قريظة وأمريكا: مرتع غدر ومنبع شر

[ربيع الأول 1431 هـ / 2 - 2006م]

۞

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد...

فبعد شهرٍ من الحصار المحكم، مع زلزلة الخوف ولوعة الجوع وشدة البرد وإطباق الأعداء، في حالة وصفها القرآن أدق وصفٍ فقال عز شأنه: ﴿إِذۡ جَآءُوكُم مِّن فَوۡقِكُمۡ وَمِنۡ أَسۡفَلَ مِنكُمۡ وَإِذۡ زَاغَتِ ٱلۡأَبۡصَٰرُ وَبَلَغَتِ ٱلۡقُلُوبُ ٱلۡحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَا۠ ١٠ هُنَالِكَ ٱبۡتُلِيَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَزُلۡزِلُواْ زِلۡزَالٗا شَدِيدٗا﴾ [الأحزاب: 10-11].

حتى يروى عن أم سلمة رضي الله عنها أنها كانت تقول: «قد شهدت مع النبي ﷺ مشاهد فيها قتال وخوف -المريسيع، وخيبر، وكنا بالحديبية، وفي الفتح، وحنين-؛ لم يكن من ذلك شيء أتعب لرسول الله ﷺ ولا أخوف عندنا من الخندق؛ وذلك أن المسلمين كانوا في مثل الحرجة وأن قريظة لا نأمنها على الذراري والمدينة تحرس حتى الصباح يسمع تكبير المسلمين فيها حتى يصبحوا»٢٬٦٣١[مغازي الواقدي: (2/٤٦٧) والحرجة: الشّجر الملتف حتى لا يمكن الدخول فيه ولا الخروج منه. معجم الفروق اللغوية (ص 181)].، بعد هذا كله جاء الفرجُ من عند الله ومن حيث لا يحتسب المؤمنون، فكانت منحة خالصة ونعمة سابغة من الله سبحانه: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ جَآءَتۡكُمۡ جُنُودٞ فَأَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ رِيحٗا وَجُنُودٗا لَّمۡ تَرَوۡهَاۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرًا﴾ [الأحزاب: 9].

ص 1723

وانقلبت الأحزاب قافلة لم تشفِ صدرها أو تَنلْ ثأرها، بل تضاعف غيظها من غير أن تجد له منفسًا، وأبدلت بعد بطرها خزيًا وأسفًا، وقد طوت الصحاري وقطعت القفار، وحشدت لمعركتها تلك ما في وسعها، ونثرت كل ما حوته كنانتها، ووصلت إلى أبواب المدينة يدفعها الوغر، وتحركها الضغينة، وتَؤُزُّها العداوة الدفينة، وعاينت عدوَّها الذي قتَّل أشرافهم وأسر سَراتهم، ومع ذلك حيل بينهم وبين ما يشتهون، فرجعوا بصفقة المغبون، وبذل الدهر لا بعزّه، وإنه -والله- لكمدٌ وأيّ كمد: ﴿وَرَدَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيۡظِهِمۡ لَمۡ يَنَالُواْ خَيۡرٗاۚ وَكَفَى ٱللَّهُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱلۡقِتَالَۚ وَكَانَ ٱللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزٗا﴾ [الأحزاب: 25].

فبعد هذه المعركة العصيبة التي اشتد فيها النّصَب، وخمصت البطون، وكثرت الظنون، وطال معها السهد، وزاغت الأبصار، وتتابعت المشاغل حتى أُخِّرت الصلاة الوسطى عن وقتها رجع رسول الله ﷺ إلى بيته وقد انكشفت الغمة وتنزلت السكينة ليأخذ قسطًا من الراحة، فما أن وصَل ولبث قليلًا حتى جاءه القوي الأمين جبريل عليه السلام داعيًا إياه للخروج إلى بني قريظة.

فعن عائشة رضي الله عنها قالت: (لما رجع رسول الله ﷺ من الخندق وضع السلاح واغتسل، فأتاه جبريل عليه السلام وهو ينفض رأسه من الغبار، فقال: قد وضعت السلاح؟! والله ما وضعتُه، اخرج إليهم، قال النبي : فأين؟ فأشار إلى بني قريظة، فخرج إليهم رسول الله )٢٬٦٣٢متفق عليه، [البخاري: (٤١٢٢)، ومسلم: (١٧٦٩)].، فقام رسول الله ﷺ فزعًا فاستنهض أصحابه وأمرهم بالمسارعة ونادى عليهم: (ألا لا يصلينَّ أحد العصر إلا في بني قريظة)٢٬٦٣٣[البخاري: (٩٤٦)].؛ فانطلقت جموع الصحابة رضي الله عنهم حتى وصلوا حصونهم، وتبعهم رسول الله ﷺ فحاصروهم وناوشوهم، وقد روى الحاكم -وقال صحيح على شرط الشيخين- أن النبي ﷺ ناداهم قائلًا: (يا إخوة القردة والخنازير!)٢٬٦٣٤[مصنف عبد الرزاق (10581)، المستدرك: (٤٣٣٢)، قال ابن كثير في البداية والنهاية (6/75): وله طرق جيدة عن عائشة وغيرها].، فقالوا: يا أبا القاسم لم تك فحّاشًا، فلم يزالوا كذلك حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ سيد الأوس رضي الله عنه.

ص 1724

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: (نزل أهل قريظة على حكم سعد بن معاذ، فأرسل رسول الله إلى سعد، فأتى على حمارٍ، فلما دنا من المسجد قال للأنصار: قوموا إلى سيدكم، فقال: هؤلاء نزلوا على حكمك، فقال: تقتل مقاتلتهم، وتسبى ذراريهم، فقال رسول الله : قضيت بحكم الله)٢٬٦٣٥رواه البخاري [٣٠٤٣]، ومسلم [١٧٦٨].؛ فقتلوا من أنبت منهم، وكانوا أربع مئة، وفي بعض الروايات بين السبع مئة والثمان مئة وربما أوصلهم بعضهم التسع مئة٢٬٦٣٦[انظر: فتح الباري (7/414) حيثُ نقل ابن حجر الخلاف في عدتهم كما ذكره الشيخ]..

فقد كان حكم سعد رضي الله عنه -والذي هو حكم الله- في بني قريظة بالغ الغلظة، شديد الوطأة، وذلك لقبح فِعلتهم، وتوقيت جريمتهم، ومرتع البغي وخيم، حيث كان المسلمون في المدينة في غاية الكرب من فرط احتشاد الأحزاب، ووصولهم قاب قوسين أو أدنى من معقل الإسلام، والنفاق ينفث سمومه ليفت في العضد ويخلخل اليقين، فانتهز بنو قريظة الفرصة ظانين أن الدائرة ستكون على الإسلام وأهله، فأظهروا خستهم، ونصبوا شوكتهم، وأبدوا دناءتهم، وكشروا عن أنيابهم فحل بهم ما حل وضربت عليهم الذِّلة وقذف الله في قلوبهم الرعب جزاءً وفاقًا ولا يظلم ربك أحدًا، كما قال ﷻ ذاكرًا حالهم ومذكرًا الصحابة بنعمته عليهم: ﴿وَأَنزَلَ ٱلَّذِينَ ظَٰهَرُوهُم مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ مِن صَيَاصِيهِمۡ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعۡبَ فَرِيقٗا تَقۡتُلُونَ وَتَأۡسِرُونَ فَرِيقٗا ٢٦ وَأَوۡرَثَكُمۡ أَرۡضَهُمۡ وَدِيَٰرَهُمۡ وَأَمۡوَٰلَهُمۡ وَأَرۡضٗا لَّمۡ تَطَـُٔوهَاۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٗا﴾ [الأحزاب: 26-27].

ص 1725

هذا هو ملخص ما حصل لبني قريظة، وإن المرء ليشده حقًا شدة النكال الذي نزل بهم -والذي كان حكم الملك من فوق السبع الطباق- ويدرك تمام الإدراك، أن هذا الدين دين رحمةٍ وملحمةٍ، ورأفةٍ وشدةٍ، ولينٍ وغلظةٍ، ولطفٍ وعزةٍ، فلا يضع السيف موضع الندى ولا الندى موضع السيف، فلا يجنح إلى جانبٍ فيُذَل ويمتهن ويُعبَث به بدعوى أنه دين الرحمة! ولا يتعدى ويتجاوز فيطغى ويَظلِم تحت عنوان: واغلظ عليهم!، بل كما قال الله تعالى: ﴿مُّحَمَّدٞ رَّسُولُ ٱللَّهِۚ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلۡكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيۡنَهُمۡۖ﴾، وقال ﷻ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرۡتَدَّ مِنكُمۡ عَن دِينِهِۦ فَسَوۡفَ يَأۡتِي ٱللَّهُ بِقَوۡمٖ يُحِبُّهُمۡ وَيُحِبُّونَهُۥٓ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ [المائدة: 54]، وقال سبحانه في وصف نبيه ﷺ: ﴿فَبِمَا رَحۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمۡۖ وَلَوۡ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلۡقَلۡبِ لَٱنفَضُّواْ مِنۡ حَوۡلِكَۖ﴾ [آل عمران: 159].

ومع ذلك أمره بالغلظة على الكفار والمنافقين في موضعين من كتابه فقال: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَٰهِدِ ٱلۡكُفَّارَ وَٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَٱغۡلُظۡ عَلَيۡهِمۡۚ﴾ [التوبة: 73]، وقال سبحانه أيضًا: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ ٱلۡكُفَّارِ وَلۡيَجِدُواْ فِيكُمۡ غِلۡظَةٗۚ﴾ [التوبة: 123]، ثم قال في وصف نبيه ﷺ بالرحمة والرأفة بالمؤمنين: ﴿لَقَدۡ جَآءَكُمۡ رَسُولٞ مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ عَزِيزٌ عَلَيۡهِ مَا عَنِتُّمۡ حَرِيصٌ عَلَيۡكُم بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ رَءُوفٞ رَّحِيمٞ﴾ [التوبة: 128].

وقال الآخر:

أرى الحِلـمَ في بعض المواطنِ ذِلّةً... وفي بعضِها عِزًّا يسوِّدُ صاحِبَه

وقال الآخر:

[[بهُدى الكتاب دعا فمن لم يرتدعْ... بهُدى الكتاب فبالكتاب ‌يُردع]]

قال العلامة الشنقيطي رحمه الله: «واعلم أن الدعوة إلى الله بطريقين، طريق لين، وطريق قسوة، أما طريق اللين فهي الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وإيضاح الأدلة في أحسن أسلوب وألطفه، فإن نجحت هذه الطريق فبها ونعمت، وهو المطلوب وإن لم تنجح تعينت طريق القسوة بالسيف حتى يعبد الله وحده وتقام حدوده، وتمتثل أوامره، وتجتنب نواهيه، وإلى هذا الإشارة بقوله تعالى: ﴿لَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا رُسُلَنَا بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَأَنزَلۡنَا مَعَهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلۡقِسۡطِۖ وَأَنزَلۡنَا ٱلۡحَدِيدَ فِيهِ بَأۡسٞ شَدِيدٞ﴾ [الحديد: 25] الآية.

ففيه الإشارة إلى إعمال السيف بعد إقامة الحجة، فإن لم تنفع الكتب تعينت الكتائب، والله تعالى قد يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن»٢٬٦٣٧[أضواء البيان: (2/207)]..

ص 1726

فلا بد من إعطاء كل ذي حقّ حقه، وإنزال كل شيء منزله، ووضع الأمور في مواضعها، ولا يخرج هذا عن العدل الذي قامت به السماوات والأرض، أو يشذ عن الإحسان الذي جاء به دين الإسلام وأمر به ربنا الرحمن فقال: ﴿۞إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَٱلۡإِحۡسَٰنِ وَإِيتَآيِٕ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَيَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِ وَٱلۡبَغۡيِۚ يَعِظُكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90].

وكثيرٌ ممن أصابتهم لوثة الانهزام العصرية، وتشربت قلوبهم ثقافة الاستسلام لمفاهيم الحضارة الغربية، وجعلوها ميزانًا أو عنوانًا للعدل والإنصاف والإنسانية! ومراعاة حقوق البشر، وصار دأبهم التطويع للإرضاء، والتلميع للإغواء، والتمييع والتفنن في ليِّ الألسن ببهرج الكلام، راحوا يضربون في مهامه التخمين، وشذوذ الأفكار، وشطحات الأوهام، ليستخرجوا منها ما ينجيهم من ورطة الوقوف في قفص اتهام الإسلام بالقسوة والفظاعة والفظاظة والإفراط في العقوبة «والخروج عن حد المعقول» والتنكب لسبيل الرحمة التي زعموا أن هذه الحادثة «حادثة بني قريظة» قد تضلّعت منها، فأتوا في ذلك بالعجائب التي إن أرضتهم وأرضت أرباب الغرب فلن ترضيَ ربهم الذي أنزل الكتاب مفصلًا، وأرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره الكافرون، قال ﷻ: ﴿وَلَن تَرۡضَىٰ عَنكَ ٱلۡيَهُودُ وَلَا ٱلنَّصَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمۡۗ قُلۡ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلۡهُدَىٰۗ وَلَئِنِ ٱتَّبَعۡتَ أَهۡوَآءَهُم بَعۡدَ ٱلَّذِي جَآءَكَ مِنَ ٱلۡعِلۡمِ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: 120].

والإسلام ليس بحاجة إلى منهزمٍ لينصره، ولا لحائرٍ مضطربٍ ليوضح أحكامه، فليذهب الشاكُّ إلى شاكٍّ مثله أما الراسخون فهم على بينة من أمرهم، ﴿ثُمَّ جَعَلۡنَٰكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡرِ فَٱتَّبِعۡهَا وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَ﴾ [الجاثية: 18].

ص 1727

ولذا فإن أكبر زلةٍ بل ضِلة يقع فيها كثير ممن يريد تحسين صورة الإسلام -وما أحسنَ وجهَ الإسلام فلا يحتاج إلى تحسين- أمام الغرب هو إظهاره في هيئة ممسوخةٍ شوهاء خرقاء ملفقة ملطخة من فرث الأهواء ودم الآراء يرى كلُّ سويٍّ شناعتها، حتى إن بدت لذلك المسكين بسبب اتباع الظن وما تهوى الأنفس صورة مشرقة بيضاء كأنها اللبن الخالص! ولو تركت أحكام الشرع على حالها، وأجريت مجراها وبقيت على سجيتها ولم تكلَّف ما لم تطق لكان عليها من معانيها شاهدُ، تذعن له القلوب، وتلائمه الفِطَر، وتستسلم لحججه العقول، وإن جحدته الألسن، وكابر في رده أصحاب النفوس المريضة والدعاوى العريضة، قال ﷻ: ﴿قَدۡ نَعۡلَمُ إِنَّهُۥ لَيَحۡزُنُكَ ٱلَّذِي يَقُولُونَۖ فَإِنَّهُمۡ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ يَجۡحَدُونَ﴾ [الأنعام: 33]، ﴿وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسۡتَيۡقَنَتۡهَآ أَنفُسُهُمۡ ظُلۡمٗا وَعُلُوّٗاۚ فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُفۡسِدِينَ﴾ [النمل: 14].

فهذه سوانح خواطر وشذرات متناثرات التقطتها من هذا الحدث العظيم الذي دونه القرآن الكريم، وجعل خاتمته منَّة على المؤمنين مع مقارنة له ببعض أحوال وليدة الشر ومحنةِ البشر وصِنوة الإفساد ومُهلكة الحرث والنسل، وحارقة الزرع والضرع، وحالِقة الخُلُق والقِيَم، المملكة المنكودة سلطان الشيطان «أمريكا» التي أَمِر أمرُها حينًا من الدهر لم تكن قبله شيئًا مذكورًا ففتحت عليها أبواب كل شي، وفرحت بما عندها من العلم، وقالت: من أشد منا قوة؟ وظنت أنها مانعتها حصونها من الله، فإذا شمسها قد آذنت بالأفول، ولن يكون لها -بإذن الله- بعد ذلك قفول، وإذا نزل الهرم بالدولة فلا يرتفع؛ لأن الظلم مؤذن بخراب العمران، قال ﷻ: ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِۦ فَتَحۡنَا عَلَيۡهِمۡ أَبۡوَٰبَ كُلِّ شَيۡءٍ حَتَّىٰٓ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوٓاْ أَخَذۡنَٰهُم بَغۡتَةٗ فَإِذَا هُم مُّبۡلِسُونَ ٤٤ فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْۚ وَٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ [الأنعام: 44-45].

أولًا: إن أكثر ما يعين المرء على فهم أحداث السيرة النبوية والانتفاع بها في استخلاص العبر واستنباط الدروس -فيما أرى- هو عدم وقوفه على مجرد صور وهيئات الأحداث والوقائع، بل عليه أن ينظر لما وراء ذلك من المعاني ويغوص في الحقائق التي تكاد تكون ثابتة راسخة في قانون الكون مطردة مع سننه، فلا يغيرها كر الدهور ولا مر العصور، ثم استحضار أن تلك الأحداث إنما جرت على أيدي بشرٍ وبجهودهم الطبيعية التي حالفها توفيقٌ وتسديدٌ وعونٌ من الله سبحانه، ولم تقع على أيديهم بخوارق أخرجتهم عن الطبيعة البشرية، وما حصل من ذلك فإنما هي نُتَفٌ في مسيرة الأحداث الطويلة فليست هي الأصل، وقد ألمح القرآن إلى شيء من هذا المعنى كما قال ﷻ: ﴿ذَٰلِكَۖ وَلَوۡ يَشَآءُ ٱللَّهُ لَٱنتَصَرَ مِنۡهُمۡ وَلَٰكِن لِّيَبۡلُوَاْ بَعۡضَكُم بِبَعۡضٖۗ﴾ [محمد: 4].

ص 1728

ولعل في إنزال الملائكة يوم بدر بأعدادهم مردفين يضربون بأسيافهم وأسواطهم الأعناق والأطراف ما يشير لهذا المعنى، ومن تمعّن في آيات الكتاب العزيز يستشف منها الإيماء إلى هذا الأمر، فتأمل قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُوٓاْۚ إِنَّهُمۡ لَا يُعۡجِزُونَ﴾ [الأنفال: 59]، والذي يدل على كمال قدرته عز شأنه، وأن الكافرين لن يفوتوه أو يعجزوه، فهم تحت قهره وسلطانه سبحانه، فحتى لا يركن المسلمون إلى مجرد قدرة الله ﷻ وإحاطته بالكافرين من غير أن يكون منهم عملٌ وسعيٌ واجتهاد «التكليف الشرعي»، وكي لا يقال ما دام الله ﷻ قادرًا عليهم ولن يسبقوه أو ينجوا من عذابه فما الحاجة إلى الجهد والسعي إذن -جاء بعدها الأمر الصريح بالإعداد والتجهز وإنفاق الأموال في ذلك ليعلموا أن أحكام الله جارية على سننٍ ومنوطة بأفعال المكلفين فقال ﷻ: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةٖ وَمِن رِّبَاطِ ٱلۡخَيۡلِ تُرۡهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمۡ﴾ [الأنفال: 60]، بل هذا هو مقتضى التكليف الشرعي المتعلق بأفعال المكلفين والذي حُدَّ بالاستطاعة، فلا يكلف الله نفسًا إلا وسعها.

ص 1729

ومثل ذلك قوله تعالى في السورة نفسها: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَسۡبُكَ ٱللَّهُ وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ [الأنفال: 64]، حيث تدل الآية على أن الله تعالى كاف نبيَه وكاف مَن اتَّبعه من المؤمنين، فجاء بعدها مباشرة قوله ﷻ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَرِّضِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ عَلَى ٱلۡقِتَالِۚ إِن يَكُن مِّنكُمۡ عِشۡرُونَ صَٰبِرُونَ يَغۡلِبُواْ مِاْئَتَيۡنِۚ وَإِن يَكُن مِّنكُم مئةٞ يَغۡلِبُوٓاْ أَلۡفٗا مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَفۡقَهُونَ﴾ [الأنفال: 65]، حتى يدرك المؤمنون أن كفاية الله لهم لا تعني تخليهم عن القيام بواجب الأعمال والتي منها الجهاد والتحريض عليه والصبر أمام أعدائهم، فيجمعون بين الاجتهاد في القيام بما أمرهم الله به مما هو في طوقهم وقدرتهم ودائرة تكليفهم وبين توكلهم على الله ﷻ واعتمادهم عليه ولجوئهم إليه، كما فعل النبي ﷺ يوم بدرٍ إذ عبأ الجيش وصف الصفوف وقال لأصحابه: (إذا أكثبوكم فارموهم بالنبل واستبقوا نبلكم)٢٬٦٣٨رواه البخاري [٣٩٨٤].، ومع ذلك رفع يديه في العريش وأصبح يهتف بربه ويستغيث به ويستنزل نصره ويقول: (اللهم أنجز ما وعدتني اللهم أنجز ما وعدتني، اللهم إنك إن تهلك هذه العصابة من الإسلام فلا تعبد في الأرض أبدًا)٢٬٦٣٩[رواه مسلم: (١٧٦٣)].، فجمع بين التدبير والحيطة والتأهب وبين اللجوء إلى الله والاستغاثة به والإلحاح عليه، هذا وهو الموعود بإحدى الطائفتين العير أو النفير، وعلى كلٍّ فمثل هذه الإشارات في كتاب الله كثيرة لمن تدبرها.

إذن فما نتدارسه من أحداثٍ ونستحضره من وقائع إنما قام بها أناسٌ يحملون كامل الصفات البشرية، فيمشون ويقفون، ويجوعون ويشبعون، وينامون ويستيقظون، ويأمنون ويخافون، ويحبون ويبغضون، ويتعبون ويستريحون، ويجرحون ويتألمون، مع القطع بأن الله ﷻ قد خصهم بأمورٍ لن يدركهم فيها غيرهم من صلاح القلوب، وزكاء النفوس، وعلو الهمة، وصفاء السريرة، وخلوص العبادة، واستقامة الأعمال، وعمق الفهم، وسعة الإدراك، وغير ذلك مما أكرمهم الله به فهم خير القرون، ويكفي أن الله قد اصطفاهم لصحبة نبيه والاضطلاع بتبليغ شريعته لمن بعده، وجعْلِهم ميزانًا في الاستقامة والهداية، ومقصدًا في الائتساء والاتباع، وصار سبيلهم هو سبيل المؤمنين، فكل مَن لحقهم فهو تبعٌ لهم ومن شذ؛ شذّ في النار: ﴿وَٱلسَّٰبِقُونَ ٱلۡأَوَّلُونَ مِنَ ٱلۡمُهَٰجِرِينَ وَٱلۡأَنصَارِ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحۡسَٰنٖ رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُ وَأَعَدَّ لَهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي تَحۡتَهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ﴾ [التوبة: 100]، ﴿وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِنۢ بَعۡدِمَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلۡهُدَىٰ وَيَتَّبِعۡ غَيۡرَ سَبِيلِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ نُوَلِّهِۦ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصۡلِهِۦ جَهَنَّمَۖ وَسَآءَتۡ مَصِيرًا﴾ [النساء: 115]، ﴿وَٱلَّذِينَ جَآءُو مِنۢ بَعۡدِهِمۡ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لَنَا وَلِإِخۡوَٰنِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلۡإِيمَٰنِ وَلَا تَجۡعَلۡ فِي قُلُوبِنَا غِلّٗا لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٞ رَّحِيمٌ﴾ [الحشر: 10].

ص 1730

فكثيرًا ما يغيب عنا استشعار أن هذه الأحداث العظيمة التي أفنت دولًا وأقامت دولًا وأذلت ملوكًا وفتحت أراضيَ، إنما وقعت لحظة بلحظة، وحركةً حركة، فلم تتخط الجهود البشرية، ولم تتجاوز دائرة ما في الإطاقة من الأفعال والأقوال، ولم تجرِ على قوانين الخوارق ولا انتظار حلولها وترقب نزولها، فترانا نأخذ الحدث بمجمله وعمومه فما حصل في شهرٍ أو شهرين ربما تقرأه في دقيقة أو دقيقتين، ونمر عليه مرورا عابرًا، فلا تعرف من القصة إلا كون البداية هي كذا والنهاية كذا، إلا أن استحضار حال القائمين على تلك الأحوال وهم في صفاتهم البشرية، وتفاصيل حركاتهم، وتنوّع مشاعرهم -والتي دون القرآن بعضها- تعطي الحدث بعدًا آخر يجعلك تعيش وكأنك معهم وبينهم، ممتزجٌ بهم ومتحركٌ في ركابهم، وهذا من أعظم ما يقوي الهمة ويحث على الائتساء، ويجعل الإنسان بعيدًا عن اليأس والإحباط الذي يتولد عن انقطاع الأمل في الاقتراب من الفضل الذي منَّ الله به على أولئك السابقين الأخيار، كما أنه يعطي المرء فهمًا حقيقيًا واضحًا متمكنًا لطبيعة هذا الدين العظيم.

واتساع مفهوم العبادة بحيث تحيط بجوانب الحياة كلها والتي تقوم على المجهود البشري، فلا يسبح المرء في عالم الخيال والافتراض والمثالية المعجِزة، حتى إذا أراد أن يتنزل إلى الواقع ليطبق تلك الصورة الذهنية المشرقة السامقة اصطدم بالحقائق وتعثَّر في العقبات الملاصقة لمساعي البشر فيجد الضعف والخطأ والقصور والتقصير وربما الهوى وميول النفوس وغير ذلك، فيصاب بالإحباط أو يرجع القهقرة وينقلب على عقبيه والعياذ بالله، وكذلك لا يكون فيها «أي العبادة» شيء على حساب شيء، فضلًا عن حصرها في زاوية ضيقة مطبقة هي أقرب إلى التعطيل منها إلى التكليف، كأولئك المتصوفة الذين جعلوا الدين ظلمة ومسبحة وطقطقات يتبع بعضها بعضًا بالليل والنهار، وأورادًا متسلسلة تنقطع دون بلوغ آخرها أنفاس الناس، مع عيش أحدهم عالة يتكفف الخلق ويبذل ماء وجهه وهو يحسب أنه متوكلٌ على ربه متفرغٌ «لعبادته» التي لا يتصور أنها تعدو ما هو فيه، ويرى الاشتغال بغيرها قسوة للقلب وتفريقًا للجمع وحائلًا دون بلوغ أعلى مراتب الولاية.

وانظر كيف كان العدو في بعض الأزمنة يبتلع بلاد المسلمين واحدة تلو الأخرى ويعيث في الأرض فسادًا فيقتل وينتهك ويسلب وكثيرٌ من أولئك «العبَّاد» متفرغون للجهاد الأكبر بقَدْعِ النفس وفَلِّ شَباتِها، وقطع دابر وساوسها وشهواتها، ومطاردة دقائق خواطرها وتنقية ذرات شوائبها، فأشغلهم ذلك عن الجهاد الأصغر! المتمثل في دفع أولئك الشراذم المعتدين، فدخلوا في سراديب رهبانية ابتدعوها لم تكتب عليهم بل نقضها دينهم.

ص 1731

هذا ولا يقتصر العوج في ذلك على الفهم الصوفي الأخرق، بل لذلك نظائر كثيرة وفي جوانب متعددة خاصة في عصرنا الحديث، والغرض الإشارة وقد حصلت، فالمقصود أن قراءة السيرة النبوية -وكذلك الأحداث التاريخية- وتصوّر أحوال وقائعها بطريقة لا تخرجها عن عالم الإمكانات البشرية بل تسير معها تمامًا كما يحصل كل مجهودٍ في نطاق المقدور والذي يتفاوت فيه الناس تفاوتًا كبيرًا مع وجود الحدّ المشترك بينهم -يجعل المرء يعيش معها بوجدانه الذي يورث ثمرات عملية، فيجمع بين حياة القلب والاندفاع للعمل فتُجنى ثماره يانعة، وتؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، قال ﷻ: ﴿لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرٗا﴾ [الأحزاب: 21].

فتخيّل معي أن تقتيل رجالات بني قريظة، يُنقَل لك على الهواء مباشرة، أو تطّلع عليه من هضبة مشرفة على مكان الحدث، فترى الرجل اليهودي بلحيته البيضاء وذوائبه المسدولة وقد أنزل من الحصن وعيناه جاحظتان يجر رجليه إذ يقاد إلى الموت وهو ينظر، وقد شدت يداه بالقيد، والصحابي آخذٌ بعضده يسحبه أو يدفعه إلى محل ضرب الأعناق بالسيوف، فيؤتى به فيوقف على حافة الخندق الذي خد لذلك، فترى الصحابي بسيفه الصقيل قد وقف بجانبه ثم رفع سيفه وضربه ضربة على عنقه أطنّ بها رأسه فخرَّ في ذلك الأخدود وقد تطاير منه الدم، وسقطت جثته على جثث غيره، وهكذا!، وأنت ترى ذلك كله، فيؤتى بالمراهق وقد شُكَّ فيه أبالغٌ هو أم لا؟ فيؤخذ في ناحية من النواحي بجوار جدار الحصن فيكشف عنه ليرى أأنبت أم لا، فيقول الصحابي للآخر: إن هذا قد أنبت! فيقتاد من يده إلى محل ضرب الأعناق، وأنت تراه أمرد قد طر شاربه ولم تنبت لحيته! فيوقف كما أوقف من قبله فيضرب عنقه اللين فيتناثر الدم ويقع هو على أكوام الرجال الذين قبله، وهكذا حتى يكتمل العدد واحدًا واحدًا وفيهم الشاب، والكبير، والسيد الشريف، والدنيء الحقير.

عن عطية القرظي قال: «كنت في الذين حكم فيهم سعد بن معاذ فقربت لأقتل؛ فانتزع رجل من القوم إزاري فرأوني لم أنبت الشعر فألقيت في السبي»٢٬٦٤٠رواه أبو داود [٤٤٠٥] والنسائي [٨٥٦٦] والترمذي [١٥٨٤] بألفاظ متقاربة..

ص 1732

فعندما نستحضر القصة أو شيئا منها بمثل هذا المشهد ستجد في نفسك مشاعر دفينة، وتستثير كوامن مجهولة لن تدركها ولن تستشعرها وأنت تقرأ فقط أن سعدًا رضي الله عنه قد حكم بأن تقتل مقاتلتهم، وتسبى ذراريهم، فقتل منهم كذا وكذا ثم تتجاوز الحادثة بلمح البصر، وربما يكون ذهنك أثناء بلوغك تلك العبارة ذاهلًا كما يقع كثيرًا أثناء المطالعة، فكم في حدثٍ بهذا الضخامة والجسامة «قتل أكثر من أربع مئة رجل» من الحركات والسكنات، والمشاعر والكلمات، والازدحام والتدافع، والتمتمة والصياح، والتيقظ والانتباه، والتعنّت والاستسلام، والتصبر والذعر، والتجلد والارتجاف مما لا يخلو منه مثله.

ولأن مثل هذه القضايا وغيرها من متعلقات سياسة الدول وضبطها تحتاج إلى قوة قلبٍ وشدة حزمٍ ومضاءِ عزمٍ اشترط العلماء في الإمام العام أن يكون قويًا جريئًا في إنفاذ الحق وإقامته حتى لا يضطرب في مواطن الملمات ولا يرتبك عند حلول المدلهمات، فتمتزج العاطفة اللينة مع الخور الرخو الخفي فيُخرج مسخًا من الرأي يُحدِث في الإسلام خرقًا لا يرتق فتقه، ولا تسد ثلمته، ويوقع الأمة في آلامٍ ومآسٍ ومعاناة ومقاساةٍ تفوق ما أراد تفاديه «برفقه الخادع» أضعافًا مضاعفة، وهذا لا يعني أن يكون جبارًا عنيدًا ولا شيطانًا مريدًا لا تعرف الرحمة إلى قلبه سبيلًا، ولا اللين إلى نفسه مدخلًا، فخير الأمور أوسطها وشرها أطرافها، والفضائل تحيط بها الرذائل فمن تعداها وقع فيها، وكما يروى عن عمر رضي الله عنه أنه قال: «لا ينبغي أن يلي هذا الأمر -يعني أمر الناس- إلا رجل فيه أربع خلال: اللين في غير ضعف، والشدة في غير عنف، والإمساك في غير بخل، والسماحة في غير سرف، فإن سقطت واحدة منهن فسدت الثلاث»٢٬٦٤١[رواه عبد الرزاق في المصنف: (١٦٢٣٨)]..

واستطرادًا أنقل هنا كلامًا للإمام الشوكاني في كتابه السيل وذلك لجماله وإحكامه قال رحمه الله٢٬٦٤٢[وكأن الشيخ سها فلم يذكر كلام الإمام الشوكاني رحمه الله، أو حدث سقط في النسخ]..

ص 1733

وتأمل في حادثة مقتل محمد الدرة على أيدي الجنود اليهود وهو يحتمي بوالده عندما شاهدها العالم كيف استخرجت رحمات القلوب، وأثارت الكوامن، وحرّكت الناس في المظاهرات، وصيغت فيها القصائد المتنوعة، وارتجت بها المنابر، وذرفت العيون، وتسلق عليها المتسلقون، وسميت باسمه المؤسسات، وهي حادثة يتكرر نظائرها بل وبصور أبشع منها في بقاع متعددة من بلدان المسلمين بل حتى في فلسطين نفسها، ولكن لا تبلغ عشر معشار ما بلغته هذه الحادثة من التأثير والإثارة ولا من الاهتمام والعناية، وذلك لأنها تمر في وسائل الإعلام مرورًا عابرًا يُعلَم فيه بمقتل طفلٍ أو حتى أطفال في قصفٍ صاروخي، أو برصاص قناصة، أو غير ذلك.

وربما يسمعها المرء وهو يتجشأ على قصعته وكأن شيئًا لم يكن، وحقًا ليس الخبر كالمعاينة، ومع ذلك ينبغي للمرء أن يقرّب ذهنه من المعاينة والمشاهدة، ويعيش مع الأحداث وكأنه في وسطها بل ومشاركٌ فيها لينتفع بها ويتعوذ بالله من موت القلب.

وهذا كله على سبيل الاجتهاد في الاستحضار والانتقال بالذهن إلى تفاصيل الأحداث، وذلك يدني الحقيقة من المرء، وهو ما يجعل الإنسان يدرك أن الكينونة بين الحقائق والانغماس في الوقائع والدخول في الممارسات العملية، وولوج جزئياتها بحسب الطاقات البشرية يختلف تمام الاختلاف عن مجرد تصورها -ولو بتفاصيلها-.

ثانيًا: إذن فما ننبه عليه دائمًا وهو كما ذكرته في أول الأمر، للاستفادة من أحداث السيرة، هو أن لا ننظر إلى مجرد الصور والهيئات ونجمد عليها، فنحرم أنفسنا علـمًا جمًا وفهمًا نافعًا، وإنما علينا أن نغوص في المعاني والحقائق التي عليها المدار، وهي التي لا تكاد تختلف مهما تباعدت الأزمان، وتقلبت الأحوال، ففي هذه الحادثة عندما تقارن بين بني قريظة وأمريكا «منبع الشر»، فلا تقصر ذهنك أيها القارئ على تصور الحال فقط على أنها حصن أو حصون مشيدة بداخلها عددٌ من الرجال والنساء والأطفال نقضوا العهد وجاهروا بالعداوة.

ص 1734

حتى إذا التفتَّ إلى أمريكا رأيت «دولة» قد فتح الله عليها أبواب كل شيء، وبلغت الغاية من التقدم والتقنيات وعلوم الإدارة والتفنن في السياسات وغير ذلك، فيرجع نظرك حسيرًا إذ لا تجد أدنى مناسبة -بحسب الظاهر- بين أولئك وهؤلاء، فأين بضعة مئات، من مئات الملايين، وكيف تقارَن حصونٌ مشيّدة على رقعة صغيرة بدولة مترامية الأطراف واسعة الأرجاء، وكيف يُجعَلُ حكمٌ غابر بدائي يقوم على رأي السادة والأشراف بنظامٍ عصري متحضر يقوم على التناوب على السلطة وإعطاء الشعب حقه في التعبير والتغيير، فلا تقارن العَدَد بالعَدَد، ولا الخيل بالطائرة، ولا الجمل بالسيارة، ولا الحصن بالبيت الأبيض، ولا السهم بالطلقة، ولا الجبة «بالكرافيت»، ولا الملتحي بالحليق، ولا السبَّ من فوق الأسوار بالسب والشتم عبر مكبرات الصوت أو وسائل الإعلام، نعم!

هكذا سيصبح المرء حائرًا إن وقف عند الأسوار والحيطان والجدران، والبساتين، والأعداد، ورؤوس القبيلة، والخيل والسيف والرماح والتروس! أما إذا تجاوز ذلك كله، ليخلص إلى لب الأمر وجوهره، ليقْرِن بين الغدر والغدر، والنقض والنقض، والقتل والقتل، والطعن والطعن، والمظاهرة والمظاهرة، والمحاربة والمحاربة، والإجرام والإجرام، وهلـمّ جرا من الأفعال والأوصاف التي لا تتبدل ولا تتغير.

فسيرى أن تلك الحقيقة الخافتة المستترة وراء التاريخ الغابر لا تتجاوز أن تكون شعبًا «بني قريظة» يقيمون على أرضٍ «جنوبي شرق المدينة»، وتحصنوا بداخلها «حدود دولتهم»، لهم قادتهم ورؤساؤهم «كعب بن أسد ومجلس شيوخه»، الذين يسوسونهم ويقودونهم «بنظام حكمٍ»، قد تواطؤوا على نقض العهد ومظاهرة الأحزاب على المسلمين، فاستحقوا جميعًا «حكومة وشعبًا» أن تحل عليهم العقوبة «القتل والسبي وغنم الأموال» بسبب ذلك، فعامل النبي ﷺ هذا «الكيان» باعتباره شيئًا واحدًا من حيث سبب ما عوقبوا لأجله حتى بعدَ أن صاروا مقدورًا عليهم «نزولهم على حكم سعد»، فأنزِلْ أمريكا منزلة كل صفة من هذه الصفات لتدرك أن الأمر لا يغيّره حاملات طائرات، ولا عابرات قارات، ولا أقمار صناعية، ولا أجهزة متطورة، ولا عمارات شاهقة، ولا أنظمة دقيقة، ولا سياسات عصرية، ولا حضارة مزعومة بل الأمر هو، هو، لا ينقضه كثرة عدد، ولا تفوق عُدَد، ولا اتساع أرضٍ، ولا القرن العشرون ولا الروم ذات القرون!، فكلهم قرظيون إلا من أسلم فَسلِم.

ص 1735

ثالثًا: من المعلوم أن النبي ﷺ حينما قَدِم المدينة قد عاهد اليهود بطوائفهم الثلاثة: «بني النضير، وبني قريظة، وبني قينقاع»، وهو أمرٌ لا يختلف فيه أهل السير، فلم يزل بنو قريظة على عهدهم وعقدهم مع رسول الله ﷺ حتى جاءت وقعة الأحزاب فدلاّهم أحد الأشرار بالغرور، وهو حيي بن أخطب، ومنّاهم وأمّلهم وأغراهم وأغواهم حتى نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم كما روى القصة الإمام البيهقي مطولة وفيها: «وخرج حيي بن أخطب حتى أتى كعب بن أسد صاحب عقد بني قريظة وعهدهم، فلما سمع به كعب أغلق حصنه دونه فقال: ويحك يا كعب افتح لي حتى أدخل عليك! فقال: ويحك يا حيي إنك امرؤ مشئوم! وإنه لا حاجة لي بك ولا بما جئتني به، إني لم أر من محمد إلا صدقًا ووفاء، وقد وادعني ووادعته فدعني وارجع عني... قال له: ويحك يا كعب جئتك بعز الدهر بقريش معها قادتها حتى أنزلتها برومة وجئتك بغطفان على قادتها وسادتها حتى أنزلتها إلى جانب أحد جئتك ببحر طام لا يرده شيء فقال: جئتني والله بالذل ويلك فدعني وما أنا عليه فإنه لا حاجة لي بك ولا بما تدعوني إليه، فلم يزل حيي بن أخطب يفتله في الذروة والغارب حتى أطاع له، وأعطاه حيي العهد والميثاق لئن رجعت قريش وغطفان قبل أن يصيبوا محمدا لأدخلن معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك، فنقض كعب العهد وأظهر البراءة من رسول الله ﷺ وما كان بينه وبينه»٢٬٦٤٣[السنن الكبرى: (١٨٨٥٦)]..

هكذا كان حال بني قريظة قبل العقد وبعده حتى ذاقوا وبال أمرهم وأحاطت بهم خطيئتهم وحاق بهم ما كانوا يكسبون، أما أمريكا «منبع الشر» فلم يقع بينها وبين المسلمين يومًا من الأيام عقد ولا عهدٌ أصلًا، بل هي حربٌ عليهم قولًا وفعلًا منذ قيامها، إخراجًا من ديارهم، ومظاهرة لمن يخرجهم، وقتالًا لهم في عقر ديارهم، وتشريدًا لشعوبهم، وارتكابًا لأبشع الجرائم في حقهم، وأسر رجالهم ونسائهم، وقطع البحار والقفار لتقتيل شيوخهم وأطفالهم وضعفائهم وخطف خيارهم، فهي قد جمعت أركان الحرب الثلاثة التي ذكرها الله تعالى في قوله: ﴿إِنَّمَا يَنۡهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ قَٰتَلُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَأَخۡرَجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ وَظَٰهَرُواْ عَلَىٰٓ إِخۡرَاجِكُمۡ أَن تَوَلَّوۡهُمۡۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ﴾ [الممتحنة: 9]، القتال في الدين، والإخراج من الديار، والمظاهرة على الإخراج.

ص 1736

وإن تعجب فعجبٌ من أناسٍ يحتاجون إلى برهنة مثل هذه الأمور التي تنطق من غير استنطاق، وتسفر من غير استفسار، ولكن: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعۡمَى ٱلۡأَبۡصَٰرُ وَلَٰكِن تَعۡمَى ٱلۡقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ﴾ [الحج: 46]، فلا تكاد اليوم تجد دم مسلمٍ يهراق في الأرض على أيدي الكفرة إلا وكان لأمريكا كفلٌ منه.

إذًا فلا يشك أحدٌ وبالنظر إلى ما ترتكبه أمريكا -حتى على افتراض أن بينها وبين المسلمين العقود المؤكَّدة والعهود المغلظة- ومقارنته بجريمة بني قريظة كفعلٍ مجرّدٍ من غير اعتبار كونها وقعت في حق خير البشر ﷺ، فإن جرائم «منبع الشر» تفوق ما اقترفه اليهود بأضعافٍ مضاعفة، بل لا تكاد النسبة تذكر أصلًا، حتى ولو وازنتها بجريمة دعمهم الدائم والمستمر والمفتوح لأحفاد القرظيين المحتلين لفلسطين المسلمة عقودًا طويلة لفاقتها بمراحل طويلة فكيف إذا انضافت إليها كل جرائمهم الفظيعة المتواصلة الممتدة في بلاد المسلمين كافة والتي اشتملت جبهات عديدة عسكرية، وإعلامية «الطعن في الدين»، وأخلاقية، وعقائدية.

رابعًا: سجَّل لنا القرآن شيئًا من جرائم بني قريظة التي كانت سببًا في استحقاقهم تلك العقوبة المغلّظة ألا وهي مظاهرتهم للأحزاب التي زحفت على المدينة، فقال تعالى: ﴿وَأَنزَلَ ٱلَّذِينَ ظَٰهَرُوهُم مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ مِن صَيَاصِيهِمۡ﴾ [الأحزاب: 26]، وهذه المظاهرة إنما كانت بما وعدوا به أبا سفيان قائد الأحزاب من الإعانة والمؤازرة بعد نقضهم للعهد الذي كان بينهم وبين رسول الله ﷺ، فلا يظهر -من خلال كتب السيرة- أنهم ساعدوا الأحزاب بمالٍ ولا برجالٍ ولا بقتالٍ.

وإنما أشارت بعض كتب التفسير إلى أنهم أمدوهم بالسلاح والأدرع، ولم يخرجوا بعد نقضهم للعهد من حصونهم، ولم ينضموا إلى جموع الأحزاب بأنفسهم ويشاركوهم في حصارهم، فكل ما حصل منهم -أخزاهم الله- هو نقضهم للعهد في وقت عصيبٍ على المسلمين ثم وعْدُهم للأحزاب بإعانتهم، بل إن الأحزاب نفسها والتي آزروها وأعانوها لم يقع بينها وبين النبي ﷺ قتالٌ يذكر وإنما هي بعض المناوشات، فكانت بنو قريظة عونًا لهم في إرعاب المسلمين، وزيادة الشدة والكرب عليهم، والخوف على نسائهم وذراريهم، حتى قال بعض أهل العلم إنهم هم الذين جاءوا من فوقهم في قوله تعالى: ﴿إِذۡ جَآءُوكُم مِّن فَوۡقِكُمۡ﴾ [الأحزاب: 10].

ص 1737

ومجمع القول أن بني قريظة لما نكثوا عهدهم في وقتٍ بلغت فيه المحنة أقصاها وتحيّنوا تلك الفرصة ظانين أنها سانحة لاستئصال المسلمين، وواعدوا الأحزاب المتألبة بالإعانة، فنتج عن ذلك ازدياد المحنة وتضاعف الزلزلة وتعاظم البلاء كانوا بذلك مظاهرين لجموع الأحزاب -مع أن الأحزاب رجعوا بغير قتالٍ-فاستحقت قريظة تلك العقوبة الشديدة، قال ﷻ: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعۡبَ فَرِيقٗا تَقۡتُلُونَ وَتَأۡسِرُونَ فَرِيقٗا ٢٦ وَأَوۡرَثَكُمۡ أَرۡضَهُمۡ وَدِيَٰرَهُمۡ وَأَمۡوَٰلَهُمۡ وَأَرۡضٗا لَّمۡ تَطَـُٔوهَاۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٗا﴾ [الأحزاب: 26-27].

والجزاء من جنس العمل كما قال الإمام ابن كثير رحمه الله: «﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعۡبَ﴾ وهو الخوف؛ لأنهم كانوا مالؤوا المشركين على حرب رسول الله ﷺ، وليس مَنْ يعلم كمن لا يعلم، فأخافوا المسلمين وراموا قتلهم ليَعِزُّوا في الدنيا؛ فانعكس عليهم الحال، وانقلب الفال، انشمر المشركون ففازوا بصفقة المغبون، فكما راموا العز ذلوا، وأرادوا استئصال المسلمين فاستؤصلوا، وأضيف إلى ذلك شقاوة الآخرة، فصارت الجملة أن هذه هي الصفقة الخاسرة»٢٬٦٤٤[تفسير ابن كثير: (11/142)]..

ومما غلظ العقوبة في حقهم أيضًا إلفهم لنقض العهود واعتيادهم له كما قال تعالى فيهم: ﴿إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَآبِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ٥٥ ٱلَّذِينَ عَٰهَدتَّ مِنۡهُمۡ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهۡدَهُمۡ فِي كُلِّ مَرَّةٖ وَهُمۡ لَا يَتَّقُونَ ٥٦ فَإِمَّا تَثۡقَفَنَّهُمۡ فِي ٱلۡحَرۡبِ فَشَرِّدۡ بِهِم مَّنۡ خَلۡفَهُمۡ لَعَلَّهُمۡ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأنفال: 55-57]، قال ابن عطية: «وأجمع المتأولون أن الآية نزلت في بني قريظة وهي بعدُ تعم كل من اتصف بهذه الصفة إلى يوم القيامة»٢٬٦٤٥[تفسير ابن عطية: (2/542)]..

ص 1738

تلك هي مظاهرة بني قريظة للأحزاب، أما أمريكا «منبع الشر» فإنها مظاهَرة معانة ومظاهِرة معينة، فهي من جهة تقود الأحزاب وجموع أحلاف الكفر المحتلة لبلاد المسلمين في العراق وأفغانستان بجيوشٍ جرارة وأسلحة مدمّرة وحروب قذرة، فهي هنا القائدة المتبوعة المترأسة المتقدِّمة لأحلافها، وكل الدول الكافرة المقاتلة معها إنما هي تحت لوائها وتابعة ومظاهِرة لها، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فهي التي تتولى أمر القيام على ربيبتها ردغة الخبال دويلة إسرائيل بدعمٍ مطلقٍ، ومساندة تامة، وتعهدٍ مؤبد، وإعانة مفتوحةٍ، ومظاهرةٍ دائمة عسكريًا وأمنيًا وماليًا واقتصاديًا وسياسيًا.

بل يصرح ساستها ليلًا ونهارًا على رؤوس الأشهاد وفي المحافل الكبرى بأن أمنهم مرتبطٌ ارتباطًا مباشرًا بأمن إسرائيل، وأن أي اعتداء على إسرائيل هو اعتداءٌ عليهم، أي أن إسرائيل أصبحت جزءًا من جسمهم وقطعة من لحمهم، فهي مظاهَرة تصرخ بنفسها، وهذا يعني أن كل جريمةَ قتلٍ أو نهب أو أسرٍ أو خطفٍ أو تجريفٍ أو تدميرٍ أو تحريقٍ أو توطينٍ يقوم بها يهودي من المحتلين لفلسطين فإن أمريكا «حكومةً وشعبًا» مشاركةٌ مشاركةً مباشرةً فيها، وتلقى عليها تبعة ذلك تمامًا كما تلقى على كيان اليهود الغاصب سواء بسواء حذو القذة بالقذة، فساسة أمريكا يؤكدون بأفعالهم وأقوالهم بأن إسرائيل هي أمريكا وأمريكا هي إسرائيل، فلا أدري لم يكلف بعض الناس أنفسهم عَنَتًا فيبحثون عن مخارج تبرئ منبع الشر أو تحجم من جريمتها ومن ثَم تخفف في حقها العقوبة التي يستبيحون تغليظها في حق دويلة اليهود والتي لا بقاء لها ولا استمرار إلا بحبل الناس وسيل الدعم الذي يتدفق عليها من أمريكا وأخواتها سخاءً رخاء؟!

ولا ندري ما الذي يجعل لقاء «ليفني» جريمةً يتورَّع عنها بعض ساسة العرب المخذولين -ولو أمام وسائل الإعلام- بينما يتهافتون بلهفٍ ولهث على الارتماء أمام عنكبوتة البيت الأبيض «رايز»، أو خليفتها الخرقاء «هيلري»، فيعدّونه شرفًا، ولا يراه غيرهم منكرًا ولا إجرامًا، وكأن يد الأولى ملطخة بالدماء أما أيدي هاتين قد تزينت بالحناء، وقد كانت هؤلاء أخس من أن أشوّه المقالَ بذكر أسمائهنّ ولكنَّ المضطر معذور!

ص 1739

خامسًا: كما ذكرتُ من قبلُ فإن يهود بني قريظة -أخزاهم الله- لم يخرجوا بجيوشهم وحشودهم من صياصيهم ليغزوا المدينة، أو يكونوا جنبًا إلى جنبٍ مع جموع الأحزاب المحاصرة لها، وإنما نقضوا عهدهم ووعدوا المشركين بإعانتهم، فانقضت الحرب وولت الأحزاب وهم على ذلك لم يزيدوا شيئًا، ومع ذلك فإن جبريل عليه السلام ومن معه من الملائكة لم يضعوا أسلحتهم بعد قفول الأحزاب خائبة، بل بادروا إلى حصن بني قريظة قبل أن ينفضوا عنهم الغبار لقذف الرعب في قلوبهم، وحثَّ النبيَّ ﷺ على المسارعة في ذلك، فقام إليهم رسول الله ﷺ مُجِدًّا وعزم على أصحابه أن لا يصلوا العصر إلا في بني قريظة؛ ومعنى هذا أن نقض هؤلاء اليهود للعقد زيادة على ما تعهّدوا به من المناصرة للأحزاب استوجب أن تستنفر لهم الملائكة وتنهض لهم جموع المؤمنين وعلى رأسهم رسول الله صلى الله وعليه وسلم ويغزوهم في عقر دارهم، ويحاصروا حصونهم.

ولا شك أن بني قريظة قد انخزلوا٢٬٦٤٦[الخَزْلُ: القَطْعُ، وانخزلوا: انقطعوا. مجمل اللغة، لابن فارس (ص: 210)]. بعدما ولت عنهم الأحزاب وقذف الله في قلوبهم الرعب، ولم يعد خطرهم كما كان وقت حصار المدينة، بحيث لو تركوا لن يكون منهم عظيم خطرٍ على المدينة وأهلها، فما نزل بهم من عظيم النكال كان على جريمة قد انقضى بعضها وهو تحالفهم مع الأحزاب ولم يبق مما يتلبسون به إلا نقضهم للعهد.

أما أمريكا «منبع الشر» فإنها هي التي قصدت المسلمين في عقر دارهم، وداهمت بجيوشها الجرارة بلادهم، واستباحت بحارهم وأجواءهم وأراضيهم وحرماتهم، وتسلطت على المسلمين بأنواعٍ فظيعة من التنكيل والتقتيل والتعذيب والتدمير فأحلَّتهم دار البوار، فهي التي تحاصرهم وتطاردهم وتأسرهم وتهجّرهم وترعبهم وتنهب خيراتهم وتجوِّع شعوبهم وتبيدهم، بحيث أصبح شرها وفسادها لا يسلم منه بلدٌ ولا يكاد يشذ عنه بيت، بل عمَّ حتى إخوانهم في ملة الكفر فقتلت منهم الملايين، وأبادت مدنًا بكاملها، وهي لا تنفك لحظة عن التلبس بهذه الجرائم، بل تتعاظم وتتفاقم يومًا بعد يوم، وهذه الأفعال والجرائم والفظائع واضحة للعيان يعاني مرارتها كل مسلمٍ.

ص 1740

فلا يموه عليها ولا يغطيها أو يلغيها خطابات رؤسائهم الخاوية، ولا تضليلاتهم الإعلامية السخيفة، ولا دعايات إنسانيتهم وحضارتهم الخادعة، ولا يكفّرها عقد ولائم إفطار رمضان في البيت الأبيض، ولا يمحوها وضع المصحف الشريف في مكتبته، ولا زيارة المساجد وحملقة العيون في زخارفها ونقوشها، ولا يشفع لها اعتذارٌ سخيف هو أقرب إلى الاستهزاء والسخرية كلما قتل عددٌ من عوام المسلمين، وحيث كنت أكتب هذا المقال وقعت المجزرة الصليبية التي ارتكبت في حق عدد من المسلمين جَنوبِيَّ أفغانستان يوم الاثنين «8 / ربيع الأول / 1431هـ» وقتل فيها -حسب اعترافهم ولا شك أن العدد مقلّصٌ- أكثر من ثلاثة وثلاثين مسلـمًا بينهم كثيرٌ من النساء والأطفال، فلم تستحق من مجرم الحرب رئيس هيئة الأركان الأمريكية إلا «الأسف» على الحادث وليس الاعتذار، وكأنهم ذبابٌ رش بمبيد حشري فَلِم الأسى عليهم إذن؟!، فتبًا لهم ولاعتذاراتهم التي لا تخدِّر وتسكّن إلا البلهاء أصحاب القلوب الميتة والعقول البليدة.

فكل هذه «السواتر المموِّهة» لا ترفع الحقيقة الثابتة الراسخة من كون أمريكا قد أجلبت على بلدان المسلمين بكل قوتها، ودخلت ديارهم محتلةً لها ومتغلِّبة عليها وقاهرة لأهلها، وأطلقت العِنان لجنودها المتوحشين يسفكون الدماء، ويختطفون الرجال والنساء، وينتهكون الأعراض، وينهبون الأموال، ويطعنون في الدين، ويلطخون المصحف الكريم بنجاساتهم القذرة وفي وسط ديار المسلمين، ويسعون في الأرض فسادًا، فلو قارنا هذه الجرائم -وغيرها كثير- بجريمة يهود بني قريظة والتي استحقوا بها أن يُغزَوا في عقر دارهم وتحاصر بسببها حصونهم ويُسارَع لإنزال العقوبة البليغة بهم لرأينا البون شاسعًا والتفاوت كبيرًا جدًا، إلا أن جريمة بني قريظة تعظم بالنظر إلى كونها متعلقة بالنبي ﷺ ودولته الناشئة التي إن قضي عليها فلن يعبد الله في الأرض.

والمقصود أن أمريكا «منبع الشر» وقد اقترفت ولا تزال تقترف من الجرائم ما يشيب لهوله الولدان، وتكد وتجد لاصطلام الإسلام، خليقة بأن تغزى في عقر دارها، ويُبادر بالاستنفار إليها والمسارعة لقتالها لدفعها وردعها، وقطع مادة شرها وليس لمجرد عقوبتها على ما ارتكبته من جرائم سلفت ومضت كما هو الحال مع يهود بني قريظة.

ص 1741

سادسًا: حاصر النبي ﷺ حصون بني قريظة، وناوشهم حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ، فأسلموا بذلك أنفسهم وأموالهم، ورضوا بأن يجري عليهم ما يقضيه فيهم، وهذا يعني أنهم صاروا مقدورًا عليهم من قبل المسلمين وفي قبضتهم وتحت يدهم، فحكم فيهم سعدٌ رضي الله عنه بما حكَمَ، فقسمهم إلى فريقين: مقاتِلة وهم كل بالغٍ من الرجال، وسبي وهم النساء والصبيان، فحكم بقتل الفريق الأول جميعًا، واستبقى الفريق الثاني ليكونوا للمؤمنين، كما قال الإمام ابن حزمٍ رحمه الله في قتل بني قريظة: «فَهَذَا عُمُومٌ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يَسْتَبْقِ مِنْهُمْ عَسِيفًا، وَلا تَاجِرًا، وَلا فَلاحًا، وَلا شَيْخًا كَبِيرًا، وَهَذَا إجْمَاعٌ صَحِيحٌ مِنْهُمْ رضي الله عنهم مُتَيَقَّنٌ؛ لأَنَّهُمْ فِي عَرَضٍ مِنْ أَعْرَاضِ الْمَدِينَةِ لَمْ يَخْفَ ذَلِكَ عَلَى أَحَدٍ مِنْ أَهْلِهَا»٢٬٦٤٧[المحلى: (5/٣٥١)]..

هذا وبعد استسلامهم للحكم، ووقوعهم في القبضة، لم يستفسر النبي ﷺ لا رجالهم ولا نساءهم ولا ذراريهم ليعرف من منهم كان راضيًا بنقض العهد ودعم الأحزاب ممن لم يكن كذلك، مع القدرة التامة على ذلك، لانحصار عددهم أولًا، ولتمكنه منهم ثانيًا مع ما عرف عنه ﷺ من بالغ الرحمة وحب العفو والمبادرة إلى الصفح، بل إن الأوس -وكانوا حلفاء لبني قريظة- قد طلبوا منه استبقاءهم أسوةً ببني قينقاع، ثم لما حكَّم فيهم رجلًا منهم وهو سيدهم سعد بن معاذ لم يزالوا يستعطفونه ويلحون عليه في الترفق بهم والتحنن عليهم، إلا أن الأمر كان خلاف ما أرادوا وطلبوا وكان أمر الله قدرًا مقدورًا.

وقد كان يمكن أن يبقي رسول الله ﷺ بعض رجالهم أو شبابهم من غير أن يقع أي ضررٍ من وراء استبقائهم، ولهذا لما استأذنه بعض الصحابة وهو ثابت بن قيس بأن يهبه الزبير بن باطا اليهودي وكان ضمن الأسرى وهبه له ﷺ إلا أن اللعين اختار القتل واللحوق بأصحابه وأحبابه والاجتماع بهم! فضربت عنقه بعدها مع أنه كان أعمى فاجتمع بهم! ولكن في نار جهنم وبئس المصير، كما جاء في بعض كتب السيرة.

ص 1742

وفي هذا أكبر ردٍّ على من يزعم أن قتل الأسير إنما يجوز فقط لدفع ضرره، ولهذه المسألة موضع آخر وليست مقصودة هنا، ولم يستثنِ النبي ﷺ إلا بعض مَن جاءه مسلـمًا كثعلبة وأسيد ابني سعية وأسد بن عبيد من بني عمومتهم، أو نأى بنفسه وانفصل عنهم ولم يرضَ بغدرهم كعمرو بن سعدي كما جاء في بعض كتب السيرة.

والمقصود أن نقض السادة والقادة للعهد وبقاء أتباعهم تحت سلطانهم مع تمكنهم من الانفصال والانعزال وإعلان البراءة مما اقترفوه جعل الجميع يجري عليهم موجب تلك الجريمة إما القتل وإما السبي، فالتثبت من كون كل واحدٍ منهم ليس موافقًا لهم أو راضيًا لم يفعله النبي ﷺ بل اكتفى بوجود النقض مع عدم البراءة منه فسرى بذلك الحكم على الكل رجالًا ونساءً وشبابًا وشيوخًا وأطفالًا واستحق كلٌّ منهم ما يناسبه من تبعات ذلك النقض بعد أن ذهبت ذمتهم مع غدر قادتهم وساستهم، وقريبٌ من هذا إن لم يكن عينه ما حصل لقريش عندما قاتل بعض بني بكرٍ حلفائها خزاعةَ وهم حلفاء النبي ﷺ فانتقض عهد الجميع وعزم النبي ﷺ على غزوهم سرًّا ودعا الله أن يعمي عنه ولم يحتج الأمر إلى أن ينبذ إليهم على سواء.

ص 1743

وهذا كما قال العلامة ابن القيم رحمه الله: «وكان هديه ﷺ أنه إذا صالح قومًا فنقض بعضهم عهده، وصلحه، وأقرهم الباقون، ورضوا به، غزا الجميع، وجعلهم كلهم ناقضين، كما فعل بقريظة، والنضير، وبني قينقاع، وكما فعل في أهل مكة، فهذه سنته في أهل العهد»٢٬٦٤٨[زاد المعاد: (3/ ١٦٠)].، بل أجرى هذا الحكم حتى في أهل الذمة الذين يعد عقدهم أغلظ وذمتهم أشد وأوكد، وله في ذلك فتوى خاصة في حادثة وقعت زمنه رحمه الله فقال: «وبهذا القول أفتينا ولي الأمر لما أحرقت النصارى أموال المسلمين بالشام ودورهم، وراموا إحراق جامعهم الأعظم حتى أحرقوا منارته، وكاد لولا دفع الله أن يحترق كله، وعلم بذلك من علم من النصارى، وواطؤوا عليه وأقروه، ورضوا به، ولم يُعلِموا ولي الأمر، فاستفتى فيهم ولي الأمر من حضره من الفقهاء، فأفتيناه بانتقاض عهد من فعل ذلك، وأعان عليه بوجه من الوجوه، أو رضي به، وأقر عليه»٢٬٦٤٩[زاد المعاد: (المقدمة/12)]..

وكذلك أفتى شيخه أبو العباس رحمه الله في حادثة أخرى كما نقلها عنه فقال: «وبهذا أفتى شيخ الإسلام ابن تيمية بغزو نصارى المشرق لما أعانوا عدو المسلمين على قتالهم، فأمدوهم بالمال والسلاح، وإن كانوا لم يغزونا ولم يحاربونا، ورآهم بذلك ناقضين للعهد، كما نقضت قريش عهدَ النبي ﷺ بإعانتهم بني بكر بن وائل على حرب حلفائه، فكيف إذا أعان أهل الذمة المشركين على حرب المسلمين»٢٬٦٥٠[زاد المعاد: (3/١٦٤)]..

وحقُّ هذه الفتوى والتي قبلها أن تكون في الكلام السابق المتعلق بمظاهرة أمريكا لإسرائيل وحكومات الطغيان في العالم الإسلامي لنعلم كم من المساجد -وليس مجرد المآذن- التي دكتها طائراتها، وأحرقتها حممها، وكم من الأجساد الطاهرة التي أذابتها صواريخها وتبخرت مع دخانها فلم يبق لها أثرٌ ولا عين، وهي تُمِد بالسلاح والخبراء والخبرات وتمارس القتل البشع في نفس الوقت وفي كل وقتٍ أيضًا، مع استحضار أن مَن يتحدث عنهم الإمامان هم قومٌ كان بينهم وبين المسلمين عهدٌ فانتقض بما ذكروه، أما أمريكا «منبع الشر» فإن القول بأن بينها وبين «الدول الإسلامية!» عقدٌ تولاه «ولي الأمر» فما هو إلا ضربٌ من الهوس والوسوسة التي يستعاذ بالله من شرّها وشرِّ نفّاثيها.

ص 1744

والعجيب أن أمريكا نفسها تأبى عن وصفها بكونها معاهدة لتلك الدويلات، وتأنف من معاملتها لها كالند للند، ولا ترضى إلا بأن تكون الأستاذ وما سواها تلامذتها، بل هي السيدة وما عداها عبيدٌ، والأقبح من هذا ما تفتقت عنه بعض العقول الـمُقْعَدة أو المشلولة بجعلها أمريكا بقواعدها العسكرية وقواتها الحربية أهلَ ذِمةٍ، ولا ندري كم مقدار الجزية التي فُرض عليهم دفعها لولي الأمر ليعطوها له عن يدٍ وهم صاغرون! فهكذا يصنع استمراء الذل والرضى بالهون والتثاقل إلى الأرض ولا حول ولا قوة إلا بالله، فعلى الإسلام وأحكامه فلتبك البواكي.

وأمريكا «منبع الشر» تزعم أنها رائدة النظام الديمقراطي في العالم، وهي تتباهى به وأحرقت الأخضر واليابس كرمًا منها وإحسانًا! للشعوب المغلوبة على أمرها حتى تستظل بنعيمه، وذلك النظام يقوم على أساس حكم الشعب لنفسه، فهم الذين ينتخبون رئيسهم الذي يتولى أمرهم، ويسوس البلاد باسمهم، ويتخذ قرارات السلم والحرب نيابة عنهم وتعبيرًا عن إرادتهم، ويصرح بذلك في حملاته الانتخابية، ويعلن بأنه سيزيد عدد قواته المحتلة لبلاد المسلمين، وهم يصفقون له ويهتفون باسمه، وهذه الأمور كلها تعبير صريح عن الرضى والمساندة والدعم لما يحصل على أيدي جنودهم من الجرائم في حق المسلمين، هذا لو كانت جريمتهم قاصرة على نقض عهدٍ بينهم وبين المسلمين، فكيف وهذا العقد لم يقم يومًا من الأيام، وإنما لم تزل هذه الدولة الخبيثة تتوارث الإجرام حكومة بعد حكومةٍ، وتقذف بشررها المستطير على بلدان المسلمين حقبة بعد حقبة، حتى جعلتها كهيكل عظمي أجرد بعد أن نهبت خيراتها وسلبت إرادة شعوبها، كل ذلك وشعبها ينتخب أكابر مجرميها ويؤيدهم ويساندهم فإذا مسه شيء من الضر وتكدَّرت عليه شهواته تراجع قليلًا حتى إذا خفَّ أو تلاشى أعاد كرة تأييده لسفَّاحٍ جديد، وهكذا دواليك، فهل أصبحت شعوب المسلمين وبلدانهم حقل تجارب يتنافس السفاحون عبرها ليزيدوا رصيد تأييد شعوبهم كلما ملوهم وضجروا منهم؟!

ص 1745

فإذا كان النبي ﷺ لم يستفصل من بني قريظة فردًا فردًا ليعلم من كان راضيًا منهم ممن لم يكن كذلك مع إمكانية ذلك بلا شك لأنهم قُتِلوا واحدًا واحدًا، وما أيسر سؤاله وهو واقفٌ بين يدي السيّاف لو أراد، فكيف يطالَب المجاهدون بأن يعرفوا حال كل فردٍ في شعب قد بلغ تعداده مئات الملايين مع امتناعهم وتحصنهم في «صياصيهم» والتي يمارسون من وراء أسوارها وبحارها حروب الإبادة وينطلقون من داخلها لغزو بلدان المسلمين واستباحة حرماتهم.

هذا ولا يفهم مما ذكرته هنا أن أمريكا لا تستحق القتال والنزال والغزو في عقر الدار إلا بسبب الجرائم التي اقترفتها وتقترفها ضد المسلمين مما ذكرته وما لم أذكره فقط، فإن جهاد الكفار وغزوهم في عقر دارهم «جهاد الطلب» شرعٌ محكم وفريضة ماضية لا يبطله لوثات أفكار الانهزام المتولدة في هذا العصر، ولا التحيل في كسر أعناق النصوص حتى تقود إلى تلك النتيجة الخداج، وإنما المقصود الإشارة والمقارنة بين جريمة «القرظيين» التي نزلت بسببها تلك العقوبة الماحقة عليهم، وبين جرائم دولة الظلم والبغي والشر التي ملأت الأرض بطرًا وفسادًا وكفرًا وعنادًا لتنزل عليها العقوبات الملائمة لتلك الفظائع، ولتزول الغشاوة عن أعين الكثير ممن لم يزل مضطربًا في بحر الحيرة والتردد فيتخذ موقعه في هذه المعركة التي هي معركة الإسلام: ﴿۞ذَٰلِكَۖ وَمَنۡ عَاقَبَ بِمِثۡلِ مَا عُوقِبَ بِهِۦ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيۡهِ لَيَنصُرَنَّهُ ٱللَّهُۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٞ﴾ [الحج: 60]

والحمد لله رب العالمين

وكتبه: أبو يحيى الليبي «حسن قائد»

«الأربعاء 10/ ربيع الأول/ 1431هـ»

❖ ❖ ❖

ص 1746

📚
نهاية هذا المبحث

لقد أتممت قراءة كتاب:

يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.

تحميل الكتاب مفردًا