الاقتراض من البنوك والشركات الكافرة بنية عدم إرجاع المال لهم
السؤال: نحن مجموعة مقيمون في إحدى الدول الغربية الكافرة، ومنا من دخل تلك الدول بصورة رسمية ويُقيم أيضًا بصورة رسمية حيث تحصّل على لجوء سياسي، ومنا من لم يدخل بصورة رسمية، والدولة التي نقيم فيها أصبحت بالنسبة لنا ليست آمنة حيث تُوضع باستمرار قوانين جديدة تضيق علينا وتجعلنا في خوف وترقب للقبض علينا وتسليمنا إلى بلداننا، وهم كما تعلمون يُدرجون بين الحين والحين أسماء بعض الجماعات في قائمة ما يصفونه بالجماعات الإرهابية، فلهذا السبب قررنا الخروج من تلك الدولة، فهل يجوز لنا قبل خروجنا أن نقترض من بعض الشركات الكافرة أو البنوك أموالًا بنية عدم إرجاعها إلى أهلها مع العلم أن هذا ممكن عمليًا؟
الجواب: الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، وبعد...
فالذي يظهر والله تعالى أعلم أنه لا يجوز الإقدام على هذه الوسيلة لأخذ الأموال من الكفار، سواء في حق من دخل دارهم بأمان فنقضوا هم أمانهم معه، أو خشي المسلم وتوقَّع أن ينقضوه، أو في حق من دخلها بغير أمان أصلًا، وذلك لما يأتي:
الأول: لأنها متضمنة نقض عقد من العقود، ولاشتمالها على نوع من أنواع الخيانة وإضمار الغدر، وكل هذه الأمور محرمة في شريعتنا، بأدلة ثابتة ومتعددة وصريحة، فالأمر المحكم الجلي الذي نص عليه الشارع هو وجوب الوفاء بالعقود والالتزام بمقتضاها وأداء موجباتها، فالأصل هو الاستمساك بهذا المحكم والوقوف عند حدوده وعدم تجاوزه وتعديه بالأمور المشتبهات فضلًا عن البينات، قال الله تعالى: ﴿وَأَوۡفُواْ بِعَهۡدِ ٱللَّهِ إِذَا عَٰهَدتُّمۡ وَلَا تَنقُضُواْ ٱلۡأَيۡمَٰنَ بَعۡدَ تَوۡكِيدِهَا وَقَدۡ جَعَلۡتُمُ ٱللَّهَ عَلَيۡكُمۡ كَفِيلًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا تَفۡعَلُونَ﴾ [النحل: 91]، وقال ﷻ: ﴿وَأَوۡفُواْ بِٱلۡعَهۡدِۖ إِنَّ ٱلۡعَهۡدَ كَانَ مَسۡـُٔولٗا﴾ [الإسراء: 34].
قال الإمام الطبري رحمه الله في تفسير آية «المائدة»: «يعني جل ثناؤه بقوله ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَوۡفُواْ بِٱلۡعُقُودِۚ﴾: يا أيها الذين أقروا بوحدانية الله وأذعنوا له بالعبودية وسلموا له الألوهية وصدقوا رسوله محمدا ﷺ في نبوته وفيما جاءهم به من عند ربهم من شرائع دينه أوفوا بالعقود: يعني أوفوا بالعهود التي عاهدتموها ربكم، والعقود التي عاقدتموها إياه، وأوجبتم بها على أنفسكم حقوقا، وألزمتم أنفسكم بها لله فروضا، فأتموها بالوفاء والكمال والتمام منكم لله بما ألزمكم بها، ولمن عاقدتموه منكم بما أوجبتموه له بها على أنفسكم ولا تنكثوها فتنقضوها بعد توكيدها»٣٬٦٠٣تفسير الطبري: (6/46)..
والوفاء بالعهود مما مدح الله به المؤمنين وأثنى به عليهم فقال: ﴿ٱلَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهۡدِ ٱللَّهِ وَلَا يَنقُضُونَ ٱلۡمِيثَٰقَ﴾ [الرعد: 20]، كما أن نقض العقود ونكث العهود هو من الصفات المذمومة الشنيعة التي اتصف بها الكافرون وجعلها الله سبحانه من نعوتهم في آيات عدة كما قال سبحانه: ﴿ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهۡدَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مِيثَٰقِهِۦ وَيَقۡطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ وَيُفۡسِدُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ﴾ [البقرة: 27]، وقال الله ﷻ: ﴿وَٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهۡدَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مِيثَٰقِهِۦ وَيَقۡطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ وَيُفۡسِدُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱللَّعۡنَةُ وَلَهُمۡ سُوٓءُ ٱلدَّارِ﴾ [الرعد: 25].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: (آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا عاهد غدر)٣٬٦٠٤رواه البخاري [وألفاظه مأخوذة من حديثين: (٣3) و(34)]، ومسلم [كذلك ألفاظه مأخوذة من حديثين: (٥٨) و(59)]، وزاد في مسلم في رواية له: (وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم).، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله ﷺ يقول: (اللهم إني أعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع وأعوذ بك من الخيانة فإنها بئست البطانة)٣٬٦٠٥رواه أبو داود: [١٥٤٧]، والنسائي: [٥٤٦٨]، وابن ماجه: [(٣٣٥٤)، وحسنه الألباني]..
والآيات والأحاديث في ذم الخيانة والغدر ونقض العهود والعقود كثيرة مشهورة معلومة.
قال شيخ الإسلام رحمه الله: «وكل من شرط شرطا ثم نقضه فقد غدر، فقد جاء الكتاب والسنة بالأمر بالوفاء بالعهود، والشروط، والمواثيق والعقود، وبأداء الأمانة، ورعاية ذلك، والنهي عن الغدر ونقض العهود والخيانة والتشديد على من يفعل ذلك»٣٬٦٠٦مجموع الفتاوى (29/145)..
والعقد الذي نقصده في هذا الموضع ليس هو عقد الأمان وإن كان هذا أيضا مما يتحتم الوفاء به كغيره من العقود، وإنما هو التعاقد الذي حصل بين المسلم المقترض للمال من جهة وبين البنوك أو الشركة المقرضة من جهة أخرى، فلو وقع هذا الاقتراض على الجهة الشرعية المعلومة الخالية من الربا وجب على المستدين أداء دينه، ولا يحل له إضمار الخيانة ابتداء ولا مخالفة مقتضى العقد متعمدًا فيما بعد، وسواء كان المُدين كافرًا معاهدًا أو مستأمنًا أو حربيًا، وهو من أداء الأمانات التي أمر الشارع بأدائها لأهلها كما في قوله: ﴿۞إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُكُمۡ أَن تُؤَدُّواْ ٱلۡأَمَٰنَٰتِ إِلَىٰٓ أَهۡلِهَا وَإِذَا حَكَمۡتُم بَيۡنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحۡكُمُواْ بِٱلۡعَدۡلِۚ إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِۦٓۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعَۢا بَصِيرٗا﴾ [النساء: 58].
الثاني: أن المعلوم والمشتهر أن أغلب البنوك اليوم لا تُقدم على إقراض أي شخص أو جهة قرضًا ما إلا بشرط الفائدة، وهو المعروف في شريعتنا بالربا، ومثل هذا العقد لا يحل لمسلم بأي حال من الأحوال فعله، ولا فرق في ذلك بين أن يكون هذا العقد مع مسلم أو كافر وسواء كان في دارا الإسلام أم في دار الحرب، فالآيات والأحاديث الواردة في النهي عن الربا والتحذير منه لم تفرق بين حال وحال ولا بلد وآخر فالأصل بقاء النصوص على عمومها وإطلاقها صفةً وزمانًا ومكانًا إلا حيث يأتي الدليل المقيد أو المخصص، وهو ما لم يرد في آيات وأحاديث تحريم الربا.
قال الله تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ يَأۡكُلُونَ ٱلرِّبَوٰاْ لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِي يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيۡطَٰنُ مِنَ ٱلۡمَسِّۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَالُوٓاْ إِنَّمَا ٱلۡبَيۡعُ مِثۡلُ ٱلرِّبَوٰاْۗ وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلۡبَيۡعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَوٰاْۚ فَمَن جَآءَهُۥ مَوۡعِظَةٞ مِّن رَّبِّهِۦ فَٱنتَهَىٰ فَلَهُۥ مَا سَلَفَ وَأَمۡرُهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِۖ وَمَنۡ عَادَ فَأُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ﴾ [البقرة: 275]، وقال سبحانه: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَوٰٓاْ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ﴾ [البقرة: 278]، ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأۡكُلُواْ ٱلرِّبَوٰٓاْ أَضۡعَٰفٗا مُّضَٰعَفَةٗۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ﴾ [آل عمران: 130].
وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: (لعن رسول الله ﷺ آكل الربا، ومؤكله، وكاتبه، وشاهديه، وقال هم سواء)٣٬٦٠٧رواه مسلم [١٥٩٨] وغيره..
قال الإمام ابن قدامة رحمه الله: «مسألة قال: من دخل إلى أرض العدو بأمان لم يخنهم في مالهم، ولم يعاملهم بالربا، أما تحريم الربا في دار الحرب فقد ذكرناه في الربا، مع أن قول الله تعالى: ﴿وَحَرَّمَ ٱلرِّبَوٰاْۚ﴾ وسائر الآيات والأخبار الدالة على تحريم الربا عامة تتناول الربا في كل مكان وزمان، وأما خيانتهم فمحرمة لأنهم إنما أعطوه الأمان مشروطا بتركه خيانتهم وأمنه إياهم من نفسه، وإن لم يكن ذلك مذكورا في اللفظ فهو معلوم في المعنى، ولذلك من جاءنا منهم بأمان فخاننا كان ناقضا لعهده، فإذا ثبت هذا لم تحل له خيانتهم لأنه غدر، ولا يصلح في ديننا الغدر، وقد قال النبي ﷺ: (المسلمون عند شروطهم)٣٬٦٠٨[رواه ابن أبي شيبة: (٢٢٠٢٢)، والحاكم: (٢٣١٠)].، فإن خانهم أو سرق منهم أو اقترض شيئا وجب عليه رد ما أخذ إلى أربابه، فإن جاء أربابه إلى دار الإسلام بأمان أو إيمان رده عليهم وإلا بعث به إليهم، لأنه أخذه على وجه حرم عليه أخذه فلزمه رد ما أخذ كما لو أخذه من مال مسلم»٣٬٦٠٩المغني (10/515)..
الثالث: قد يقول البعض إن الأصل في أموال الكفار المحاربين الذين ليس بينهم وبين المسلم عهد ولا أمان: الإباحة كدمائهم، وعليه فإن أية طريقة يمكن بها التوصل لأخذ ذلك المال فهو سلوك لطريق موصل لمباح فتكون مباحة، وهذه إحدى حجج من أباح للمسلم أن يتعامل بالربا مع الكفار في دار الحرب كما هو مذهب الإمام أبي حنيفة رحمه الله ورواية عن الإمام أحمد رحمه الله، إلا أن هذا القول ضعيف إذ أن الغاية لا تسوِّغ الوسيلة، فكما أن المقصد والمطلب شرعي، فكذلك وسيلته وسبيله ينبغي أن تكون شرعية، فكما لا يجوز التوصل لسفك دم الكافر المحارب بالغدر والخيانة بعد تأمينه فكذا لا يجوز أخذ ماله والتوصل لأخذه بعقود محرمة شرعًا كالربا أو متضمنة لما هو محرم كنقض العهد والخيانة والغدر.
جاء في كتاب «المجموع» ردًا على أصحاب هذ القول وبيانًا لضعف حجتهم: «واحتج أصحابنا بعموم القرآن والسنة في تحريم الربا، ولأن ما كان ربا في دار الإسلام كان ربا محرمًا في دار الحرب، كما لو تبايعه مسلمان مهاجران، وكما لو تبايعه مسلم وحربي في دار الإسلام، ولأن ما حرم في دار الإسلام حرم هناك، كالخمر وسائر المعاصي، ولأنه عقد على ما لا يجوز في دار الإسلام، فلم يصح كالنكاح الفاسد هناك... وأما قولهم إن أموال الحربي مباحة بلا عقد، فلا نسلم هذه الدعوى إن دخلها المسلم بأمان، فإن دخلها بغير أمان فالعلة منتقضة كما إذا دخل الحربي دار الإسلام فبايعه المسلم فيها درهما بدرهمين، وأنه لا يلزم من كون أموالهم تباح بالاغتنام استباحتها بالعقد الفاسد، ولهذا تباح أيضًا نسائهم بالسبي دون العقد الفاسد»٣٬٦١٠المجموع: (376/9)، ونظيره في كتاب المغني: (162/4) للإمام ابن قدامة رحمه الله..
وفي ركن الفتوى بموقع الجماعة المقاتلة: ما حكم الاقتراض من البنوك الربوية مع نية عدم السداد وهل يدخل هذا في الاستحلال المباح؟
الجواب: لا يجوز الاقتراض منها، لأنه عقد ربوي لا يجوز الإقدام عليه ابتداء ولو بنية عدم السداد والربا محرم حتى مع الكفار في دار الحرب أو غيرها عند الجمهور وهو الصحيح لعموم أدلة تحريم الربا، خلافًا للأحناف الذين استدلوا بأدلة واهية.
هذا ما تيسرت كتابته حول السؤال المذكور أعلاه، وأما موضوع التأشيرة وتوابعها وهل تعد عقد أمان أم لا فهي من المسائل المشكلة والتي كثر فيها الكلام بحيث تحتاج إلى تحرير وبحث متأنٍ وعميق، وحقيقة لم يترجح لي فيها شيء إلى هذا الوقت، وهي كما نرى ليس لذكرها تأثير في حكم المسألة التي نحن بصددها.
وأخيرًا أنصح إخواني وأحبتي بالابتعاد عن مواطن الريبة والنأي عن مسالك الاشتباه وأن يحترزوا من كثرة الترخص وإنما عليهم أن يستمسكوا بالجلي المحكم من الأحكام، فهو أحفظ لدينهم وأبقى لداعي الورع في قلوبهم، ومن ترك شيئًا لله أبدله الله خيرًا منه، ﴿وَإِنۡ خِفۡتُمۡ عَيۡلَةٗ فَسَوۡفَ يُغۡنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦٓ إِن شَآءَۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٞ﴾ [التوبة: 28].
والله تعالى أعلم
❖ ❖ ❖
لقد أتممت قراءة كتاب: الاقتراض من البنوك والشركات الكافرة بنية عدم إرجاع المال لهم
يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.
تحميل الكتاب مفردًا