حرمة الأعراض

والذي حرَّم الدماء والأموال قد حرَّم الأعراض أيضًا كما قال النبي ﷺ في أعظم جمعٍ وأجل مشهدٍ: (إن دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم، بينكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ليبلغ الشاهد الغائب) متفق عليه٣٬٧٥٧[تقدم في: (ص 247)].، فهذا كله فوق أنه انتهاكٌ لحرمات المسلمينَ وتعرُّضٌ لسخط العزيز العليم، فإنه أيضًا من أعظم غش الأمير لأتباعه، حيث أطلق ألسنتهم وأيديهم وسياطهم على عباد الله ولم يكفَّهم أو يزجرهم بل هو إما ساكتٌ راضٍ بما يفعلون أو آمرٌ مؤيدٌ لما يقترفون فيحمل بذلك أوزاره وأوزارهم فيكون فيه شبهٌ ممن قال الله فيهم: ﴿ٱتَّبِعُواْ سَبِيلَنَا وَلۡنَحۡمِلۡ خَطَٰيَٰكُمۡ وَمَا هُم بِحَٰمِلِينَ مِنۡ خَطَٰيَٰهُم مِّن شَيۡءٍۖ إِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ﴾ [العنكبوت: 12]، وعن معقل بن يسارٍ رضي الله عنه قال: قال النبي ﷺ: (مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللهُ رَعِيَّةً، يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ، إِلَّا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ)٣٬٧٥٨رواه البخاري [٧١٥٠] ومسلم [(١٤٢)، واللفظ له]، وعند مسلمٍ [بذات الرقم]: (مَا مِنْ أَمِيرٍ يَلِي أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ لَا يَجْهَدُ لَهُمْ وَيَنْصَحُ، إِلَّا لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُمُ الْجَنَّةَ)..

ص 3053

فاعمل لنجاةِ نفسك، واسلك طريق السلامة، ولا تكن جسرًا يعبر عليه أتباعك إلى النار، وصُنْ دينكَ بالتجرد للحق، ولا تُسخط ربكَ بإرضاء الخلق لا سيما الهَمَل الرعاع الذين لا يعرفون من دين الله شيئًا، وإنما هي خيالاتٌ وظنونٌ وأهواء وإعجابٌ بالآراء يحسبونها شيئًا حتى إذا جاءوها لم يجدوها شيئًا ووجدوا الله عندها فوفاهم حسابهم، فإنَّ شرَّ الناس من رضي بصحبة الناس على معصية الله، وتوادَّ معهم على ذلكَ فأرضاهم وأرضوه وأفرحهم وأفرحوه وهم مُسخِطون لربهم ممقوتون من خالقهم، وما حال هؤلاء إلا كحال قوم إبراهيم ﷺ الذين قال لهم: ﴿وَقَالَ إِنَّمَا ٱتَّخَذۡتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ أَوۡثَٰنٗا مَّوَدَّةَ بَيۡنِكُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ ثُمَّ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يَكۡفُرُ بَعۡضُكُم بِبَعۡضٖ وَيَلۡعَنُ بَعۡضُكُم بَعۡضٗا وَمَأۡوَىٰكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّٰصِرِينَ﴾ [العنكبوت: 25]، ولئن سَعِدوا في الدنيا ببعضهم واستأنسوا باجتماعهم وركنوا إلى تآلفهم -وهو على معصية الله- فسيقال لهم يوم القيامة: ﴿وَلَن يَنفَعَكُمُ ٱلۡيَوۡمَ إِذ ظَّلَمۡتُمۡ أَنَّكُمۡ فِي ٱلۡعَذَابِ مُشۡتَرِكُونَ﴾ [الزخرف: 39].

فاحذر -أخي المكرم- أن تجمع من حولك على مساخط الله، وترضى منهم بالطاعة لك على حسابِ معصيتهم لربهم، وتفرحهم وتغضب ربك بهم.