل في هذا الباب»١٬٢٠٤تفسير القرطبي: (8/99)..
قال الإمام ابن القيم في الفوائد المأخوذة من حنين: «ومنها: أن الإمام له أن يستعير سلاح المشركين وعدتهم لقتال عدوه، كما استعار رسول الله ﷺ أدراع صفوان وهو يومئذ مشرك»١٬٢٠٥زاد المعاد: (3/479)..
ومع ذلك فالواجب على المسلمين أن يعتمدوا على أنفسهم، وأن يسدوا حاجاتهم بأيديهم، وأن يزهدوا فيما عند أعدائهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا، فليست صورة الاستعانة المقصودة هنا هو اعتماد الجماعات الإسلامية اعتمادًا تامًا على الدول الكافرة بحيث تعطل جهادها وتوقف قتالها إن لم يكن لها دعمٌ ومساندةٌ منها، فحالات الاستعانة الجائزة ليست هي الأصل التي تنبني عليه سياسات الجماعات وطرق قتالها وأساليب جهادها، وإنما هي صور جزئية محصورة تقع بين الحين والحين، استجابة لظرف من الظروف العابرة، ولهذا فإن استعانة النبي ﷺ بأسلحة الكفار واستعارته لها طوال حياته وجهاده كانت معدودة محدودة، مع أنهم كانوا يخوضون أشد المعارك مع أشرس الأعداء وعلى عدة جبهات، فكان رزقهم تحت ظلال سيوفهم، فاستغنوا بالله فأغناهم الله.
الثالثة: جواز اتخاذ العيون والجواسيس من الكفار على الكفار والاستعانة بما يأتون به من الأخبار في تدبير المعارك ورسم خطط الحرب، والتحذير من بعض الأخطار، ولكن بشرط الوثوق التام والاطمئنان المتناهي إلى صدق قولهم وثبوت نصحهم، وإلا فإن التساهل في هذا الأمر مزلق عظيم وليل بهيم قد تنقلب آثاره ونتائجه إلى ضد ما يرجو المستعين بهم، لا سيما في زماننا الذي أتقن فيه الكفرة طرق تجنيد الجواسيس، وليس لهم في ذلك وازع من خلق ولا مروءة.
فقد جاءت الأحاديث الصحيحة -في البخاري١٬٢٠٦[2731]. وغيره- في صفة خزاعة بأنهم «كانوا عَيْبَةَ نصح لرسول الله ﷺ»، قال الإمام ابن حجر رحمه الله: «العيبة بفتح المهملة وسكون التحتانية بعدها موحدة ما توضع فيه الثياب لحفظها؛ أي أنهم موضع النصح له، والأمانة على سره، ونصح بضم النون وحكى بن التين فتحها كأنه شبه الصدر الذي هو مستودع السر بالعيبة التي هي مستودع الثياب... زاد ابن إسحاق في روايته، وكانت خزاعة عيبة رسول الله ﷺ مسلمها ومشركها لا يخفون عليه شيئا كان بمكة»١٬٢٠٧فتح الباري: (5/337)..
وقد استدل بعض العلماء على جواز الاستعانة بالكافر في تجسسه على الكفار بما عند البخاري١٬٢٠٨[2731]. وغيره في حديث المسور بن مخرمة ومروان: (فبينما هم كذلك إذ جاء بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه من خزاعة وكانوا عيبة نصح رسول الله ﷺ من أهل تهامة، فقال: إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي نزلوا أعداد مياه الحديبية ومعهم العوذ المطافيل وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت).
وجاء في بعض روايات الحديث عند البخاري١٬٢٠٩[٤١٧٨]. وغيره: (خرج النبي ﷺ عام الحديبية في بضع عشرة مئة من أصحابه فلما أتى ذا الحليفة قلد الهدي وأشعره وأحرم منها بعمرة وبعث عينًا له من خزاعة وسار النبي ﷺ حتى كان بغدير الأشطاط أتاه عينه قال: إن قريشًا جمعوا لك جموعًا وقد جمعوا لك الأحابيش وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت).
قال الإمام ابن حجر رحمه الله: «وأما الذي بعثه عينا لخبر قريش فاسمه بسر بن سفيان كذا سماه ابن إسحاق»١٬٢١٠فتح الباري: (8/283).، وبسر بن سفيان ذكروا أنه أسلم في السنة السادسة وشهد الحديبية كما قال الإمام ابن عبد البر: «بسر بن سفيان بن عمرو بن عويمر الخزاعي أسلم سنة ست من الهجرة وبعثه النبي عينا إلى قريش إلى مكة وشهد الحديبية وهو المذكور في حديث الحديبية»١٬٢١١الاستيعاب: (1/166)..
قال الإمام ابن القيم رحمه الله في الفوائد المأخوذة من صلح الحديبية: «ومنها: أن الاستعانة بالمشرك المأمون في الجهاد جائزة عند الحاجة، لأن عينه الخزاعي كان كافرا إذ ذاك وفيه من المصلحة أنه أقرب إلى اختلاطه بالعدو وأخذه أخبارهم»١٬٢١٢زاد المعاد: (3/267).، فقيد الجواز بأمرين: الأول أن يكون مأمونًا، والثاني: أن يختص بحال الحاجة.
وقريب منه ما قاله الإمام الشوكاني رحمه الله: «وإن الاستعانة بالمشرك الموثوق به في أمر الجهاد جائز للحاجة لأن عينه الخزاعي كان كافرًا وكانت خزاعة مع كفرها عيبة نصحه»١٬٢١٣نيل الأوطار: (8/131)..
بل ذهب الإمام ابن حجر رحمه الله إلى أبعد من مجرد جواز التجسس إلى استنصاح الموثوقين منهم فقال: «وكان الأصل في موالاة خزاعة للنبي ﷺ أن بني هاشم في الجاهلية كانوا تحالفوا مع خزاعة، فاستمروا على ذلك في الإسلام، وفيه جواز استنصاح بعض المعاهدين وأهل الذمة إذا دلت القرائن على نصحهم، وشهدت التجربة بإيثارهم أهلَ الإسلام على غيرهم، ولو كانوا من أهل دينهم، ويستفاد منه جواز استنصاح بعض ملوك العدو استظهارا على غيرهم، ولا يعد ذلك من موالاة الكفار ولا موادة أعداء الله، بل من قبيل استخدامهم وتقليل شوكة جمعهم، وانكاء بعضهم ببعض ولا يلزم من ذلك جواز الاستعانة بالمشركين على الإطلاق»١٬٢١٤فتح الباري: (5/338)..
وقول الإمام ابن حجر: «جواز استنصاح بعض ملوك... إلخ»؛ الظاهر أنه مأخوذ من كون بديل بن ورقاء وبسر بن سفيان ومن جاء معهما كانا من سادة خزاعة وسرواتها وهما اللذان أخبرا النبي ﷺ بشأن قريش وما أعدته لحربه.
وقال شيخ الإسلام: «وكانت خزاعة عيبة نصح رسول الله مسلمهم وكافرهم، وكان يقبل نصحهم»١٬٢١٥مجموع الفتاوى: (4/114)..
وقال الإمام الخطابي رحمه الله: «وفيه أن النبي ﷺ أرسل الخزاعي وبعثه عينا، ثم صدقه وقبل خبره وهو كافر؛ وذلك لأن خزاعة كانوا عيبة نصح رسول الله ﷺ مؤمنهم وكافرهم لحلف كانت بينهم في الجاهلية، ولعله أيضا لم يجد من المسلمين من ينوب عنه في تعريف الخبر والتجسس والبحث عن أمر العدو، ثم إن ذلك أمر لا يكاد يتحققه إلا من لابس العدو وداخلهم واستبطن سرهم وهذا المعنى متعذر وجوده غالبا في المسلمين»١٬٢١٦معالم السنن: (2/326)..
الرابعة: جواز الاستعانة ببعض خبرات الكفار والاستفادة بما معهم من المنافع، كمعرفتهم بالطرقات، ونقلهم للأسلحة من مكان إلى مكان، ويدخل في ذلك اليوم تمرس بعضهم في تهريب الأفراد والأسلحة والمعدات بين الدول برًا وبحرًا، وخبرتهم فيما يعرف بمسائل التزوير كالجوازات والوثائق والأختام وغيرها، فالاستعانة بهم في كل ذلك جائز سواء بالأجرة أم بغيرها مع اشتراط الوثوق بهم وأمن غدرهم وخيانتهم، وألا تكون لهم الإمرة والرئاسة والعلو على المسلمين.
فعن عائشة رضي الله عنها قالت: (واستأجر النبي ﷺ وأبو بكر رجلًا من بني الديل... هاديا خريتًا -الخريت الماهر بالهداية- وهو على دين كفار قريش فأمناه فدفعا إليه راحلتيهما، وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال، فأتاهما براحلتيهما صبيحة ليال ثلاث، فارتحلا وانطلق معهما عامر بن فهيرة والدليل الديلي فأخذ بهم أسفل مكة وهو طريق الساحل)، رواه البخاري١٬٢١٧[٢٢٦٣]. وبوب عليه بقوله: «باب استئجار المشركين عند الضرورة أو إذا لم يوجد أهل الإسلام وعامل النبي ﷺ يهود خيبر» فقصر ذلك على الضرورة، أو إذا لم يوجد أحدٌ من أهل الإسلام يقوم بهذا العمل.
ولا شك أن صفة هجرة النبي ﷺ كانت في غاية الاضطرار والمخاطرة فعيون المشركين قد بثت في كل مكان وقدمت المكافئات المغرية لمن يأتي به ﷺ، وانعدام المؤمنين الذين يمكن أن يتولوا إخراجه وإيصاله إلى المدينة يكاد يكون مقطوعًا به لاضطهادهم وضعفهم وعجزهم ولأن أكثرهم كانوا قد هاجروا قبله ﷺ، إلا أن الإمام ابن حجر رحمه الله قد عقب على تبويب البخاري بقوله: «وفي استشهاده بقصة معاملة النبي ﷺ يهود خيبر على أن يزرعوها وباستئجاره الدليل المشرك لما هاجر على ذلك نظر، لأنه ليس فيهما تصريح بالمقصود من منع استئجارهم، وكأنه أخذ ذلك من هذين الحديثين مضمومًا إلى قوله ﷺ: (إنا لا نستعين بمشرك)١٬٢١٨أخرجه مسلم وأصحاب السنن، [وقد تقدم في (ص 562)].، فأراد الجمع بين الأخبار بما ترجم به.
قال ابن بطال: عامة الفقهاء يجيزون استئجارهم عند الضرورة وغيرها؛ لما في ذلك من المذلة لهم، وإنما الممتنع أن يؤاجر المسلم نفسه من المشرك لما فيه من إذلال المسلم»١٬٢١٩فتح الباري: (7/100). وقال ابن بطال: «قال المهلب: وفيه من الفقه ائتمان أهل الشرك على السر والمال إذا علم منهم وفاء ومروءة، كما استأمن النبي ﷺ هذا الدليل المشرك، وهو من الكفار الأعداء المطالبين له، لكنه علم منه مروءة ووفاء ائتمنه من أجلهما على سره في الخروج من مكة، وعلى الناقتين اللتين دفعهما إليه ليوافيهما بهما بعد ثلاث في غار ثور»١٬٢٢٠شرح ابن بطال: (11/401)..
وقال العلامة الشنقيطي رحمه الله «أن النبي ﷺ لما تكالبت عليه قوى الشر، واضطر إلى الخروج من وطنه، ودخل هو وصاحبه في الغار كما نص الله في سورة براءة ﴿ثَانِيَ ٱثۡنَيۡنِ إِذۡ هُمَا فِي ٱلۡغَارِ﴾ [التوبة: 40] وجميع الدنيا حرب عليه، والطريق تبث فيها العيون والرَّصَد، وجد خبيرًا كافرًا واسمه: عبد الله بن الأريقط الدؤلي، كافر يسجد للصنم إلا أنه عنده خبرة دنيوية، فهو يعرف الطرق، ويحاشي الطرق المعهودة، ويأتي به من طرق لم يعلمها الناس حتى يسلم من الرَّصد والعيون المبثوثة أمامه؛ النبي لم يقل: هذه خبرة كافر يسجد للصنم فهي خبرة نجسة قذرة أتركها!! لا، استعان بخبرته وأعطاه مراكبه هو وصاحبه، ثم سار منتفعًا بخبرته حتى أوصله المدينة بسلام»١٬٢٢١[الرحلة إلى أفريقيا: (ص 52-53)]..
وروى البيهقي١٬٢٢٢[في السنن الكبرى: (١٣١٨٥)]. عن الزهري قال: أرسل رسول الله ﷺ إلى صفوان بن أمية في أداة ذكرت له عنده فسأله إياها، فقال صفوان: أين الأمان؟ أتأخذها غصبا؟ فقال رسول الله ﷺ: (إن شئت أن تمسك أداتك فامسكها، وإن أعرتنيها فهي ضامنة علي حتى نؤدي إليك)، فقال صفوان: ليس بهذا بأس، وقد أعرتكها، فأعطاه يومئذٍ -زعموا مئة درع وأداتها- وكان صفوان كثير السلاح، فقال له رسول الله ﷺ: (اكفنا حملها)، فحملها صفوان»، وقد مر معنا ما في مراسيل الزهري، والله تعالى أعلم.
هذا وما ذكرته هنا هو مجرد إشارة لبعض الحالات التي يجوز فيه الاستعانة بالكفار في شؤون الحرب، وليس المقصود هو التتبع ولا التوسع، ولعل الله يهيأ لي وقتًا أنشط فيه للبسط أكثر والله المستعان.
❖ ❖ ❖
تنبيه: المقصود بالكفار الذين تحدثنا عنهم في هذا البحث هم الأصليون من أي نحلة كانوا وليسوا المرتدين منهم، فكل ما ذكرناه من الاختلاف في هذه المسألة، واشتراط ما اشتُرط لها عند القائلين بالجواز إنما هو في الكفار الأصليين من يهود أو نصارى أو مجوس أو مشركين أو غيرهم، أما في الكفار المرتدين فلم أطلع على قول بالجواز -فيما قرأت- وذلك لأن الاستعانة بهم تقتضي بعض الأمور: منها إقرارهم على ما هم عليه من الكفر، والمرتد لا يقر على كفره، لقول النبي ﷺ: (من بدل دينه فاقتلوه)١٬٢٢٣[سبق في: (ص 439)].، ومنها أن الاستعانة بالكافر تعني بالضرورة تأمينه حال الاستعانة به، والأمان -كما هو معلوم- يُحرِّم الدم والمال، والمرتد لا يجوز تأمينه ولا يقع موقعه إن حصل؛ لأن حده القتل تعيينًا والأمان يناقض ذلك.
ومع القول بأن هذا هو الحكم الأصلي المقطوع به في حقهم، إلا أني لا أجزم بعدم جواز الاستعانة بالمرتدين في هذا العصر الذي صارت لهم فيه الصولة والجولة والدولة، وبسطوا أيديهم على أغلب بلاد المسلمين وصار التعامل معهم والاحتكاك بهم لا يكاد ينفك عنه أحد، ولكن للضرورات أحكامها وهي تقدر بقدرها والله تعالى أعلم.
وربما كان عدم تطرق الفقهاء الأوائل لمسألة الاستعانة بالمرتدين في القتال سببه أن الدولة والسلطان كانت للمسلمين، وغالبًا ما تكون طوائف الردة وجماعاتهم محصورة داخل دولة الإسلام تحيط بهم جيوشها وتطوقهم جنودها، فأية حاجة تدعوا إلى الاستعانة بأمثالهم؟ كما قال الشيخ محماس جلعود: «ولم يتطرق الفقهاء إلى معاملة المرتدين في جوانب كثيرة، مثل الاستعانة بهم أو مصاحبتهم، أو صلتهم، أو التعامل معهم، لأنه أساسًا كان يجب ألا يعيش بين المسلمين مرتد، فإما الإسلام، وإما الموت، ولذلك لا نستطيع أن نوجد صيغة في التعامل مع أناس كان يجب أن لا يعيشوا بدار المسلمين أصلًا»١٬٢٢٤الموالاة والمعاداة: (2/38)..
كما أنهم -فيما أحسب- لم يكونوا يظنون أن الاستعانة بالكفار تصل إلى هذه الدرجة التي يطرحها بعض المعاصرين من استجرار جيوش كاملة بقياداتها وعتادها وراياتها ونظمها، وإنما كان تصورهم لها مقصورا على الاستعانة بأعداد محدودة تابعة لجيش الإسلام لا يكاد وجودها يذكر.
وقد حدثني الشيخ أبو الليث رحمه الله أنه كان قد اتصل ببعض العلماء المعاصرين الأجلاء الذين هم الآن في سجون طغاة آل سعود ممن لا أستطيع البوح باسمه لما لا يخفى وسأله عن حكم الاستعانة بأجهزة بعض الدول المرتدة في بعض الحالات الجزئية، فجوز له ذلك بثلاثة شروط، ثم عثرت على ورقة في أرشيف أبي الليث رحمه الله يذكر فيها تلك الشروط -كما سمعتها منه- ونص الفتوى كما هو في ورقته وبخطه: «لا حرج في التعامل معهم لتحصيل المصالح، لا سيما في هذا الوقت الذي قل فيه الناصر، وتنامى فيه المخذلون، وذلك بشروط:
الأول: أن تأمنوا غدرهم، أو تكونوا على حذر بحيث لو صارت خيانة لا تتجاوز موقعها.
الثاني: أن تكون المصلحة راجحة على المفسدة.
الثالث: أن تنتهي بانتهاء مصالحهم».
والمقصود بالشرط الثالث أن تنتهي الاستعانة بهم بمجرد انتهاء المصلحة التي اقتضت ذلك؛ بمعنى أن لا يكون أمر التعامل والاستعانة مفتوحًا انفتاحًا كليًا، وإنما ينظر في كل حالة جزئية بعينها وتدرس ظروفها وما يتعلق بها من المصالح والمفاسد، فإذا كانت الشروط التي ذكرناها عن العلماء من قبلُ يلزم تحققها في الكفار الأصليين، فوجوب تحققها والتأكيد عليها في حق المرتدين الذين هم أغلظ كفرًا وأعظم مكرًا أولى وأحرى، وهذا كله على قول من يقول بجواز الاستعانة بهم في هذا العصر لانتشار شرهم، وتوسع دولهم، فحتى على هذا القول ينبغي التقيد في الاستعانة بهم على الحالات الجزئية المؤقتة التي لا تتعدى محلها، أما انكباب بعض الجماعات الإسلامية على أجهزة استخبارات بعض الدول المرتدة، وارتمائها في أحضانها والاعتماد عليها اعتمادًا تامًا بحيث ترسخ في أذهان قادتها وأتباعها أنهم لا يمكن أن يقدموا أو يؤخروا بدونها، فهذا لا يمكن أن يكون من باب الاستعانة مهما ادعى أصحابها الاضطرار بله الحاجة.
ومثل هذا التعامل هو الذي يقود إلى العمالة والخيانة وتحريف مسار الجهاد وتضييع ثمراته، فضرر هذا التعامل فادحٌ وخطير، ونهايته تنازل عن المبادئ وتساهل في إحسان الظن بالكفرة، وهو خطوة نحو موالاة أعداء الله، والتفلت من ضوابط الشرع الجزئية تحت دعاوى المصلحة والسياسة والموازنات، وكم رأينا من الجماعات التي قضت دهورًا وعصورًا وهي تحاول أن تقدم شيئا ملموسًا وتغييرًا يذكر في ساحات جهادها دون جدوى بعدما ربطت مصيرها بأجهزة استخبارات دولٍ مرتدة وأصبحت تتعامل معها بانفتاح وعلى أعلى المستويات وفي سائر المجالات حتى صار حالها وحال تلك الأجهزة كالطفل الرضيع الذي يهيم وهو يرتشف من لبن أمه ولا يتصور أنه يعيش بغيره، ولا ريب أن مثل هذا الشعور إذا تمكن في القلوب واستسلمت له الأنفس وصيغت على وفقه السياسات ووضعت الخطط لهو من أعظم أسباب الخذلان والابتعاد عن نصرة الرحمن، قال ﷻ: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسۡبُهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ بَٰلِغُ أَمۡرِهِۦۚ قَدۡ جَعَلَ ٱللَّهُ لِكُلِّ شَيۡءٖ قَدۡرٗا﴾ [الطلاق: 3].
والله تعالى أعلم.