الدرس الرابع
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
۞
إن الحمد للهِ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحدهُ لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله الله بالهدى ودين الحق ليُظهره على الدين كله ولو كره الكافرون، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، وعلى من اهتدى بهديهِ وسارَ على سنته إلى يوم الدين، ثم أما بعد..
كنا قد تكلمنا من قبل، ووقفنا عند قول الله ﷻ: ﴿وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱقۡتَتَلُواْ فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَهُمَاۖ فَإِنۢ بَغَتۡ إِحۡدَىٰهُمَا عَلَى ٱلۡأُخۡرَىٰ فَقَٰتِلُواْ ٱلَّتِي تَبۡغِي حَتَّىٰ تَفِيٓءَ إِلَىٰٓ أَمۡرِ ٱللَّهِۚ فَإِن فَآءَتۡ فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَهُمَا بِٱلۡعَدۡلِ وَأَقۡسِطُوٓاْۖ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ﴾ [الحجرات: 9]، وقلنا: إن هذه الآية هي أصلٌ في تشريع قتال البغاة، ولو كانت الآية في أصلها لم تُشر إلى ما يذكره الفقهاء في تعريف البغاة، ولم تتعرض إلى تفاصيل أحكامهم أو أحكام قتالهم المتعلق بدمائهم وأموالهم ونسائهم وأبنائهم، ولكن هذا يُؤخذُ من مجموع الأدلة التي وردت في بيان حرمة المسلم وتعظيم حرمتهِ، وكذلك يُؤخذ من سيرة الصحابة رضوان الله عليهم فيما وقعَ بينهم من القتال.
[الفروق بين قتال البغاة والكفار]
وقلنا: إنَّ الفقهاءَ يعرِّفون الباغي بأنه الخارج على الإمام العدل بتأويل.
وقلنا: إن أحكام البغاة في الجملةِ أنهم يُقاتَلون دفعًا لشرهم لا قصدًا لقتلهم، ولهذا بعض العلماء ذكرَ أنَّ الفرق بين قتال البغاة وبين قتال الكفار والمرتدين يصلُ إلى تسعة أو عشرة فروق٢٬٤٠٦[ذكر القرافي في كتابه: الفروق (4/171) أحد عشر فرقًا بين النوعين، وقد عدد الشيخ أبو يحيى هنا ستة أوجه فقط]..
منها الذي ذكرناه وهو: أنَّ الكفار يُقصدون بالقتل ويُتعمد قتلهم، سواء كانوا كفارًا أصليين أو كانوا مرتدين، وأما البغاة فإنما يقاتلون على سبيلِ دفعِ الشرِ وكفِّ الضرر الذي يقعُ بسبب بغيهم.
ومنها: أنَّ الكفار يُقتلون مقبلين ومدبرين، وأما البغاة فلا يقتلون في حالِ إدبارهم؛ أي في حال فرارهم من ساحة المعركة.
ومنها: أن الكفار يُجهَز على جريحهم، وأما البغاة فإنهم لا يجهز على جريحهم.
ومنها: أن الكفار يُقتل أسيرهم، وأما البغاة فالصحيح الذي عليه جمهور العلماء أنه لا يجوز قتل أسيرهم.
ومنها: أن الكفار يجوز سبي نسائهم، وأما البغاة فهم مسلمون ونسائهم مسلمات؛ فلا يجوز سبي نسائهم ولا ذراريهم.
ومنها: أن الكفارَ تُغنم أموالهم وتُقسَّم، وأما البغاة فلا يجوز تقسيم أموالهم وإنما هي أموالٌ لمسلم لها حرمةُ مال المسلم الصالح التقي وهكذا أموال البغاة؛ إذن هذه مُجمل الفروق التي تكون بين قتال البغاة وبين قتال الكفار سواء كانوا مرتدين أو كانوا كفارًا أصليين.
[أنواع القتال بين المسلمين، ومراحل التعامل مع الطائفة الباغية]
ونشرع الآن في ذكر الآية التي نحن بصدد الحديث عنها، قال الله ﷻ: ﴿وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱقۡتَتَلُواْ﴾ [الحجرات: 9]؛ هذا الحكم يشمل أي قتالٍ يقع بين طائفتين من المسلمين.
ودوافع القتال التي تقعُ بين المسلمين متعددة:
1- فقد تكون الدوافعُ شرعيةً؛ كأن تكون هناكَ طائفة من قطاع الطرق المفسدين في الأرض الذين يصولون على دماء الناس ويسطون على أموالهم؛ فقتال هؤلاء مشروعٌ وقد أمرَ بهِ الشرع.
2- وقد يكون دافع القتالِ على أمرٍ من أمور الدنيا كقتال العصبية الذي يقع بين القبائل وبين طائفتين من المؤمنين؛ فهذا قتالٌ مذموم، والقاتل والمقتول فيهِ في النار، وهو الذي يشمله قول النبي ﷺ: (إذا التقى المسلمانِ بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار)٢٬٤٠٧[سبق في: (ص 1357)].؛ لأن قتالهم على أمرٍ من أمور الدنيا.
3- الأمر الثالث: قد يقع القتال بين طائفتين من المسلمين في حقٍّ مُلتبس؛ أي لا يميز المرء مَن المصلح فيهم، ومَن المبطل مِن المحق فيهم، ومَن الظالم مِن المظلوم؛ فالحق مُلتبس بينهما، وكل طائفةٍ منهما تدَّعي أن الحق في جانبها؛ فهؤلاءِ يحرم وقوع القتال فيما بينهم، وقد يكون بعضهم معذورين بتأويلهم فيما يدعونه من الحق.
إذن أسباب وقوع القتال متعددة بين المسلمين، وهذه الآية تتكلم هنا عن القتال الذي يقعُ على غير الصفة المشروعة؛ يعني إما على أمرٍ من أمور الدنيا، أو على القتال في أمرٍ مُلتبسٍ الحق فيه، فلا يكون الحق فيها بينًا واضحًا؛ فهنا قال الله ﷻ: ﴿وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱقۡتَتَلُواْ فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَهُمَاۖ﴾، فأمرَ المسلمين الآخَرين بالسعي للإصلاح بين هاتين الطائفتين.
والإصلاح إنما يتمُّ بتبيين من هو صاحب الحق، ومن هو الظالم، ومن هو المظلوم، والصلح إنما يقع بتنازل أحد الطرفين عن حقه أو عن شيءٍ من حقه، وأما إذا تمسك كل طرفٍ بحقه وتشبث به وتعصب إليه؛ فلا يمكن أن يقع الصلح.
الشاهد من هذا: أن الواجبَ على المسلمين عند وقوع قتالٍ بين طائفتين منهم؛ أن يسعوا وأن يبذلوا قصارى جهدهم للإصلاح بين هاتين الطائفتين وإيقاف القتال، وهذا الصلح كما ذكرنا من قبلُ أجرهُ عظيمٌ عند الله ﷻ، كما قال النبي ﷺ: (ألا أدلكم على ما هو أفضل من درجةِ الصيامِ والصلاةِ والزكاة، قال: الإصلاح بين الناس)٢٬٤٠٨[رواه الترمذي: (٢٥٠٩) بلفظ قريب، وقال: «حسن صحيح»، وصححه الألباني].، وكما قال الله ﷻ: ﴿۞لَّا خَيۡرَ فِي كَثِيرٖ مِّن نَّجۡوَىٰهُمۡ إِلَّا مَنۡ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوۡ مَعۡرُوفٍ أَوۡ إِصۡلَٰحِۭ بَيۡنَ ٱلنَّاسِۚ﴾ [النساء: 114].
ولهذا فالشرع دائمًا يحرصُ على الصلح؛ حتى في المشاكل الخاصة التي تقع بين الرجل وأهلهِ حضَّ على الصلح، قال ﷻ: ﴿وَإِنِ ٱمۡرَأَةٌ خَافَتۡ مِنۢ بَعۡلِهَا نُشُوزًا أَوۡ إِعۡرَاضٗا فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِمَآ أَن يُصۡلِحَا بَيۡنَهُمَا صُلۡحٗاۚ وَٱلصُّلۡحُ خَيۡرٞۗ﴾ [النساء: 128]؛ فالصلح أمرٌ محمود ومطلوب والشريعة تحثُّ وتحضُّ عليه؛ فالمسلمون مطالبون بأن يسعوا لنزع فتيل الحرب التي يقع بين طائفتين من المؤمنين.
إذن هذا هو الأمر الأول، وهذه هي المرحلة الأولى التي يجب على المسلمين أن يقوموا بها: السعي لإيقاف القتال الذي أجج وإصلاح ذات البين الذي حصل بسببه القتال، قال الله ﷻ: ﴿فَإِنۢ بَغَتۡ إِحۡدَىٰهُمَا عَلَى ٱلۡأُخۡرَىٰ فَقَٰتِلُواْ﴾ [الحجرات: 9]، البغي الذي يقع هنا فسَّره العلماء بواحدٍ من أمرين:
1- قالوا: إما أن يكون البغي بعدم إذعان إحدى الطائفتين للصلح أصلًا؛ يعني بعد أن يسعى الناس للإصلاح وتقبل إحدى الطائفتين وتقول: أنا مستعدة للصلح وأن أتنازل عن شيءٍ من حقي إلا أن إحدى الطائفتين تستمر في القتال ولا تذعن لمطالب المصلحين، فهذا هو البغي؛ أي البغي بعدم إيقاف القتال مع وجود سببِ الإيقاف من الطرف الآخر ومع وجود السعي من المسلمين.
2- وبعضهم فسَّر البغي بأنه بعدما حصلَ الصلح وتوقف القتال، وكل واحدةٍ من الطائفتين تنازلت عن حقها وأرادت وقف القتال؛ ﴿بَغَتۡ إِحۡدَىٰهُمَا عَلَى ٱلۡأُخۡرَىٰ﴾؛ أي نشبت وأعادت القتال مرةً أخرى بعد حصول الصلح.
فإذن قول الله ﷻ هنا: ﴿فَإِنۢ بَغَتۡ إِحۡدَىٰهُمَا﴾ يحتمل أنها بغت؛ أي أنها استمرت في بغيها وعدم إذعانها للصلح مع وجود سببه، أو أنها بغت؛ أي نقضت الصلح وأعادت القتال للطائفة الأخرى بعدما اتفق الجميع على المصالحة.
قال ﷻ: ﴿فَقَٰتِلُواْ ٱلَّتِي تَبۡغِي﴾؛ إذن هذه هي المرحلة الثانية وهي: قتال الطائفة الباغية التي تَبيَّن ظلمها وظهر أنها تريد القتال وتستمر في سفك دماء المسلمين مع ظهور أن الظلم في طرفها بعدم انقيادها للصلح أو بنقضها له؛ فقول الله ﷻ: ﴿فَقَٰتِلُواْ ٱلَّتِي تَبۡغِي﴾ معناه: أنَّ الله ﷻ أمرنا في أول الآية بالسعي لإيقاف القتال، وهنا أمرنا بالدخول في القتال، وذلك لأن هناك من الأمراض والفساد ما لا يحسم إلا بالقتال؛ يعني هذه طائفة سعى الناس للإصلاح وتنازلت الطائفة الأخرى، وظهر من هو صاحب الحق، ومع ذلك هي تبغي وتسفك دماء المسلمين، فهذه الطائفة أصبحت لا حل لها ولا طريقة لكف شرها إلا بقتالها وهو أمرٌ شرعي.
[أحكام البغي بين الجماعات المجاهدة]
وهنا إما أن يكون هناك للمسلمين إمامٌ يقوم عليهم؛ فالواجب القتال مع الإمام ضدَّ الطائفة الباغية، وإما أن يكون هذا القتال في زمنٍ ليس فيه إمام وهذا يقع كثيرًا، فالآن ليس هناك إمام للمسلمين، وكثيرًا ما يحصل القتال بين طوائف وأحزاب المسلمين؛ ففي هذه الحالة قال العلماء: يسعى أهل العلم والعقل والحكمة الذين لهم منزلة في الناس وأهل العلم، ولماذا اشترطنا أهل العلم؟ لأن المسألة تحتاج إلى معرفة مَن هو الظالم ومن هو المظلوم، وهذا يحتاج إلى حكمة وإلى علم، وإلا فإنَّ مجرد الدخول في الصلح قد يكون على وجهٍ لا يريده الله ﷻ؛ فقال العلماء في هذه الحالة: إذا لم يكن للمسلمين إمام؛ فيسعى رؤوس المسلمين والسواد الأعظم؛ أي رؤوس أكثر الناس، وهم أمراء الناس الذين يمشي وراءهم الناس ويطيعونهم ويسمعون لأقوالهم؛ فيسعون في الصلح ويبذلون جهدهم لإيقاف هذا القتال، فبعد ذلك إذا ظهرت الطائفة الباغية وحكمَ العلماء بأن هذه الطائفة باغية على تلك الطائفة؛ فبعد ذلك يشرع قتالها لكف شرها.
ثم قال الله ﷻ: ﴿حَتَّىٰ تَفِيٓءَ﴾ أي ترجع ﴿إِلَىٰٓ أَمۡرِ ٱللَّهِۚ﴾؛ قال العلماء: إما أنَّ المقصود بأمر الله: حكم الله ﷻ عمومًا، أو أن ذلك يرجع إلى الصلح خصوصًا، أي: إما أنه الصلح الذي نقضته تلك الطائفة ابتداءً، أو الصلح الذي أبت أن تذعن له وتنقاد له في أول الأمر.
قال ﷻ: ﴿فَإِن فَآءَتۡ﴾ خلاص، قالت هذه الطائفة: أنا أستسلم، وأنا أذعنت للصلح، وأنا أنزل عند حكم الله ﷻ: ﴿فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَهُمَا بِٱلۡعَدۡلِ﴾ فبعد ذلك عليكم أن تسعوا للإصلاح بين هاتين الطائفتين، ولكنَّ هذا الإصلاح يكون بالعدل، ولا يكون فيه إجحاف وظلم وهضم لحقوق الآخرين، وإنما بما توجبه شريعة الله ﷻ: ﴿وَأَقۡسِطُوٓاْۖ﴾ يعني: واعدلوا في صلحكم، ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ﴾ وهذه منقبةٌ عظيمة لأهل العدل أن ينالوا محبةَ الله ﷻ.
[الأخوة والرابطة الإيمانية]
ثمَّ بيَّن الله ﷻ العلة أو السبب الذي يدفع المسلمين للإصلاح؛ فقال الله ﷻ: ﴿إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ إِخۡوَةٞ فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَ أَخَوَيۡكُمۡۚ﴾ [الحجرات: 10]، فهذا استنكار: كيف يحصل القتال وسفك الدماء بين أخوين؟! هذا مسلم وهذا مسلم يجمعُهم دينٌ واحد وعقيدةٌ واحدة وشريعةٌ واحدة وحُكمٌ واحد؛ فالواجب أصلًا على أهلِ العقيدة الواحدة أن يكونوا كالبنيان يشد بعضهم بعضًا، لا أن يكونوا متنافرين متنازعين ومتقاتلين متحاربين، هذا على خلاف ما يوجبه عليهم الشرع.
وقول الله ﷻ: ﴿إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ﴾ معناه أنَّ المؤمنَ أخو المؤمن، والمسلم أخو المسلم أينما كان، سواء كان من وطنك أو من غير وطنك، قريب أو بعيد، فقير أو غني، فاسق أو صالح، ما دام هذا الإنسان باقٍ على دين الله ﷻ؛ فلا بد أن يكون هناك رابطة أخوة الإيمان، نعم تضعف بالفسق، وتقوى إذا كان هذا الرجل تقيًا صالحًا؛ فولاؤنا له وأخوتنا له ومحبتنا له بقدر ما عنده من الإيمان والتقوى والصلاح، وإذا رقَّ دينه وارتكب شيئًا من معصية الله ﷻ؛ فمحبتنا له وأخوتنا له تنقص بقدر مخالفته لدين الله ﷻ، أما انقطاعُ حبلِ الأُخَوَّة تمامًا؛ فهذا لا يمكن أن يكون بين مسلم وبين مسلمٍ آخر، وهذه هي الرابطة التي أرادَ الله ﷻ أن تكون بين الناس وهي رابطة الإيمان؛ فالذين يريدون الآن أن يستبدلوا هذه الرابطة بروابط أخرى كرابطة القومية، أو رابطة الوطنية، أو رابطة المصالح المشتركة، أو غير ذلك؛ هؤلاء يستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير.
فالله ﷻ جعلَ لنا رابطةً واحدة، وهذه الرابطة هي التي ينتفع بها الناس يوم القيامة، قال ﷻ: ﴿ٱلۡأَخِلَّآءُ يَوۡمَئِذِۭ بَعۡضُهُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوٌّ إِلَّا ٱلۡمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: 67]، فمن كانت أخوته وصحبته لأخيه من أجل أمور الدنيا أو لأجل العرقية أو الوطنية؛ فهذا سيكون عدوًّا له يوم القيامة، وليس فقط يفارقه، وإنما يكون عدوًّا له: ﴿ٱلۡأَخِلَّآءُ يَوۡمَئِذِۭ بَعۡضُهُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوٌّ﴾ بينهم العداوة في ذلك اليوم.
فإذن؛ الرابطة التي يجب علينا أن نعززها وأن نقويَها وأن نحرصَ عليها وأن نذبَّ عنها وأن نواليَ عليها وأن نعاديَ عليها؛ هي رابطة أُخَوَّة الإيمان، فالمسلم أخوك؛ ولذلك قال الله ﷻ هنا: ﴿إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ إِخۡوَةٞ﴾ وإنما -كما تعلمون- من أدوات الحصر، كأنه يقول: لا إخوة إلا المؤمنون.
والنبي ﷺ قد ذكر هذا المعنى في أحاديث متعددة، كما قال النبي ﷺ: (المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص)٢٬٤٠٩[متفق عليه بدون لفظ (المرصوص)، البخاري: (٤٨١)، ومسلم: (٢٥٨٥)، ولفظ (المرصوص) لم أجده في دواوين السنة].، وقال النبي ﷺ: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره)٢٬٤١٠[متفق عليه، البخاري: (٢٤٤٢)، ومسلم: (٢٥٨٠)].، هكذا ينبغي أن تكون علاقة المسلم مع أخيه المسلم، نعم تقع بينهم العداوة، ويقع بينهم الشحناء، ويقع بينهم الأهواء، ولكن رابطة الإخوة لا بد أن تبقى، وما ينبغي للمسلم أن يعامل أخاه المسلم كما يعامل الكافر، ولذلك فإنَّ النبي ﷺ جعل قتال المسلم لأخيه المسلم كفرًا؛ لأن هذا هو عمل الكفار فيما بينهم، فهم الذين ليس بينهم روابط، كما قال النبي ﷺ: (لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض)٢٬٤١١[متفق عليه، البخاري: (١٢١)، ومسلم: (٦٥)].، وكما قال النبي ﷺ: (سِبابُ المسلم فسوقٌ وقتاله كفرٌ)٢٬٤١٢[متفق عليه، البخاري: (٤٨)، ومسلم: (٦٤)]..
إذن هذه هي الرابطة العظيمة التي علينا أن نوطدها وأن نقويها وأن نحرصَ عليها وأن نُدافع عنها؛ حتى ننال رحمة الله ﷻ.
فالمراد بقول الله ﷻ: ﴿إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ إِخۡوَةٞ﴾ فكيف يقع بينهم هذا التقاتل وسفك الدماء والعداوات على شيء من أمور الدنيا؟!
ثم قال ﷻ: ﴿فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَ أَخَوَيۡكُمۡۚ﴾ إذن على المتقاتلين أن يعلموا أنهم إخوة، وعلى المصلحين أن يعلموا أنهم يسعوا للإصلاح بين الإخوة، وتأملوا أن الله ﷻ لم يقل: فأصلحوا بين إخوانكم، مع أنه يتكلم عن جمع، فقد جمع المؤمنين بقوله: ﴿إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ إِخۡوَةٞ﴾ فالمؤمنون جمع وليس فردًا واحدًا، ثم قال: ﴿فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَ أَخَوَيۡكُمۡۚ﴾ فثَنَّى الإخوة: أخ وأخ؛ قال العلماء: لأن هذه الطائفة كالجسد الواحد وكالجماعة الواحدة، فصارت كأنها إنسانٌ واحد، وهذه الطائفة المعادية التي تقاتلها كذلك كالإنسان الواحد، فأنت كأنك تصلح بين أَخوين، هذه الطائفة كأنها شخصٌ واحد، وتلك الطائفة شخصٌ واحد؛ فبات هذا التجمع ضمن الطائفة كأنه شيءٌ واحد.
فلذلك ينبغي أن يكون المسلمون رغم قتالهم كحال الأخوين في البيت الواحد، ونحن نعلم إذا وقعت شحناء أو عداوة في داخل البيت الواحد فإنه مباشرةً سيسعى الإخوة للإصلاح.
ثمَّ قال الله ﷻ هنا: ﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾ فعليكم أن تتقوا الله ﷻ في هذا الإصلاح، فلا تميلوا مع طائفة، ولا تجحفوا بحق طائفة أخرى، وإنما عليكم أن تتقوا الله ﷻ، وأن يكون إصلاحكم بينهم بالعدلِ، ﴿لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ﴾؛ فرحمة الله ﷻ إنما تُنال بالاتفاق وبالألفة وبالأخوة وبالاجتماع.
❖ ❖ ❖