28- بناء الرجال الراسخين والمحافظة عليهم

إن المحافظة على كوادرنا والمبالغة في ذلك إلى أقصى حدٍّ مع الاستمرار في بنائها ورفع مستوياتها وترسيخ المعاني الإيمانية فيها وتشبعها بأنواع التجارب الممحِّصة؛ لهو من أهم الأمور التي يستمر بها العمل منضبطًا محفوظًا بعيدًا عن الانكسار عند الاصطدام بعقبات الواقع المتعددة والمتنوعة والمفاجئة، فبناء الرجال من أهم الأمور والمحافظة عليهم لحمل أعباء المسيرة الطويلة أهم وأهم، فانظر كيف وقف الصحابة رضي الله عنهم موقفًا حفظت به حوزة الإسلام وبقي معه الدين قويًا متينًا بعد عاصفة الردة التي اجتاحت البلاد إثر وفاة النبي ﷺ، وما كان ذلك إلا على أكتاف الرجال الراسخين الذين عركوا الحياة وتضلعوا من معاني الإيمان، وتقلبوا في أتون أنواع المحن بين نصر وهزيمة، وأفراح وأحزان، وغنى وفقر، وهجرة واستقرارٍ، فلما جاءت العاصفة بقوتها لم تزلزلهم ولم تضعضعهم، بل ثبتوا وثبتوا حتى اجتازوا خطرها، فهذا ما نحتاجه اليوم في الحركة الجهادية؛ فعلى القيادة في أية ساحة من الساحات أن لا تلقي بكوادرها بكليتهم ولا بأكثريتهم في معركة واحدة تلتهمهم، ونحن نعلم أن المسيرة طويلة والمتطلبات كثيرة والرقعة تتسع وهي بحاجة لمن يسدها خير سداد ليقطع عنها دابر العشوائية والفساد.

ص 1003

إن وجود أمثال هؤلاء الرجال الواعين المتمكنين لا يتوقف دورهم فقط على حفظ بيضة الإسلام من صولات أعدائه الخارجية، وإنما أيضًا -وربما كان هذا هو الأهم- حفظ الكيان من داخله من التشتت والتمزق والاختلاف الذي يأتي على جهود الأعوام في طرفة عين، ولولا وجود أمثال هؤلاء الرجال بعد وفاة النبي ﷺ لوقعت عظائم لا يعلم قدرها إلا الله تعالى، ولا نحسب أن ما حدث في سقيفة بني ساعدة أمرًا هينًا لو كان وقوعه بين رجال آخرين لا يتحلون بعلم الصحابة وتقواهم وورعهم وتجردهم وحزمهم وقوة تقديرهم للأمور ومعرفتهم لقدر المسؤولية، ولذلك استطاعوا أن يحسموا القضية في جلسةٍ ويبتوا فيها.

أمثال هؤلاء الرجال المتجردين للحق المتمكنين من الفهم هم الذين نحتاج إلى بنائهم وإلى الحفاظ عليهم ليكونوا طريقًا للحفاظ على الجهود التي بنوها وبناها من قبلهم وإلا فإن كل ذلك سيضيع ويتلاشى تحت تقلبات الأهواء وضحالة التجارب وفتك العشوائية والارتجالية والخفة والطيش، وعدم تقدير الأمور بقدرها اللائق -استفدت هذه المعاني أثناء مطالعتي للجزء الثاني من كتاب «التاريخ الإسلامي» للشيخ محمود شاكر رحمه الله-.