شفاعة في المهاجرين (3762)

وقد كان من أشد الباعث لي على هذه الرسالة -والتي سأتبعها برسائل نصح أخرى إن شاء الله- هو ما بلغني من اعتقال عدد من الإخوة الطاجيك الذين هم في جماعتكم بعدما قضى بعضهم أعمارهم داخل الجماعةِ وربما كان أقدمَ حتى ممن اعتقلوه، وأنا لن أخوض في تفاصيل أسباب ودواعي مسكهم وسجنهم، فإن الكلام لا نهاية له لا سيما في هذه الساحات التي هي محل القيل والقال، إذ ليست الحجة هي التي تقنعون بها الآخرين، وإنما الحجة النافعة هي التي تلاقون بها ربكم عالم الغيب والشهادة الذي حرَّم الظلم على نفسه وجعله بين عباده محرمًا، فأعدوا لذلك اليوم جوابًا لا يغني فيه الفصاحة، ولا البلاغة، ولا يُحتَاجُ إلى «مؤسسات إعلامية»، ولا أوراق تطبع وتوزّع في الأسواق، ولا «جهاز مخابرات» ولا غير ذلك، بل لا ينجي إلا الصدق والصدق وحده، وما الصدق إلا ما يعلمه الله من عبده مما يطابق حاله ظاهرًا وباطنًا: ﴿قَالَ ٱللَّهُ هَٰذَا يَوۡمُ يَنفَعُ ٱلصَّٰدِقِينَ صِدۡقُهُمۡۚ﴾ [المائدة: 119].

فيا أيها الأخ المكرَّم: إني لأرجو منكم رجاءً خاصًا -ونحن في هذه الظروف الحرجة الضيقة- وأتقدم إليكم شافعًا في أناسٍ -والله- لا أعرفهم ولا يجمعني بهم إلا رابطة أخوة الإيمان، طالبًا منكم أن تفرجوا عنهم وعن سائر من عندكم من المجاهدين وتوسِّعوا لهم صدوركم وتليّنوا معهم جانبكم وتطيِّبوا نفوسهم وتُحسِنوا إكرامهم، وأن تعفو عنهم -حتى وإن كانوا مخطئين- فإن الخطأ في العفو خير من الخطأ في العقوبة، فما أجمل العفو بعد المقدرة، وما أقبح التسلط على الضعفاء.

ص 3056

ولتعلم -أخي المكرم- أن هؤلاء لم يهاجروا من ديارهم ويُنقذوا أنفسهم من ظلم الطغاةِ وسجونهم وتجبرهم ليكونوا تحت ظلم إخوانهم وكبتهم وتعذيبهم، وكما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا»٣٬٧٦٣[أورده ابن عبد الحكم في فتوح مصر والمغرب: (ص 195)].، وأنتم قد جرَّبتم السجون والاعتقالات والمطاردات داخل جماعتكم ومن أمدٍ بعيدٍ، فهل رأيتموها تمنع من أراد الخروج عن الحركة أو تردع من عزم على الفرار منكم إلى أي جهةٍ يريد، وهل ذلك إلا تحميل لأنفسكم ذنوبًا أنتم أغنى ما تكونون عنها، وما عليكم أن يجاهد هؤلاء في هذا الموطن أو ذاك بل ما يضركم أن يتركوا الجهاد كليةً ويشتغلوا بدنياهم وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَن جَٰهَدَ فَإِنَّمَا يُجَٰهِدُ لِنَفۡسِهِۦٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ [العنكبوت: 6].

يا أيها القارئ المكرم: ما ضرَّك لو صفحتَ عن هؤلاء وتجاوزت، فهل يزيدك ذلك إلا كرمًا ونبلًا وشهامةً، وأيُّ معرّةٍ ستلحقك أو تلحق جماعتك لو مننتَ وأخليتَ وسرَّحت؟! وهل ترى ذلك سيحول بينكم وبين جهادكم؟!

وقد قال الله تعالى: ﴿مَّن يَشۡفَعۡ شَفَٰعَةً حَسَنَةٗ يَكُن لَّهُۥ نَصِيبٞ مِّنۡهَاۖ﴾ [النساء: 85]، وقال النبي ﷺ: (اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء)٣٬٧٦٤متفق عليه [وسبق في: (ص 1277)]..

ص 3057

وها أنا ذا أتقدم إليكم بالشفاعة في حق هؤلاء المجاهدين المرابطين المهاجرين؛ أن تطلقوا سراحهم وتخلوا سبيلهم، وتُكرموهم وتُعزِّروهم وتوقِّروهم، فمهما فعلوا -ولا أعرف ما فعلوا- فلن يكونوا شرًا من كفَّار قريش الذين مكروا برسول الله ﷺ وحاولوا قتله مرات ومرات، وأخرجوه من داره وأهله وأحب البقاع إليه، وقاتلوه وقتلوا خيار أصحابه، ثم لما مكَّنه الله منهم وصارت رقابهم في يده وتحت تصرُّفه، قال لهم بكل يسرٍ وخُلُقٍ وشهامةٍ: (اذهبوا فأنتم الطلقاء)٣٬٧٦٥[أورده أبو يوسف في الرد على سير الأوزاعي: (ص ١٠٨)، والشافعي في الأم: (7/٣٨٢) وغيرهما، وضعفه الألباني في الضعيفة: (١١٦٣)]..

فهذا هو خلق نبيكم ﷺ الذي تهتدون بهديه حتى مع الكفَّار فما بالكم في مسلمين مهاجرين مجاهدين، ولتحذروا أن تُخربوا عليهم دنياهم فيخربوا عليكم آخرتكم، فوالله ما خرج أحدٌ مهاجرًا إلى الله لينقذَ نفسه من ذل العبودية للطغاة المتجبرين الظالمين ويقع في هوان العبودية للأمراء حتى ولو كانوا مجاهدين، بل ينبغي أن يكون المجاهد أعز الناس، وأكرم الناس، وأفضل الناس، وهذا ما نرجوه منكم في حق هؤلاء الإخوة.