حكم قول المسلم لأخيه المسلم: يا كافر
۞
السؤال: إذا قال المسلم لأخيه المسلم؛ يا كافر، بغير تأويل فهل يكفر القائل أم لا؟ أجيبونا جزاكم الله خيرًا؟
الجواب: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد...
إطلاق الكفر على من ثبت له عقد الإسلام من غير حجة بيّنة أو تأويل مُعتبر؛ يعد خطرًا عظيمًا على قائله وإثمًا جسيمًا في حقه، وجرأة قبيحة في الدين، إذ هو من أشنع الأذية التي تلحق بالمؤمن، وقائلها محتمل للبهتان والوزر، كما قال الله تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤۡذُونَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ بِغَيۡرِ مَا ٱكۡتَسَبُواْ فَقَدِ ٱحۡتَمَلُواْ بُهۡتَٰنٗا وَإِثۡمٗا مُّبِينٗا﴾ [الأحزاب: 58].
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: (إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما، فإن كان كما قال وإلا رجعت عليه)٣٬٥٠٩رواه مالك [في الموطأ رواية يحيى: (2/984)] والبخاري [٦١٠٣] ومسلم [(60)، واللفظ له] وغيرهم.، وعن أبي ذر رضي الله عنه أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (ومن دعا رجلا بالكفر، أو قال؛ يا عدو الله، وليس كذلك إلا حار عليه)٣٬٥١٠رواه البخاري [في الأدب المفرد: (433)] ومسلم [٦١]..
ومعنى قوله: (حار) بالحاء المهملة والراء، أي رجع، فليحتط المسلم لنفسه ويتورّع في ذلك أشد التورع، ولا يُخاطر بدينه ولا يُقدم على هذا الأمر إلا بعلم، وعدل، وورع، علم يبصره بالحق ويعرِّفه به، وعدل يُجنِّبه الظلم ويعصمه منه، وورع يكبح جماح نفسه ويقطع داعية هواه.
وأما حكم من قال لأخيه المسلم: «يا كافر»، وعن معنى رجوعها على قائلها إن لم يكن الأمر كما قال، فقد اختلف العلماء في مَحْمَلِ ذلك على أقوال:
الأول: أن الحديث محمول على المستحل لتكفير المسلم؛ وعليه فإن المراد من قوله: (رجعت عليه)، وقوله: (حار عليه)، هو رجوع الكفر على القائل نفسه؛ بمعنى أنه يصير كافرًا ما دام مستحلًا تكفيرَ أخيه المسلم، ولا ريب أن استحلال تكفير المسلم يعتبر كفرًا ولكن يبعد أن يكون هذا هو وجه الحديث ومحمله.
وفي هذا يقول الإمام النووي رحمه الله في ذكر أوجه الحديث: «أنه محمول على المستحل لذلك؛ وهذا يكفر، فعلى هذا معنى باء بها؛ أي بكلمة الكفر، وكذا حار عليه، وهو معنى رجعت عليه، أي رجع عليه الكفر، فباء وحار ورجع بمعنى واحد»٣٬٥١١[شرح النووي: (2/50)]..
قال الحافظ ابن حجر معلقًا: «وهذا بعيد من سياق الخبر»٣٬٥١٢[فتح الباري: (10/466)]..
الثاني: أن معصية استنقاصه لأخيه المسلم ووصفه له بالكفر قد استحقها هو -أي القائل- ما دام أخوه ليس كما ادعى فيه؛ فيقرب هذا المعنى من قوله تعالى: ﴿وَمَن يَكۡسِبۡ خَطِيٓـَٔةً أَوۡ إِثۡمٗا ثُمَّ يَرۡمِ بِهِۦ بَرِيٓـٔٗا فَقَدِ ٱحۡتَمَلَ بُهۡتَٰنٗا وَإِثۡمٗا مُّبِينٗا﴾ [النساء: 112].
قال الإمام النووي: «معناه: رجعت عليه نقيصته لأخيه ومعصية تكفيره»٣٬٥١٣[شرح النووي: (2/50)]..
ونقل ابن حجر عن القرطبي قوله: «والحاصل: أن المقول له إن كان كافرًا كفرا شرعيًا فقد صدق القائل، وذهب بها المقول له، وإن لم يكن رجعت للقائل معرة ذلك القول وإثمه»٣٬٥١٤[فتح الباري: (10/466)]..
ولحوق الإثم لمن رمى أخاه المسلم بالكفر من غير تأويل أمرٌ مُسلَّمٌ، وبعض الأحاديث ذات الصلة بالموضوع يُفهم منها شيء من ذلك؛ كقوله ﷺ: (ومن رمى مؤمنًا بكفر فهو كقتله)٣٬٥١٥رواه الشيخان، [البخاري: (٦١٠٥)، ولم أجده عند مسلم بهذا اللفظ]. -وسيأتي-، فهذا إن لم يكن عين المراد فهو بعضه بلا شك، فلو لم يوجد فيه سوى أذية المؤمن لأخيه ونبزه له بأبشع الألقاب وأبغضها إلى الله تعالى لكفى، كما قال ﷻ: ﴿وَلَا تَلۡمِزُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ وَلَا تَنَابَزُواْ بِٱلۡأَلۡقَٰبِۖ بِئۡسَ ٱلِٱسۡمُ ٱلۡفُسُوقُ بَعۡدَ ٱلۡإِيمَٰنِۚ وَمَن لَّمۡ يَتُبۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ﴾ [الحجرات: 11]، قال في «الجلالين»: «﴿وَلَا تَنَابَزُواْ بِٱلۡأَلۡقَٰبِۖ﴾ لا يدعُ بعضكم بعضًا بلقب يكرهه، ومنه يا فاسق، ويا كافر»٣٬٥١٦[تفسير الجلالين: (ص 687)]..
الثالث: أن ذلك محمول على الخوارج الذين يكفرون أهل القبلة بالكبائر، وهذا أقرب إلى أن يكون على مذهب من اختار تكفير الخوارج؛ فيصبح الحديث مختصًا بهم ومقصورًا عليهم لظهور هذه الصفة فيهم ولصوقها بهم، إلا أن في هذا تخصيصًا لحديث بغير مخصص ظاهر، لا سيما وأن ظاهره العموم، وتنوع ألفاظه التي جاء بها يُستبعد معه هذا الحمل، والكلام ليس على كون الخوارج يدخلون في عموم الحديث أم لا، وإنما على اختصاصهم به وأن يكونوا هم المقصودين فحسب.
قال الإمام الزرقاني: «قال أشهب: سئل مالك عن هذا الحديث؟ فقال: أرى ذلك في الحرورية، قيل: أتراهم بذلك كفارًا؟ قال: ما أدري ما هذا»٣٬٥١٧[شرح الزرقاني على الموطأ: (4/635)]..
وقال الإمام النووي: «والثالث؛ أنه محمول على الخوارج المكفرين للمؤمنين، وهذا الوجه نقله القاضي عياض رحمه الله عن الإمام مالك بن أنس وهو ضعيف، لأن المذهب الصحيح المختار الذي قاله الأكثرون والمحققون؛ أن الخوارج لا يَكفُرون كسائر أهل البدع»٣٬٥١٨[شرح النووي على مسلم: (2/50)].، وقد جعل الحافظ ابن حجر لما قاله الإمام مالك وجهًا، إلا أنه بعيد عن معنى الحديث، فليُراجع في «الفتح»٣٬٥١٩[فتح الباري (10/466) قال ابن حجر: «قلت: ولما قاله مالك وجه، وهو أن منهم من يكفر كثيرا من الصحابة ممن شهد له رسول الله ﷺ بالجنة وبالإيمان؛ فيكون تكفيرهم من حيث تكذيبهم للشهادة المذكورة لا من مجرد صدور التكفير منهم بتأويل»]..
الرابع: أن تكفيره لأخيه المسلم سيجره إلى الكفر ويقوده إليه، فإن لم يكفر في الحال فقد يكفر في المآل؛ فكأنه بذلك صار مستحقًا لأن يُستدرج إلى الكفر ويصير إليه عاجلًا أم آجلًا فالمعصية تقود إلى المعصية، لا سيما مع الإصرار والجرأة عليها والتهاون بها.
قال الإمام النووي أيضًا: «والوجه الرابع؛ معناه أن ذلك يؤول به إلى الكفر، وذلك أن المعاصي -كما قالوا- بريد الكفر، ويخاف على المكثر منها أن يكون عاقبة شؤمها المصير إلى الكفر، ويؤيد هذا الوجه ما جاء في رواية لأبي عوانة الإسفراييني في كتابه «المخرج على صحيح مسلم»، (فإن كان كما قال وإلا فقد باء بالكفر)، وفي رواية: (إذا قال لأخيه: يا كافر، وجب الكفر على أحدهما)»٣٬٥٢٠[شرح النووي على مسلم: (2/50)، والحديث الأول رواه أحمد: (٤٧٤5)، وصحح إسناده الأرنؤوط، والثاني رواه أبو عوانة في المستخرج: (١٢٠)، والطبراني في الأوسط: (111)]..
وقال أبو عمرو الشهرزوري: «يتجه فيه معنى آخر مطرد في سائر الأحاديث القاضية بالكفر فيما ليس في نفسه كفرًا، وهو أن ذلك يؤول به إلى الكفر إذا لم يتب توبة ماحية لجرمه ذلك! إذ المعصية إذا فحشت جرت بشؤمها إلى الكفر، ولذلك شواهد، ووصف الشيء بما يؤول إليه سائغ شائع، من ذلك قول الله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٞ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾ [الزمر: 30]، والله أعلم»٣٬٥٢١صيانة صحيح مسلم: (235)..
الخامس: أن تكفيره لأخيه المسلم قد رجع عليه؛ فالراجع عليه هو التكفير لا الكفر، فكأنه حينما وصف أخاه المسلم المعتقد لدين الإسلام بالكفر كان في الحقيقة واصفًا نفسه بذلك؛ لأن دينهما واحد، فكأن قائلًا يقول له: إن تكفيرك لأخيك المسلم بهذا الوجه هو تكفير لنفسك، فأنت أيضًا مثله في ذلك، وما استحقه هو استحققته أنت سواء بسواء، إذ أن دينكما واحد وكلاكما متصف بالإسلام ولا فرق.
قال الإمام النووي: «والوجه الخامس؛ معناه فقد رجع عليه تكفيره فليس الراجع حقيقة الكفر، بل التكفير لكونه جعل أخاه المؤمن كافرًا، فكأنه كفر نفسه، إما لأنه كفر من هو مثله وإما لأنه كفر من لا يكفره إلا كافر يعتقد بطلان دين الاسلام، والله أعلم»٣٬٥٢٢[شرح النووي على مسلم: (2/50)]..
وقال أبو عمرو الشهرزوري: «فأقول -والله أعلم-: إن لم يكن يتحقق كافرًا كما قال رجع عليه تكفيره فليس الراجع إليه هو الكفر بل التكفير، وذلك لأن أخاه إذا كان مؤمنًا وقد جعله هو كافرًا، مع أن المؤمن ليس بكافر إلا عند من هو كافر... فقد لزم من ذلك كونه مكفرًا لنفسه ضرورة، لتكفيره من لا يكفره إلا كافر، ويكون الضمير في قوله؛ (فقد باء بها)، بوصمة التكفير ومعرته، أي أنها لاصقة بأولاهما بها، وهو المقول له إن كان كما قيل وإلا فالقائل»٣٬٥٢٣صيانة صحيح مسلم: (234)..
السادس: أن الأمر على ظاهره، وأن كل من كفَّر مسلـمًا ولم يكن المكفَّر كذلك، وليس له في تكفيره تأويل أو شبهة، فهو كافرٌ.
وهذا ما يُفهم من إطلاق تبويب البخاري على الحديث المذكور، حيث قال: «باب؛ من أكفر أخاه بغير تأويل فهو كما قال»، قال ابن حجر: «قوله: باب من أكفر أخاه بغير تأويل فهو كما قال؛ كذا قيد مطلق الخبر بما إذا صدر ذلك بغير تأويل من قائله»٣٬٥٢٤[فتح الباري: (10/514)].، ولهذا أردف البخاري هذا الباب بقوله في الذي يليه: «باب مَنْ لَمْ يَرَ إِكْفَارَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ مُتَأَوِّلًا أَوْ جَاهِلًا».
قال الإمام الزرقاني: «لأنه إن كان القائل صادقًا في نفس الأمر فالمرميّ كافر، وإن كان كاذبًا فقد جعل الرامي الإيمان كفرًا فقد كفر، كذا حمله البخاري على تحقيق الكفر على أحدهما»٣٬٥٢٥[شرح الزرقاني على الموطأ: (4/635)]..
ونظيره قول ابن حبان رحمه الله: «ذكر البيانِ؛ بأنَّ مَن أكفرَ إنسانًا فهو كافِرٌ لا محالة»٣٬٥٢٦[صحيح ابن حبان: (3/299)]..
ثم ساق الحديث بسنده عن أبي سعيد، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ: (مَا أكْفَرَ رَجُلٌ رَجلًا قَطُّ إلَّا باءَ أَحَدُهُما بها، إنْ كانَ كافِرًا وَإلَّا كَفَرَ بِتَكْفِيرِهِ)٣٬٥٢٧[صحيح ابن حبان: (٢٤٤٣)].، وكذا نُقل عن المتولي من الشافعية.
وقال أبو بكر الحصني الشافعي: «ولو قال لمسلم؛ يا كافر بلا تأويل كَفَر، لأنه سمى الإسلام كُفْرًا، وهذا اللفظ كثير يصدر من التُرك فليتفطن لذلك»٣٬٥٢٨كفاية الأخيار: (2/ 123)..
وقد ركَّب ابن حجر هذا القول مع الذي قبله وجعلهما قولًا واحدًا ورجحه على الجميع فقال: «وأرجح من الجميع أن من قال ذلك لمن يعرف منه الإسلام ولم يقم له شبهة في زعمه؛ أنه كافر، فإنه يكفر بذلك... فمعنى الحديث فقد رجع عليه تكفيره، فالراجع التكفير لا الكفر، فكأنه كفر نفسه لكونه كفر من هو مثله، ومن لا يكفره إلا كافر يعتقد بطلان دين الإسلام، ويؤيده أن في بعض طرقه؛ (وجب الكفر على أحدهما)»٣٬٥٢٩[فتح الباري: (10/466)]..
السابع: إنما سيقت الأحاديث الدالة على كفر من كفر مسلـمًا بغير تأويل؛ لأجل التغليظ في ذلك والتشديد في استحقاقه العقوبة البالغة، وللنهي البليغ عن الإقدام عليه، وليس المقصود أنه صار بذلك كافرًا كفرًا مخرجًا من الملة، إلا أن ما جاء به يعد من أغلظ الذنوب وأشنعها وأبشعها.
والذي يظهر -والله أعلم- أن هذا هو القول الراجح، وذلك لما يأتي:
أولها: عن أبي قلابة رضي الله عنه أن ثابت بن الضحاك رضي الله عنه أخبره أنه بايع رسول الله ﷺ تحت الشجرة، وأن رسول الله ﷺ قال: (من حلف على يمين بملة غير الإسلام كاذبًا متعمدًا فهو كما قال، ومن قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة، وليس على رجل نذر فيما لا يملك، ولعن المؤمن كقتله، ومن رمى مؤمنًا بكفر فهو كقتله، ومن ذبح نفسه بشيء عذب به يوم القيامة)٣٬٥٣٠رواه [ببعض النقص] البخاري [٦١٠٥] ومسلم [١١٠]..
والشاهد من الحديث؛ أن النبي ﷺ قد جعل رمي المؤمن بالكفر بمنزلة قتله، وهذا يدل على أن قتله أشد من رميه بالكفر، إذ ظاهر الحديث إنما قُصد بهذا التشبيه استشعار عظمة تكفير المؤمن وإكبارها في النفوس، كما هو الحال بالنسبة لقتله حيث يعظُم أمره في قلب كل مؤمن، ولو كان الكفر على ظاهره لكان أشنع وأبشع وأغلظ من القتل، ولكان تشبيه القتل به أولى من العكس، قال تعالى: ﴿وَٱلۡفِتۡنَةُ أَشَدُّ مِنَ ٱلۡقَتۡلِۚ﴾ [البقرة: 191]، وقال ﷻ: ﴿وَٱلۡفِتۡنَةُ أَكۡبَرُ مِنَ ٱلۡقَتۡلِۗ﴾ [البقرة: 217].
فتشبيه تكفير المسلم بقتله تضمن أمرين:
أحدهما: عظم هذا الذنب عند الله تعالى.
وثانيهما: شدة العقوبة المترتبة على ذلك لمن لم يتب منه توبة نصوحًا، فقد قال الله تعالى في حق من قتل مؤمنًا متعمدًا بغير حق: ﴿وَمَن يَقۡتُلۡ مُؤۡمِنٗا مُّتَعَمِّدٗا فَجَزَآؤُهُۥ جَهَنَّمُ خَٰلِدٗا فِيهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ وَلَعَنَهُۥ وَأَعَدَّ لَهُۥ عَذَابًا عَظِيمٗا﴾ [النساء: 93].
زد على ذلك أن ما عُدِّد في الحديث مع تكفير المسلم ليس شيء منها يعتبر كفرًا مخرجًا من الملة، لا سيما وقد ذكر النبي ﷺ نظير تكفير المؤمن وهو لعنه وهذا ليس بالكفر المخرج من الملة اتفاقًا. ومثل ذلك ما جاء عن عمران بن حصين رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ: (إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فهو كقتله)٣٬٥٣١رواه البزار [3519]، ورواته ثقات..
قال المناوي رحمه الله: «ومن قذف مؤمنًا بكفر كأن قال: يا كافر فهو كقتله، أي القذف كقتله في الحرمة، أو في التألم، ووجه الشبه أن النسبة إلى الكفر الموجب للقتل كالقتل، فإن المنتسب إلى الشيء كفاعله»٣٬٥٣٢فيض القدير: (5/ 371)..
ثانيها: عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)٣٬٥٣٣رواه البخاري [48] ومسلم [64] وغيرهما..
فقد نص النبي ﷺ في هذا الحديث على أن قتال المسلم يعتبر كفرًا ووصفه بذلك، وقد تضافرت الأدلة على أن قتال المسلم للمسلم لا يعتبر كفرًا مخرجًا من الملة، ويكفي في ذلك قول الله تعالى: ﴿وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱقۡتَتَلُواْ فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَهُمَاۖ فَإِنۢ بَغَتۡ إِحۡدَىٰهُمَا عَلَى ٱلۡأُخۡرَىٰ فَقَٰتِلُواْ ٱلَّتِي تَبۡغِي حَتَّىٰ تَفِيٓءَ إِلَىٰٓ أَمۡرِ ٱللَّهِۚ فَإِن فَآءَتۡ فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَهُمَا بِٱلۡعَدۡلِ وَأَقۡسِطُوٓاْۖ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ﴾ [الحجرات: 9].
ونظير الحديث المذكور أيضًا حديث الصحيحين عنِ ابن عمرَ رضي الله عنهما عن النبيِّ ﷺ قال: (وَيلكم -أو وَيحَكم- لا تَرجِعوا بعدي كفّارًا يَضربُ بعضكم رِقابَ بعض)٣٬٥٣٤[متفق عليه، البخاري: (١٢١)، ومسلم: (٦٥)]..
وهذا يدل على أن إطلاق لفظ الكفر في اصطلاح الشارع قد لا يراد به ظاهره المعروف، وخاصةً عند وجود القرينة البينة الصَارفة عن ذلك، كما هو الحال هنا وفي الذي قبله.
وفي ترجيح هذا الوجه يقول الإمام ابن عبد البر رحمه الله: «والمعنى فيه عند أهل الفقه والأثر أهل السنة والجماعة النهي عن أن يكفر المسلم أخاه المسلم بذنب أو بتأويل لا يخرجه من الإسلام عند الجميع فورد النهي عن تكفير المسلم... ومثل هذا كثير من الآثار التي وردت بلفظ التغليظ، وليست على ظاهرها عند أهل الحق والعلم، لأصول تدفعها أقوى منها من الكتاب والسنة المجتمع عليها والآثار الثابتة أيضا من جهة الإسناد»٣٬٥٣٥التمهيد: (17/ 14 – 15)..
وقال الإمام ابن قدامة رحمه الله: «فهي على سبيل التغليظ والتشبيه له بالكفار لا على الحقيقة كقوله عليه السلام: (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)، وقوله: (من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما)»... ثم ساق أحاديث عدة وقال: «وأشباه هذا مما أريد به التشديد في الوعيد وهو أصوب القولين والله أعلم»٣٬٥٣٦المغني: (2/ 158)، [والحديثان تقدما قبل قليل]..
فالخلاصة: أن قول المسلم لأخيه المسلم: يا كافر أو يا عدو الله، يُعدُّ أمرًا عظيمًا في الشريعة لا يجوز الإقدام عليه، ومن قال ذلك بغير تأويل مُعتبر؛ يكون آثمًا إثمًا كبيرًا يلزمه منه التوبة والإنابة والاستغفار، إلا أنه لا يكون كافرًا كفرًا مُخرجًا من الملة.
والله تعالى أعلم
❖ ❖ ❖
لقد أتممت قراءة كتاب: حكم قول المسلم لأخيه المسلم: يا كافر
يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.
تحميل الكتاب مفردًا