باب فضل الصدع بكلمة الحق وطلب الشهادة ونيلها بغير قتالٍ

الحديث الرابع والثلاثون: عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: (سَيِّد الشُّهَدَاءِ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الـمُطَّلِبِ، وَرَجُلٌ قَامَ إلَى إمَامٍ جائرٍ فَأَمَرَهُ وَنَهَاهُ فَقَتَلَهُ)١٬٩٢٣رواه الحاكم [٤٨٨٤] وصحح إسناده، وتعقبه الذهبي بقوله: «الصفار لا يُدرى من هو». والخطيب في «تاريخ بغداد 3/155» والطبراني في الأوسط [٤٠٧٩] عن ابن عباسٍ، وحسَّنه الشيخ الألباني [في صحيح الترغيب والترهيب: (2308)]، وقال الهيثمي في المجمع [(7/266)، ح: (١٢١٣٠)]: «رواه الطبراني في الأوسط وفيه شخص ضعيف في الحديث»..

بعض فوائد الحديث:

الأولى: علوُّ منزلة أسد الله وأسد رسوله حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه.

الثانية: علوُّ مرتبة شهادة الجاهر بكلمة الحقِّ وأنه سيدٌ من سادات الشهداء.

الثالثة: فضل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأنه بابٌ من أبواب طلب الشهادة، قال الجصاص: «وعلى ذلك ينبغي أن يكون حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: أنه متى رجا نفعًا في الدين فبذل نفسَه فيه حتى قُتِلَ كان في أعلى درجات الشهداء»١٬٩٢٤[أحكام القرآن: (1/319)]..

الرابعة: أن الشهادة يمكن تحصيل أعلى درجاتها بغير مقاتلة، والفضل لله يؤتيه من يشاء.

الخامسة: جواز الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإن كان فيه إتلاف النفس وتحقُّقُ القتلِ وليس ذلك من إلقاء النفس إلى التهلكة.

السادسة: تحريض النبي ﷺ أمته على كفِّ ظلم الظالمين، وأمرهم بالتزام الحقِّ، وعدم الركون والتملُّق إليهم.

السابعة: أن الشهادة في سبيل الله من أعظم المقاصد التي ينبغي الحرص عليها، فلم يذكر النبي ﷺ لهذا الآمر مكسبًا سواها وأنعم بها وأكرم!

ص 1132

الثامنة: قوة اليقين بالمآل يخفِّف الرهبة في الحال، فنَطَقَ الآمرُ الناهي بالحقِّ جهارًا لما استيقن حُسن عاقبته وطيب منقلبه.

التاسعة: ليس وصفُ الشهيد خاصًا بمن يقتله الكفَّارُ في الحرب، فربَّ مقتولٍ ظلـمًا يعدُّ شهيدًا وإن كان قاتله مسلـمًا.

العاشرة: أن الأخذ بالعزائم للقادر عليها أولى من الترخُّص وإن كان جائزًا، ولهذا قال ابن حجر: «قال ابن بطال: أجمعوا على أن من أكره على الكفر واختار القتل؛ أنه أعظم أجرًا عند الله ممن اختار الرخصة»١٬٩٢٥[فتح الباري: (12/317)]..

متفرِّقات:

أولًا: قال المناوي: «حمزة سيد شهداء الدنيا والآخرة، والرجل المذكور سيد الشهداء في الآخرة لمخاطرته بأنفس ما عنده وهي نفسه في ذات الله تعالى»١٬٩٢٦[فيض القدير: (4/121)]..

وقال الملا علي القاري: ««سيد الشهداء» أي بعد الأنبياء أو سيد شهداء أحد «يوم القيامة» أي ظهور سيادته في شهادته وسعادته يوم يقوم الناس لرب العالمين»١٬٩٢٧[شرح مسند أبي حنيفة: (ص 184)]..

ثانيًا: قال ابن الأخوة بعد قصة ذكرها: «فهذه كانت سيرة العلماء، وعاداتهم في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وقلة مبالاتهم بسطوة الملوك لكنهم اتكلوا على فضل الله أن يحرسهم، ورضوا بحكم الله أن يرزقهم الشهادة فلما أخلصوا لله النية أثر كلامهم في القلوب القاسية فلينها، وأزال قساوتها، وأمالها للخير، وأما الآن فقد استولى عليهم حب الدنيا، ومن استولى عليه حب الدنيا لم يقدر على الحسبة على الأراذل فكيف على الملوك والأكابر»١٬٩٢٨معالم القربة: (21)..

ص 1133

ثالثًا: سئل النبي ﷺ أي الجهاد أفضل؟ فأجاب: (كلمة حقٍّ عند سلطان جائر)١٬٩٢٩الحديث رواه أحمد [١٨٨٣٠]، والترمذي [٢١٧٤]، والنسائي [٤٢٠٩]، والضياء [في الأحاديث المختارة: (8/116)] وصحح إسناده [نقلا عن الدارقطني]..

[البحر: الرجز]

[البحر: الرجز]

مُحِبُّ آلِ الْمُصْطَفَى وَمَنْ نَطَقْ

عِنْدَ إِمَامٍ جَائِرٍ يَقُولُ حَقْ١٬٩٣٠[فيض القدير: (4/179)].

رابعًا: قال الخطابي رحمه الله: «وإنما صار ذلك أفضل الجهاد؛ لأن من جاهد العدو كان مترددًا بين الرجاء والخوف لا يدري هل يَغلِب أو يُغلَب، وصاحب السلطان مقهور في يده، فهو إذا قال الحق وأمره بالمعروف فقد تعرض للتلف، وأهدف نفسه للهلاك، فصار ذلك أفضل أنواع الجهاد من أجل غلبة الخوف»١٬٩٣١[معالم السنن: (4/350)]..

وقال المظهر: «وإنما كان أفضل لأن ظلم السلطان يسري في جميع من تحت سياسته وهو جم غفير، فإذا نهاه عن الظلم فقد أوصل النفع إلى خلق كثير بخلاف قتل كافر. انتهى»١٬٩٣٢[تحفة الأحوذي: (6/330)]..

❖ ❖ ❖

ص 1134