بل مدافعة الكفار فريضة شرعية وسيرة نبوية
[رجب 1428 هـ / 7 - 2007م]
۞
[البحر: البسيط]
الحَمْدُ للهِ لَا أبْغِي بِهِ بَدَلَا | حَمْداً يُبَلِّغُ مِنْ رِضْوَانِهِ الْأَمَلَا | |
ثُمَّ الصَّلَاةُ عَلَى خَيْرِ الْوَرَى وَعَلَى | سَادَاتِنَا آلِهِ وَصَحْبِهِ الْفُضَلَا٢٬٦٦٥[هذه افتتاحية لامية الأفعال، لابن مالك، البيت (1 - 2)، وهي من بحر البسيط، وافتتاح الشيخ بها براعة استهلال فإنها من المتون المشهورة التي تُدرس في شنقيط محل دراسة الشيخ أبي يحيى على الشيخ الددو وغيره من علماء موريتانيا الكرام، والله أعلم]. |
وبعد...
فقد رجَّت نفسي رجًّا شديدًا حينما وقعت عيناي على أوراق تحوي مقالًا لشيخنا الكريم محمد الحسن ولد ددو بعنوان: «التعايش مع الآخر؛ حقيقة تاريخية وضرورة واقعية»، واعترى صدري من الضيق والهم والحرج ما لم أجد له مصرفًا ومخرجًا؛ إلا الفزع إلى القلم -الذي آليتُ أن أجعله أمينًا نقلًا، ومنصفًا نقدًا- فأبثُّ عبر مضيق رأسه الرقيق شيئًا من آثار هذه الفاجعة التي تُشيب الطفل من قبل المشيبِ.
فلست أدري -وحُقَّ لي ذلك- إن كان ما أطالعه الآن وأتنقل بين سطوره وأتعثر وأنا أقرأ كلماته وأكابد حروفه؛ حقيقةً فأوطد نفسي على تجرع كؤوس الغم، أم هو محض الوهم أو الحلم؛ فأترقب لحظة الاستيقاظ ليطيش عني ما أجد!
فمن أين أبدأ؟ وماذا سأكتب؟ وماذا عسى أن أقول؟ فالشيخ -غفر الله لنا وله- بحر علم خِضَم، تتلاطم أمواج الفنون بين أضلعه، والكتاب الهادي الذي جعله الله آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم؛ حاضرٌ في ذهنه كالسورة الواحدة كلما طلب آية أجابته، وحيثما دعاها قالت: لبيك!
ولكن لنعدَّها كبوة فارس ونبوة ضارب، وزلة عالم، ونرجو أن يكون هذا هو المبدأ والمنتهى، وألا يَلحقها شيءٌ من أخواتها؛ فزلّة العالِم يضل بها عالَم، كما روي في التحذير منها أحاديث وآثار عن الصحابة رضي الله عنهم، من ذلك ما روي عن عمرو بن عوف رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إني أخاف على أمتي من ثلاث: من زلَّة عالم، ومن هوى متبع، ومن حكم جائر)، قال المنذري: «رواه البزار والطبراني من طريق كثير بن عبد الله وهو واه، وقد حسنها الترمذي في مواضع، وصححها في موضع؛ فأنكر عليه، واحتج بها ابن خزيمة في صحيحه»٢٬٦٦٦الترغيب والترهيب (1/45)، [اللفظ للبزار في البحر الزخار: (3384)، ورواه الطبراني في الكبير: (17/17) رقم: (14)، وقال الألباني: ضعيف جدا، وضعفه كذلك د. حامد محقق شعب الإيمان (9829)، وجاء موقوفا بأسانيد صحيحة عن عِدَّة صحابة رضي الله عنهم]..
[البحر: الرجز]
[البحر: الرجز]
فَقُبِلَتْ مِنْهُمْ رُكُوناً لَهُمُ | حَتَّى أَبَانَهَا الْأُلَى هُمُ، هُمُ٢٬٦٦٧[ألفية السيوطي: نظم الدرر في علم الأثر، البيت (262)]. |
ولا أعرِّض هنا بأحدٍ فلا تذهبنَّ الظنون بعيدًا، وإنما ذكرت هذا للتمثيل والتفهيم، «والشأن لا يعترض المثال...»٢٬٦٦٨[صدر بيت من: مراقي السعود (البيت: 809)، انظر: نثر الورود (2/555) وعجزه: ... إذ قد كفى الفرضُ والاحتمالُ]..
وكل هذا لا يغني من الحق شيئًا؛ فالعالم مهما علا كعبه ورسخت قدمه واتسع فهمه فهو لم ولن يصل مرتبة العصمة من الخطأ، وهو مع صدق النية والتجرد للحق وبذل الوسع في طلبه وتحصيله ومجانبة الهوى وخفاياه دائرٌ بين الأجر والأجرين، فإن كان هو مأجورًا معذورًا عند الخطأ؛ فهذا لا يرفع اللائمة عمَّن يقلده تقليد الأعمى، وينازع الأدلة الجلية ويدافعها انتصارًا لقولٍ لا يخفى بطلانه ومجانبته لسبيل المؤمنين.
ولك -أخي القارئ- هذه العبارات الذهبية التي دونها الإمام ابن رجب الحنبلي رحمه الله إذ يقول: «وها هنا أمر خفي ينبغي التفطُّن له، وهو أن كثيرًا من أئمة الدين قد يقول قولًا مرجوحًا ويكون مجتهدًا فيه، مأجورًا على اجتهاده فيه، موضوعًا عنه خطؤه فيه، ولا يكون المنتصر لمقالته تلك بمنزلته في هذه الدرجة؛ لأنه قد لا ينتصر لهذا القول إلا لكون متبوعه قد قاله، بحيث أنه لو قاله غيره من أئمة الدين، لما قبله ولا انتصر له، ولا والى من وافقه، ولا عادى من خالفه، وهو مع هذا يظن أنه إنما انتصر للحق بمنزلة متبوعه، وليس كذلك؛ فإن متبوعه إنما كان قصده الانتصار للحق، وإن أخطأ في اجتهاده، وأما هذا التابع، فقد شاب انتصاره لما يظنه الحق إرادة علو متبوعه، وظهور كلمته، وأن لا ينسب إلى الخطأ، وهذه دسيسة تقدح في قصد الانتصار للحق، فافهم هذا، فإنه فهم عظيم، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم»٢٬٦٦٩جامع العلوم والحكم [ص 719]..
ما أكتبه هنا هو تعليق بسيط بقدر ما يسمح به الظرف والزمن على مقال شيخنا الموقَّر، وأنا أستصغر نفسي بل وألومها على هذه الجرأة خشية أن يكون هذا من العقوق لمن منَّ الله ﷻ علينا بثني الركب بين يديه والاغتراف مما فتح الله ﷻ به عليه، إلا أن داعي الحق في نفسي ومحبته في قلبي وعلمي بمحبة الشيخ لظهوره وحرصه على انتشاره، ولمعان يدركها فضيلته ولا يستوجب المقام ذكرها، وحذف ما يعلم جائزٌ... كلُ ذلك يشجعني ويدفع عني التردد، وينبهني إلى أن البر لا يعني السكوت عن الحق وإقرار الباطل، وأيم الله لَلحق أحق أن يتبع، وللصدق حقيق بأن يستمع، فمن البر ما يكون عقوقًا، فقد قال الإمام الشافعي رحمه الله: «يقولون: نحابي!، ولو حابينا أحدًا لَحَابينا الزهري، وإرسال الزهري ليس بشيء؛ ذلك أنا نجده يروي عن سليمان بن أرقم»٢٬٦٧٠[نقله عنه عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي في «آداب الشافعي ومناقبه»: (ص 61)]..
[البحر: الطويل]
[البحر: الطويل]
فَإِلَّا يَكُنْها أَوْ تَكُنْهُ فإنَّهُ | أََخُوهَا غَذَتْهُ أُمُّهُ بِلِبانِها٢٬٦٧١[قائله: أبو الأسود الدؤلي، نقله عنه ابن السكِّيت في «إصلاح المنطق»: (ص 212)، وغيره]. |
وإني لو شئت أن أحمل كل كلمة قالها الشيخ الفاضل محملًا حسنًا وأسوقها سوقًا إلى معنى صحيح لفعلت ولو تكلّفًا وتعسفًا، ولكني لم أجد ما يلجئني إلى ذلك ويدفعني إليه، لأن مقصدي ليس تبرئة الشيخ وإنما إبطال ما يدعو إليه، خاصة وأن الفكرة المطروحة -كما ذكرت- هي جزء من منهج عام وفكر موسع؛ بدأت قواعده تترسخ شيئًا فشيئًا، فنحن محتاجون إلى نقض هذه الأصول واقتلاعها من جذورها مبنى ومعنى لا تسويغها والاجتهاد في إيجاد المخارج لأباطيلها، خاصة وأنها أضلَّت جِبلًا كثيرًا وفتنت عقولًا ولبَّست الحق بالباطل والهدى بالضلال، وجرَّأت الكثير ممن لا خلاق لهم في علم ولا فهم على كليات الشرع باسم الفكر وغيره، وكلامي عمَّا دونه الشيخ الكريم هنا، لن ينقص قدره، أو يخدش منزلته، أو يزحزح مكانته.
وفوق ذلك أقول: إنني لا أكاد أكتب حرفًا واحدًا إلا وشيخنا الكريم يعرفه ومزيدًا عليه، ولكن هذا لا يعفينا من التنبيه له ولمن قد يغتر بما كتبه ويتشبع بما نشره؛ خاصة أصحاب هذا الفكر الانهزامي الذين يبحثون عن أدنى مُتعلَّق لهم ليؤيدوا به منهجهم وينصروا مذهبهم.
ولأنني -فيما أرى- أولى الناس بنصح شيخنا لما له علينا من الحق والفضل، ولحرصنا على صون فضيلته أن يفرط إليه ذمٌّ أو يلحقه وصمٌ، فصديقك الذي يَصدُقكَ لا الذي يُصدِّقك، وأقدم الاعتذار بين يديه، راجيًا أن يجد كلامي في صدره الواسع أفسح مجال وأرحبه، وأن ينظر له نظر المتأمل، ويغضي إغضاء الكريم عن عجزه وبجره، وليُراجع ما كتبه وليتدبر في عاقبته ومآله، وقانا الله وإياك -شيخنا الكريم- مزلات الأقدام ومتاهات الأفهام، والحيرة بعد البصيرة.
فما كان أغناك -شيخنا الفاضل- عن الدنو من هذه المدرسة الفكرية المنحرفة المخرِّفة، وما أحرى قلمك النزيه أن يُصقَل ويُستلَّ لتفنيد أباطيلها، وتبديد دياجيرها، وتقويم اعوجاجها، وقطع لجاجها، في وقت اشتدت فيه غربة الإسلام، وتواطأت عليه أقدام مَن هم أضل من الأنعام، وقلَّ الصادعون بالحق صدعًا لا مواربة فيه ولا مراوغة، واستنسر في أرضنا البغاث، حتى عز الذليل وذل العزيز، واؤتمن الخائن، وخوِّن الأمين، وقيل للتافه الأحمق الغِر: ما أعقله، وما أظرفه، وما أجلده، واتكأ الطغاة على الأرائك يحلون ويحرمون، ويأمرون وينهون، فلم يرتضوا لا بكتاب ولا سنة بل ولا عقل سوي، فكانوا أعظم شرًا وأشد ضررًا ممن قال فيهم نبينا ﷺ: (ألا يوشك رجل شبعان على أريكته، يقول: عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلّوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرّموه)٢٬٦٧٢[رواه أبو داود: (٤٦٠٤) وغيره، وصححه الألباني].، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
وإنه لقمنٌ بكم -شيخنا المبجَّل- أن تُسخِّروا يراعكم الصادق وحبركم الصافي لشحذ همم الأمة واستنهاضها، وتحقير عرض الدنيا بأعينها، وتهوين المخاطر أمامها، وربطها بسالف أيامها، وتذكيرها بأبطالها الذين فلقوا هام الكفر، وحصدوا رؤوس الضلال، وأبادوا خضراء الباطل، فأعزهم الله بالإسلام لما اعتزوا به، وارتفعوا إلى أعالي السناء لما رفعوه، واستهانوا بالباطل واحتقروه وازدروه وهو في أوج تبجِّحه وانتفاشه حتى أرغموه ووطئوا بساطه.
فأمتنا -شيخنا الكريم- لهي في حاجة إلى غرس هذه المعاني وإحيائها وتوطيدها أشد من حاجتها لرفاهية اقتصادية، أو معايشات سلمية، أو ازدهار حضاري، أو خيالات وأماني.
[البحر: الوافر]
[البحر: الوافر]
حُمَاةَ الدِّينِ إِنَّ الدِّينَ صَارَا | أَسِيرًا لِلُّصَوصِ وَلِلنَّصَارَى | |
فَإِنْ بَادَرْتُمُوه تَدَارَكُوهُ | وِإِلَّا يَسْبِقُ السَّيْفُ البِدَارَا | |
بِأَنْ تَسْتَنْصِرُوا مَوْلًى نَصِيرًا | لِمَنْ وَالَى وَمَن طَلَبَ انْتِصَارَا | |
وَأَنْ تَسْتَنْهِضُوا جَمْعًا لُهَامًا | تَغُصُّ بَه السَّبَاسِبُ وَالصَّحَارَى٢٬٦٧٣[أبيات نقلها الشيخ أحمد بن الأمين الشنقيطي عن الشيخ محمد بن الشيخ سيدي في «الوسيط في تراجم أدباء شنقيط»: (ص 247)، وقوله «لُهاما» من لهم الشيء ألهمه: إذا ابتلعه، ومنه سمي الجيش: لُهامًا. وقوله «السباسب» جمع سبسب، وهي الصحراء]. |
ولهذا فإني أدعوك -شيخنا الكريم المفضال- دعوة محب مواد وفيٍّ؛ أن تنأى بنفسك بعيدًا عن هذا المذهب الردي، من قبل أن تزل قدم بعد ثبوتها، ولعمر الله إن بقاءك أستاذًا في محضرة ببادية نائية مطوية في رمال موريتانيا لهو خيرٌ لك، وأحب إلى ربك، وأنفع للمسلمين من تصدرك وتقديمك واستدراجك لتكون رأسًا يُسار وراءه، ويُشار إليه، ويقتدى به في مدرسة «التطويع والتمييع» التي نشط دعاتها وذُللت العقبات أمامها في السنوات الأخيرة وفتحت على المسلمين أبواب شرور طالما كانت موصدة، ولله الأمر من قبل ومن بعد.
هذا وقد قيل لي إن الموقع الذي تولى نشر هذا المقال هو موقع «الإسلام اليوم» الذي يشرف عليه سلمان العودة والذي صار رأسًا يصول ويجول لترسيخ فكر «التطويع والتمييع» والتأصيل له، حتى اقتحم بأفكاره التي أسسها على هذا المنهج الفضفاض حصونًا منيعة من دين الإسلام لم يكن يجرؤ أحدٌ على العبث بها والنيل منها مهما بلغ من الافتتان بالعقل والنظر والفِكَر كمسألة الولاء والبراء، فكان مما أنتجه لنا فكرة ممسوخة سمَّاها «الولاء الفطري»، بعد ما أتى قبلها من الطوام العظام، واختلق فتاوى هي أقرب للتلاعب بالشرع منها إلى شبهات الاستدلال.
[البحر: الطويل]
[البحر: الطويل]
وَدَاعًا حَبِيبِي لَا لِقَاءَ إِلَى الْحَشْرِ | وِإِنْ كَان فِي قَلْبِي عَلَيْكَ لَظَى الْجَمْرِ |
[البحر: الطويل]
[البحر: الطويل]
نُحِبُّكَ يَا سَلْمَانُ فِي الْعُسْرِ والْيُسْرِ | فَرُوحِي لَكُمْ تَسْرِي وَأَنْتُمْ لَدَى الْأَسْرِ٢٬٦٧٤[انظر القصيدتين بتمامهما، في القسم الخامس: الشعر والقصائد، قصيدة: يا سلمان نحبك (ص 2962)]. |
وأنا ما كتبت هذا الكلام عن سلمان العودة إلا بعد أن استفحل أمره، واسترسل في العبث بمسائل شرعية عدة، وركب لنصرة أفكاره الصعب والذلول، وقد خوطب من قبلُ بأرفق أسلوب وأرق عبارة، ونُصِحَ وذُكِّر سرًا وجهرًا، ومع ذلك فما لمسنا منه تخمينًا في تراجع أو انكفافًا عن شروده وشذوذه، بل بقي ضاربًا بكل ذلك عرض الحائط، مصرًا على تأصيل ونصرة منهج «التطويع والتمييع» حتى بلغ مبلغًا لا يطاق، وأدرك شطحاته كثيرٌ من مقربيه ومؤيديه كما بلغنا ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى ٱللَّهِ وَيَسۡتَغۡفِرُونَهُۥۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ﴾ [المائدة: 74].
فحُق للمرء أن يتمثل في هذا الموطن بما روي عن عبد الله بن مسعود: «من كان مستنًا فليستنَّ بمن قد مات؛ فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد ﷺ، كانوا أفضل هذه الأمة، أبرَّها قلوبًا، وأعمقها علـمًا، وأقلَّها تكلُّفًا، اختارهم الله لصحبة نبيِّه، ولإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم على آثارهم، وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم وسيرهم؛ فإنهم كانوا على الهدى المستقيم»٢٬٦٧٥[الطبقات الكبرى لابن سعد: (1/9)].، وروى نظيره أبو نعيم٢٬٦٧٦[حلية الأولياء: (1/305)]. عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه.
فليس بيننا وبين الناس إلا وشيجة الإيمان، فمَن بجلها وعظمها وصانها، أحببناه ووقّرناه ونافحنا عنه، وأما من ساق نفسه إلى أفكار خاملة ورام تطويع الحق لمذاهب ردية غوية، وسخر قلمه للنيل من الجهاد والمجاهدين سرًا وجهرًا، وذكِّر ونصح ونوقش فلم يَرْعوِ، بل أصرّ وتمادى وأوغل في طريق التحريف والتزييف، فلا والله لن نسكت له، ولن نغض الطرف عما يؤسسه من الضلال، ونحن نراه يحرف الحقَّ تكلفًا، ويقرّر الباطل تعسفًا، ويفتن الناس ببيانه وبنانه، ليحمل أوزاره كاملة ومن أوزار الذين يضلهم بغير علم، ومع ذلك فله من ولائنا بقدر ما معه من الحق والهدى، وله من براءتنا بحسب ما تبنّى من الانحراف والزيغ، وجزاء سيئة؛ سيئة مثلها، ونصب أعيننا قول الله تعالى: ﴿۞يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ بِٱلۡقِسۡطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوۡ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمۡ أَوِ ٱلۡوَٰلِدَيۡنِ وَٱلۡأَقۡرَبِينَۚ إِن يَكُنۡ غَنِيًّا أَوۡ فَقِيرٗا فَٱللَّهُ أَوۡلَىٰ بِهِمَاۖ فَلَا تَتَّبِعُواْ ٱلۡهَوَىٰٓ أَن تَعۡدِلُواْۚ وَإِن تَلۡوُۥٓاْ أَوۡ تُعۡرِضُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٗا﴾ [النساء: 135].
نسأل الله لنا ولهم ولجميع المسلمين الهداية والثبات عليها، وحسن الخاتمة.
❖ ❖ ❖
عَنون فضيلة الشيخ مقاله بـ«التعايش مع الآخر حقيقة تاريخية وضرورة واقعية»، ولا شك أن مَن له أدنى إلمام بما يكتبه أصحاب مدرسة «التطويع والتمييع» سيربط العنوان بهم، وسنطبع في ذهنه تلقائيًا ومن غير جهد بعضُ المعاني التي يحومون حولها، لا سيما وأن المقال قد نُشر في موقع من أشهر مواقعهم تبنيًا لهذه الأفكار واستخدامًا لمثل هذه المصطلحات، ولو كان الكاتب لهذا المقال هو سلمان العودة لما وجد القارئ في نفسه عجبًا؛ فقد تخطى فيما يكتبه ويقرره مراحل التعجب؛ فبعد كل حين يخرج إلينا بباقعة هي أكبر من أختها، وكل إناء بالذي فيه ينضح.
فالعنوان وإن كان في ثوب جديد؛ إلا أن مضمون المقال وما ينطوي عليه وَضَعَ أسسا لتكون ركائز يتم حولها التعايش بيننا وبين من أسماه فضيلة الشيخ بـ«الآخر»، وهذا المعنى الذي يريد فضيلة الشيخ الوصول إليه كان قد صدر مِن نوعه بيان قبل ست سنوات تحت عنوان: «على أي أساس نتعايش؟»٢٬٦٧٧[للشيخ الفقيه المجاهد: يوسف العييري رحمه الله رد على هذا المقال المذكور في رسالة متوسطة، سماها: «فضلا انبطحوا سرا..» فلتُراجع].؛ أي بعد أحداث أمريكا بأشهر قليلة، تبناه أيضًا وقام عليه، وروج له الموقع المذكور ومشرفه العام، والذي كان ردًا على بيان أصدره عدد من مثقفي ومفكري وقساوسة الكفرة تحت عنوان «على أي أساس نقاتل؟» والمقابلة بين العنوانين تعطيك حقيقةَ نفسيةِ كل طائفة من فريقي المقالين، فطائفة أعدت نفسها للقتال، وهو عندها حتميٌ لا رجعة فيه، وتصرح به بوضوح وعلن وترفّع، وإنِّما حديثُها فقط عن دوافعه وأهدافه، وهؤلاء هم فريق الكفرة الضالين، وطائفة تبحث عن التعايش، وتنقّب عن أسسه التي يقوم عليها، والقواسم المشتركة التي يلتقي عندها، وهي معاني تطبع في النفس صورة لحرص على الحياة، والركض وراء زهراتها، والبحث عن السكون والدعة، وهذا المعنى تكاد دلالة العنوان عليه تكون دلالة مستقلة، فكيف إذا قوبل بما عنون به النصارى بيانهم، والضد يظهر حسنه الضد، ويظهر قبحه أيضًا؟
ولهذا فقد صاح كثيرٌ من العلماء وطلبة العلم والمثقّفين على أصحاب بيان التعايش صيحة واحدة، وبيّنوا ما فيه من التخاذل المقيت، والاستخذاء٢٬٦٧٨[الاستخذاء: التذلل والخضوع والانقياد، كما في: لسان العرب (8/71)]. المهين، والتحريف لمسائل الدين، وتذليل النفس وتصاغرها مما لا يليق بمسلم يعتز بعقيدته ودينه.
ومن البديهي إن نظرنا إلى كلمة التعايش التي تصدّرت العنوان نظرًا ذهنيًا مجرّدًا فإنها تشير لزومًا إلى تكافؤ المتعايشين ونديتهم لبعضهم وربما تساويهم أيضًا، فصيغتها صيغة تفاعل التي تدل على المشاركة من الطرفين في أمرٍ ما، كما نقول تقاتل فلان وفلان، وتصافحا، وتسامحا، فلا يُميز أحد الفاعلين عن صاحبه ويُخص بشيء من مناقب الفعل إلا بدليل وقرينة مستقلة، كقوله تعالى: ﴿فِئَةٞ تُقَٰتِلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَأُخۡرَىٰ كَافِرَةٞ يَرَوۡنَهُم مِّثۡلَيۡهِمۡ رَأۡيَ ٱلۡعَيۡنِۚ وَٱللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصۡرِهِۦ مَن يَشَآءُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبۡرَةٗ لِّأُوْلِي ٱلۡأَبۡصَٰرِ﴾ [آل عمران: 13].
وقد أكَّد فضيلة الشيخ هذا المعنى وأوضحه في قوله: «وبحكم الاختلاف الحتمي والطبيعي بين الناس فليس أمامهم من خيار غير التعاون في المتفق فيه الذي يفترض أن يتوصل إليه بواسطة حوار بناء أطرافه متكافئة ومتسامحة وبهذا يمكن التعايش بين الناس»، فهو يقرِّر أن هذه الأطراف التي يراد لها التعايش -وهم: نحن والآخر!- لا بد أن تكون «متكافئة»، والكفؤ في اللغة هو المثل والنظير، كما قال تعالى: ﴿وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ كُفُوًا أَحَدُۢ﴾ [الإخلاص: 4]، وقول النبي ﷺ: (المسلمون تتكافأ دماؤهم)٢٬٦٧٩[رواه ابن ماجه: (٢٦٨٣)، وأبو داود: (٢٧٥١)، وغيرهما، وقال الألباني: «حسن صحيح»].، فهل التعايش الذي يريده الشيخ هنا هو تعايش الند لنده، والكفؤ لكفؤه، والمثل لمثله؟ وهل هذا النوع من التعايش هو مما جاء به دين الله ﷻ الذي فيه: ﴿أَمۡ نَجۡعَلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ كَٱلۡمُفۡسِدِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَمۡ نَجۡعَلُ ٱلۡمُتَّقِينَ كَٱلۡفُجَّارِ﴾ [ص: 28]، وفيه: ﴿أَفَنَجۡعَلُ ٱلۡمُسۡلِمِينَ كَٱلۡمُجۡرِمِينَ ٣٥ مَا لَكُمۡ كَيۡفَ تَحۡكُمُونَ﴾ [القلم: 35-36]، وفيه: ﴿أَمۡ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجۡتَرَحُواْ ٱلسَّيِّـَٔاتِ أَن نَّجۡعَلَهُمۡ كَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ سَوَآءٗ مَّحۡيَاهُمۡ وَمَمَاتُهُمۡۚ سَآءَ مَا يَحۡكُمُونَ﴾ [الجاثية: 21].
قال الإمام السعدي رحمه الله في هذه الآية: «أي أم حسب المسيؤون المكثرون من الذنوب المقصرون في حقوق ربهم «أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات» بأن قاموا بحقوق ربهم واجتنبوا مساخطه ولم يزالوا مؤثرين رضاه على هوى أنفسهم أي أحسبوا أن يكونوا ﴿سَوَآءٗ﴾ في الدنيا والآخرة؟ ساء ما ظنوا وحسبوا وساء ما حكموا به؛ فإنه حكم يخالف حكمة أحكم الحاكمين وخير العادلين، ويناقض العقول السليمة والفطر المستقيمة، ويضاد ما نزلت به الكتب وأخبرت به الرسل بل الحكم الواقع القطعي؛ أن المؤمنين العاملين الصالحات لهم النصر والفلاح والسعادة والثواب في العاجل والآجل، كل على قدر إحسانه، وأن المسيئين لهم الغضب والإهانة والعذاب والشقاء في الدنيا والآخرة»٢٬٦٨٠تفسير السعدي (777)..
وقال ﷻ: ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤۡمِنٗا كَمَن كَانَ فَاسِقٗاۚ لَّا يَسۡتَوُۥنَ﴾ [السجدة: 18]، وهذا المعنى أوضح ما يكون في كتاب الله ﷻ، والآيات التي تدلُّ على انتفاء المساواة بين فريق الإيمان وفريق الكفر والخسران «الآخر» أكثر من أن تحصى، بل جعلها الله ﷻ مناقضة للعقول والفطر السليمة.
ومن الإشكالات والمعضلات: توضيح الواضحات، فالتعايش الذي يقوم على أساس المساواة والمكافأة منقوض بكتاب الله ﷻ نقضًا باتًا، ومرفوض بما جبل الله عليه العباد من التفرقة بين المختلفين رفضًا قاطعًا، فليس بين الفريقين -فريق الهداية وفريق الغواية- تساو ولا تكافؤ لا في العيش ولا في الحقوق ولا في الواجبات بل ولا حتى السير في الطرقات، وأحرى أن لا يكون بينهما تساو في أمر الآخرة وأثناء وبعد الممات.
ثم جعل فضيلة الشيخ -حسب العنوان- هذا التعايش حقيقة تاريخية.. فأين هذا التعايش الذي حصل عبر تاريخ البشرية والذي جاء به عن طريق حوار كانت فيه الأطراف متكافئة متسامحة، فهذا كتاب الله ﷻ ينطق بيننا، والذي حدثنا بقصص ضاربة في أعماق، أعماق، التاريخ -وهو أصدق قيلًا وأحسن حديثًا- يخبرنا خبرًا لا ارتياب فيه، أن العداوة الظاهرة والبغضاء المعلنة لم تزل قائمة مترسخة بين الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم وأتباعهم من جهة، وبين مناوئيهم من أقوامهم الكفرة من جهة أخرى، فأين ومتى وكيف عاش أهل الإيمان وأهل الكفر «الآخر» في بقعة على الأرض عيشًا متساويًا متسامحًا لم يغالب أحدهما الآخر ولم يدافع بعضهما بعضًا: ﴿۞تِلۡكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلۡنَا بَعۡضَهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۘ مِّنۡهُم مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُۖ وَرَفَعَ بَعۡضَهُمۡ دَرَجَٰتٖۚ وَءَاتَيۡنَا عِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَأَيَّدۡنَٰهُ بِرُوحِ ٱلۡقُدُسِۗ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقۡتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِنۢ بَعۡدِهِم مِّنۢ بَعۡدِمَا جَآءَتۡهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُ وَلَٰكِنِ ٱخۡتَلَفُواْ فَمِنۡهُم مَّنۡ ءَامَنَ وَمِنۡهُم مَّن كَفَرَۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقۡتَتَلُواْ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفۡعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة: 253].
فأول الرسل سيدنا نوح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام الذي بقي في دعوة قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا، ما إن دعاهم إلى ربهم وحثهم على التوحيد ونبذ الشرك حتى جاهروا له بالعداوة وحاكوا له المؤامرات وأجمعوا كيدهم وجمعوا شركاءهم للنيل منه وثنيه عما هو عليه من الهدى والحق كما قال ﷻ: ﴿قَالُواْ لَئِن لَّمۡ تَنتَهِ يَٰنُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمَرۡجُومِينَ﴾ [الشعراء: 116]، وكما حكى عنه ﷻ: ﴿۞وَٱتۡلُ عَلَيۡهِمۡ نَبَأَ نُوحٍ إِذۡ قَالَ لِقَوۡمِهِۦ يَٰقَوۡمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيۡكُم مَّقَامِي وَتَذۡكِيرِي بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ فَعَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلۡتُ فَأَجۡمِعُوٓاْ أَمۡرَكُمۡ وَشُرَكَآءَكُمۡ ثُمَّ لَا يَكُنۡ أَمۡرُكُمۡ عَلَيۡكُمۡ غُمَّةٗ ثُمَّ ٱقۡضُوٓاْ إِلَيَّ وَلَا تُنظِرُونِ﴾ [يونس: 71].
ويلخص مسيرة الأنبياء المطردة قصة ورقة بن نوفل عند أول نزول الوحي: «يا ليتني فيها جذعًا، يا ليتني أكون حيًا إذ يخرجك قومك، فقال رسول الله ﷺ: (أو مخرجي هم؟)، قال: نعم لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا»٢٬٦٨١متفق عليه، [البخاري: (3)، ومسلم: (160)].، وهو موافقٌ لما أخبر الله به في كتابه: ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمۡ لَنُخۡرِجَنَّكُم مِّنۡ أَرۡضِنَآ أَوۡ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَاۖ فَأَوۡحَىٰٓ إِلَيۡهِمۡ رَبُّهُمۡ لَنُهۡلِكَنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [إبراهيم: 13]، ولما أخبر الله به عن شعيب وقومه المستكبرين: ﴿۞قَالَ ٱلۡمَلَأُ ٱلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦ لَنُخۡرِجَنَّكَ يَٰشُعَيۡبُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَكَ مِن قَرۡيَتِنَآ أَوۡ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَاۚ قَالَ أَوَلَوۡ كُنَّا كَٰرِهِينَ﴾ [الأعراف: 88]، وعن قوم لوط: ﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوۡمِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُوٓاْ أَخۡرِجُوهُم مِّن قَرۡيَتِكُمۡۖ إِنَّهُمۡ أُنَاسٞ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [الأعراف: 82]، والآيات في هذا المعنى متعددة.
فأي تعايشٍ هذا الذي سيكون وهو يناقض سننًا كونية راسخة؟ قال ﷻ: ﴿فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَبۡدِيلٗاۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَحۡوِيلًا﴾ [فاطر: 43]، وهو أيضًا يخالف مخالفة تامة «الحقائق التاريخية»، ويصادم ويصادر قانون التدافع الذي جعله الله تعالى سببًا في صلاح الكون واستقرار الناس بعكس ما يظن البعض ويدعي من أن المسامحة والمسالمة والمعايشة هي التي يستقيم بها أمر الناس وتسكن حياتهم، فقد قال الله تعالى: ﴿وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ لَّفَسَدَتِ ٱلۡأَرۡضُ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ ذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ [البقرة: 251]، قال الإمام السعدي رحمه الله في هذه الآية: «أي لولا أنه يدفع بمن يقاتل في سبيله كيد الفجار وتكالب الكفار لفسدت الأرض باستيلاء الكفار عليها وإقامتهم شعائر الكفر ومنعهم من عبادة الله تعالى وإظهار دينه «ولكن الله ذو فضل عل العالمين» حيث شرع لهم الجهاد الذي فيه سعادتهم والمدافعة عنهم ومكنهم من الأرض بأسباب يعلمونها وأسباب لا يعلمونها»٢٬٦٨٢تفسير السعدي: (109)..
وقال العليم الحكيم: ﴿ٱلَّذِينَ أُخۡرِجُواْ مِن دِيَٰرِهِم بِغَيۡرِ حَقٍّ إِلَّآ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُۗ وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ لَّهُدِّمَتۡ صَوَٰمِعُ وَبِيَعٞ وَصَلَوَٰتٞ وَمَسَٰجِدُ يُذۡكَرُ فِيهَا ٱسۡمُ ٱللَّهِ كَثِيرٗاۗ وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: 40]، قال الإمام القرطبي رحمه الله: «أي: لولا ما شرعه الله تعالى للأنبياء والمؤمنين من قتال الأعداء، لاستولى أهل الشرك، وعطلوا ما بنته أرباب الديانات من مواضع العبادات، ولكنه دفع بأن أوجب القتال؛ ليتفرّغ أهل الدين للعبادة، فالجهاد أمر متقدم في الأمم، وبه صلحت الشرائع، واجتمعت المتعبدات، فكأنه قال أذن في القتال فليقاتل المؤمنون، ثم قوى هذا الأمر في القتال بقوله: ﴿وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ﴾ أي: لولا القتال والجهاد لتغلَّب على الحق في كل أمة»٢٬٦٨٣أحكام القرآن: (12/70)..
وفي الحديث العظيم الذي يرويه الإمام مسلم٢٬٦٨٤[٢٨٦٥، ومعنى قوله (يثلغوا): يشدخوا رأسه ويشجوه، و(نُغزك): نعينك]. عن عياض بن حمار المجاشعي أن رسول الله ﷺ قال ذات يوم في خطبته: (ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا... وفيه... وقال: إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك، وأنزلت عليك كتابًا لا يغسله الماء، تقرؤه نائمًا ويقظان، وإن الله أمرني أن أحرق قريشًا، فقلت: يا رب إِذن يثلغوا رأسي فيدعوه خبزة، قال: استخرجهم كما أخرجوك، واغزهم نُغزِك، وأنفق فسننفق عليك، وابعث جيشًا نبعث خمسة مثله، وقاتل بمن أطاعك من عصاك).
فأين التعايش الآمن، والتحاور الهادئ، والاحترام المتبادل، والأجواء المناسبة، والتسامح الرقيق، والله يأمره إحراقهم واستخراجهم وغزوهم وقتالهم، قال تعالى: ﴿ذَٰلِكَۖ وَلَوۡ يَشَآءُ ٱللَّهُ لَٱنتَصَرَ مِنۡهُمۡ وَلَٰكِن لِّيَبۡلُوَاْ بَعۡضَكُم بِبَعۡضٖۗ﴾ [محمد: 4]، وهما هذا التعايش المتكافئ الممكن الذي اكتشفناه نحن أخيرًا وفات رسولَ الله ﷺ أن يدركه ويتفطَّن له؛ فلم يستطع أن يقيم بين أبناء قومه وعشيرته، حتى أخرج تاركًا أهله وولده وداره وهو يقول: (والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله ولولا أني أخرجت منك ما خرجت)٢٬٦٨٥[رواه أحمد: (١٨٧١٥)، والترمذي: (٣٩٢٥)، والنسائي: (٤٢٣٨)، وغيرهم، وصححه الألباني]..
أما كون التعايش ضرورة واقعية، فهذه كلمة حمالة أوجه، وهو تعبير إنشائي أكثر من كونه تقريرًا لمسألة شرعية عظيمة كهذه، خاصة إذا علمنا أن نفس معنى كلمة التعايش المستخدمة ليس محررًا -عند أصحابه- تحريرًا يزول به الإشكال، فهم يطلقونه ويبهمونه ويقلِّبونه على معانٍ عدة، فلا يحجز المرء على عقله إذن ويحصر صورة التعايش «الضرورية» في التجارات وأسباب المعاش، أو بمعنى أوضح في المجال الاقتصادي، فعباراتهم أوسع من ذلك بكثير، وعلى كل حال فللتجارة مع الكفار أحكامها، وللإقامة بين أظهرهم أو إقامتهم بين أظهرنا أحكامها، بل وفي ابتداء السلام ورده عليهم أحكامه، وفي ملاقاتهم في الطرقات أحكامها، وفي الزواج منهم أحكامه، فهذه الأمور كلها وغيرها كثير قد نظمها الشرع وأحكمها، وفصل حدودها، وأتم بيانها وإيضاحها، ويجمعها جميعًا كون كلمة الله هي العليا، وبناؤها على أسس تظهر بها عزة الدين وارتفاع أهله المستمسكين به، فالإسلام يعلو ولا يعلى، وهذا كله لا يناقض العدل والإحسان وحسن المعاملة، ولكن المقصود أن الإبهام والتعميم في مثل هذا الموضوع الخطير الكبير غير مستحب.
ومع ذلك فلم يشأ شيخنا الفاضل أن يضع في عنوان مقالة كلمة «الكافر» بدلًا من التعبير عنها - «بالآخر» وحاد عن ذلك حيدة غير محمودة، وأنا متأكّد لو كان عنوان مقاله بهذه الكيفية: «التعايش مع الكافر.. إلخ»، أو التعايش مع «اليهود والنصارى والمجوس والهندوس والملحدين... إلخ» لاستهجنه ومجَّه ونفر منه بل واستعظمه كل من قرأه أو سمع به من عالم أو عامي، وحضري وبدوي، وإن شككتم فجربوا، وهذا ما يؤكد أن استخدام الألفاظ الشرعية كما هي بحروفها ومعانيها له وقعه الخاص المتميِّز على القلوب وله أثيره البليغ في النفوس.
فالذين يحاولون أن «يستدركوا» على الله تعالى بإحداث ألفاظ جديدة تحل محل الكلمات التي نص عليها القرآن والسنة وحددا تصاريف ألفاظها ومعانيها محتجين بأن هذا داخل في «الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة»، وأنه من باب ﴿فَقُولَا لَهُۥ قَوۡلٗا لَّيِّنٗا﴾، هؤلاء يُسيئون إلى الإسلام من الباب الذي راموا منه الإحسان إليه، فالإحسان نعم مطلوب ولكن لا يقبل أن يكون دافعه هو «التحرج» النفسي الكامن خشية استقباح الكفرة واستثارتهم من استخدام الكلمات الشرعية واضحة ناصعة كما هي، وإننا حينما ندعو الناس إلى أمور تخيلناها واختلقناها ثم استحسناها فإننا -حينها- لا ندعوهم إلى الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة، وإنما ندعوهم إلى فكر أرضي ابتكرته عقولنا وطابت به نفوسنا، فلا يلبث هؤلاء المدعوون أن يكتشفوا بونًا شاسعًا وفرقًا واسعًا بين ما كنا ندعوهم إليه ونموه به عليهم، وبين حقائق الإسلام الأصلية فماذا ستكون العاقبة آنذاك يا ترى؟: ﴿قُلۡ ءَأَنتُمۡ أَعۡلَمُ أَمِ ٱللَّهُۗ وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَٰدَةً عِندَهُۥ مِنَ ٱللَّهِۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ﴾ [البقرة: 140]، ولهذا قال الله ﷻ لنبيّه ﷺ ﴿وَلَوۡلَآ أَن ثَبَّتۡنَٰكَ لَقَدۡ كِدتَّ تَرۡكَنُ إِلَيۡهِمۡ شَيۡـٔٗا قَلِيلًا ٧٤ إِذٗا لَّأَذَقۡنَٰكَ ضِعۡفَ ٱلۡحَيَوٰةِ وَضِعۡفَ ٱلۡمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيۡنَا نَصِيرٗا﴾ [الإسراء: 74-75]، وعليه: ﴿فَٱصۡدَعۡ بِمَا تُؤۡمَرُ وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡمُشۡرِكِينَ﴾ [الحجر: 94].
وعن أنس رضي الله عنه: (أن رجلًا قال: يا رسول الله أين أبي؟ قال: في النار، فلما قَفى دعاه فقال: إن أبي وأباك في النار)٢٬٦٨٦[رواه مسلم: (٢٠٣)، ورواية أنه قال ذلك لما رأى الكراهة في وجهه عند: أحمد (12192)، وابن ماجه (1573) بإسناد صحيح].، وجاء في روايات لهذا الحديث أن النبي ﷺ إنما قال له: (إن أبي وأباك في النار)؛ حينما رأى في وجهه الكراهية إذ أخبره أن أباه في النار.
ثم لو كان هذا الاستخدام المحدث لمثل هذه الكلمات عابرًا لكانت المسامحة فيه واردة، والغض عنه يحتمل، ولكن أن تُبذل الجهود وتُؤَسس الأفكار ويعاد النظر كرة بعد كرة لاقتلاع المصطلح الشرعي والضرب في الآفاق للتنقيب عن البدائل المناسبة والملائمة فهذه هي المصيبة التي لا يطيق المرء عليها صبرًا ولا يجد لها مستساغًا، ولهذا فإني أدعو الكُتّاب والباحثين والفقهاء أن يعتصموا بحبل الله وسنة نبيه لفظًا كما يستمسكون بهما أحكامًا وعملًا، خاصة التي جرى عليها اصطلاح الفقهاء الأولين ممن لم يمسهم شيء من خجل القلوب وانهزامها، فكانوا معتزين بالدين صادعين بحقائقه مستمسكين بكلماته وألفاظه، وأن ينبذوا عنهم هذه الترقيعات البالية التي كانت سببًا في التباس كثير من معاني الإسلام الثابتة، وجعلت معالمه البينة تدرس كما يدرس وشي الثوب، مثل مصطلح «الآخر»، و«غير المسلمين» ونحوهما.
وقد كنت كتبت مقالًا قديمًا بعنوان «جهاد أم مقاومة؟» أشرت فيه إلى شيء من هذا المعنى فكان مما كتبته: «للمصطلحات الشرعية بألفاظها المحفوظة المضبوطة هيبتها ومكانتها في القلوب، وقدرتها الوافية الكافية لتحديد المطلوب، وذلك لأنها أدلّ ما تكون على المعنى المراد منها، وآصرة اللفظ بالمعنى آنذاك متينة وطيدة بحيث لا يتخللها ضعف ولا يوهنها تجاذب المرادات وتنازع الاحتمالات، لا سيما التي كثر تردادها في الكتاب والسنة وعلى ألسنة الفقهاء والعلماء وأجروها في ثنايا كتبهم ومصنفاتهم، فكيف إذا انضاف إلى ذلك تحديد المعنى وبيان المقصود، فيكون المعنى «اللفظ» مطابقًا للمعنى ودالًا عليه دلالة لا يداخلها لبس ولا يشوش عليها حدس. وفي المقابل حيثما زعزعت قواعد المصطلحات الشرعية وقفز المستخدمون إلى سواها سواء مع قيامها حينًا وحينًا أو مع إقصائها والتنكّر لها رأسًا فإن إشكالات شرعية ستظهر وأحكامًا مُحكمة ستحوَّر، وحقائق ثابتة راسخة ستُغير، وأبوابًا من المجادلات ستفتح، وذلك تبعًا لقوة إيجاد وطرح المصطلح الجديد المحدث أو ضعفه، خاصة إذا كان هذا المصطلح الناشئ قد لاكته ألسن الأمم الأخرى من المغضوب عليهم والضالين وتوابعهم، وأجرته لمعان تبنتها وحددتها.. فلئن كان الأمر كذلك فسيؤدي إلى خلط واختلال واضطراب لا يُرجى زواله بيسر ولا انتهاؤه عند مدى».
وختمته بقولي فيه: «فالمقصود أن الله أغنانا بكتابه وسنة نبيه بتسميات كافية شافية مؤدية للمقصود وموصلة للمطلوب ومحددة للمعنى وكاشفة للحقيقة، ولم يكن اختيار ذلك الاسم من الله سبحانه لهذا المسمى بغير حكمة سواء أدركنا ذلك أم لا؛ فينبغي أن نؤكد على إبقائه وإحيائه وإبدائه ونفي ما سواه وإقصائه حتى ينحت في أذهان الجيل، وننفرد ونتميز به عن مشابهة الأمم الأخرى ونحتفظ بهويتنا الإسلامية كاملة ونتوقى بذلك الانزلاق من خلال أبواب المصطلحات إلى مفاهيم وتصورات وأفكار منحرفة يُلزمنا بها أعداؤنا وفق مراداتهم وفهومهم فنحاول رفعها أو دفعها فلا نجد لذلك سبيلًا لأننا فتحنا على أنفسنا بابًا كنا في غنى تام عنه ألا وهو تغيير المصطلحات وتبديل الكلمات»٢٬٦٨٧[انظر المقالة المذكورة -ومن ضمنها هذا الكلام- في: هذا المجموع (ص 1746)]..
إن كثيرًا من المبهورين بحضارة الغرب الكافر، والذين قد يرون شيئًا من الأخلاقيات الحسنة التي قد يتصفون ويشتهرون بها، قد يغيب عن أذهانهم وينسون -وهم في غمرة الانبهار- أن هؤلاء هم أعداؤنا الذين قد حادوا الله ورسوله، وأتوا في معتقداتهم بالعظائم والدواهي التي يشيب لهولها الولدان، فكذبوا بكتاب الله تعالى، وكفروا برسالة نبينا محمد ﷺ، بل وكثيرٌ منهم قد تبرأوا من الانتماء لأي نبي أو دين، فيغلب على قلوب هؤلاء المبهورين مسحةُ احترام لهؤلاء الكفرة المجرمين تُكسى ثوب الرحمة والرفق، فتراهم لا يذكرونهم ولا يخاطبونهم إلا بمعاني التوقير والإعجاب، ويتعاظمون ويستثقلون وصفهم بما يستحقون، ويهولهم رمي هؤلاء الكفرة بما نعتهم الله به ومواجهتهم بحقيقتهم، ويذهب عن أذهان هؤلاء أن أولئك «المتحضرين» هم شرّ البرية ﴿أَمۡ تَحۡسَبُ أَنَّ أَكۡثَرَهُمۡ يَسۡمَعُونَ أَوۡ يَعۡقِلُونَۚ إِنۡ هُمۡ إِلَّا كَٱلۡأَنۡعَٰمِ بَلۡ هُمۡ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: 44]، فليتنبه لهذا الأمر ودخيلته.
[البحر: السريع]
[البحر: السريع]
إِنَّ الَّذِي شُرِّفْتَ مِنْ أَجْلِهِ | يَزْعُمُ هَذَا أنَّهُ كَاذِبُ |
وأشار إلى اليهوديِّ، فخجل المأمون ووجم، ثم أمر حاجبه بإخراج اليهودي مسحوبًا على وجهه٢٬٦٨٨[بهجة المَجالس وأُنس المُجالس لابن عبد البر: (ص 78)]..
والشيخ -حفظه الله- قد بيَّن لنا في صدر مقاله مَن يقصد بالآخر، ولكنه لم يبيِّن لنا لِمَ اختار لهم هذا الاسم الذي أصبح ساريًا وجاريًا على ألسنة الكثيرين ممن ينحون منحى مدرسة «التطويع والتمييع»، حتى يكاد يكون مصطلحًا خاصًا بهم، وهو يروق -بلا شك- لكثير ممن يقاربهم من المفكرين والمثقفين، وهنا أقول: إن مَن اختار هذا الاسم وما شابهه لمحاولة دفن ما يثير ويهيج حفيظة الكفرة الفجرة قد حسب أن ذلك سيرضيهم ويقنعهم، وما درى المسكين -إن كان مسكينًا- أن رغباتهم لا تتوقف عند حدٍّ ولا يكتفون فيها بطلب: ﴿وَلَن تَرۡضَىٰ عَنكَ ٱلۡيَهُودُ وَلَا ٱلنَّصَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمۡۗ﴾ [البقرة: 120]، وللمساواة عندهم معنى واحد وهو أن نكفر كما كفروا: ﴿وَدُّواْ لَوۡ تَكۡفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَآءٗۖ﴾ [النساء: 89]، ﴿وَدَّ كَثِيرٞ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ لَوۡ يَرُدُّونَكُم مِّنۢ بَعۡدِ إِيمَٰنِكُمۡ كُفَّارًا حَسَدٗا مِّنۡ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنۢ بَعۡدِمَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلۡحَقُّۖ﴾ [البقرة: 109].
ثم إذا كان الأمر كما قال الشيخ في مقاله المذكور: «اقتضت حكمة الله أن تكون هذه الأمة متميّزة عن غيرها من الأمم وهذا التميّز شامل لمناحي الحياة، عقدية واقتصادية وسياسية واجتماعية؛ إذ ليس مقبولًا شرعًا ولا مستساغًا عقلًا أن تكون آخر أمة أخرجت للناس لتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله تابعة لأمة أخرى مهما علا شانها»؛ فما هذا التعاون والتعايش الذي يتحدث عنه؟ والذي قال عنه إنه: «يفترض أن يتوصل إليه بواسطة حوار بناء أطرافه متكافئة ومتسامحة»، فإذا كان تميز أمة الإسلام -خير أمة أخرجت للناس- شاملًا لمناحي الحياة كلها، وأنه غير مستساغ شرعًا ولا عقلًا أن تكون تابعة لغيرها من الأمم، فما هو وجه التكافؤ الذي يقصده الشيخ في مقاله؟
إن الحقيقة الناصعة والمفهوم الراسخ الذي يجب أن نتكلم به بكل وضوح وجلاء، ونعزره في نفوسنا ونفوس أجيالنا: أن دين الإسلام لا يقبل له ندًا ولا نظيرًا ولا متكافئًا ولا مثلًا، والمسلمون أيضًا لا يرضون لأنفسهم مساويًا ولا قِرنا.
وأن التعايش المزعوم مع «الآخر» ليس له أرضية ثابتة يقوم عليها إلا أرضية واحدة، هي أرضية الدخول في دين الله تعالى أو الخضوع لأحكامه، ذلك المعنى الذي يجليه قول الله تعالى: ﴿وَقَٰتِلُوهُمۡ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتۡنَةٞ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ كُلُّهُۥ لِلَّهِۚ فَإِنِ ٱنتَهَوۡاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ﴾ [الأنفال: 39]، ويبينه أتم بيان -وخاصة مع أهل الكتاب- قوله ﷻ: ﴿قَٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَا بِٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ ٱلۡحَقِّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ حَتَّىٰ يُعۡطُواْ ٱلۡجِزۡيَةَ عَن يَدٖ وَهُمۡ صَٰغِرُونَ﴾ [التوبة: 29].
ومما قاله فضيلة الشيخ في مقاله: «والفروق بين الفريقين -المسلمين وغيرهم-؛ عديدة لكنها لا تصل إلى التضاد والتناقض المطلق، ولا تمنع التعايش ولذا لزم البحث عن أرضية مشتركة يمكن أن يقف عليها الفريقان ليعيشا في سلام وأمان ويعملا لتعمير الأرض وسعادة الإنسان».
سبحان الله! ألم يقل الله ﷻ: ﴿ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينٗاۚ فَمَنِ ٱضۡطُرَّ فِي مَخۡمَصَةٍ غَيۡرَ مُتَجَانِفٖ لِّإِثۡمٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ﴾ [المائدة: 3]، فما لنا نذهب بعيدًا ونتحسس أمورًا وقضايا مشتركة يمكننا أن نجعلها أرضية للتعايش مع «الآخر» في أمان وسلام، وكأن طلب الأمان والسلام هو أكبر همنا وأعظم مقصدنا، ألم يبيّن لنا كتاب الله وسنة نبيه ﷺ وسيرة الخلفاء من بعده بل وطريقة المسلمين أجمعين أكتعين٢٬٦٨٩[أكتعين وأبتعين وأبصعين: كلمة يؤكد بها، وهي تابعة لأجمع لا تقدم عليها؛ فهو لفظ تأكيد التأكيد]. على مرِّ التاريخ ما هي أسس وضوابط وأحكام التعامل بين الفريقين «المسلمين والكفار»، سواء في حال الحرب أم السلم، وفي حال التمكين أم في حالة الاستضعاف.
فتخيّل معي -أخي القارئ- أن خالد بن الوليد أو أبا عبيدة بن الجراح أو عمرو بن العاص قد جمع حزمة النقاط التي تمثل أرضية التعايش مع «الآخر» وانطلق بها إلى أرض الروم أو فارس، ليقول لهم تعالوا إلى حوار هادئ نبحث فيه عن أرضية مشتركة يمكن أن نقف عليها نحن وأنتم لنعيش في سلام وأمان ونعمل لتعمير الأرض وسعادة الإنسان!!!
فإن كان مثل هذا الكلام مستهجنًا أشدّ الاستهجان في حقّ أولئك الأفذاذ، أفلا يسعنا ما وسعهم، ويكفينا من الحق والهدى و«التعايش» ما كفاهم؟!، أم أننا اكتشفنا أن في الإسلام من معاني الرحمة والمسامحة والتعايش والتعمير والسلام والأمان ما لم يكتشفوه؟
أين التعايش المزعوم وأرضيته التي تحوم فوقها الخيالات وتفرزها الأماني من قول النبي ﷺ: (من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم سلام على من اتبع الهدى أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام أسلم تسلم وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين وإن توليت فعليك إثم الأريسيين و﴿قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ تَعَالَوۡاْ إِلَىٰ كَلِمَةٖ سَوَآءِۭ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمۡ أَلَّا نَعۡبُدَ إِلَّا ٱللَّهَ وَلَا نُشۡرِكَ بِهِۦ شَيۡـٔٗا وَلَا يَتَّخِذَ بَعۡضُنَا بَعۡضًا أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِۚ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَقُولُواْ ٱشۡهَدُواْ بِأَنَّا مُسۡلِمُونَ ٦٤﴾)٢٬٦٩٠متفق عليه، [البخاري: (٢٩٤٠)، ومسلم: (1773)]..
وأين تعايش الوهم الذي اطلعنا على إمكانيته أخيرًا من قول النبي ﷺ لقادة جيوشه وسراياه: (وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم... فإن هم أبوا فسلهم الجزية، فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم)٢٬٦٩١[رواه مسلم: (١٧٣١)]..
فتأمل هذا أخي المسلم، وغيره كثيرٌ في كتاب الله وسنة نبيه ﷺ، حتى أن التطويل في بيانه والتدليل عليه لإثباته وتقريره يعد عجبًا عجابًا، ثم انظر إلى الأرضية المشتركة التي افترضها شيخنا الفاضل للتعايش مع الآخر.
فأولها قوله: «أن ينطلق الجميع من حقيقة لا جدال فيها وهي أن الناس لا يمكن أن يكونوا نسخة مكررة؛ لأن الله لم يفطرهم على ذلك بل جعل الاختلاف سنة فيهم قال تعالى: ﴿وَلَوۡ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخۡتَلِفِينَ ١١٨ إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمۡۗ﴾ [هود: 118-119]؛ أي لو شاء الله لجعل الناس كلهم مؤمنين مهتدين على ملّة الإسلام ولكنه لم يفعل ذلك لحكمة. ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخۡتَلِفِينَ ١١٨ إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَۚ﴾ أي: ولا يزالون مختلفين على أديان شتى وملل متعددة ما بين يهودي ونصراني ومجوسي إلا ناسا هداهم الله من فضله وهم أهل الحق».
فإذا كان الناس لا يمكن أن يكونوا نسخة واحدة مكررة، وأن الاختلاف الذي بينهم لا يتصور رفعه، وأنهم لذلك خلقهم ربهم، فما هي النتيجة المستخلصة من هذا التقرير -على الأقل بحسب ما يفهمها «الآخر» الذي يُباحث لإيجاد أرضية التعايش معه- أليست هي أن يقنع كل إنسان بما عنده ويركن إليه، ويعذر غيره بما خالفه فيه؛ لأن اختلاف الناس شيء «فطرهم» الله عليه وهو لا بد وقع، ومن ذا الذي يعارض سنة الله؛ إذن ما علينا إلا أن نرضى بقسمة الله «القدرية» ونطوِّع أنفسنا لها ونتأقلم معها تأقلـمًا ينسجم مع هذا الاختلاف لنعيش جميعًا في أمن وسلام!!!
ولهذا فإن الإمام ابن جرير رحمه الله لما اختار ما اختار في معنى الآية والذي نقله شيخنا الفاضل، استدرك بدفع ما قد يتوهم من معنى غير مراد فقال: «فإن قال قائل: فإن كان تأويل ذلك كما ذكرت، فقد ينبغي أن يكون المختلفون غير ملومين على اختلافهم؛ إذ كان لذلك خلقهم ربهم، وأن يكون المتمتعون هم الملومين، قيل إن معنى ذلك بخلاف ما إليه ذهبت، وإنما معنى الكلام: ولا يزال الناس مختلفين بالباطل من أديانهم ومللهم، إلا من رحم ربك فهداه للحق ولعلمه وعلى علمه النافذ فيهم قبل أن يخلقهم أنه يكون فيهم المؤمن والكافر والشقي والسعيد خلقهم، فمعنى اللام في قوله ﴿وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمۡۗ﴾ بمعنى على، كقولك للرجل: أكرمتك على برك بي وأكرمتك لبرك بي»٢٬٦٩٢تفسير الطبري: (12/144)..
أوَ ليس هذا احتجاجًا صرفًا بأمور قدرية على أحكام شرعية؟! فإن من بديهيات الإسلام أن نبيِّن ضلال القوم، واعوجاج طرقهم، وقبح معتقداتهم، وفساد أديانهم، حتى نحذرها نحن أولًا، وليعلموا هم أنهم ليسوا على شيء فيؤوب من يؤوب منهم إلى الحق ويتمادى من حقت عليه الشقاوة: ﴿وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ وَلِتَسۡتَبِينَ سَبِيلُ ٱلۡمُجۡرِمِينَ﴾ [الأنعام: 55]، وما أروع ما قاله الأستاذ سيد قطب عند هذه الآية: «إن سفور الكفر والشر والإجرام ضروري لوضوح الإيمان والخير والصلاح، واستبانة سبيل المجرمين هدف من أهداف التفصيل الرباني للآيات، ذلك أن أي غبش أو شبهة في موقف المجرمين وفي سبيلهم ترتد غبشًا وشبهة في موقف المؤمنين وفي سبيلهم، فهما صفحتان متقابلتان، وطريقان مفترقتان... ولا بد من وضوح الألوان والخطوط»٢٬٦٩٣[في ظلال القرآن: (2/1105-1106)]..
وقال ﷻ: ﴿قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَسۡتُمۡ عَلَىٰ شَيۡءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُواْ ٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكُم مِّن رَّبِّكُمۡۗ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرٗا مِّنۡهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ طُغۡيَٰنٗا وَكُفۡرٗاۖ فَلَا تَأۡسَ عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ [المائدة: 68].
فنحن نقول: نعم إن الله ﷻ قد كتب وقدر أن يكون الناس مختلفين، ولكنا مطالَبون بدعوة هؤلاء المخالفين للحق، وكُتِب علينا قتالهم شرعًا، ونحن مأمورون بإعلان البراءة منهم ومن باطلهم وآلهتهم التي يعبدونها، وعدم جعْل هذا الاختلاف سببًا في التقاعس عن ذلك والتفريط في القيام به، فلا نكف عنهم ما دام في الأرض شركٌ وكفرٌ حتى يدخل من يدخل في دين الله طوعًا، ويخضع من خضع لأحكامه كرهًا، وعليه فإن جعل هذا الاختلاف القدري بداية انطلاق لتأسيس أرضية التعايش مع «الآخر» مردودة شرعًا، وقد قال الإمام القرآني محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله في الجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]: «الوجه الثالث -ويظهر لي أنه هو الحق؛ لدلالة القرآن عليه-: أن الإرادة في قوله: ﴿وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمۡۗ﴾ إرادة كونية قدرية، والإرادة في قوله: ﴿وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ ٥٦﴾ إرادة شرعية دينية، فبيّن في قوله: ﴿وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمۡۗ﴾ وقوله: ﴿وَلَقَدۡ ذَرَأۡنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِۖ﴾ [الأعراف: 179]؛ أنه أراد بإرادته الكونية القدرية صيرورة قوم إلى السعادة، وآخرين إلى الشقاوة وبيّن بقوله: ﴿إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ﴾ أنه يريد العبادة بإرادته الشرعية الدينية من الجن والإنس، فيوفق من شاء بإرادته الكونية فيعبده، ويخذل من شاء فيمتنع من العبادة.
ووجه دلالة القرآن على هذا: أنه ﷻ تعالى بيَّنه بقوله: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ﴾ [النساء: 64] فعمَّم الإرادة الشرعية بقوله: ﴿إِلَّا لِيُطَاعَ﴾ وبيَّن التخصيص في الطاعة بالإرادة الكونية بقوله: ﴿بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ﴾؛ فالدعوة عامة، والتوفيق خاصٌ»٢٬٦٩٤دفع إيهام الاضطراب: (56)..
ثم جاءت الداهية الدهياء والفاجعة العقيم؛ بذكر شيخنا لثانية أسس التعايش مع «الحمر المستنفرة» وهي قوله -غفر الله له-: «احترام المعتقدات والمبادئ الأساسية لكل طرف: وهذه مسألة بالغة الأهمية ولها أثرها الطيب على العلاقات بين الأمم والمجتمعات، فلكل أمة عقيدة أو مبادئ تقدسها وتلتزم بها وتعتبرها أسمى من غيرها، ويدخل في هذا أركان الإيمان عند المسلمين، من إيمان بالله وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره... ولغير المسلمين ما يقدسونه ويحتفون به من آلهة يعبدونها، أو مبادئ يعتزون بها... ومبدأ الاحترام مبدأ قرآني أصيل دل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّواْ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَسُبُّواْ ٱللَّهَ عَدۡوَۢا بِغَيۡرِ عِلۡمٖۗ﴾ [الأنعام: 108]».
والله إني لفي ذهول مما أقرأ، ولست أدري إن كانت هذه الفقرة تحتاج إلى مناقشة، أم أن ظهور بطلانها يغني عن إبطالها؛ فليس فضيلة الشيخ من تعوزه اللغة وتصاريفها ومفرداتها حتى لا يجد كلمة أدق وأوضح من كلمة «احترام» المعتقدات، فنقول لشيخنا الكريم: نعم والله لقد صدقت «فلكل أمة عقيدة أو مبادئ تقدسها وتلتزم بها وتعتبرها أسمى من غيرها»، فحتى يقع الاحترام المتبادل بيننا وبين «الآخر» فعلينا إذن أن نحترم الأبقار، والفئران، والنمل، والعناكب، والأحجار، والأشجار، والصلبان، بل -والمعذرة على هذه- وعورات النساء المغلّظة، ونحترم الإلحاد أيضًا، وعدِّد من الآلهة والمبادئ ما شئت حتى لا يبقى شيء على وجه الأرض خسيس ولا شريف إلا ويلزمنا احترامه، لأن هناك من يقدسه ويلتزم به ويعتبره أسمى من غيره، والله المستعان وإليه وحده المشتكى.
أما الآية التي استدلّ بها الشيخ الكريم على هذا الباطل، فليس لها مما ذهب إليه نصيب، فمقصودها كما بيّنه العلماء وكما نقله هو أيضًا هو تعظيم الله ﷻ، وسدُّ الذريعة عن سبِّه من قِبل هؤلاء السفهاء الأراذل، وليس فيها شيء من احترام «الدواب والهوام والأحجار»؛ فكفُّ السب عنهم لأجل هذه المصلحة لا يعني احترامها ولا تلازم بين الأمرين البتة، ومن هنا قال الإمام البغوي رحمه الله: «ظاهر الآية، وإن كان نهيًا عن سبّ الأصنام، فحقيقته النهي عن سبّ الله، لأنه سبب لذلك»٢٬٦٩٥تفسير البغوي (3/176)..
فمن أين جاءنا هذا «المبدأ القرآني الأصيل»؟ ولهذا فالعلماء يستدلّون بهذه الآية على سدّ الذرائع، كما قال الإمام ابن القيم رحمه الله: «فحرم الله تعالى سبَّ آلهة المشركين -مع كون السبِّ غيظًا وحمية لله وإهانة لآلهتهم- لكونه ذريعة إلى سبهم الله تعالى، وكانت مصلحة ترك مسبته تعالى أرجح من مصلحة سبنا لآلهتهم، وهذا كالتنبيه بل كالتصريح على المنع من الجائز لئلا يكون سببًا في فعل ما لا يجوز»٢٬٦٩٦إعلام الموقعين: (3/345)..
فكل أحد يدرك أنه ليس هناك أي تلازم بين النهي عن السب لآلهة المشركين وبين احترامها واحترام مبادئ عُبَّادها، فالسب شيء ظاهر معلن مسموع من قبلهم، ومع ذلك فليس النهي عنه على كل حال، بل إذا كان يدفعهم إلى سب الله ﷻ، وإلا فما أكثر الآيات التي تعيبهم وتعيب آلهتهم، وتظهر سفاهة عقولهم وسخفها في عبادتهم إياها وهي لا تضر ولا تنفع ولا تبصر ولا تسمع، فكيف يجتمع هذا والاحترام لها ولهم؟!
وهم يودون أن يكف النبي ﷺ عن ذلك كما قال الإمام السعدي رحمه الله: «ومن مقاماتهم مع النبي ﷺ أنهم يسعون أشد السعي أن يكف عن عيب آلهتهم، والطعن في دينهم، ويحبّون أن يتاركهم ويتاركوه، لعلمهم أنه إذا ذكر آلهتهم، ووصفها بالصفات التي هي عليه من النقص، وأنه ليس فيها شيء من الصفات يوجب أن تستحق شيئًا من العبادة، يعرفون أن الناس يعرفون ذلك، ويعترفون به، فلا أحبّ إليهم من التزوير، وإبقاء الأمور على علاتها من غير بحث عن الحقائق؛ لأنهم يعرفون حق المعرفة أن الحقائق إذا بانت ظهر للخلق بطلان ما هم عليه: وهذا الذي منه يفرون، وهذا المقام أيضًا ذكره الله في آيات متعددة مثل قوله: ﴿وَدُّواْ لَوۡ تُدۡهِنُ فَيُدۡهِنُونَ﴾ [القلم: 9]، ونحوها من الآيات، وأما: ﴿وَلَا تَسُبُّواْ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَسُبُّواْ ٱللَّهَ عَدۡوَۢا بِغَيۡرِ عِلۡمٖۗ﴾ [الأنعام: 108]، فهذا إذا ترتب على السب المذكور سبهم لله، فإنه يترك لما يترتب عليه من الشر»٢٬٦٩٧خلاصة تفسير الأحكام: (2/10)..
فأين احترام المعتقدات والمبادئ الأساسية لكل طرف من قول الله ﷻ: ﴿أُفّٖ لَّكُمۡ وَلِمَا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ﴾ [الأنبياء: 67].
وأين احترام المعتقدات والمبادئ الأساسية لكل طرف من قول الله ﷻ: ﴿وَٱنظُرۡ إِلَىٰٓ إِلَٰهِكَ ٱلَّذِي ظَلۡتَ عَلَيۡهِ عَاكِفٗاۖ لَّنُحَرِّقَنَّهُۥ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُۥ فِي ٱلۡيَمِّ نَسۡفًا﴾ [طه: 97].
وأين احترام المعتقدات والمبادئ الأساسية لكل طرف من قول الله ﷻ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٞ فَٱسۡتَمِعُواْ لَهُۥٓۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَن يَخۡلُقُواْ ذُبَابٗا وَلَوِ ٱجۡتَمَعُواْ لَهُۥۖ وَإِن يَسۡلُبۡهُمُ ٱلذُّبَابُ شَيۡـٔٗا لَّا يَسۡتَنقِذُوهُ مِنۡهُۚ ضَعُفَ ٱلطَّالِبُ وَٱلۡمَطۡلُوبُ﴾ [الحج: 73].
وهذا الأمر غاية في الوضوح، ولولا بيان حقيقة آلهة كل طائفة شردت عن الحق، وتعريتها عما يكسوه بها عابدوها من التبجيل والتوقير والتعزير، وتضليلهم وتكفيرهم بعبادتهم إياها، وكشف سخف عقولهم إذ اتخذوها آلهة من دون الله، لولا ذلك لما كانت هذه العداوة الراسخة ولما تنافر الفريقان -فريق الحق وفريق الضلال- هذا التنافر التام الدائم، والذي أراد له الشرع أن يبقى لئلا يلتبس الحق بالباطل، فشرعت مخالفة الكفار في سيماهم وخصائصهم، وكان جنس مخالفتهم مقصودًا شرعًا كما قال شيخ الإسلام رحمه الله٢٬٦٩٨[اقتضاء الصراط المستقيم (1/185) فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية معلقا على حديث مخالفة اليهود والنصارى بالصبغ: «وذلك يقتضي أن يكون جنس مخالفتهم أمرا مقصودا للشارع»]..
بل حتى اغتاظ اليهود من كثرة ما شرع من الإسلام وهو مخالفٌ لما كانوا عليه فقالوا: «ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئًا إلا خالفنا فيه» رواه مسلم٢٬٦٩٩[صحيحه (٣٠٢)]. وغيره.
وها نحن اليوم نرى مثل هذه الدعوات التي تجعل أمة الإسلام «والآخر» يستقلون «مركبًا واحدًا يجمعهم وأي خلل فيه سيدفع الجميع ثمنه غاليًا»، ثم ماذا بقي من معاني التمايز والمفاصلة التي حثت الشريعة عليها وحذرت من التهاون فيها، فاسم الكفر سُلب عنهم وحل محله وصف «الآخر»، والبراءة منهم ومن آلهتهم أميتتْ ودفنت تحت ركام «احترام معتقداتهم ومبادئهم الأساسية»، والاختلال معهم أمرٌ متحتمٌ لا محيد عنه يلزمنا الاعتراف به والتعامل معه تعامل التعايش والتسامح، والاجتماع يقوم على أساس مبادئ الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، فماذا بقي من الإسلام إذن، وما للمسلمين يرهقون أنفسهم، ويزهقون أرواحهم، ويعادون القريب والبعيد، ويفرقون بين الأخ وأخيه والابن وأبيه ما دامت مظلّة التعايش القائمة على هذه الأسس وغيرها يمكن أن تشملهم جميعًا وتسعهم بحنانها وعطفها؟!
ولهذا فإني أقول لك -شيخنا الكريم- إن كنت ترقب من «الحمر المستنفرة» و«شر البريّة» و«الصمِّ البكم الذين لا يعقلون» و«المغضوب عليهم والضالين» احترامًا لدينك ولعقائدك ولمبادئك الأساسية فمَسُّ الشمس أيسر من ذلك، وقد قال الله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ بِطَانَةٗ مِّن دُونِكُمۡ لَا يَأۡلُونَكُمۡ خَبَالٗا وَدُّواْ مَا عَنِتُّمۡ قَدۡ بَدَتِ ٱلۡبَغۡضَآءُ مِنۡ أَفۡوَٰهِهِمۡ وَمَا تُخۡفِي صُدُورُهُمۡ أَكۡبَرُۚ قَدۡ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِۖ إِن كُنتُمۡ تَعۡقِلُونَ ١١٨ هَٰٓأَنتُمۡ أُوْلَآءِ تُحِبُّونَهُمۡ وَلَا يُحِبُّونَكُمۡ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱلۡكِتَٰبِ كُلِّهِۦ وَإِذَا لَقُوكُمۡ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوۡاْ عَضُّواْ عَلَيۡكُمُ ٱلۡأَنَامِلَ مِنَ ٱلۡغَيۡظِۚ قُلۡ مُوتُواْ بِغَيۡظِكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾ [آل عمران: 118-119]، وقال عزَّ من قائل: ﴿تُسِرُّونَ إِلَيۡهِم بِٱلۡمَوَدَّةِ وَأَنَا۠ أَعۡلَمُ بِمَآ أَخۡفَيۡتُمۡ وَمَآ أَعۡلَنتُمۡۚ وَمَن يَفۡعَلۡهُ مِنكُمۡ فَقَدۡ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ ١ إِن يَثۡقَفُوكُمۡ يَكُونُواْ لَكُمۡ أَعۡدَآءٗ وَيَبۡسُطُوٓاْ إِلَيۡكُمۡ أَيۡدِيَهُمۡ وَأَلۡسِنَتَهُم بِٱلسُّوٓءِ وَوَدُّواْ لَوۡ تَكۡفُرُونَ﴾ [الممتحنة: 1-2]، ولا حول ولا قوّة إلا بالله، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
ومن الأسس التي دعّمها الشيخ الكريم قوله: «احترام المبادئ الإنسانية المشركة كالحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان فهذه قيم إنسانية سامية إن لم تتخذ مطية للإساءة إلى الغير والتهجم عليه بحجة حرية التعبير.. ويؤخذ على الغرب ترسيخه لهذه القيم في دوله وتشجيعه للاستبداد والظلم في الدول الأخرى، وخاصة في بلاد المسلمين وهو أمر له ضرره البين على الجانبين». ولست أدري إن كان الشيخ -حفظه الله- قد نسي أنه داعية للإسلام والتوحيد الذي لا يقبل الله من أحدٍ دينًا سواه والقائم على أساس: ﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَٰطِي مُسۡتَقِيمٗا فَٱتَّبِعُوهُۖ وَلَا تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمۡ عَن سَبِيلِهِۦۚ ذَٰلِكُمۡ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: 153]، فارتضى لنفسه أن يكون داعية للديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان، حتى أنه يعاتب الغرب هذا العتاب الناعم لأنه استأثر بهذه «القيم» وخص بها نفسه، وحرم منها بلاد المسلمين.
إن الشيخ -غفر الله له- لم يترك مجالًا لأن نحمل معاني هذه «القيم» التي يدعو إليها محملًا ترقيعيًا يساير شيئًا مما يدعو إليه الإسلام، وذلك لما لام الغرب على ترسيخهم لهذه «القيم» في بلدهم، وهذا يعني أن هذه القيم التي يريد منا أن نحترمها وعدّها قيما سامية هي عين ما يدعو إليه الغرب ويتفاخر ويتبجح به من معاني الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان.
وإن كل كلمة من هذه الثلاثة -الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان- لتحتاج إلى مقال مستقل ينسف مفاهيمها الزائغة التي فُتن بها الناس، وظلّوا عليها عاكفين عكوف بني إسرائيل على عجلهم الذي بهرهم خواره، وأعماهم عن حقيقته ﴿أَفَلَا يَرَوۡنَ أَلَّا يَرۡجِعُ إِلَيۡهِمۡ قَوۡلٗا وَلَا يَمۡلِكُ لَهُمۡ ضَرّٗا وَلَا نَفۡعٗا﴾ [طه: 89]، وأنساهم نعمة الله العظمى عليهم بالهداية كما أنست هذه الشعارات البراقة خلقًا كثيرًا من المسلمين ما أكرمهم ربهم به من نعمة الإسلام ﴿قُلۡ بِفَضۡلِ ٱللَّهِ وَبِرَحۡمَتِهِۦ فَبِذَٰلِكَ فَلۡيَفۡرَحُواْ هُوَ خَيۡرٞ مِّمَّا يَجۡمَعُونَ﴾ [يونس: 58]، فاستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير.
إنه لو لم يكن في هذه المصطلحات سوى استعمال الغرب لها وإدمانه عل الدندنة حولها لكفانا نفرة منها ونأيًا عن التفوّه بها، فضلًا عن الدعوة إليها، فكيف إذا علمنا علـمًا قاطعًا أن معانيها التي يقصدونها تصادم دين الإسلام مصادمة تامة، وتبنيها -حسب المفاهيم التي وضعها لها أصحابها- يأتي على الدين من أساسه، وما قد تكون حوته من معنى صحيح ففي لغة الإسلام ومفرداته التي عبر بها عن تلك المعاني ما يكفي ويغني عن التشويش عليه بمشاركة هؤلاء الأراذل في كلماتهم التي تمتلئ بمعانيها الباطلة ومفاهيمها المنحطة: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقُولُواْ رَٰعِنَا وَقُولُواْ ٱنظُرۡنَا وَٱسۡمَعُواْۗ وَلِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٞ﴾ [البقرة: 104]، قال الإمام ابن القيم رحمه الله: «نهاهم سبحانه أن يقولوا هذه الكلمة مع قصدهم بها الخير؛ لئلا يكون قولهم ذريعة إلى التشبّه باليهود في أقوالهم وخطابهم، فإنهم كانوا يخاطبون بها النبي ﷺ ويقصدون بها السب، يقصدون فاعلًا من الرعونة، فنهى المسلمين عن قولها سدا للذريعة المشابهة، ولئلا يكون ذلك ذريعة إلى أن يقولها اليهود للنبي ﷺ تشبهًا بالمسلمين يقصدون بها غير ما يقصده المسلمون»٢٬٧٠٠إعلام الموقعين: (3/137)..
وأختم بما رواه الحاكم٢٬٧٠١[المستدرك (٢٠٧)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (2893)]. من طريق ابن شهاب قال: «خرج عمر بن الخطاب إلى الشام ومعنا أبو عبيدة بن الجراح، فأتوا على مخاضة وعمر على ناقة، فنزل عنها وخلع خفيه فوضعهما على عاتقه، وأخذ بزمام ناقته فخاض بها المخاضة، فقال أبو عبيدة: يا أمير المؤمنين أأنت تفعل هذا؟! تخلع خفيك وتضعهما على عاتقك وتأخذ بزمام ناقتك وتخوض بها المخاضة؟! ما يسرني أن أهل البلد استشرفوك، فقال عمر: أوه لو يقل ذا غيرك أبا عبيدة جعلته نكالًا لأمة محمد ﷺ، إنا كنا أذل قوم فأعزنا الله بالإسلام فمهما نطلب العز بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله».
وعلى كلٍ؛ فإن ما كتب شيخنا الكريم إثمه أكبر من نفعه، بل لا يكاد يكون فيه نفع أصلًا، وقد خرج فيه عن نَفَس الفقهاء والعلماء الذي كان يلزمه السير عليه والتشبث به، وجارى في أفكاره ومصطلحاته وتعبيراته من يُسمون بالمفكرين، فإن كنت -شيخنا الكريم- تخاطب بمقالك هذا سوائم الغرب فمالهم وللاستدلال بالآيات وذكر تفسير ابن جرير وآثار ابن عباس، وإن كنت تريد بها المسلمين فهم في غنية تامة عن التسويق والترويج والدعوة والدعاية لمناهج الغرب وأفكاره ومصطلحاته وإن طُليت أحيانًا بشيء من المسحة الشرعية فهذا لا يغير من مضمونها وحقيقتها، بل لا يكون إلا سببًا في زيادة التباس أمرها وتداخله على الناس فيغتر من يغتر بها لا سيما إن جاءت ممن هو مثلكم.
عن جابر رضي الله عنه عن النبي ﷺ حين أتاه عمر فقال: إنا نسمع أحاديث من يهود تعجبنا، أفترى أن نكتب بعضها؟ فقال: (أمتهوكون أنتم كما تهوكت اليهود والنصارى؟ لقد جئتكم بها بيضاء نقية ولو كان موسى حيًا ما وسعه إلا اتباعي)٢٬٧٠٢رواه أحمد [(١٥١٥٦) وضعف إسناده الأرنؤوط] وغيره.، قال ﷻ: ﴿أَوَلَمۡ يَكۡفِهِمۡ أَنَّآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ يُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَرَحۡمَةٗ وَذِكۡرَىٰ لِقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ﴾ [العنكبوت: 51].
فصوِّر نفسك -شيخنا الكريم- وقد دونت مقالك «التعايش» على حاله الذي نشرته به بين الأمة، ثم قدّمته لرسول الله ﷺ أو لواحد من الخلفاء الراشدين، فيا ترى ماذا سيكون الجواب، وإن شئت أن تعرف وتستيقن فاتلُه على من شئت من آحاد الناس كلمةً كلمةً ثم سلهم هذا السؤال واستمع لما يجيبونك به لتعلم أن ما خططته لا تستسيغه حتى فطر عوام المسلمين فضلًا عن عقلائهم وعلمائهم.
وإذا كان النبي ﷺ يغضب أشدّ الغضب بمجرّد أن يرى رقعة من التوراة بيد أحد أصحابه، فكيف به إذا سمع هذه الأفكار التي أنتجتها عقول لا صلة لها بدينٍ ولا عقيدة، وإنما هي محض الأهواء أو خلاصة تجربة، وكيف به إذا رأى علماء أمته وهم يروجون لها، ويمدحونها، ويزيّنونها، ويدعون للاجتماع حولها وعليها.
والعجب من شيخنا الكريم -وكل مقاله عجائب- أنه ختمه موقعًا باسم المسلمين يمثلهم «التيار الوسطي العقلاني المعتدل»، والجميع يدركون مَن هم المتشبعون بهذه الألقاب، والذين طالما توددوا للغرب وتذللوا بين أيديهم، ظانين أن ذلك يشفع لهم ليجدوا إليهم مدخلًا، ويحظوا من جهتهم بنظرة قبولٍ وتقدير، فالوسطية والاعتدال أدركنا معناهما، فما هو المدلول السليم والدقيق لكمة العقلاني التي أقحمت في هذه العبارة، ولقد رأينا آثار الافتتان بالعقل ودعاوى النظر والفكر كيف جرت أصحابها إلى مهاو قاتلة، وأصبح تقديس العقل سمة بارزة في تحليلاتهم ومصطلحاتهم بل حتى فتاويهم، وكم من الأمم والطوائف التي ضلت وهامت وتاهت في سباسب لا نهاية لها حينما ركنت إلى عقولها وفتنت بدقة نظرياتها، حتى أصبحت في وادٍ وشرع الله في وادٍ، واضطر العلماء «العقلاء» أن يصنفوا المصنفات المطوّلة والمختصرة لبيان تهافت تلك الفتنة العقلانية وشدة جنايتها على الشرع، فهلا قنعتم بما قنعوا به، وكفاكم ما كفاهم، ووقفتم عند ما وقفوا عنده، ولفظتم شرّ الدواب الذين لا يعقلون ﴿۞إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَآبِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلصُّمُّ ٱلۡبُكۡمُ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡقِلُونَ﴾ [الأنفال: 22].
هذا ولما وجدت أن متابعة كل ما في المقال فقرة، فقرة، يطول كثيرًا إذ كله أو جلّه أغلاط وأخلاط، رأيت أن أكتفي بما سطرته ونبهت عليه، ومَن تأمل فيه وجنب نفسه الهوى، وتبرّأ من التقليد الأعمى، أدرك بكل يسرٍ مباينة ما قرَّره في مقال التعايش لأساسيات الدين التي يدركها عوامهم وعلماؤهم، وهي كما قلت في المقدّمة زلةٌ يبتلي بها الله من يشاء من عباده، وإنا نربأ بالشيخ الكريم أن يكون أولَ من يسوِّق هذه الأفكار الرديّة إلى بلد معافىً منها.
ونذكِّره قول النبي ﷺ: (ومن سنَّ في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء)٢٬٧٠٣رواه مسلم [١٠١٧]..
والله من وراء القصد وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وكتبه نصحًا وتذكيرًا/ أبو يحيى الليبي
«20 / رجب / 1428 هـ»
❖ ❖ ❖
لقد أتممت قراءة كتاب:
يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.
تحميل الكتاب مفردًا