سفك الدماء المحرمة (3759)
وإنني لن أتحدث هنا عن قضايا معينةٍ وحوادث اقترفتها جماعتكم، فرُبَّ أمورٍ صار أصحابها اليوم بين يدي رب العالمين سواء فيها القاتل أو المقتول، وعنده -سبحانه- تجتمع الخصوم، ولكنَّ الأمر الذي لا شكَّ فيه أن جماعتكم لديها إسرافٌ في الدماء، وتهاونٌ في سفكها، وتجرؤٌ عليها، فلئن وقع ذلك أثناء إمارة.. رحمه الله وقد أفضى إلى ما قدَّم، فإنَّك اليوم في موطنٍ خطِرٍ عظيمٍ.
ولا شقاءَ أعظم وأطم من إسخاط العبد لربِّه بانتهاك محارمه، وتجاوز حدوده، كما قال ﷻ: ﴿وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ﴾ [البقرة: 229]، ولا حرمةَ في هذه الدنيا بعد توحيد الله تعالى -على الإطلاق- أجل وأغلظ وأوثق من دم المسلم الذي نزل في حق سافكه عمدًا بغير حقٍ من الوعيد ما لم ينزل في غيره كما قال ﷻ: ﴿وَمَن يَقۡتُلۡ مُؤۡمِنٗا مُّتَعَمِّدٗا فَجَزَآؤُهُۥ جَهَنَّمُ خَٰلِدٗا فِيهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ وَلَعَنَهُۥ وَأَعَدَّ لَهُۥ عَذَابًا عَظِيمٗا﴾ [النساء: 93]، حتى اختلف العلماء: هل لقاتل المؤمن عمدًا توبةٌ أم لا؟!، هذا الدم الحرام الذي أخبرنا النبي ﷺ أن زوال الدنيا بأسرها أهون عند الله من سفك دمٍ مسلمٍ بغير حقٍّ، أفرأيت! لزوال الدنيا بما فيها، وليس فقط زوال جماعةٍ من الجماعات، ولا تنظيم من التنظيمات، ولا إمارة من الإمارات، مهما انتشر صيتها وذاع اسمها وكثرت أعدادها وظهرت أعمالها وتزيَّنَ إعلامها.
وقال النبي ﷺ: (لَوْ أَنَّ أَهْلَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ اشْتَرَكُوا فِي دَمِ مُؤْمِنٍ لَأَكَبَّهُمُ اللَّهُ فِي النَّارِ)٣٬٧٦٠رواه الترمذي [(١٣٩٨)، وصححه الألباني].؛ فتأمل هذا الحديث العظيم الذي تقشعر منه جلود أهل الإيمان؛ فلو تواطأ أهل السماء من الملائكة وأهل الأرض جميعًا على سفك دم مسلمٍ واحدٍ -قد يكون ضعيفًا فقيرًا جاهلًا يُأبَه بهِ- لأكبهم الله في النار.. فلن يشفع لسافكي دماء المسلمين بغير حقٍّ، أو بالظنون والأوهام، أو بالجهالات والأهواء؛ لن يشفع لهم أن يكونوا مجاهدين مرابطين مهاجرين، ولن ينفعهم جهادهم حينئذٍ يوم يقفون بين يدي الله تعالى ويسألهم: لِمَ قتلتم فلانًا المسلم؟!
وليُعِدَّ كلُّ من تورط في هذه البلية لنفسه جوابًا، فإن لم يجد فهو لم يزل في دار الدنيا فليبادر إلى التوبة ولا يخادع نفسه بالأماني ولا يتكل على الظنون التي لن تنفعه عند علَّام الغيوب، ﴿يَوۡمَ لَا يَنفَعُ مَالٞ وَلَا بَنُونَ ٨٨ إِلَّا مَنۡ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلۡبٖ سَلِيمٖ﴾ [الشعراء: 88-89].
فوالله ثم والله، لو أن المرء عاش تاركًا للجهادِ بعيدًا عن ساحاته، مشتغلًا بخاصةِ نفسه، مغمورًا بين الناس لا يعبأ به، لكان ذلك خيرًا له من أن يكون تحت مظلة «المجاهدين» ثم يوقِع نفسه في هذه الورطة وهي سفك الدماء المحرمة، كما قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: «إن من ورطات الأمور، التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها، سفك الدم الحرام بغير حله»٣٬٧٦١رواه البخاري [وتقدم في: (ص 176)]..