🎬المواد الصوتية والمرئية المصاحبة

خطبة عيد الفطر «1426»

خطبة عيد الفطر «1426»

خطبة عيد الفطر «1426»

[شوال 1426هـ / 11 - 2005م]

۞

الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله.. الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.

 الله أكبر.. كلمةٌ تسري في دمائنا.

الله أكبر.. كلمة سكنت في قلوبنا.

الله أكبر.. كلمة انشرحت بها صدورنا.

الله أكبر.. كلمة خضعت لها جوارحنا.

الله أكبر.. كلمة نرُدُّ بها على أعدائنا.

الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرةً وأصيلا..

ص 2132

إخوة الإيمان: بالأمس كنا ننتظر رمضان ونترقب هلاله ونستبشر بأيامه ولياليه؛ فهو الشهر العظيم الذي أنزل الله ﷻ فيه القرآن، وجعله بيناتٍ للناس وهدى، ذلك الشهر الذي قال فيه نبي الرحمة ﷺ: (من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفِر له ما تقدم من ذنبه)٣٬٠٢٢[متفق عليه، وقد تقدم في: (ص 1968)].، ذلك الشهر الذي قال فيه النبي ﷺ: (رغِم أنفه من دخل عليه رمضان ولم يُغفر له)٣٬٠٢٣[رواه -بألفاظ قريبة- الترمذي: (٣٥٤٥)، وقال: «حديث حسن غريب»].، وقال النبي ﷺ: (الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن ما لم ترتكب الكبائِر)٣٬٠٢٤[رواه مسلم: (٢٣٣)]..

وها نحن اليوم قد ودعنا ذلك الشهر وطوينا صفحته بما فيه من خيرٍ وشر، ذلك الشهر العظيم الذي قال فيه الله ﷻ: ﴿شَهۡرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلۡقُرۡءَانُ هُدٗى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَٰتٖ مِّنَ ٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡفُرۡقَانِۚ﴾ [البقرة: 185]، ذلك الشهر الذي قال فيه الله ﷻ: ﴿كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183].

فالله ﷻ فرض صيامه لعل التقوى تدخل إلى القلوب، لعلَّ النفوس تزكو بصيامه، لعل النفوس والقلوب تطهُر بقيامه، فنسأل الله ﷻ أن يجعلنا من عُتقاء ذلك الشهر العظيم، نسأل الله ﷻ أن نكون قد خرجنا منه كيوم ولدتنا أمهاتنا لا ذنب علينا ولا خطيئة، ونعوذ بالله من أن نكون قد خرجنا منه ولم تُغفر لنا ذنوبنا.

وها نحن اليوم نستقبل يومًا عظيمًا من أيام الإسلام:

- إنه عيد الفِطر الذي جعله الله ﷻ فُسحة للمسلمين كما قال النبي ﷺ في الحديث عن عائشة رضي الله عنها قالت: «دخل علينا أبو بكرٍ -وهو أبوها رضي الله عنهما- وعندي جاريتان من جواري الأنصار تغنيان -وليستا بمغنيتين- فزجرهما أبو بكر رضي الله عنه وقال: أبمزامير الشيطان في بيت رسول الله ﷺ؟»، فقال له رسول الله ﷺ: (دعهما يا أبا بكر إن لكل قوم عيدًا وهذا عيدنا)٣٬٠٢٥[متفق عليه، البخاري: (٩٥٢)، ومسلم: (٨٩٢)]..

وكما قال النبي ﷺ: (ليعلم اليهود أن في عيدنا فسحة)٣٬٠٢٦[رواه أحمد: (24855)، بلفظ: (في ديننا)، وليس (في عيدنا)، وقال الأرنؤوط: «حديث قوي»]..

ص 2133

- الذي فُرِضت فيه وشُرِعت فيه زكاة الفطر طعمة للمساكين وطهرة للصائمين.

- الذي شرع الله فيه التكبير: ﴿وَلِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمۡ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ﴾ [البقرة: 185].

- إنه يومٌ عظيم من أيام الإسلام، إنه يوم فرح ويوم سرور ويوم بهجة، إنه يوم جعله الله ﷻ اجتماعًا للمؤمنين يتراحمون فيه فيما بينهم ويذكر بعضهم بعضًا بهذه الشريعة العظيمة، وبهذا الهدي الرباني الكبير الذي منَّ الله ﷻ به عليهم، نعم إن من حق المسلمين أن يفرحوا بهذا اليوم.

ولكن يا إخوة الإيمان! أين فرحنا وأين سعادتنا وأين سرورنا؟ وأنى للفرح أن يتسرب إلى قلوبنا ونحن نرى أمتنا قد مزقتها حِراب المجرمين وقطعتها سيوف الكافرين شرقًا وغربًا؟ أنَّى لنا أن نفرح إخوة الإسلام وأخواتنا في فلسطين وفي العراق وفي أفغانستان وفي بلاد المسلمين شرقًا وغربًا هذا هو يوم حزنهم وهذا هو يوم مآسيهم وهذا هو يوم ذكرياتهم المظلمة!

يا إخوة الإسلام! نعم.. إننا نريد أن نفرح كما يفرح المسلمون، ونريد أن نبتهج كما يبتهج المسلمون، ولكن والله يا إخوة الإسلام ليس في أمتنا ما يُفرح، وليس في أمتنا ما يُسعِد المرء إلا القليل وإلا اليسير ونسأل الله أن يبارك فيه.

يا إخوة الإسلام! إن مصائبنا عظيمة، ووالله إننا لا نذكرها لننكد على أنفسنا، ولكن نذكرها ونتذكرها لنعلم حال إخواننا المسلمين ونحن منهم؛ فمآسيهم مآسينا ومصائبهم مصائبنا وكروبهم كُروبنا، هذا هو حق الأخوة، ونحن كما قال النبي ﷺ: (مثل المسلمين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر)٣٬٠٢٧[تقدم في: (ص 2908)]..

ص 2134

فتعالوا إخوة الإسلام لننتقل إلى بقاع الأرض لننظر حال المسلمين في فلسطين، في بلاد مسرى النبي ﷺ؛ حيث كل يومٍ شهيد، وكل يومٍ أسير، وكل يومٍ بيوت تُهْدَم، ونساء تُعتقل.

يا إخوة الإسلام! تلك هي فلسطين قلب الإسلام، من الذي يدنسها، ومن الذي تسلط عليها، ومن الذي يسوم أهلها سوء العذاب؟

إنهم الذين ضُرِبت عليه الذِلة والمسكنة وباؤوا بغضب من الله، إنهم أحفاد القِردة والخنازير أولئك هم الذين يسومون إخواننا هناك سوء العذاب!

ولننظر إلى إخواننا في العراق وفي أفغانستان؛ حيث جاءت قوات الكفر الصليبية بخيلها ورَجِلِها تدمر بيوتهم، وتقتل أبناءهم، وتعتقل شيوخهم ونساءهم، وتملأ بهم سجونها في «أبي غريب» وفي «باجرام» وفي «قندهار» وفي «جوانتانامو»، أولئك كيف يكون عيدهم؟ أولئك كيف يكون سرورهم؟! أولئك كيف تكون فرحتهم؟!

 يا إخوة الإسلام: إن قلوبنا تتفطر أسى وإنَّ أكبادنا تذوب حسرة لواقعنا.

فنسأل الله ﷻ في هذا اليوم العظيم أن يُبرِم لهذه الأمة أمر رُشد يُعز فيه أهل طاعته، ويُذل فيه أهل معصيته، ويُؤمر فيه بالمعروف ويُنهى فيه عن المنكر.

❖ ❖ ❖

[الخطبة الثانية]

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده...

اللهم لك الحمد ربنا حمدًا يليق بجلالك وعظيم سلطانك، اللهم لك الحمد ربنا على أن هديتنا للإسلام، اللهم لك الحمد ربنا على أن شرحت صدورنا لدينك وجعلتنا من أتباع نبيك، اللهم لك الحمد ربنا على أن نورت قلوبنا بنور الإيمان والقرآن، اللهم لك الحمد ربنا على أن جعلتنا من المسلمين، اللهم إنا نحمدك ربنا على أن جعلتنا من خير أمةٍ أُخرِجت للناس، اللهم وصلِّ على خير خلقك محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

نعم يا إخوة الإٍسلام! إننا نذكر مصائبنا ونتذكر كروبنا وخطوبنا؛ لا نذكرها لنملأ قلوبنا أسى، إنما نذكرها لنعلم الواجب علينا، إنما نذكرها حتى نستشعر الأمانة التي أُنيطت في أعناقنا، إننا نذكرها حتى تمتلئ قلوبنا همة وعزمًا وحزمًا على نصرة دين الله ﷻ وعلى المضي لتمكين شريعته التي اختارها لعباده المؤمنين، وتلك هي إرهاصات النصر قد بدأت تلوح في الأفق على ما في الأرض من ظلمات وظلم، تلك هي ملامح النصر وعلامات التمكين قد بدأت تلوح في الأفق في العراق وفي أفغانستان وفي فلسطين وفي الشيشان.

نعم إن ضريبة التمكين عظيمة وإن ضريبة النصر كبيرة، إن ضريبتها دماؤنا وإن ضريبتها أشلاؤنا وضريبتها بيوتنا وديارنا وحرثنا وزرعنا.. ولكن بعد ذلك -أيها المسلمون- ماذا يكون؟!

يكون العزة لمن أرادها... يكون التمكين لمن طلبه، تكون الحرية لمن ينشدها، تلك هي علامات النصر يقدمها إخوانكم الأبطال الذين وضعوا الدنيا تحت أقدامهم عندما قبلها الناس، تلك هي تضحياتهم في العراق تلك هي تضحياتهم في أفغانستان وإن النصر قادمٌ لا محالة على رغم أنف الكافرين، وعلى رغم أنف المرتدين، إنه وعدٌ رباني لا يتخلف: ﴿فَوَرَبِّ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ إِنَّهُۥ لَحَقّٞ مِّثۡلَ مَآ أَنَّكُمۡ تَنطِقُونَ﴾ [الذاريات: 23]، إنه لحقٌ لأن الله قال: ﴿كَتَبَ ٱللَّهُ لَأَغۡلِبَنَّ أَنَا۠ وَرُسُلِيٓۚ﴾ [المجادلة: 21]، إنه لحقٌ لأن الله قال: ﴿وَلَقَدۡ كَتَبۡنَا فِي ٱلزَّبُورِ مِنۢ بَعۡدِ ٱلذِّكۡرِ أَنَّ ٱلۡأَرۡضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ ٱلصَّٰلِحُونَ﴾ [الأنبياء: 105].

أيها المسلمون! لا تيأسوا من روح الله ولا تقنطوا من رحمة الله؛ فإن الفرج مع الكرب، وإن مع العسر يسرا: ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا ٱسۡتَيۡـَٔسَ ٱلرُّسُلُ وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُمۡ قَدۡ كُذِبُواْ جَآءَهُمۡ نَصۡرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَآءُۖ وَلَا يُرَدُّ بَأۡسُنَا عَنِ ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡمُجۡرِمِينَ﴾ [يوسف: 110].

ص 2135

سيُرغم أنف أمريكا في التراب، ستُذل أمريكا كما ذُلت الإمبراطوريات قبلها، إنه دين الله ﷻ، إنه دين الواحد الأحد الذي لو أراد شيئًا إنما يقول له: كن فيكون، فلماذا نيأس ولماذا نقنط ولماذا نخاف؟! إننا بين خيارين إما أن نعيش أعزاء ممكنين في ديننا وعلى أراضينا نفعل ما نشاء، نعبد ربنا كما أمرنا وإما أن يكون مصيرنا هو جنات النعيم: ﴿قُلۡ هَلۡ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلَّآ إِحۡدَى ٱلۡحُسۡنَيَيۡنِۖ وَنَحۡنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمۡ أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٖ مِّنۡ عِندِهِۦٓ أَوۡ بِأَيۡدِينَاۖ فَتَرَبَّصُوٓاْ إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ﴾ [التوبة: 52].

اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذِل الشرك والمشركين..

اللهم مكن لدينك، اللهم أعل شريعتك، اللهم أعز كتابك..

اللهم افتح لعبادك المؤمنين فتحًا مبينًا.. اللهم انصرهم نصرًا مؤزرًا.. اللهم انصرهم في أفغانستان، الله انصرهم في العراق، اللهم انصرهم في فلسطين.. اللهم ارحم حالهم، اللهم ارحم ضعفهم، اللهم ارحم فقرهم.. اللهم يا ذا الجلال والإكرام اللهم دافع عنهم، يا من يدافع عن المؤمنين، اللهم أنت وليهم وأنت مولاهم وأنت من يتولى الصالحين.

اللهم فرج عن إخواننا المأسورين في مشارق الأرض ومغاربها.. اللهم فك أسرهم وعجل بخلاصهم، اللهم نجهم يا رب العالمين.. اللهم أخرجهم من ضيقهم، اللهم أخرجهم من كربهم.. اللهم املأ قلوبهم نورًا وإيمانًا... اللهم أشعرهم بمعيتك وأشعرهم بقربك.. اللهم أرهم من تسديدك وتأييدك لهم ما ينسيهم ما هم فيه من الهم يا رب العالمين.

اللهم تول عبادك المؤمنين إنك سميعٌ قريبٌ مجيب.

وصلِّ اللهم على خير خلقك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين..

❖ ❖ ❖

📚
نهاية هذا المبحث

لقد أتممت قراءة كتاب: خطبة عيد الفطر «1426»

يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.

تحميل الكتاب مفردًا