الجمع بين النهي عن تمني لقاء العدو مع الخروج للجهاد

السؤال: كيف نجمع بين قول النبي : (لا تتمنوا لقاء العدو وبين خروجنا للجهاد وتمنينا للقاء العدو وجهاده وقتاله؟

الجواب: عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه: أن رسول الله ﷺ في بعض أيامه التي لقي فيها العدو انتظر حتى إذا مالت الشمس، قام فيهم فقال: (يا أيها الناس، لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف، ثم قال النبي : اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم)٣٬٥٥٠أخرجه البخاري [٢٩٦٥]، ومسلم [١٧٤٢]..

فهذا الحديث ينهى فيه النبي ﷺ عن تمني لقاء العدو، وهو كما قال بعض العلماء أن يقول: اللهم لقَّني عدوك، وذكر العلماء عدةَ أسبابٍ لهذا النهي مجملها يدور حول ما قد يصيب الإنسان من الاغترار والعجب والاتكال على قوته والوثوق بعاقبة أمره، ومن ثم يقود إلى الاستهانة بعدوه وعدم الحذر والاحتياط والحزم فيجني على نفسه بذلك.

ص 2838

قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: «إنما نهى عن تمني لقاء العدو لما فيه من صورة الإعجاب والاتكال على النفس والوثوق بالقوة، وهو نوع بغي، وقد ضمن الله تعالى لمن بغى عليه أن ينصره، ولأنه يتضمن قلة الاهتمام بالعدو واحتقاره، وهذا يخالف الاحتياط والحزم، وتأوله بعضهم على النهي عن التمني في صورة خاصة، وهي إذا شك في المصلحة فيه، وحصول ضرر، وإلا فالقتال كله فضيلة وطاعة، والصحيح الأول، ولهذا تممه ﷺ بقوله ﷺ: واسألوا الله العافية، وقد كثرت الأحاديث في الأمر بسؤال العافية وهي من الألفاظ العامة المتناولة لدفع جميع المكروهات في البدن والباطن في الدين والدنيا والآخرة»٣٬٥٥١شرح النووي: (12 / 46)..

فالنهي عن تمني لقاء العدو لا يلزم منه عدم حرص الإنسان على الجهاد والاستعداد له والاجتهاد فيه طلبًا لرضوان الله، واستجابةً لأمره، وحرصًا على جزيل ثوابه، والآيات والأحاديث التي تحث على أداء عبادة الجهاد وتحذر من تركها والتهاون فيها وتذم المتخلفين عنها أكثر من أن تحصى، فيكون النهي عن التمني لما يترتب عليه مما قد يلحق المتمني من العجب، والتيقن بثباته عند اللقاء، وهو أمرٌ خفيٌّ يبعد المرء عن الاعتماد على الله وتمام التوكل عليه وحسن الظن به، كما يقود إلى الاتكال على الأسباب، فالمرء المسلمٌ مطالبٌ شرعًا بالجهاد ومأمورٌ به ومعاقبٌ على تركه كما قال ﷻ: ﴿إِلَّا تَنفِرُواْ يُعَذِّبۡكُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا وَيَسۡتَبۡدِلۡ قَوۡمًا غَيۡرَكُمۡ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيۡـٔٗاۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ﴾ [التوبة: 39]، وقال ﷻ: ﴿وَلَا تَهِنُواْ فِي ٱبۡتِغَآءِ ٱلۡقَوۡمِۖ إِن تَكُونُواْ تَأۡلَمُونَ فَإِنَّهُمۡ يَأۡلَمُونَ كَمَا تَأۡلَمُونَۖ وَتَرۡجُونَ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا يَرۡجُونَۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: 104]، وأما الأحاديث في ذلك فهي كثيرة معلومة.

ص 2839

وهو مع مطالبة الشرع له بذلك إلا أنه منهيٌّ عن تمني لقاء العدو، لأن هذا التمني غالبًا ما يكون دافعه وسببه وثوق المرء بقوة نفسه وثباته وصبره، وفي غزوة حنين درسٌ بليغٌ في ذلك، وغالبًا ما تكون الحقائق خلاف ما يظن الإنسان فيقع منه المحذور من الفرار وعدم الثبات، أو شدة الخوف والاضطراب، وليس الخبر كالمعاينة، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدۡ كُنتُمۡ تَمَنَّوۡنَ ٱلۡمَوۡتَ مِن قَبۡلِ أَن تَلۡقَوۡهُ فَقَدۡ رَأَيۡتُمُوهُ وَأَنتُمۡ تَنظُرُونَ﴾ [آل عمران: 143]، قال الإمام أبو جعفر الطبري في هذه الآية: «وإنما قيل: ﴿وَلَقَدۡ كُنتُمۡ تَمَنَّوۡنَ ٱلۡمَوۡتَ مِن قَبۡلِ أَن تَلۡقَوۡهُ﴾ [آل عمران: 143]؛ لأن قومًا من أصحاب رسول الله ﷺ ممن لم يشهد بدرًا، كانوا يتمنون قبل أحد يومًا مثل يوم بدر، فيُبْلُوا الله من أنفسهم خيرًا، وينالوا من الأجر مثل ما نال أهل بدر. فلما كان يوم أحد فرّ بعضهم، وصبرَ بعضهم حتى أوفَى بما كان عاهد الله قبل ذلك، فعاتب الله من فرّ منهم فقال: ﴿وَلَقَدۡ كُنتُمۡ تَمَنَّوۡنَ ٱلۡمَوۡتَ مِن قَبۡلِ أَن تَلۡقَوۡهُ﴾ [آل عمران: 143] الآية، وأثنى على الصابرين منهم والموفين بعهدهم»٣٬٥٥٢تفسير الطبري: (7 / 248)..

ولهذا قال العلامة ابن دقيق العيد رحمه الله: «ولما كان لقاء الموت من أشق الأشياء وأصعبها على النفوس من وجوه كثيرة وكانت الأمور المقدرة عند النفس ليست كالأمور المحققة لها: خشي ألا تكون عند التحقيق كما ينبغي فكره تمني لقاء العدو لذلك ولما فيه -إن وقع- من احتمال المخالفة لما وعد الإنسان من نفسه»٣٬٥٥٣إحكام الأحكام: (1 / 489)..

وقال الإمام ابن الجوزي رحمه الله: «اعلم أن تمني لقاء العدو يتضمن أمرين: أحدهما: استدعاء البلاء، والثاني: ادعاء الصبر، وما يدري الإنسان كيف يكون صبره على البلاء، والمدعي متوكل على قوته، معرض بدعواه عن ملاحظة الأقدار وتصرفها، ومن كان كذلك وكل إلى دعواه، كما تمنى الذين فاتتهم غزاة بدر فلم يثبتوا يوم أحد، وكما أعجبتهم كثرتهم يوم حنين فهزموا، وقد نبه هذا الحديث على أنه لا ينبغي لأحد أن يتمنى البلاء بحال»٣٬٥٥٤كشف المشكل: (1 / 948)..

وخلاصة القول في هذه المسألة: أنه لا تعارض بين حرص الإنسان على الشهادة، وتقحمه لمواطنها، وتأديته لواجب الجهاد، واجتهاده في القيام به، وحذره من تركه والتفريط فيه، وبين النهي عن تمنيه لقاء العدو، لأن تمني لقاء العدو يوحي بأن المرء متكلٌ على قوته، معتمدٌ على ما يظنه في نفسه من الثبات والصبر وقوة القلب وفي ذلك شيءٌ من الالتفات إلى الأسباب والتخلي عن مسبِّب الأسباب ﷻ، ومما يستأنس به ما جاء في بعض روايات الحديث: (لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية فإنكم لا تدرون ما تبتلون منهم)٣٬٥٥٥رواه الحاكم [٧٩٠]، والطبراني في الصغير [٧٩٠] عن جابر رضي الله عنه، [وقال الهيثمي في المجمع: (9681): (فضيل بن عبد الوهاب، قال أبو زرعة: شيخ صالح، وضعفه البخاري وغيره، وبقية رجاله ثقات)].، وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: (لا تمنوا لقاء العدو فإنكم لا تدرون ما يكون في ذلك)٣٬٥٥٦رواه أحمد [(٩١٩٦)، وصححه الأرنؤوط]، والبزار [٨٢٤٥]، والطبراني في الأوسط [٨٠٥٦].، وللعلماء في المسألة كلامٌ كثيرٌ ولعل هذا أوجهها والله تعالى أعلم.

وبعض العلماء حمل معنى الحديث على وقتٍ خاصٍّ هو يوم الخندق، وقد يشهد لهم ما جاء في بعض روايات الحديث الضعيفة: (لا تسألوا لقاء العدو غدا، وسلوا الله العافية)٣٬٥٥٧[رواه البوصيري في الإتحاف: (4379)، وقال: هذا إسناد ضعيف لجهالة التابعي، لكن له شواهد].، رواه أبو يعلى الموصلي عن عبد الله بن أبي أوفى.

والله تعالى أعلم

❖ ❖ ❖

ص 2840