🎬المواد الصوتية والمرئية المصاحبة

العراق بين أمارات النصر ودسائس المؤامرات

العراق بين أمارات النصر ودسائس المؤامرات

العراق بين أمارات النصر ودسائس المؤامرات

[جمادى الأولى 1428 هـ / 5 - 2007م]

۞

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد...

 أيها الإخوة المجاهدون الأحباب في عراق العزة وبغداد الخلافة: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

فلقد شرفكم الله اليوم وأنتم في موطنكم الذي أنتم فيه بأعظم وأجل ما يشرف به عباده المؤمنين، ألا وهو عبادة الجهاد، حيث وفقتم لإحيائه بعد مواته، فرفع الله ﷻ به قدركم ونشر ذكركم وشفا صدوركم وأقرَّ بكم أعين إخوانكم، كما منَّ عليكم ﷻ بأن يكون لكم نصيب وفير وحظ كبير؛ في زلزلة أركان عاد العصرية، وهبل الزمان، التي خرَّ لها الطغاة شرقًا وغربًا ركعًا وسجدًا؛ فكسرتم بصبركم هيبتها، وأذهبتم بحزمكم كبرياءها.

ص 2202

فكأني بكم وأنتم تدكون حصونها المؤسسة على قواعد الأهواء والإغواء، وتمرغون أنفها وتبددون زيف حضارتها التي فتنت القريب والبعيد، كأني بكم وفي أيديكم معاول الإيمان الصلبة، تقتفون سيرة نبيكم ﷺ يوم الفتح المبين، وهو يهشم تلك الأحجار الصماء المنتصبة حول الكعبة، ويردد: ﴿وَقُلۡ جَآءَ ٱلۡحَقُّ وَزَهَقَ ٱلۡبَٰطِلُۚ إِنَّ ٱلۡبَٰطِلَ كَانَ زَهُوقٗا﴾ [الإسراء: 81].

فها هي الدولة العظمى -كما يسميها عُبَّادها- قد أضحت هائمة بين الدول، تتسكع بينها، تستجديها، تطلب معوناتها، تتوسل إليها؛ رجاء الوقوف بجانبها، وقد أثخنتها الجراح، واستنزفتها الحرب، وأنهكها توالي المصائب وتتابع الضربات، وأطاش عقلها هول المواجهات: ﴿وَبَدَا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مَا لَمۡ يَكُونُواْ يَحۡتَسِبُونَ﴾ [الزمر: 47].

فكنتم اليوم بحقٍ؛ أحقَّ الناس وأولاهم بما نعت الله ﷻ به أولئك القوم الذين يكرمهم الله ﷻ بفضله الواسع، ويفيض عليهم من مننه العظيمة؛ حين يرجع من يرجع على أعقابه منتكسًا مرتكسًا مرتدًّا: ﴿فَسَوۡفَ يَأۡتِي ٱللَّهُ بِقَوۡمٖ يُحِبُّهُمۡ وَيُحِبُّونَهُۥٓ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ يُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوۡمَةَ لَآئِمٖۚ ذَٰلِكَ فَضۡلُ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: 54].

وأنتم بلا ريب -مع صفاء رايتكم واستقامة طريقكم ووضوح أهدافكم- حلقة متصلة بمواكب الإيمان المتوالية وكتائبه المتعاقبة من لدن نبينا ﷺ إلى قيام الساعة، كما أخبرنا بذلك وهو الصادق المصدوق: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك)٣٬٠٧٤[صحيح مسلم: (١٩٢٠)]..

فاستبشروا بهذا الوسام النبوي الذي تقلدتموه بفضل الله ﷻ أولًا، ثم بفضل توكلكم على ربكم وصبركم في معركتكم وثباتكم على عقيدتكم، غير عابئين ولا آبهين بحملات التشويه التي تروم تدمير محيا هذا الجهاد الناصع اللامع، ولا مكترثين بطعونات أصحاب القلوب الخاوية الذين تغلغل حب الدنيا إلى أعماق أعماقها، ولا منتظرين لحوق المترددين المتذبذبين ممن هالهم انتفاش عدوكم وتوعده المستمر.

ص 2203

فحري بكم -إخوتي الأحبة- أن تستشعروا هذه النعمة الجليلة التي أسبغها الله ﷻ عليكم وجعلكم من أهلها ومحل تنزّلها، واختار أرضكم لتكون موطنها، وأن تكونوا أحرص الناس على حفظها ورعايتها وحياطتها والذب عنها وقطف ثمرتها؛ بالشكر الدائم والذكر المستمر والعمل الجاد والحكمة البالغة: ﴿وَإِذۡ تَأَذَّنَ رَبُّكُمۡ لَئِن شَكَرۡتُمۡ لَأَزِيدَنَّكُمۡۖ وَلَئِن كَفَرۡتُمۡ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٞ﴾ [إبراهيم: 7]، وأن تحذروا كل الحذر من أن تسلب منكم، بعد أن بلغتم فيها هذا المبلغ الجليل بالتهاون فيها أو التفرق عليها أو تناسيها مع طول الزمن ومرور الأيام؛ فما تسلب النعم وتضيع المنن إلا بما تكسب الأيدي: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ لَمۡ يَكُ مُغَيِّرٗا نِّعۡمَةً أَنۡعَمَهَا عَلَىٰ قَوۡمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ﴾ [الأنفال: 53].

فهي أمانة من أمانات الله ﷻ التي أمركم أن تؤدوها إلى أهلها؛ فخذوها بقوة ولا تفرطوا فيها، ولا تجعلوا لغيركم كائنًا من كان سبيلًا لتضييعها أو تحريفها؛ فعيون المسلمين في أقطار الأرض جميعها كانت ولا زالت ترقبكم وتتهيأ ليوم الفتح الأكبر والتمكين الأعظم الذي أقمتم أساسه ووضعتم لبناته الأولى بإعلان قيام دولة العراق الإسلامية، والتي خرجت من رحم الآلام والجراحات والمعاناة والتضحيات؛ لتكون بعون الله ﷻ مولودًا جديدًا يستهل في هذا العالم المظلم الظالم، لا بالصياح والنواح والشجب والتنديد، إنما بالتهليل والتكبير وأصداء كلمة الإيمان والتوحيد.

فكم كانت الأمة تتحين هذا اليوم لتذوق حلاوة العدل بعد تجرعها غصص الظلم عصورًا ودهورًا، ولتنعم بنور الإيمان الذي حرمت منه عقودًا قضتها وهي تتخبط في أنفاق مظلمة متشعبة من الأفكار الضالة والمذاهب المنحرفة والأهواء المتنوعة، وليزول عن صدرها كابوس جاثٍ عليها السنين الطويلة؛ كلها كبت وذل وهوان وتبعية تامة وانقياد مخز لأراذل الخلائق وأسافلهم.

ص 2204

فاعرفوا قدر المنزلة التي بوأكم الله ﷻ إياها، ثم انظروا ماذا أنتم صانعون: ﴿وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَيَسۡتَخۡلِفَنَّهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ كَمَا ٱسۡتَخۡلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمۡ دِينَهُمُ ٱلَّذِي ٱرۡتَضَىٰ لَهُمۡ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنۢ بَعۡدِ خَوۡفِهِمۡ أَمۡنٗاۚ يَعۡبُدُونَنِي لَا يُشۡرِكُونَ بِي شَيۡـٔٗاۚ وَمَن كَفَرَ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ﴾ [النور: 55].

أيها الإخوة المجاهدون الأحباب: إن دولتكم -بل دولتنا ودولةَ كل المسلمين- مولودٌ جديدٌ؛ طالما انتظره العالم بشغف المحب ولهف المكبوت، فما أحوجه إلى العناية الجادة والرعاية الصادقة والصيانة التامة لينشأ على صفاء الفطرة، فلا يُنصَّرُ ولا يُهوَّدُ ولا يُمجَّس ولا يُحرفُ عن الجادة إلى أي وجهةٍ كانت، وهذا يستوجب منكم جميعًا جهدًا مضنيًا ويقظةً تامة وعملًا دؤوبًا، تنمو به الدولة نموا طبيعيًا متسلسلًا، يلائم قوتها ويلاحظ قدرتها، يجتمع فيه الحزم والعدل، والرفق والقوة، والفهم والواقعية، والحكمة والإخلاص، والتثبت والإقدام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مع مراعاة آدابهما وضوابطهما وقواعدهما وفقههما: ﴿ٱلَّذِينَ إِن مَّكَّنَّٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَمَرُواْ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَنَهَوۡاْ عَنِ ٱلۡمُنكَرِۗ وَلِلَّهِ عَٰقِبَةُ ٱلۡأُمُورِ﴾ [الحج: 41].

وهو يتطلب أيضًا من كل المجاهدين المخلصين في العراق أن يوحدوا جهودهم ويرصوا صفوفهم ويجمعوا كلمتهم ويضموا قوتهم، ليكونوا صفًا متماسكًا مرصوصًا ويدًا واحدةً، تطيب بها قلوب المحبين الصادقين، وتغيظ نفوس الحاقدين الحاسدين.

ص 2205

ومن هنا فإني أدعو -وبكل إلحاح- إخواني المجاهدين في «جماعة أنصار السنة» و«الجيش الإسلامي» و«جيش المجاهدين»، وغيرهم من الجماعات الجهادية؛ التي كانت ولا زالت لها صولات وجولات في مقارعة النصارى المحتلين وأذنابهم المرتدين.. أدعوهم -قيادةً وأفرادًا- إلى المسارعة في الخير الذي دعا إليه القرآن وحض عليه وأمر به، والذي به نجاح الدنيا وفوز الآخرة: ﴿وَٱعۡتَصِمُواْ بِحَبۡلِ ٱللَّهِ جَمِيعٗا وَلَا تَفَرَّقُواْۚ وَٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ كُنتُمۡ أَعۡدَآءٗ فَأَلَّفَ بَيۡنَ قُلُوبِكُمۡ فَأَصۡبَحۡتُم بِنِعۡمَتِهِۦٓ إِخۡوَٰنٗا وَكُنتُمۡ عَلَىٰ شَفَا حُفۡرَةٖ مِّنَ ٱلنَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنۡهَاۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ﴾ [آل عمران: 103]، وأن يكونوا خير معين في إنجاح هذا المشروع العظيم «دولة العراق الإسلامية» وذلك بانضمامهم -قلبًا وقالبًا- إلى إخوانهم فيها، ووقوفهم إلى جانبهم في دعمها وتقوية أركانها.

[البحر: الكامل]

[البحر: الكامل]

تَأْبَى العِصِيُّ إِذَا اجْتَمَعْنَ تَكُسُّرًا

وَإِذَا افْتَرَقْنَ تَكَسَّرَتْ آحَادَا٣٬٠٧٥[قاله: الطغرائي. انظر: ديوانه (ص 71)].

فارتفعوا بأنفسكم عن دواعي التفرق والخلاف، وتغلبوا على كل العقبات التي تمنعكم من هذه الغاية السامية، وقدموا مصلحة دينكم ومطلب أمتكم وصيانة مسيرتكم.

وأذكركم بقول الصحابي الفقيه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه إذ قال: «إن ما تكرهون في الجماعة خير مما تحبون في الفرقة»٣٬٠٧٦[رواه ابن أبي شيبة: (٤٠١٢٠)]..

وها هم إخوانكم في دولة العراق الإسلامية -صانها الله- قد شرحوا لكم صدورهم ومدوا أيديهم وذللوا أنفسهم وخاطبوكم -ولا زالوا- خطاب الأخ المحب لأخيه الحريص عليه وقرعوا كل باب لبلوغ هذا المطلب الشريف -الاتفاق والاجتماع-.

ونحن ندعوهم ونحرضهم ونحضهم على الاستمرار في هذا المسلك الطيب الذي يسيرون فيه تجاهكم بالنصيحة والرفق وخفض الجناح ولين الجانب، زادكم الله سدًادا ورشادًا.

فبادروا أحبتنا لتكونوا معهم حصنًا حصينًا تقام به شريعة الإسلام وتجتمع تحت لوائه كلمة التوحيد وتحفظ تضحيات الأبطال وتصان جهود المخلصين؛ لتنالوا بذلك ثناء الصالحين المصلحين في الدنيا وعلو الدرجات في الآخرة.

ص 2206

إخواني المجاهدين في العراق: إنكم اليوم رأس الحربة وفي مقدمة القافلة وعلى خط النار الأول، فنصركم -بإذن الله العزيز الحكيم- له ما بعده، فشدوا الحملة وقووا العزم، وأعلوا الهمة، وشمروا عن ساعد الجد، واحفظوا الأمانة، وارتقوا بأنفسكم ومساعيكم عن سفاسف الأمور وسقطها، وتجردوا من حظوظ النفوس وانبذوا دخائلها، واحذروا من خفايا الأهواء.

واعلموا أن أمتكم كلها من ورائكم؛ بقلوب يحدوها أمل الظفر، ويشدها انتظار النصر، فلا تخيبوها ولا تخذلوها، وأروها منكم رشادًا وسدادًا وثباتًا على سبيل الجهاد وطريق القتال وصفاء المنهج؛ كما بدأتم المسير فلتواصلوه، وكما شرعتم في الزرع فلتحصدوه، واجتنبوا متاهات السبل التي لا تزيدكم إلا رَهَقًا.

أيها الإخوة المجاهدون الأحباب: إن جهادكم المبارك وملحمتكم العظيمة ومعركتكم الفاصلة؛ ليست جهاد شعب العراق وحده ولا جهاد جماعة أو طائفة فحسب، بل هو جهاد أمة الإسلام كلها، فهو جهاد الشهداء الصادقين الذين قدموا من أجل دينهم وعقيدتهم وشريعتهم أغلى وأجل ما يملكون، حيث جادوا بأرواحهم، والجود بالنفس أقصى غاية الجود، وقدموا مهجهم بقلوب سخية ونفوس رضية، إذ توالت صفوف الاستشهاديين تترا من أصقاع الأرض وهم يتسابقون على الانغماس في بحر المنايا، لتعز وتهنأ أمتهم، فحق للعراق أن تتباهى بهم وأن تنال وسام أرض الاستشهاد.

وهو جهاد الأسير المكبوت الذي يتجرع غصص الإذلال والإهانات والكبت والشدة على أيدي عباد الصليب وأذنابهم في أبي غريب، وغوانتانامو، وباجرام، والأردن، وجزيرة العرب وغيرها، وهو في ذلك كله صابر مصابر محتسب، مترقب يوم نصركم وساعة فوزكم، ليستلم جائزة ضريبته، مستبشرًا آمنًا، لا باسرًا وجلا.

وهو جهاد المهجَّرين المشتتين الذين أحرقتهم ودمرت قراهم قنابل الحقد الصليبي في الفلوجة وتَلَّعْفر والقائم وغيرها، وهم يتربصون يوم تطهير الأرض من رجس الكفرة، ويرقبون كسر شوكتهم؛ ليأووا إلى ديارهم ويرجعوا إلى مساكنهم، آمنين مطمئنين، فتنقلب أحزانهم أفراحًا ومآسيهم هناءً.

وهو جهاد الطاهرات العفيفات المصونات، اللاتي ولغ في أعراضهن أرجس وأنجس الخلائق، لا لشيء إلا أن دينهن الإسلام وعقيدتهن التوحيد، فهن يلقين على كواهلكم أمانة تنوء لحملها الجبال الراسيات لأخذ ثأرهن ومواساتهن في مصيبتهن.

وهو جهاد المشردين المطاردين في مشارق الأرض ومغاربها ممن ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، فلا مأوى يؤويهم ولا ملجأ يضمهم، إذ تخطفهم أيدي الكفرة حيثما حلوا، وأينما نزلوا، فهم ينظرون إليكم وقلوبهم تتحين يوم الإيواء والتمكين، ليزول ما هُم فيه من الاستضعاف والمطاردات والتشرد الذي لا يكاد ينفك عنهم أو يفارقهم طرفة عين.

وهو جهاد العلماء الصادعين بالحق، الذين عرَّضوا أعراضهم للطعن والثلبِ من أجلكم؛ فهم يذبون عنكم بأقلامهم وألسنتهم ليلًا ونهارًا، ويُبَدِّدون شبهات المرجفين ويدحضون دعاوى المبطلين، وتحملوا في سبيل ذلك كل عنت ونصب.

وهو جهاد الأمة المسلمة بأسرها، والتي تسلط عليها حثالة من العملاء والأشرار وتحكم فيها أراذل الناس -من السنغال غربًا إلى إندونيسيا شرقًا- وقد اصطلوا بنار الطغيان والظلم والقهر وكبت الأنفاس وقوانين الكفر المستوردة والمحلية، فهم يبحثون عن نسيم هدى ينعشون به حياتهم البئيسة ويستردون كرامتهم الضائعة.

وهو جهاد إخوانكم في الأرض المقدسة التي بارك الله ﷻ فيها وحولها في فلسطين، حيث بلغ بهم البلاء والشدة والعناء مبلغًا لا يصفه لسان ولا يبلغه بيان وقد أذاقهم ويذيقهم أحفاد القردة والخنازير صنوفًا وألوانًا من العذاب من تشريد وتهجير واعتقالات وتهديد مما يشيب له مفارق الولدان، فآمالهم -بعد الله تعالى- في جهادكم المبارك، لتكونوا لهم ردءًا ومعينًا ونصيرًا، تقوون ساعدهم وتشدون أزرهم.. فالله الله في ذلك كله.

ص 2207

أيها الإخوة المجاهدون الأحباب: إنكم اليوم على مفرق الطريق؛ حيث بدأت ملامح الانكسار وبوادر الهزيمة لعدوكم المحتل تتجلى على الساحة العسكرية، لا سيما بعد خطته الأمنية الخائبة وأصبحت هزيمته بإذن الله ﷻ قاب قوسين أو أدنى وغدًا يصارع الموت ويعالج سكراته، باحثًا عن مخرج ينقذ به نفسه ولو كان كسم الخياط، وعلم علم اليقين أنه خاسر في هذه المعركة لا محالة.

وما إعلان بريطانيا العجوز -وهي أكبر حلفائه- عن سحبها لبعض قواتها إلا بداية الانحدار والانكسار الذي لا يغطيه تمويه الإعلام وكذب الساسة.

فها هو العدو المندحر قد لجأ إلى المخادعة والمراوغة والمكر والكيد والكذب والبهت وركض نحو عملائه في المنطقة ليخرجوه من ورطته التي غرق فيها.

فبدأت خيوط المؤامرات تنسج بأيديهم النجسة وتدبر بعقولهم الماكرة؛ فاقتحمت حكومة آل سعود حلبة الصراع، ولكن ليس بجيشها الهزيل، فهو أضعف وأوهن وأذل من أن يخوض هذه المعامع، ولكن بتدثِّر ثوب الحرص على أهل السنة في العراق وإطفاء نار الحقد الرافضي التي تلتهمهم وتصليهم، لينزلق في هذه المؤامرة الماكرة كل من لم يكن الجهاد عنده دينًا راسخًا، وعقيدةً ثابتة، وعبادةً قائمة، ومنهاجًا مؤبدا؛ فيجد نفسه قد وقع في الشراك الذي نصب له وأحاطت به حبائل الكيد من كل جهة.

وإلا فما هذه الحمية الإسلامية واليقظة العقائدية التي حركت حكومة آل سعود وتوابعها من حكومات المنطقة للدفاع عن أهل السنة في العراق؟! وكلنا يعلم أن سجون هذه الدول قد غصت بالآلاف من العلماء والعُباد وطلبة العلم والمجاهدين أهل الغيرة الحية والنصرة الصادقة والولاء الحقيقي لإخوانهم من أهل السنة!

ص 2208

وإذا كانت هذه الحكومات العميلة الهزيلة جادة في محاربة الرفض وأهله وإبطال مشروعهم في المنطقة، فلماذا لا يُحارب الرافضة المجرمون في العراق ويفتح المجال لكل متحدث ببيان حقيقتهم وكشف مخططاتهم وإصدار الفتاوى ضدهم؟! بينما تُفتح أبواب دعوتهم داخل جزيرة العرب وفي مدينة رسول الله ﷺ وتقام هناك مواسمهم الشركية وأعيادهم البدعية بحماية ورعاية أجهزة حكومة آل سعود نفسها؟!! بل ويتولون أعلى المناصب في تلك الدول، وفوق ذلك يُحارب ويُعتقل ويُنكل بكل من يُستشعر منه أدنى معارضة أو تمعر للمد الرافضي في جزيرة العرب؟! وإن شئت فسل سجونهم تنبئك عن صدق الخبر: ﴿أَكُفَّارُكُمۡ خَيۡرٞ مِّنۡ أُوْلَٰٓئِكُمۡ أَمۡ لَكُم بَرَآءَةٞ فِي ٱلزُّبُرِ﴾ [القمر: 43].

إن الذابِّين عن أهل السنة في العراق؛ هم المخلصون من المهاجرين والأنصار، الذين لم يجعلوا جهادهم سلعة مهينة تباع وتشترى في أسواق المصالح الدولية ولا صفقات سياسية، يحلونه به عامًا ويحرمونه عامًا، ففدوا أهل السنة بنفوسهم وذبوا عنهم بكل ما يملكون، وأذاقوا الروافض الأشرار الويلات وسقوهم كؤوس الحسرات ومزقوهم كل ممزق، انتصارًا للحق، لا لدعاوى المصلحة، وقيامًا بواجب الولاء، لا لمخادعات الضلال والأهواء.

وهؤلاء المجاهدون الصادقون لن يرضوا أبدًا ومن أي أحد أن يكون شعار الدفاع عن أهل السنة ثغرة يتسلل منها المفسدون لتحريف الجهاد عن مسيرته أو سرقة ثمرته أو تمييع قضيته أو جعله كرة يتلاعب بها الطغاة بأهوائهم.

ولذا فإن نصرة إخواننا أهل السنة في العراق الحبيب؛ ليست بحاجة لأن تمتد إليهم أيدي حكومة آل سعود النجسة، والتي ما دخلت قضية من قضايا المسلمين إلا دنستها وأفسدتها وحرفتها وضيعت ثمرتها، كما هو دأبهم في جميع ساحات الجهاد المعاصر.

إنما هم بحاجة لدعم ومساندة ومناصرة الشعوب المسلمة بالنفس والمال والإيواء والدعاء والتحريض؛ فهذا هو التأييد الذي هم بحاجة إليه، والذي تُجنى ثماره النقية حفظًا للأرواح وصيانةً للأعراض وتمكينًا للشرع الخالص، لا لشريعة آل سعود؛ فبهم تربطهم رابطة الولاء الإيماني، وهم محل ثقتهم لبراءتهم من إفك السياسة وتضليلات المصالح وتزيينات الإعلام.

ص 2209

فيا أيها الإخوة المجاهدون في العراق: لتكونوا على يقظة تامة مما يخطط لجهادكم ويحاك لدولتكم؛ فما كان لهؤلاء الأشرار الذين ترسو بواخر الدمار في مياه دولهم، وتنطلق الطائرات التي تحمل الموت والخراب من قواعد عسكرية مُحصنة فوق أراضيهم، وتُنفَق المليارات بسخاء حاتمي لا نظير له من كنوز أموالهم على دعم أعدائكم، ما كان لهم أن يقدموا خيرًا أو نصحًا أو نفعًا لكم ولشعوبكم، مهما تظاهروا بذلك، إلا وقد دسوا فيه السموم ما يكفي لإبادتكم وتخريب جهادكم، وستكتشفون ذلك بعد فوات الأوان؛ فيحل الندم، ولات ساعة مندم: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تُطِيعُواْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمۡ عَلَىٰٓ أَعۡقَٰبِكُمۡ فَتَنقَلِبُواْ خَٰسِرِينَ﴾ [آل عمران: 149].

فإياكم أن تستهويكم الدعايات البراقة، وأن يوقعكم الشيطان وأولياؤه في مصائدهم المتشابكة المتداخلة المعقدة؛ فوالله ما ذلك إلا خيانةٌ عظيمة فادحة لدماء الشهداء وإهدار مجاني لجهود الصادقين الأوفياء وتضييع للأوقات في غير طائل ولا فائدة ترجى، والأدهى من ذلك كله والأمَرُّ هو تذليل للطريق أمام المعتدي الغاصب وأعوانه للتمكن في الأرض من جديد والتحكم في رقاب العباد مرةً أخرى، ومن ثم الرجوع من حيث البدء.

فالأمر جد خطير، وليس كما يريد البعض أن يهوِّن من شأنه ويروج له بكافة السبل من تزيين وترغيب ودعايات؛ فلا طريق للتمكين وحفظ الدول إلا الجهاد في سبيل الله، والجهاد وحده، ولا سبيل لطرد الغاصب المحتل المعتدي وسحق أذنابه إلا السلاح والقوة والقتال، مع الاستعانة بالله ﷻ والتوكل عليه والاستنصار دائمًا به، فهذا هو السبيل، وما سوى ذاك وسواس الشياطين؛ فبه يقام الشرع وتحفظ الملة وتحبط المخططات وتنكشف الدسائس وينفضح الدخلاء وينقمع العملاء، فعليه سيروا وبه فاستمسكوا: ﴿وَٱللَّهُ مَعَكُمۡ وَلَن يَتِرَكُمۡ أَعۡمَٰلَكُمۡ﴾ [محمد: 35].

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

❖ ❖ ❖

ص 2210

📚
نهاية هذا المبحث

لقد أتممت قراءة كتاب:

يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.

تحميل الكتاب مفردًا