🎬المواد الصوتية والمرئية المصاحبة

نزال لا تنازل في رثاء فاروق العراقي

نزال لا تنازل في رثاء فاروق العراقي

نزال لا تنازل.. في رثاء «فاروق العراقي»

[شوال 1427 هـ / 11 – 2006م]

۞

 الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، ثم أما بعد...

فقد قال الله ﷻ: ﴿وَلَا تَقُولُواْ لِمَن يُقۡتَلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمۡوَٰتُۢۚ بَلۡ أَحۡيَآءٞ وَلَٰكِن لَّا تَشۡعُرُونَ﴾ [البقرة: 154].

فأتقدم بالعزاء لنفسي ولإخواني المجاهدين وللأمة الإسلامية جميعًا في فقد بطلٍ من أبطال الإسلام وترجل فارسٍ من فرسان الجهاد؛ إنه «فاروق العراقي» الذي عرفته ساحات الجهاد وهو يصول ويجول ويتنقل بينها؛ يبتغي نصرة دين الله ﷻ ويسعى لإعزاز كلمته ويكِد ويجِد لنصرة المستضعفين المضطهدين من أبناء المسلمين شرقًا وغربًا، فقد عرفته البوسنة والهرسك عندما اجتاحها الجيش الصربي الملحِد؛ فهبَّ مع إخوانه المجاهدين هناك، فقاتل ونازل وصبر حتى انقضى الأمر وانتهى إلى ما انتهى إليه.

ص 2174

فلم يرض لنفسه أن يرجع إلى الدنيا يتقلب في ملذاتها، بل بحث عن ساحات للجهاد أخرى؛ لأن نفسه قد تشرّبت حب هذه العِبادة، وكذلك هو الجهاد فمن ذاق طعم الجهاد لا يمكن أن يتركه ما دام مُخلصًا لله ﷻ، ما دام عارفًا لقدر هذه العبادة ولمكانتها، وما دام عارفًا عالِمًا بفضل المجاهدين والمنزلة التي بوأهم الله ﷻ إياها؛ فانتقل إلى الفلبين إلى تلك الأدغال والغابات، فقضى فيها أشهرًا مع إخوانه المجاهدين في فقرهم وضعفهم وتنقلاتهم.

ثم بعد ذلك انتقل إلى إندونيسيا ولم يذهب سائحًا يبحث عن ملذات الدنيا، وإنما ذهب مناصرًا للمسلمين المشردين المضطهدين الذين كانت تمزقهم سكاكين الحقد النصراني في «جزر الملوك»، فقام بتدريب إخوانه هناك على شتى أنواع الأسلحة التي اكتسب خبرتها من ساحات الجهاد، حتى وقع أسيرًا في أيدي النصارى في هذه الحملة الصليبية العاتية التي أكلت الأخضر واليابس؛ فقضى في سجونهم ثلاث سنوات.

ثم بعد ذلك منَّ الله ﷻ عليه بكرامة النجاة من سجن «باجرام» إلا أنه لم يرض أن يرجع إلى الدنيا، ولم تمل نفسه إلى ملذاتها وزهرتها، بل بحث عن ساحات الجهاد، هذه العِبادة التي أحبها وعشقها؛ فانتقل إلى العراق وهناك كتب الله له ﷻ ما كان يرجو، وكتب له الله ﷻ ما يتمناه كل مسلم مجاهد؛ إنها الشهادة في سبيل الله.

فاروق العراقي: ذلك الرجل الذي كان نحيفًا في جسمه، ضعيفًا في قوته؛ إلا أنه كان ثقيلًا في إيمانه، قويًا في عزيمته، صارمًا في همته، ولهذا فلم يستطع أعداء الله ﷻ أن يتجرؤوا على الاقتراب من البيت الذي يسكن فيه، إلا بجيشٍ كامل قد تدرب على أحدث أنواع الأسلحة، ذلك الجيش النصراني البريطاني، وأبى هذا الرجل المجاهد أن يستسلم بعد أن ذاق مرارة الأسر والقهر ثلاث سنوات؛ فقاتل حتى قُتِل، نسأل الله ﷻ أن يرفع درجته وأن يُسكنه الفردوس الأعلى.

ومن هنا فإنني أقول لإخواني المجاهدين: إنَّ مقتل أمثال هؤلاء الأبطال وإن كان يؤثِّر على نفوسنا، وإن كان يُدخِل الحزن في قلوبنا، فهم أحبتنا وإخواننا ورفاق دربنا، إلا أنه لا يفت في عضدنا، ولا يمكن أن يكون سببًا في التراجع أو ترك ساحات الجهاد، فإن هذه العبادة والله لا تحيا إلا بدماء أمثال هؤلاء الذين قدموا نفوسهم ودماءهم ومُهجهم وأعمارهم كلها فِداء لدين الله ﷻ.

ص 2175

ففاروق العراقي قد سبقه أبطالٌ وأبطال في تاريخ الإسلام قُتِلوا على أيدي الكفرة والمجرمين، إلا أن شعلة الإسلام لم تنطفئ وجذوة الجهاد لم تخبت، وإنما استمرت وازدادت وقويت وترعرعت شجرتها بدمائهم ونجيعهم.

فنقول لإخواننا المجاهدين: إياكم واليأس، إياكم والقنوط.. اثبتوا ورابطوا واعلموا أن الله ﷻ معكم، وأن الله مع الصابرين ومع المؤمنين ومع المحسنين.

واعلموا أيها الإخوة المجاهدون أن بشائِر النصر قد بدأت تظهر شرقًا وغربًا في أفغانستان وفي العراق، وهناك في ذرى الشيشان وفي فلسطين، واعلموا أن هذا العدو الكافر الذي ملأ الأرض بفساده وطغيانه وكِبره، قد بدأت شوكته تنكسر وقوته تذهب وريحه تتبدد؛ فانظروا ما يلاقونه في أفغانستان، ووالله إن ما تسمعونه وما يُخرجونه بين الحين والحين لا يساوي عشر معشار ما يلاقونه في الحقيقة؛ فهم في خوفٍ ورعبٍ وتشتت وتشرد لا يجدون لأنفسهم إلا ملاجئهم التي أعدوها لا للقتال والنزال، وإنما للحفاظ على أنفسهم في ثكناتهم العسكرية.

فها هي حركة طالبان بقيادة أمير المؤمنين الملا محمد عمر حفظه الله الذي يقود المعارك بنفسه -إني أقول: والله إنه ليقود المعارك بنفسه-؛ ها هي حركة طالبان قد بدأت ترجع إلى الساحة بقوة يعترف بذلك أعداؤها قبل أصحابها.

فيا أيها الإخوة المجاهدون في أفغانستان: اصبروا وقووا عزائمكم وشدوا على أعدائكم واعلموا أن الله ﷻ معكم وأن النصر قاب قوسين أو أدنى، ثم ترجع إليكم دولتكم خيرًا وأقوى وأوسع مما كانت.

ص 2176

وأنتم يا إخواني المجاهدين في العراق: عليكم بالصبر والمصابرة، وعليكم بوحدة الكلمة فاعلموا أن سنن الله ﷻ لا تُحابي أحدًا، واعلموا أن النصر مع الاتفاق والوحدة ومع التآلف والإخاء، واعلموا أن الهزيمة والانكسار مع التنازع والاختلاف والتفرق؛ كما قال الله ﷻ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا لَقِيتُمۡ فِئَةٗ فَٱثۡبُتُواْ وَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيرٗا لَّعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ٤٥ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَنَٰزَعُواْ فَتَفۡشَلُواْ وَتَذۡهَبَ رِيحُكُمۡۖ وَٱصۡبِرُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ﴾ [الأنفال: 45-46]؛ فاجمعوا كلمتكم ووحدوا صفوفكم وقووا عزائمكم وشدوا على أعدائكم.

يا إخواني المجاهدين في العراق: إنكم كنتم سببًا في إحياء هذه الأمة بعد رقادها، وفي إيقاظها بعد سُباتها، فإياكم أن تُضَيعوا ثمرة هذا الجهاد الذي قدم فيه المسلمون كل ما يملكون من تضحيات بدمائهم وأموالهم وعرقهم وجُهدهم ودعائهم؛ فإن جهاد العراق وكل جهاد هو أمانة في أعناق القائمين عليه سيسألون عنه بين يدي الله ﷻ، وأنتم أهلٌ كما نظن ونحسب لأن تكونوا قادة لهذه الأمة، ولأن تتنازلوا عن سفاسف الأمور ورذائلها؛ فالله ﷻ قد أعلاكم إلى قمة العبادة وهي الجهاد في سبيل الله، فما كان لكم أن تتنازلوا إلى حضيض دعاوى النفوس وأهوائها.

يا أيها الإخوة، يا أيها المجاهدون: إن الله ﷻ يُظهر لكم كرامات نصره، فبعد الضيق سعة، وبعد العسر يسر، وبعد الشدة رخاء، فها هو عدوكم الأول الذي ملأ الأرض بتبجحه وبطره وكبره؛ يقر بكل ذلة بأن دخوله إلى العراق كان قرارًا خاطئًا.

ونحن نقول له: كيف اكتشفت ومتى علمت أن دخولك للعراق كان قرارًا خاطئًا؟

أبعد أن كلَّت طائراتكم وملَّت من نقل آلاف التوابيت من الجثث العفنة التي قُتِلت على أيدي الصابرين المخلصين هناك؟

أبعد أن أنفقتم المليارات إلا أنكم وجدتم أن كل تلك الأموال تذهب إلى لا شيء؟

أبعد أن اكتشفتم أن أمة الإسلام هي أمة العقيدة وأمة التضحية وأمة القوة هي الأمة التي لا تتنازل عن مبادئها أبدًا، ولا ترضى بأن تُسلِم قيادها لغيرها؟

ونحن نقول لك: اعلم أنك ستكتشف أن دخولك لأفغانستان كان قرارًا خاطئًا أيضًا، واعلم أنكم ستكتشفون أن مساندتكم لدولة إسرائيل كان قرارًا خاطئًا أيضًا، واعلم أنكم ستعلمون عِلم اليقين أن دخولكم لجزيرة العرب مهد الرسالة ومهبط الوحي كان قرارًا خاطئًا، ولا زلتم تعترفون وتُقِرون بأن هذه الأمة أمة ثبات وأمة تضحية وأمة قوة لا تُقهر أمام أعدائها مهما كانت قوتهم، ومهما بلغ جبروتهم وطغيانهم، فالتاريخ ينبئكم بأحداثنا وبأحوالنا وبمعاركنا.

ثم إنني في الختام أوجه كلمة إلى علماء الأمة، إلى حَمَلة إرث النبوة، إلى الذين اختارهم الله لأن يكونوا ورثة لنبيه ، فنقول لكم يا علماءنا الأكارم يا علماءنا الأجلاء: قد وجه إليكم أخونا الشيخ المجاهد أبو حمزة المهاجر كلمة تُذيب الصخر والله، يستجديكم فيها ويحثكم فيها ويعرِّفكم بأحوال المجاهدين وحاجة ساحات الجهاد لأمثالكم، فإننا نقول لكم يا علماءنا الأجلاء: إن ساحات الجهاد تنتظركم، وإن الفرصة لن تفوتكم ولم تفتكم بعد؛ فهبوا إليها وانفروا إليها، وكونوا في طليعة الركب وفي أول القافلة فأنتم قادة الأمة وأنتم أمراؤها وأنتم أولياؤها.

يا علماء الأمة؛ ما الذي زهَّدكم في هذه العِبادة الجليلة؟ ما الذي أقعدكم عن أداء هذه الفريضة الكبيرة التي قال النبي ﷺ فيها: (والذي نفسي بيده لولا أن أشق على أمتي ما تخلفت عن سرية تغزو في سبيل الله)٣٬٠٥٥[صحيح مسلم: (١٨٧٦)].؟

يا علماء الإسلام؛ أَأَقعدكم عن هذه الفريضة حُب الدنيا؟ وإنا ننزهكم ونبرئكم عن ذلك؛ فلطالما سمعنا منكم تفسيرات لقول الله ﷻ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَا لَكُمۡ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱثَّاقَلۡتُمۡ إِلَى ٱلۡأَرۡضِۚ أَرَضِيتُم بِٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا مِنَ ٱلۡأٓخِرَةِۚ فَمَا مَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا فِي ٱلۡأٓخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [التوبة: 38].

ص 2177

يا علماء الإسلام؛ ما الذي أخركم عن ركب المجاهدين؟ أهو خوف الموت والقتل فلطالما سمعنا منكم تلاوة وتفسيرًا لقول الله ﷻ: ﴿أَيۡنَمَا تَكُونُواْ يُدۡرِككُّمُ ٱلۡمَوۡتُ وَلَوۡ كُنتُمۡ فِي بُرُوجٖ مُّشَيَّدَةٖۗ﴾ [النساء: 78]، ولطالما تعلمنا منكم أن المرء إذا حان أجله فلن يتعداه، وأن الله ﷻ قال: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفۡسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِ﴾ [آل عمران: 145].

يا علماء الإسلام؛ ما الذي أخركم عن ساحات الجهاد؟ أهو الخوف من شدة العدو وتنكيله وقوته؛ فلطالما سمعنا منكم تلاوة وتفسيرًا لقول الله ﷻ: ﴿ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدۡ جَمَعُواْ لَكُمۡ فَٱخۡشَوۡهُمۡ فَزَادَهُمۡ إِيمَٰنٗا وَقَالُواْ حَسۡبُنَا ٱللَّهُ وَنِعۡمَ ٱلۡوَكِيلُ﴾ [آل عمران: 173]، ولطالما سمعنا منكم تلاوة وتفسيرًا وبيانًا لقول الله ﷻ: ﴿إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ يُخَوِّفُ أَوۡلِيَآءَهُۥ فَلَا تَخَافُوهُمۡ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ﴾ [آل عمران: 175].

يا علماء الإسلام؛ إن أمتكم تتقلب في جِراحاتها، إن أمتكم تتقلب في جحيمٍ من المآسي والضيق والضنك الذي ساقه إليها أعداؤها، فها هي أمتكم في أفغانستان وفي العراق وفي الشيشان وفي فلسطين وفي كشمير، بل وفي البلاد العربية كلها قد مُلئت سجونها بِخيار أولياء الله ﷻ، وها هم الزنادقة المرتدون يتبجحون في كل وادٍ ونادٍ بأن الغلبة لهم، وها هم أعداؤها المرتدون الذين تمكنوا منها يمنعون عِباد الله ﷻ من مساجد الله جهارًا نهارًا، ولا يأذنون لهم بدخولها إلا ببطاقات تصريح، وكأنها ليست بيوتًا لله ﷻ، وكأنها بيوت ضيافة لهم!

فيا علماء الإسلام؛ من يصدع بكلمة الحق؟ من يقف في وجه هؤلاء المجرمين؟ من يعريهم من طغيانهم ومما يتلبسون به من الكفر والزندقة والمرُوق والحرب لدين الله ﷻ؟

يا علماء الإسلام؛ إن تأخرتم أنتم.. فمن يَتَقَدم؟ يا علماء الإسلام؛ إن تهاونتم أنتم.. فمن يُقدِم؟

يا علماء الإسلام؛ إنَّ المعركة تنتظركم وإن ساحات الجهاد والإعداد والقوة تنتظركم وتترقبكم، فوالله لن تجدوا فيها إلا كل توقيرٍ وعز وفخرٍ من أبنائكم المجاهدين البارين لكم، ولن تجدوا فيها إلا رِفعةً في الدين ولذة في الإيمان وقوة في اليقين وغلبة وقهرًا وشِفاء لصدور قومٍ مؤمنين.

هذا وأسأل الله ﷻ أن يقوي قلوبنا وقلوبكم، وأن يثبِّتنا وإياكم على الحق حتى نلقاه.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

❖ ❖ ❖

📚
نهاية هذا المبحث

لقد أتممت قراءة كتاب:

يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.

تحميل الكتاب مفردًا