أبو عبد الله الشامي.. رحلة الشهادة

[مجلة طلائع خراسان، العدد الثالث عشر محرم 1430 هـ / 1 - 2009م]

۞

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد...

حقًا كما قيل: «إن الشيء من معدنه لا يُستغرب»، أوَ كان عجبًا! إذ أن تنجب بلاد الشام رجلًا بل رجالًا، وتخرج بطلًا بل أبطالًا، حتى ولو كنا في زمن انتفاش الباطل، وعلو السوافل وتبجح الأراذل، أو ليست هي الأرض التي وشتها قلائد التضحيات، وحلتها نوادر البطولات، وسطرت في ربوعها أروع المواقف، وساحت على رباها أزكى الدماء، وتكسرت في ملاحمها قوى الباطل الزهوق حتى وقف هرقل وهو أسيف كسيف والحسرة تأكل قلبه والعجز يحوط جيشه ليقول: «وداعًا يا دمشق، وداعًا لا لقاء بعده»٢٬٨٣٧[انظر: فتوح البلدان: (ص 138)]..

فما كان لموطنٍ كهذا أن يغور ماؤه وينقطع عطاؤه، ويتلاشى خيره، ويتبدد بره، مهما بعد الزمن وعظمت المحن، وتراكمت الفواجع، وتتابعت المواجع، فمراقد الأبطال الذين دوخوا حشود الصلبان، وكسروا جنود الطغيان لا زالت شاهدة على عطائها وسخائها، ولم تزل توقظ النائم، وتنشط المتكاسل، وتنبه الغافل، وتؤمل اليائس.

ص 1949

[البحر: الطويل]

[البحر: الطويل]

وَمَنْ لَمْ يَزَلْ يَقْظَانَ فِي الْمَجْدِ وَالعُلَى

وَقَدْ نَعِسَ الْأَقْوَامُ فَي المَجْدِ أَوْ غَطُّوا

هُمَامٌ لَدَى الْهَيْجَاءِ تَعْنُو لِبَأْسِهِ

أُسُودُ الشَّرَى يَوْمَ الهِيَاجِ إِذَا يَسْطُو

خَبِيرٌ بِكَرِّ الْخَيْلِ فِي حَوَّةِ الوَغَى

إِذَا رَاعَ نَكْسَ الْقَوْمِ مِنْ صَوْتِهَا عَطِ٢٬٨٣٨[قاله: ‌‌السيد أحمد الحسني المغربي، انظر: سلافة العصر في محاسن الشعراء بكل مصر (ص 330)].

فحق لبلاد الشام أن تتبختر اليوم وتتباهى، بأن تصل حاضرها بماضيها، وتنقش في ذاكرتها اسم رجلٍ من رجال الأمة الذين حيوا بالدين وللدين، فما قيدتهم أرض -ولو كانت مباركة-، ولا كبلتهم دعة، ولا استهوتهم ملذات، ولا خدعتهم زخارف الدنيا، فتركوا الديار، وودعوا الأهل، وفارقوا الأحبة، وهاجروا ليبذلوا زهرة أعمارهم في أرض الغربة، ليخرجوا دينهم من طوق الغربة، وشحنة الإيمان تدفعه واستعلاؤه يرفعه حينما يتردد في أعماق قلبه الطيب: ﴿إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمۡ وَأَبۡنَآؤُكُمۡ وَإِخۡوَٰنُكُمۡ وَأَزۡوَٰجُكُمۡ وَعَشِيرَتُكُمۡ وَأَمۡوَٰلٌ ٱقۡتَرَفۡتُمُوهَا وَتِجَٰرَةٞ تَخۡشَوۡنَ كَسَادَهَا وَمَسَٰكِنُ تَرۡضَوۡنَهَآ أَحَبَّ إِلَيۡكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَجِهَادٖ فِي سَبِيلِهِۦ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّىٰ يَأۡتِيَ ٱللَّهُ بِأَمۡرِهِۦۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَٰسِقِينَ﴾ [التوبة: 24].

فعلى طريق الشهادة والفداء، تقدم ثابت الخطى، قوي الجأش، صارم العزيمة، لينضم إلى قافلة أبناء الأمة البررة، وحماتها الشرفاء، وأسودها الغرباء، وأبطالها النجباء، من الذين نذروا أنفسهم لأن يقيموا بدمائهم وأشلائهم سدًا رفيعًا وردمًا منيعًا تتحطم عليه أساطير وأوهام عباد الصلبان من الأمريكان وأذنابهم ولا زال هذا السد يرتفع يومًا فيومًا فما استطاع الكفرة أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِهِۦ صَفّٗا كَأَنَّهُم بُنۡيَٰنٞ مَّرۡصُوصٞ﴾ [الصف: 4]، ألا وهو الأخ الحبيب والرفيق اللبيب «أبو عبد الله الشامي» رحمه الله تعالى وأسكنه الفردوس الأعلى بمنه وكرمه.

ص 1950

فمن قدر الله تعالى أن أول لحظة أرى فيها أخي «أبا عبد الله الشامي» كان مكبل اليدين والرجلين في سجن «بجرام»، وهو وإخوانه يساقون إلى موطن الاغتسال، فوقفوا هنيهة ينتظرون، ولا يحجز بيني وبينه إلا شبك القفص الذي كنت بداخله، وكنا إذ ذاك ممنوعين من الكلام، فاختلسنا لحظة غفلة من جنود الصليب لأتعرف عليه، فانساقت إلي من طَرَفه كلمات خافتة لم تشفِ غليلي.

[البحر: المتقارب]

[البحر: المتقارب]

أَخِي أَنْتَ حُرٌّ وَرَاءَ السُّدُودْ

أَخِي أَنْتَ حُرٌّ بِتِلْكَ الْقُيُودْ

إِذَا كُنتَ بِاللهِ مُسْتَعْصِمَا

فَمَاذَا يَضِيرُكَ كَيْدُ الْعَبِيدْ٢٬٨٣٩[قاله: سيد قطب، انظر: شعراء الدعوة الإِسلامية في العصر الحديث:)4/ 43)].

ثم مضت الأيام بل والشهور في ذلك السجن المصمت حتى اجتمعنا مع عدد من الإخوة في غرفة واحدة، فكان ذلك اليوم لنا كالعيد، وما هي إلا بضعة أيام حتى نقلنا إلى سجن قندهار المقام في مطارها، فعزمنا على الفرار من هناك لأن السجن كان مفتوح الأرجاء وأسيجته عبارة عن أسلاك شائكة وهي لا تعني لمن عزم على الفرار شيئًا، ولكن شاء الله أن نعاد إلى سجن باجرام مرة أخرى قبل شروعنا في الفرار بـ «15» ساعة فقط.

ثم مضت الشهور ونحن جميعًا نتنقل من زنزانة إلى أخرى ومن قفص إلى قفص حتى كتب الله لنا النجاة وأنوف عباد الصليب مرغمة فضلا من الله ونعمة والله عليم حكيم، وما إن تجاوزنا سياج قاعدة بجرام بقليل حتى سمعت أبا عبد الله الشامي يعاهد الله على الاستمرار في الجهاد، وفيما نحسب أنه قد وفى بما عاهد الله عليه، فلعله كان ممن قال الله تعالى فيهم:

﴿مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ رِجَالٞ صَدَقُواْ مَا عَٰهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيۡهِۖ فَمِنۡهُم مَّن قَضَىٰ نَحۡبَهُۥ وَمِنۡهُم مَّن يَنتَظِرُۖ وَمَا بَدَّلُواْ تَبۡدِيلٗا﴾ [الأحزاب: 23].

رحمك الله يا أبا عبد الله، خلقٌ رفيع، وابتسامة دائمة، وقلب صافٍ، وجناح مخفوض، وعقل راجح، ورأي بصير، وحرقة متقدة، وتأسف على أمة الإسلام، وشوق إلى الشهادة وحرص عليها ووجل دائم من فواتها، ومَن سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء ولو مات على فراشه، فكيف وقد نلتها وأنت مقبل غير مدبر، صابرٌ محتسب -كما نحسبك والله حسيبك- بعد رحلة البلاء والشدة، والعناء والمصابرة، وعند الصباح يحمد القوم السرى، فاسعد بصحبة الأخيار -إن شاء الله- ولا أسف على دنيا ذهبت لتحل محلها جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين.

وها هي كلماتك التي سطرتها وصيةً لإخوانك المجاهدين تنطق بالصدق، وتفصح عن خالص النصح، فسينتفع بها من يعرف قيمة «وصايا» الشهداء، أما من كان قلبه غلفًا فليس لمثله تُخَطُّ الكلمات.

❖ ❖ ❖

ص 1951

فهرس القسم: أبو عبد الله الشامي.. رحلة الشهادة

📚
نهاية هذا المبحث

لقد أتممت قراءة كتاب: أبو عبد الله الشامي.. رحلة الشهادة

يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.

تحميل الكتاب مفردًا