الفصل الثالث: حكم الجاسوس الذي ظاهره الإسلام

وتحت هذا العنوان عدة مطالب:

المطلب الأول

قد ذكرت في مطلع البحث تعريفًا عامًا للجاسوس، وقد كان عزمي ابتداء على جعل هذا البحث شاملًا للجاسوس الحربي، والجاسوس الذمي، والجاسوس المعاهد، والجاسوس المسلم، ولكن لما طال البحث رأيت أن أقتصر هنا على آخرهم؛ لأنه الأهم والأولى وبه البلية في ساحات الجهاد، وأما أصنافهم الأخرى فَلانعدام بعضهم أصلًا كالجاسوس الذمي، ولوضوح أحكام بعضهم في الجملة وإن كان هناك بعض المتعلقات المعاصرة بهم، فنسأل الله أن يعين على إفرادهم ببحث يفي بمعرفة شيء من أحكامهم، أما في هذا الموطن أخص من أصنافهم ما يذكره الفقهاء باسم «الجاسوس المسلم»، فإذا أردنا أن نستخلص له تعريفًا خاصًا به فيمكن أن نقول:

هو الشخص الذي يكون ظاهره الإسلام، ويطلع على عورات المسلمين لينقلها إلى أعدائهم.

ص 765

والكلام على ردة الجاسوس من عدمها بتفصيل يطول به البحث ويخرج عن مقصود الاختصار، ولكن نشير إشارات ونذكر بعض الآيات التي تبين أن مثل هذا العمل -وهو إطلاع العدو على عورات المسلمين ونقلها إليهم- يدخل في موالاتهم، بل هو من أعظم أنواع المناصرة لهم؛ لأنهم بذلك يخلصون إلى ما لا تستطيع أن تناله جيوشهم أو تقنياتهم، ورب خبر واحد ينقله عين من عيونهم المبثوثة يحدث من النكاية في الأرواح والأعراض والأموال ما لا تحدثه الآلاف المؤلفة من جُنودهم المجندة، ومن رأى وعايش وقائع الحرب الصليبية المعاصرة، ولمس مدى اعتماد قواتها على هذا النوع من الجنود الأخفياء -أعني جنود الجواسيس- أدرك مدى الأضرار الفادحة التي لقيها المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها بسببهم، وعلم يقينًا أن ما يحدثه الجندي الذي يرتدي لباس الجندية ويقود سيارته أو دبابته أو طائرته لا يساوي شيئًا بالنسبة لما يتسبب فيه الجندي الخفي الذي يتلون بأوصافه المختلفة تلون الحرباء، ويخادع مخادعة الثعلب، ومع ذلك ففتكه بالإسلام والمسلمين لا يتوقف طرفة عين، بل ما كان لتلك الجيوش الجرارة والقوات المعلنة والتقنيات المتقدمة أن تؤدي دورها بدون هؤلاء الجواسيس.

ولذا وجب التنبيه في هذا الموطن أننا وإن عرّفنا الجاسوس بما مضى اعتبارًا للمعنى اللغوي وجريًا على ما مشى عليه الفقهاء إلا أن واقع الحال اليوم -خاصة في الحرب الصليبية- تعد هذه الصورة فيه فردًا من أفراد المعنى العام للجواسيس العصريين إن لم تكن أقلهم نصيبًا منه، إذ إن ما يقوم به هؤلاء المجرمون لا يقتصر فقط على نقل المعلومات المجردة والبحث عن الأسرار، بل هم يشاركون مشاركة مباشرة عملية في ارتكاب الجرائم جنبًا إلى جنب مع أعداء الله تعالى.

فعمليات القصف الدقيقة إنما تتم عن طريق الصواريخ الموجهة التي تعتمد على الشرائح التي يتسلل الجواسيس ويغامرون لإلقائها على الأهداف المقصودة، وعمليات الإنزال الليلي لا تتم إلا بصحبة جاسوسٍ أو أكثر من العارفين بالطرق الخبيرين بالقرى والبيوت ومداخلها ومخارجها، والتعرف على المعتقلين وشخصياتهم وتفاصيل أعمالهم كل ذلك غالبًا ما يستند فيه الكفرة على عملائهم المتجسسين، ولذا فلا يبعد أن يكون إدخال هؤلاء في معنى التجسس إنما هو بالنظر إلى تخفيهم عند قيامهم بهذه الأعمال، لا من حيث إن هذه الأعمال هي مجرد نقل للمعلومات وكشف لعورات المسلمين كما هو جارٍ في تعريفات الفقهاء، فغالب ما يقوم به هؤلاء المجرمون العصريون المعينون لليهود والنصارى وغيرهم هو المشاركة العملية في تفاصيل الأعمال العسكرية التي يُستهدف بها المجاهدون.

ص 766

ومن هنا فإنه من الخطأ الفادح أن نقفز إلى خلاف الفقهاء الأولين في حق ما يسمى «الجاسوس المسلم» لننزله على أجهزة كاملة تعد من أعظم ركائز الدول لها نظمها وقوانينها وقادتها وجنودها وميزانياتها ونفقاتها ثم نجري ذلك الخلاف في حق هؤلاء الذين يعدون أنفسهم جزءا من منظومة استخباراتية متكاملة، ولهم مهام محددة يقومون بها ويحاسبون على التقصير فيها، ويعاقبون عند عدم أدائها، ويخوضون بأنفسهم «حربًا» بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى، وليس بين الواحد من هؤلاء وبين الجندي المقاتل في ساحة الميدان إلا إعلان هذا لحربه وقتاله وعداوته، وإسرار ذلك بعمالته وأعماله ومهامه ووظيفته، فالهدف متحد والمقصد متفق بين كلا الجنديين بل وجهودهما مكملة بعضها لبعض، وما اختلفت إلا الوسيلة فأعلن هذا وأسر ذاك، ومتى كان الإسرار للعداوة والإضمار للكيد والحرب شفيعًا لصاحبه ينقله من مرتبة الإجرام الى مرتبة البراءة؟!

بل دلنا القرآن الكريم على أن مضمر الكفر ومبيِّته أكبر ضررًا وأعظم خطرًا من المجاهر به، ولهذا كان يوم القيامة أشد عذابًا وأفظع عقابًا كما قال ﷻ: ﴿إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ فِي ٱلدَّرۡكِ ٱلۡأَسۡفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمۡ نَصِيرًا﴾ [النساء: 145].

فالأمر الذي لا يكاد يشك فيه أحدٌ ولا يماري فيه ممارٍ أن البحث عن عورات المسلمين، والتنقيب عن مكامن ضعفهم، ثم نقلها إلى عدوهم لينتفع بها في حربه لهم، هو نوعٌ من أنواع الإعانة والمظاهرة والمعاضدة التي تدخل دخولًا بينًا في الموالاة أو التولي، وهذا ثابت بدلالة اللغة والشرع، فإن من أخص معاني الموالاة: المناصرة كما قال العلامة الزبيدي: «والولي له معان كثيرة فمنها المحب وهو ضد العدو اسم من والاه إذا أحبه... ومنها النصير من والاه إذا نصره».

وكون هذه المناصرة التي يقوم بها ويؤديها الجاسوس لا ترى حقيقتها غالبًا؛ لأنه يمارس مهنته في الخفاء والإسرار، وإنما تُلمس آثارها لا يغير من صدق وصف المظاهرة عليها شيئًا، فالعبرة ليست في إظهار هذا الشيء أو إخفائه، وإنما في وجوده في الحقيقة أو انعدامه، وإلا فما الفرق في أصل العمل وانطباق الوصف عليه بين رجل ارتدى اللباس المعتاد بين قومه وتظاهر بالصلاح وحسن السمت وجمال الهيئة تمويهًا وتضليلًا وهو يسعى جاهدًا لبلوغ الغايات والأهداف التي طالبه بها «أولياؤه» سواء كان هذا الهدف معسكرًا، أو مركزًا، أو بيتًا، أو شخصًا، أو تجمعًا، أو نحو ذلك، ثم جمَّع ما استطاع من المعلومات وأوصلها كاملة إلى أعداء الإسلام وبين رجل آخر يريد الأهداف نفسها إلا أنه قصدها بلباسه العسكري المميز، ووقف مع «أوليائه» وقوفًا ظاهرًا معلنًا يفعل فعلهم ويقاتل قتالهم ويبدي مظاهرتهم؟!

ص 767

فإذا كان فعل هذا الأخير توليًا ظاهرًا، وإعانة حقيقية، ومظاهرة جلية، لا يماري فيها ولا يُختلف عليها، فكيف لا يكون فعل ذلك الجاسوس توليًا وإعانة ومظاهرة سواء بسواء؟ وما الذي يمنع من وصف فعله بها ويجيزه في حق ذلك الرجل العسكري؟ وهل للألبسة والشارات والهيئات مدخلٌ في التفريق بين الأحكام في مثل هذا الموطن؟ خاصة -وكما ذكرت من قبل- فإن حركة هذا العسكري، ووضع خططه، واختيار أهدافه، ومباشرة هجومه، مبنيٌّ أساسًا على المعلومات و«العورات» التي تحصلت عنده من خلال جهود الجواسيس و«معونتهم» ومشاركتهم، فهم شركاء له في كل خطة توضع، وكل هدف يقصد، وكل عمل ينفذ، وكل دمار يقع، وكل أرواح تزهق، فالجواسيس ركن ركين وأساسٌ متينٌ في تكوين وتسيير وتدبير شؤون الجيوش، ولهذا فكونهم موالين ومناصرين لها وللجهات التي يعملون لحسابها أمرٌ في غاية الظهور والجلاء وإن كانت أعمالهم التي يمارسونها في منتهى السر والخفاء.

والإخفاء والاستتار لا يغير من حقيقة الوصف شيئًا، وعدم اطّلاع الناس على حقيقة الشيء لا يقلب وصفه، قال تعالى: ﴿وَمِمَّنۡ حَوۡلَكُم مِّنَ ٱلۡأَعۡرَابِ مُنَٰفِقُونَۖ وَمِنۡ أَهۡلِ ٱلۡمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى ٱلنِّفَاقِ لَا تَعۡلَمُهُمۡۖ نَحۡنُ نَعۡلَمُهُمۡۚ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيۡنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٖ﴾ [التوبة: 101].

بعض الأدلة على دخول التجسس في موالاة الكفار:

والأدلة على أن التجسس على المسلمين للكفار يعد موالاةً كثيرة جدًا نذكر بعضها:

الدليل الأول: قال الله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمۡ أَوۡلِيَآءَ تُلۡقُونَ إِلَيۡهِم بِٱلۡمَوَدَّةِ وَقَدۡ كَفَرُواْ بِمَا جَآءَكُم مِّنَ ٱلۡحَقِّ يُخۡرِجُونَ ٱلرَّسُولَ وَإِيَّاكُمۡ أَن تُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ رَبِّكُمۡ إِن كُنتُمۡ خَرَجۡتُمۡ جِهَٰدٗا فِي سَبِيلِي وَٱبۡتِغَآءَ مَرۡضَاتِيۚ تُسِرُّونَ إِلَيۡهِم بِٱلۡمَوَدَّةِ وَأَنَا۠ أَعۡلَمُ بِمَآ أَخۡفَيۡتُمۡ وَمَآ أَعۡلَنتُمۡۚ وَمَن يَفۡعَلۡهُ مِنكُمۡ فَقَدۡ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ﴾ [الممتحنة: 1].

ص 768

وقد اتفق المفسرون على أن هذه الآية نزلت في حق حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه حينما كاتب مشركي مكة يخبرهم بأن النبي ﷺ يريد قصدهم وغزوهم، قال الإمام ابن جرير الطبري رحمه الله: «وذُكر أن هذه الآيات من أوّل هذه السورة نزلت في شأن حاطب بن أبي بَلتعة، وكان كتب إلى قُريش بمكة يطلعهم على أمر كان رسول الله ﷺ قد أخفاه عنهم، وبذلك جاءت الآثار والرواية عن جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ وغيرهم»١٬٣٨١تفسير الطبري: (23 /311)..

وقال العلامة الطاهر بن عاشور رحمه الله: «اتفق المفسرون وثبت في «صحيح الأحاديث» أن هذه الآية نزلت في قضية الكتاب الذي كتب به حاطب بن أبي بلتعة حليف بني أسد بن عبد العُزّى من قريش، وكان حاطب من المهاجرين أصحاب رسول الله ﷺ ومن أهل بدر»١٬٣٨٢التحرير والتنوير: (15 / 24)..

وسيأتي ذكر قصة حاطب رضي الله عنه وافية إن شاء الله في موضعها.

هذا ولأن ما فعله حاطب رضي الله عنه من إخبار كفار قريش بما عزم عليه النبي ﷺ يدخل في معنى التجسس فقد بوب عددٌ من المحدثين على هذه القصة بتبويبات تدل على هذا المعنى، فمن ذلك:

قال الإمام البخاري رحمه الله: «باب الجاسوس وقول الله تعالى: ﴿لَا تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمۡ أَوۡلِيَآءَ﴾ [الممتحنة: 1]، التجسس التبحث»، ثم ذكر تحت هذا الباب قصة حاطب المشار إليها: «وقال الإمام أبو داود رحمه الله: «باب في حكم الجاسوس إذا كان مسلـمًا»، وساق حادثة حاطب أيضًا، وكذلك قال الإمام البيهقي رحمه الله: «باب المسلم يدل المشركين على عورة المسلمين»، وذكر تحته قصة حاطب رضي الله عنه، وفي شرح السنة للبغوي رحمه الله: «باب حكم الجاسوس»، وأورد تحته حديثين أحدهما هذا.

فيؤخذ من مجموع القصة والآية ثلاثة أمور:

الأول: أن ما فعله حاطب رضي الله عنه يعد تجسسًا، ودلالة للكفار على عورات المسلمين، كما هو ظاهر من مجموع تبويبات هؤلاء الأئمة وغيرهم، وسيظهر لنا من خلال نقل نص كتاب حاطب كما روي أنه لا يعد شيئًا بجانب التقارير المطولة والمفصلة والمستمرة والتي كثيرًا ما تشفع بالصور والوثائق التي يقوم عليها جواسيس العصر ويسهرون الليالي ويكدون الأيام لأجل جمع تفاصيل معلوماتها لتكون على أعلى درجات الاعتماد والوثوق عند أسيادهم و«أوليائهم».

ص 769

الثاني: أن هذا التجسس وهذه الدلالة هي موالاة لأعداء الله وأعداء المسلمين بنص كتاب الله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمۡ أَوۡلِيَآءَ﴾ [الممتحنة: 1]، فإذا كان فعل حاطب رضي الله عنه عده الشرع موالاة بمجرد كتابته لرسالة هي أقرب إلى تشتيت العزائم وتثبيط الهمم وقذف الرعب منها إلى نقل الأخبار مع أن حاطبًا رضي الله عنه كان مجاهدًا بنفسه وماله مُحبًا لله ولرسوله ﷺ واثقًا من علو أهل الإيمان واندحار أهل الكفر والطغيان، فكيف بمن ينتسب إلى مؤسسة مجرمة قائمة على حرب الله ورسوله والمؤمنين، وينتمي إلى دائرة هي من أعظم دوائر التنكيل والتقتيل، وليس عنده غرض إلا البحث عن مكامن ضعف المسلمين، والتنقيب عن عوراتهم، والاجتهاد و«المخاطرة» للوصول إلى أعماقهم لاقتناص أهم أخبارهم، ثم يقدم كل تلك «الحصيلة» التي خاطر لأجل بلوغها إلى أعداء الله تعالى الكفرة، وهم الذين طالبوه أصالةً بجمعها، هذا مع امتلاء قلبه بسوء الظن بالله، وتعمد الكيد لأوليائه ودينه، والتيقن من ظفر وفلج الكافرين ومحق المؤمنين، ﴿وَذَٰلِكُمۡ ظَنُّكُمُ ٱلَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمۡ أَرۡدَىٰكُمۡ فَأَصۡبَحۡتُم مِّنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ﴾ [فصلت: 23]، فأين أين موالاة حاطب رضي الله عنه من موالاة هؤلاء المجرمين.

مع استحضار ما نبهت عليها آنفًا من أن أعمال جواسيس العصر لا تقتصر على كتابة التقارير ونقل الأخبار وكشف الأسرار بل تتعداها إلى المشاركة الفعلية والممارسة العملية للتقتيل والأسر والترويع والمداهمات وغير ذلك فليكن هذا منك على بال.

قال العلامة حمد بن عتيق رحمه الله: «ففي هذه السورة مع سبب نزولها، من الأدلة على وجوب عداوة الكفار ومقاطعتهم أدلة كثيرة:

فنهى تعالى أهل الإيمان عن اتخاذ عدوه وعدوهم وليا، وهذا تهييج على عداوتهم، فإن عداوة المعادي لربك باعثة وداعية إلى عداوتك له... ثم قال: ﴿تُلۡقُونَ إِلَيۡهِم بِٱلۡمَوَدَّةِ﴾ [الممتحنة: 1]، وهذا كافٍ في إبطال شبهة المشبهين، فإنه إذا أنكر عليهم موالاة المشركين وموادتهم قالوا: لم يصدر منا ذلك، وهم مع ذلك يعينون أهل الباطل بأموالهم، ويذبون عنهم بألسنتهم، ويكاتبونهم بعورات المسلمين.

ص 770

فأين هذا من الكتاب الذي نزلت فيه هذه السورة؟ وقد سماه الله إلقاء بالمودة! وهذا ظاهر جدًا»١٬٣٨٣«سبيل النجاة والفكاك»..

[البحر: الرجز]

[البحر: الرجز]

وَاجْزِمْ بِإِدْخَالِ ذَوَاتِ السَّبَبِ

وَارْوِ عَنِ الْإِمَامِ ظَنًّا تُصِبِ١٬٣٨٤[البيت رقم: (٤٢٨)].

قال العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى: «وقد أجمع جمهور علماء الأصول على أن صورة سبب النزول قطعية الدخول، فلا يصح إخراجها بمخصص، وروي عن مالك أنها ظنية الدخول»١٬٣٨٥أضواء البيان: (6/342)..

ففي الآية المذكورة ينهى الله تعالى عباده المؤمنين عن أن يتخذوا أعداءه من المشركين أنصارًا بدلالتهم على ما ينتفعون به من أخبار المسلمين، وما يمكن أن يوقع الضرر والأذية بإخوانهم، وأن من فعل ذلك فقد اتخذهم أولياء، ومن اتخذهم أولياء فقد ضل سواء السبيل وذلك هو الخسران المبين.

قال الإمام ابن جرير رحمه الله: «يقول: تعالى ذكره للمؤمنين به من أصحاب رسول الله ﷺ:﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي﴾ [الممتحنة: 1] من المشركين، ﴿وَعَدُوَّكُمۡ أَوۡلِيَآءَ﴾ [الممتحنة: 1]؛ يعنى أنصارًا»١٬٣٨٦تفسير الطبري: (23/ 309)..

ص 771

وقال الله تعالى: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرٗا لِّلۡكَٰفِرِينَ﴾ [القصص: 86].

قال العلامة ابن عاشور رحمه الله: «والظهير: المعين، والمظاهرة: المعاونة، وهي مراتب أعلاها النصرة وأدناها المصانعة والتسامح؛ لأن في المصانعة على المرغوب إعانة لراغبه، فلما شمل النهي جميع أكوان المظاهرة لهم اقتضى النهي عن مصانعتهم والتسامح معهم، وهو يستلزم الأمر بضد المظاهرة فيكون كناية عن الأمر بالغلظة عليهم كصريح قوله تعالى: ﴿وَٱغۡلُظۡ عَلَيۡهِمۡۚ﴾ [التوبة: 73]»١٬٣٨٧التحرير والتنوير: (10 / 451)..

وبما أن دلالة القرآن والسنة معًا تنص على دخول التجسس للكفار في مسمى الموالاة المنهي عنها فإن كل آية وردت في كتاب الله تعالى تنهى عن اتخاذ الكافرين أولياء وتحذر من ذلك يدخل فيها دخولًا مؤكدًا التجسسُ لهم على المسلمين، ولا فرق بين أن يكون ذلك الكافر وثنيًا مشركًا، أو يهوديًا، أو نصرانيًا، أو مجوسيًا، أو شيوعيًا، أو هندوسيًا، أو بوذيًا، أو مرتدًا، أو غيرهم من النحل الكافرة التي لم تزل تتولد، فهؤلاء كلهم يشملهم الوصف الذي جاء في سورة «الممتحنة» من قوله تعالى: ﴿عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمۡ﴾ [الممتحنة: 1]، فما من كافر إلا وهو عدو لله ولرسوله ولعباده المؤمنين، كما قال تعالى: ﴿مَن كَانَ عَدُوّٗا لِّلَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَرُسُلِهِۦ وَجِبۡرِيلَ وَمِيكَىٰلَ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَدُوّٞ لِّلۡكَٰفِرِينَ﴾ [البقرة: 98]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبۡتُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَلَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَن تَقۡصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلَوٰةِ إِنۡ خِفۡتُمۡ أَن يَفۡتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْۚ إِنَّ ٱلۡكَٰفِرِينَ كَانُواْ لَكُمۡ عَدُوّٗا مُّبِينٗا﴾ [النساء: 101]،وقال سبحانه: ﴿ذَٰلِكَ جَزَآءُ أَعۡدَآءِ ٱللَّهِ ٱلنَّارُۖ لَهُمۡ فِيهَا دَارُ ٱلۡخُلۡدِ جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يَجۡحَدُونَ﴾ [فصلت: 28]،وقال ﷻ: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةٖ وَمِن رِّبَاطِ ٱلۡخَيۡلِ تُرۡهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمۡ﴾ [الأنفال: 60].

قال الشيخ العثيمين رحمه الله: «فالكافر أيًا كان، سواء كان من النصارى، أو من اليهود، أو من الملحدين، وسواء تسمى باسم الإسلام أو لم يتسم بالإسلام، الكافر عدو لله، ولكتابه، ولرسوله، وللمؤمنين جميعًا، مهما تلبس بما يتلبس به فإنه عدو»١٬٣٨٨شرح رياض الصالحين: (1/12)..

ص 772

كما أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما هو مقرر في كتب الأصول وغيرها، فآية الممتحنة وإن كان نزولها في شأن مكاتبة حاطب رضي الله عنه لكفار قريش، فهذا لا يعني أن الكفار المنهي عن اتخاذهم أولياء والذين يحرم التجسس لهم على المسلمين هم خصوص المشركين، بل يعم الحكم كل موالٍ لكل كافر وفي كل زمن، وقد جاءت الآيات القرآنية مصرحة بالنهي عن موالاة جميع الكفار، وعن أصناف منهم بخصوصهم كاليهود والنصارى.

جاء في الدرر السنية: «وهذه وإن كان سبب نزولها في حاطب بن أبي بلتعة، حين كتب إلى قريش يخبرهم بمسير رسول الله ﷺ، فإنه خاطب المؤمنين بهذا الحكم عمومًا، وقال: ﴿وَمَن يَفۡعَلۡهُ مِنكُمۡ﴾ [الممتحنة: 1] معشر المخاطبين، كائنًا من كان، ﴿فَقَدۡ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ﴾ [الممتحنة: 1]، وهذا شامل لكل فرد من أفراد الأمة، من المستقدمين والمستأخرين، لا يرتاب في هذا مسلم قط».

وقال العلامة عبد الرحمن بن حسن رحمه الله: «فواجه سبحانه المؤمنين بهذا الخطاب، إنذارًا وتحذيرًا؛ ولا ريب أنه يتعلق بكل مؤمن بالله وكتابه ورسوله، من الذين نزل فيهم القرآن، ومن حضر نزوله، ومن بعدهم إلى قيام الساعة.

وليس من الجائز في عقل من له أدنى مسكة من عقل، أن يقول: هذه الآيات نزلت في شأن حاطب، لما كتب إلى قريش يخبرهم بمسير رسول الله ﷺ، فيقصر حكم هذا الخطاب العام، على من نزل هذا الحكم بسببه»١٬٣٨٩الدرر السنية: (10 /195)..

ص 773

قال الشيخ عطية محمد سالم رحمه الله: «وقد أجمع المفسرون على أن هذه الآية نزلت في حاطب بن أبي بلتعة، وقصة الرسالة مع الظعينة لأهل مكة قبل الفتح بإخبارهم بتجهز المسلمين إليهم مما يؤيد المراد بالعدو هنا، ولكن وإن كانت صورة السبب قطعية الدخول، إلا أن عموم اللفظ لا يهمل، فقوله: ﴿عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمۡ﴾ [الممتحنة: 1]، وقوله: ﴿وَقَدۡ كَفَرُواْ بِمَا جَآءَكُم مِّنَ ٱلۡحَقِّ﴾ [الممتحنة: 1]، يشمل كل من كفر بما جاءنا من الحق كاليهود، والنصارى، والمنافقين ومن تجدد من الطوائف الحديثة... ومن الطوائف المحدثة كل من كفر بما جاءنا من الحق من شيوعية وغيرهم، وكالهندوكية، والبوذيّة وغيرهم»١٬٣٩٠أضواء البيان: (8 / 217)..

بل إن بعض العلماء قد جعل هذه السورة أصلًا في النهي عن موالاة الكفار عامة كما قال الإمام ابن عادل رحمه الله: «هذه السورة أصل في النهي عن موالاة الكُفَّار، وقد تقدم نظيره كقوله: ﴿لَّا يَتَّخِذِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلۡكَٰفِرِينَ أَوۡلِيَآءَ﴾ [آل عمران: 28]، وقوله: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ بِطَانَةٗ مِّن دُونِكُمۡ﴾ [آل عمران: 118]، ﴿۞يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ ٱلۡيَهُودَ وَٱلنَّصَٰرَىٰٓ أَوۡلِيَآءَۘ﴾ [المائدة: 51]»١٬٣٩١تفسير اللباب: (15 /224)..

وقال القرطبي رحمه الله: «السورة أصل في النهي عن موالاة الكفار»١٬٣٩٢تفسير القرطبي: (18/ 52)..

الدليل الثاني: قال الله تعالى: ﴿لَّا يَتَّخِذِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلۡكَٰفِرِينَ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ فَلَيۡسَ مِنَ ٱللَّهِ فِي شَيۡءٍ إِلَّآ أَن تَتَّقُواْ مِنۡهُمۡ تُقَىٰةٗۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفۡسَهُۥۗ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلۡمَصِيرُ﴾ [آل عمران: 28].

قال الإمام ابن جرير رحمه الله: «ومعنى ذلك: لا تتخذوا أيها المؤمنون، الكفارَ ظهرًا وأنصارًا توالونهم على دينهم، وتظاهرونهم على المسلمين من دون المؤمنين، وتدلُّونهم على عوراتهم، فإنه مَنْ يفعل ذلك ﴿فَلَيۡسَ مِنَ ٱللَّهِ فِي شَيۡءٍ﴾ [آل عمران: 28]؛ يعني بذلك: فقد برئ من الله وبرئ الله منه، بارتداده عن دينه ودخوله في الكفر»١٬٣٩٣تفسير الطبري: (6 / 313).، فكما ترى فإن الإمام ابن جرير نص على أن دلالة الكفار على عورات المسلمين داخلة في معنى اتخاذهم أولياء، وروى بسنده عن السدي أنه قال في الآية: «أما «أولياء» فيواليهم في دينهم، ويظهرهم على عورة المؤمنين، فمن فعل هذا فهو مشرك، فقد برئ الله منه»١٬٣٩٤تفسير الطبري: (6 / 314)..

ص 774

وقد ذهب بعض العصريين إلى أن مظاهرة الكفار على المسلمين لا تكون كفرًا مخرجًا من الملة إلا إذا اقترنت بمحبة ظهور دينهم على دين الإسلام، أما إذا كان المظاهر مريدًا بمظاهرته شيئًا من متاع الدنيا فلا يكون بها كافرًا، وهذا ضربٌ من الوهم الذي ليس من العلم والفهم في شيء، وقد تولى كثيرٌ من الفضلاء النبلاء الرد على هذه الشبهات المختلقة عصريًا وفندوها وبددوها، كي لا يتخذها الطغاة ملجًا وملاذًا يعتصمون به عند محاربتهم للإسلام والمسلمين بمظاهرتهم للكفرة المجرمين محتجين بأن المصالح الدنيوية تقتضي ذلك.

وقال الإمام البغوي رحمه الله: «قوله تعالى: ﴿وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ﴾ [آل عمران: 28]؛ أي موالاة الكفار في نقل الأخبار إليهم، وإظهارهم على عورة المسلمين، ﴿فَلَيۡسَ مِنَ ٱللَّهِ فِي شَيۡءٍ﴾ [آل عمران: 28]؛ أي ليس من دين الله في شيء»١٬٣٩٥تفسير البغوي: (2 / 25).، فكلامه رحمه الله صريحٌ في أن نقل الأخبار إلى الكفار وإطلاعهم على عورات المسلمين يعد موالاةً لهم، وأن مَن فعل ذلك فليس هو من دين الله في شيء لارتداده عن الإسلام.

وقال الخازن رحمه الله في الآية: «﴿وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ﴾ [آل عمران: 28]؛ يعني موالاة الكفار، من نقل الأخبار إليهم وإظهار عورة المسلمين، أو يودهم ويحبهم ﴿فَلَيۡسَ مِنَ ٱللَّهِ فِي شَيۡءٍ﴾ [آل عمران: 28]؛ أي فليس من دين الله في شيء، وقيل معناه: فليس من ولاية الله في شيء، وهذا أمر معقول من أن ولاية المولى معاداة أعدائه، وموالاة الله وموالاة الكفار ضدان لا يجتمعان»١٬٣٩٦تفسير الخازن: (1 /358)..

وكلام الأئمة في هذا كثيرٌ، حيث يصرحون وينصون على أن نقل أخبار المسلمين للكفار أو إظهارهم على عوراتهم هو من موالاتهم، بل قد ذكر بعض المفسرين أن سبب نزول هذه الآية آية آل عمران هو قصة حاطب رضي الله عنه ومراسلته للمشركين، كما قال العلامة الطاهر بن عاشور رحمه الله: «قيل: إن الآية نزلت في «حاطب بن أبي بلتعة» وكان من أفاضل المهاجرين وخُلّص المؤمنين، إلا أنه تأول فكتب كتابًا إلى قريش يعلمهم بتجهيز النبي ﷺ لفتح مكة»١٬٣٩٧التحرير والتنوير: (3 /76)..

ص 775

وذكر الإمام ابن عطية رحمه الله أن بعض العلماء ذهبوا إلى أن سبب نزولها قصة حاطب المذكورة فقال: «وقال قوم: نزلت الآية في قصة حاطب بن أبي بلتعة وكتابه إلى أهل مكة»، ثم قال بعدها: «والآية عامة في جميع هذا»١٬٣٩٨المحرر الوجيز: (1 / 399)..

الدليل الثالث: قوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ ٱلۡكَٰفِرِينَ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۚ أَتُرِيدُونَ أَن تَجۡعَلُواْ لِلَّهِ عَلَيۡكُمۡ سُلۡطَٰنٗا مُّبِينًا﴾ [النساء: 144].

قال الإمام ابن كثير رحمه الله في هذه الآية: «ينهى تعالى عباده المؤمنين عن اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين، يعني مصاحبتهم ومصادقتهم ومناصحتهم وإسرار المودة إليهم، وإفشاء أحوال المؤمنين الباطنة إليهم»١٬٣٩٩تفسير ابن كثير: (2 / 441)..

الدليل الرابع: قوله تعالى: ﴿۞يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ ٱلۡيَهُودَ وَٱلنَّصَٰرَىٰٓ أَوۡلِيَآءَۘ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَإِنَّهُۥ مِنۡهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [المائدة: 51].

قال الإمام ابن جرير رحمه الله: «القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَإِنَّهُۥ مِنۡهُمۡۗ﴾ [المائدة: 51]، قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَإِنَّهُۥ مِنۡهُمۡۗ﴾ [المائدة: 51]، ومن يتولَّ اليهود والنصارى دون المؤمنين، فإنه منهم. يقول: فإن من تولاهم ونصرَهم على المؤمنين، فهو من أهل دينهم وملتهم، فإنه لا يتولى متول أحدًا إلا وهو به وبدينه وما هو عليه راضٍ، وإذا رضيه ورضي دينَه، فقد عادى ما خالفه وسَخِطه، وصار حكُمه حُكمَه»١٬٤٠٠تفسير الطبري: (10/ 400)..

ص 776

وبما ذكره الإمام أبو جعفر الطبري رحمه الله في هذا الموطن يستبين مقصوده فيما نقلناه عنه سابقًا بقوله: «توالونهم على دينهم»؛ ليظهر به أن هذا بيان حالٍ لا قيد مقال؛ بمعنى أن كل من تولى الكفرة ونصرهم على المؤمنين فقد تولاهم على دينهم ولا بد؛ لأنه صار بتلك الموالاة والنصرة «من أهل دينهم وملتهم» وهذه الحقيقة بينة في كلام الإمام بحيث لا يتصور انفكاكها وانفصالها عما قرره لأنه «لا يتولى متول أحدًا إلا وهو به وبدينه وما هو عليه راضٍ»، فلو كان ما ذهب إليه بعض العصريين من أن مظاهرة الكفار على المسلمين طلبًا للدنيا لا تعد كفرًا استدلالًا بما اقتُطع من كلام ابن جرير، لما كان ثمة فائدة من هذا التعليل الذي ذكره أخيرًا، إذ يمكن أن يُتصور وجود نقيضه، وهو من يتولاهم وينصرهم على المؤمنين ولا يكون بذلك من أهل دينهم وملتهم، فيتدافع ما قرره هنا مع ما فهمه أولئك هناك، وهذا مسلكٌ رديٌ في استيعاب أقوال الأئمة والتوفيق بين كلامهم.

الدليل الخامس: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُوٓاْ ءَابَآءَكُمۡ وَإِخۡوَٰنَكُمۡ أَوۡلِيَآءَ إِنِ ٱسۡتَحَبُّواْ ٱلۡكُفۡرَ عَلَى ٱلۡإِيمَٰنِۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ﴾ [التوبة: 23].

قال العلامة البغوي رحمه الله: «قال مقاتل: نزلت في التسعة الذين ارتدوا عن الإسلام ولحقوا بمكة، فنهى الله عن ولايتهم، فأنزل الله: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُوٓاْ ءَابَآءَكُمۡ وَإِخۡوَٰنَكُمۡ أَوۡلِيَآءَ﴾ [التوبة: 23]، بطانة وأصدقاء فتفشون إليهم أسراركم وتؤثرون المقام معهم على الهجرة، ﴿إِنِ ٱسۡتَحَبُّواْ﴾ [التوبة: 23]؛ اختاروا ﴿ٱلۡكُفۡرَ عَلَى ٱلۡإِيمَٰنِۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ﴾ [التوبة: 23]؛ فيطلعهم على عورة المسلمين ويؤثر المقام معهم على الهجرة والجهاد، ﴿فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ﴾ [التوبة: 23]، وكان في ذلك الوقت لا يقبل الإيمان إلا من مهاجر، فهذا معنى قوله: ﴿فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ﴾ [التوبة: 23]»١٬٤٠١تفسير البغوي: (4 / 25)..

وبالجملة فإن كل الآيات القرآنية التي تنهى عن موالاة الكفار، وتحذر منها، وتذم أهلها، وتشنع عليهم يدخل فيها قطعًا مَن ينقل إليهم أخبار المسلمين، ويدلهم على عوراتهم، ويُعْلِمهم بأسرارهم، وهذه هي مهنة الجواسيس، فكل جاسوسٍ متصفٍ بما ذكرنا يعد متخذًا الكافرين أولياء من دون المؤمنين، ومناصرًا لهم عليهم، فيلحقه كل وصفٍ أو تهديدٍ أو وعيدٍ جاء في حق من يوالي الكافرين، فهو داخل في قوله تعالى: ﴿فَلَيۡسَ مِنَ ٱللَّهِ فِي شَيۡءٍ﴾ [آل عمران: 28] وفي قوله ﷻ: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَإِنَّهُۥ مِنۡهُمۡۗ﴾ [المائدة: 51] وفي قوله ﷻ: ﴿تَرَىٰ كَثِيرٗا مِّنۡهُمۡ يَتَوَلَّوۡنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ لَبِئۡسَ مَا قَدَّمَتۡ لَهُمۡ أَنفُسُهُمۡ أَن سَخِطَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡ وَفِي ٱلۡعَذَابِ هُمۡ خَٰلِدُونَ ٨٠ وَلَوۡ كَانُواْ يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلنَّبِيِّ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مَا ٱتَّخَذُوهُمۡ أَوۡلِيَآءَ وَلَٰكِنَّ كَثِيرٗا مِّنۡهُمۡ فَٰسِقُونَ﴾ [المائدة: 80-81]

ص 777

وفي قوله سبحانه: ﴿وَمَن يَفۡعَلۡهُ مِنكُمۡ فَقَدۡ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ﴾ [الممتحنة: 1] وغير ذلك من الآيات ذات الوعيد والتهديد والتشنيع على من يوالي الكفار، ومن المتولين لهم الذين يدخلون دخولًا محققًا في سائر هذه الآيات وغيرها مَن يتجسس لهم على المسلمين، فهؤلاء الجواسيس ليسوا من الله في شيء، وهم ممن تولوهم، وقد ضلوا سواء السبيل، وسخط الله عليهم، وإن ماتوا على حالتهم ولم يتوبوا ويؤوبوا ففي العذاب هم خالدون، نسأل الله العافية.

بعض صور التجسس تعد مظاهرة للكفار على المسلمين:

وبما أنه قد تقرر لدينا فيما سبق أن التجسس للكفار على المسلمين ليستعينوا بذلك في حربهم لهم؛ يعني بالضرورة اتخاذهم أولياء وأنصارًا، وهو من مظاهرتهم ومناصرتهم ومعاضدتهم بقي أن تعرف أن حكم مظاهرتهم هو الكفر الأكبر المخرج من الملة.

والمظاهرة التي نقصدها هي: معاونتهم في أي أمرٍ من الأمور التي يكون فيها ضررٌ بالإسلام والمسلمين سواء كانت تلك المعاونة بالرأي، أو بالمال، أو بالسلاح، أو بالنفس، أو بالكتابة، أو بالتجسس أو غيرها، فلا بد -عند الحديث- عن المظاهرة المخرجة من الملة من الاعتناء بهذه القيود المهمة التي يتحدد بها المعنى بوضوح، لا سيما استحضار كون تلك المعاونة والمظاهرة إنما هي على الإسلام والمسلمين، كما قال الشيخ: «وأما مظاهرة الكفار على المسلمين، فالمقصود بها أن يكون أولئك أنصارًا وظهورًا وأعوانًا للكفار ضد المسلمين، فينضمون إليهم، ويذبون عنهم بالمال والسنان والبيان، فهذا كفر يناقض الإيمان»١٬٤٠٢نواقض الإيمان القولية والعملية: (2 / 144)..

ص 778

ولا أقصد بذلك الحديث عن الدافع الذي يحرك المظاهر والمعين والمعاون وهل هو لأجل دينهم أو طلب شيء من أمور الدنيا، فقد أشرت إلى بطلان ذلك قريبًا وأنه لا فرق بين الأمرين، والشرع لم ينظر إلى تلك الدوافع القلبية المستترة التي لا يطلع عليها إلا علام الغيوب، وإنما المقصود أن تكون معاونتهم منصبة ومتجهة نحو الإضرار بالإسلام والمسلمين، فإعانة الكفار على الكفار ليست هي المظاهرة المكفرة التي يتحدث عنها العلماء، وهكذا إعانتهم لا على أحدٍ لا تكون مكفرة على كل حالٍ وإنما بحسب العمل المعين عليه، وعبارات العلماء المتعددة صريحة على اعتبار هذا القي والاعتناء به.

وهذه المسألة خصوصًا من المسائل التي استفاض البحث فيها -والحمد لله- في هذا العصر، خاصةً بعد اندلاع الهجمة الصليبية العصرية لمسيس الحاجة إليها، ولتلبس كثير من المنتسبين إلى الإسلام بها، وهي من العلم الذي ينبغي أن يذاع ويشاع ويكرر ويؤكد، ولا يُمل من تقريره ونشره، لا سيما مع انتشار فتاوى المبطلين، وتلبيسهم على الناس أمر دينهم، وتهوين العظائم في أعينهم حتى جعلوا الدين أرق من ثوب سابري.

والأدلة على كفر المظاهر للكفار على المسلمين كثيرةٌ، وقد كتب فيها العلماء كتبًا مستقلة، ونقل غير واحد منهم الإجماع على هذا الحكم، وهو حكمٌ لم يزل المسلمون يتواطؤون عليه، ويقررونه خلفًا عن سلف، حتى نبغ من نبغ من الانهزاميين أو الإرجائيين العصريين فحاولوا نقض عراه، وتحايلوا على مداخلته، مسايرة لأهواء الطغاة، أو طمعًا في شيء من الفتات، أو جهلًا بدين الله الذي اهتدى إليه الهداة، واستلوا دقائق الشبهات من بين الأسطر والحروف، وأبرزوا المشتبهات وأجلبوا بها على الواضحات المحكمات، ومزجوا حقًا بباطل، وخلطوا الأهواء بالدعاوى، فاضطرب الناس وهاموا، حتى لم يعد كثير منهم يفرق بين الظلمات والنور.

ص 779

فزادوا الأمة محنة على محنتها، وحطموا أبوابًا متينة حصينة محكمة من أسس الدين وسهلوا على الناس تعديها، وأغروهم بتجاوزها وتخطيها؛ فاستبشر بذلك أهل الكفر والطغيان، واغتم أي غم أهل الحق والإيمان، فتسلط الكفرة بقواتهم، وحكَّموا في رقاب العباد عبَّادهم وأتباعهم؛ فدمرت البلاد، وسالت أنهر الدماء من عباد الله الموحدين، وانتهكت أعراض العفيفات الطاهرات، ومزق ودنس كتاب الله الذي لا يمسه إلا المطهرون، واكتظت السجون بالراكعين الساجدين العابدين، وتقطعت أوصالهم بسياط الجلادين أولياء الكافرين، وتحالف الكفر وتعاضد وتناصر بالجيوش، والسلاح، والمال، والمشورة «المؤتمرات»، والسياسات، والمعاهدات، وفتح القواعد، وتسيير البوارج، وتسخير الأجواء، ومع ذلك كله لا يزال بعض مَن ينتسب إلى العلم يشكك في أن مظاهرة ومعاونة هذا «الحلف الشيطاني» كفر وردة باحثًا عن كل ملجأ أو مغارة أو مدخل لعله يظفر فيه بشبهة يطير بها لينشرها بين الأنام زاعمًا أنها الحق الذي ما بعده إلا الضلال ونعوذ بالله من الخذلان والخبال.

قال الله تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ مِنۡهُ ءَايَٰتٞ مُّحۡكَمَٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلۡكِتَٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَٰبِهَٰتٞۖ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمۡ زَيۡغٞ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَٰبَهَ مِنۡهُ ٱبۡتِغَآءَ ٱلۡفِتۡنَةِ وَٱبۡتِغَآءَ تَأۡوِيلِهِۦۖ وَمَا يَعۡلَمُ تَأۡوِيلَهُۥٓ إِلَّا ٱللَّهُۗ وَٱلرَّٰسِخُونَ فِي ٱلۡعِلۡمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِۦ كُلّٞ مِّنۡ عِندِ رَبِّنَاۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ﴾ [آل عمران: 7].

وعن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: «تلا رسول الله ﷺ: ﴿هُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ مِنۡهُ ءَايَٰتٞ مُّحۡكَمَٰتٌ﴾ [آل عمران: 7]، وقرأ إلى ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ﴾ [آل عمران: 7]، قالت: قال رسول الله ﷺ: (فإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سماهم الله فاحذروهم)»١٬٤٠٣متفق عليه [البخاري: (٤٥٤٧)، ومسلم: (2665)]..

ص 780

إذن فاتباع مسلك المتشابهات ومحاولة الشغب بها على الآيات المحكمات هو منزع الذين في قلوبهم زيغٌ أي ميل عن الحق، وهم وإن زعموا -كما هو دأبهم- أنهم بذلك يحاولون درأ الفتنة أو تقليلها إلا أنهم بأفعالهم ومجادلاتهم وتهويشهم يبتغونها ويسوقون الناس إليها ويوقعونهم في شراكها، على طريقة أسلافهم، كما قال تعالى:﴿فَكَيۡفَ إِذَآ أَصَٰبَتۡهُم مُّصِيبَةُۢ بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيهِمۡ ثُمَّ جَآءُوكَ يَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنۡ أَرَدۡنَآ إِلَّآ إِحۡسَٰنٗا وَتَوۡفِيقًا﴾ [النساء: 62]، وقوله تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مَسۡجِدٗا ضِرَارٗا وَكُفۡرٗا وَتَفۡرِيقَۢا بَيۡنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَإِرۡصَادٗا لِّمَنۡ حَارَبَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ مِن قَبۡلُۚ وَلَيَحۡلِفُنَّ إِنۡ أَرَدۡنَآ إِلَّا ٱلۡحُسۡنَىٰۖ وَٱللَّهُ يَشۡهَدُ إِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ﴾ [التوبة: 107].

فالواجب على المسلم أن يحذرهم ويحذر منهم ويقطّع بمحكم العلم نسيج شبهاتهم، وليستمسك بالحق المستبين، ليكون من عباد الله الراسخين المفلحين، ويرد كل متشابه إليه ويعطفه عليه ولا يعكس فينعكس ويرتكس، نسأل الله العافية.

قال الإمام ابن كثير رحمه الله: «يخبر تعالى أن في القرآن آيات محكمات هن أم الكتاب؛ أي: بينات واضحات الدلالة، لا التباس فيها على أحد من الناس، ومنه آيات أخر فيها اشتباه في الدلالة على كثير من الناس أو بعضهم، فمن ردّ ما اشتبه عليه إلى الواضح منه، وحكم محكمه على متشابهه عنده، فقد اهتدى، ومن عكس انعكس»١٬٤٠٤تفسير ابن كثير: (2 / 6)..

وقال العلامة السعدي رحمه الله: «﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمۡ زَيۡغٞ﴾ [آل عمران: 7]؛ أي: ميل عن الاستقامة بأن فسدت مقاصدهم، وصار قصدهم الغي والضلال وانحرفت قلوبهم عن طريق الهدى والرشاد، ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَٰبَهَ مِنۡهُ﴾ [آل عمران: 7]؛ أي: يتركون المحكم الواضح ويذهبون إلى المتشابه، ويعكسون الأمر فيحملون المحكم على المتشابه، ﴿ٱبۡتِغَآءَ ٱلۡفِتۡنَةِ﴾ [آل عمران: 7]؛ لمن يدعونهم لقولهم، فإن المتشابه تحصل به الفتنة بسبب الاشتباه الواقع فيه، وإلا فالمحكم الصريح ليس محلا للفتنة، لوضوح الحق فيه لمن قَصْدُه اتباعه»١٬٤٠٥تفسير السعدي: (1 / 122)..

ص 781

فمن هذه الأمور المحكمات الواضحات التي أكد حكمها في كتاب الله مرارًا هي أن تولي الكفار ومظاهرتهم على المسلمين كفرٌ أكبر مخرجٌ من ملة الإسلام وملحِقٌ لصاحبه بملة من تولاهم وظاهرهم، وإن زعم خلاف ذلك، بل وإن ادعى أنه يبغضهم ويعاديهم، فكتاب الله يكذبه، ويفضحه، والآيات في هذه المسألة واضحة جلية، وقد نقلت أعلاه شيئًا منها، وأقوال العلماء وفتاواهم صريحة بينة في التأكيد على ذلك، وهذا هو الذي يقتضيه العقل وتوافقه الفِطَر تعزيزًا لحكم الشرع، إذ كيف يمكن لأحد أن يرى إنسانًا يصاحب آخر، ثم هو يعين عليه عدوه، ويرشده إلى منافذ مضرته، ويدعمه بماله ليوصله إلى مواطن غرته، ثم يزعم بعدها أنه مصاف له وموادد و«موال»، فمَن يصدقه مع كل هذا في دعواه؟!

أو كما قال الإمام حمد بن عتيق رحمه الله في مثال آخر: «ولنضرب لذلك مثلًا ولله المثل الأعلى؛ فقدّر نفسك مملوكًا لإنسان هو سيدك، والسبب في حصول مصالحك ومنع مضارك، وسيدك له عدو من الناس، فهل يصح عندك، ويجوز في عقلك أن تتخذ عدو سيدك وليًا، ولم ينهك عن ذلك؟! فكيف إذا نهاك أشد النهي، ورتب على موالاتك له أن يعذبك، وأن يسخط عليك، وأن يوصل إليك ما تكره، ويمنع عنك ما تحب؟ فكيف إذا كان هذا العدو لسيدك، عدوًا لك أيضا؟ فإن واليته مع ذلك كله، إنك إذن لمن الظالمين الجاهلين!!»١٬٤٠٦«سبيل النجاة والفكاك»..

[البحر: الطويل]

[البحر: الطويل]

‌تَوَدُّ ‌عَدُوِّي ‌ثُمَّ ‌تَزْعَمُ ‌أَنَّنِي

صدِيقُكَ لَيْسَ النَّوْكُ عَنْكَ بِعَازِبِ١٬٤٠٧[النوك: الحمق. والعازب: البعيد؛ أي أن الصديق الحق لا يود عدو صديقه؛ إلا أن يكون أحمقًا. قاله: العِتابي؛ كما أفاده ابن عاشور في: التحرير والتنوير (3/228)]

[البحر: الوافر]

[البحر: الوافر]

‌إِذَا ‌وَالَى ‌صَدِيقُكَ ‌مَنْ ‌تُعَادِي

فَقَدْ عَادَاكَ وَانْقَطَعَ الْكَلَامُ١٬٤٠٨[شعرُ قديم، يُذكر في كتب المفسرين والفقهاء، ولعله من نظم بعضهم؛ فلم أقف على قائله رغم شهرته وجريانه بين الناس مثلًا، وأول من حكاه: محمد بن حسين اليمني، في: مضاهاة أمثال كليلة ودمنة (ص 6)]

ص 782

ولهذا جاءت آيات تعجب المؤمنين من دعوى الإيمان من أولئك القوم الذين والوا أعداء الله تعالى محتجين بخشية الدائرة فاستبقوا الأمور و«احتاطوا» لأنفسهم فدخلوا في موالاة أعداء الله تعالى طلبًا للسلامة وحفاظًا على المصلحة كما زعموا، وما أكثر هذا الصنف اليوم ممن استفحل المرض في قلوبهم، وأعمت الأهواء بصائرهم، وأفسدت أوهام الحكمة والمصلحة أفكارهم، وما حقيقتهم إلا ﴿نَخۡشَىٰٓ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٞۚ﴾ [المائدة: 52]، وإلا فلو أنهم استضاءوا بنور الوحي، واهتدوا بهدي الكتاب، وألزموا أنفسهم غرزه، لما بلغ بهم التحريف هذا المبلغ، ولقطع عنهم وساوسهم أدنى تدبر لآيات الله تعالى كقوله ﷻ: ﴿۞يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ ٱلۡيَهُودَ وَٱلنَّصَٰرَىٰٓ أَوۡلِيَآءَۘ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَإِنَّهُۥ مِنۡهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٥١ فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ يُسَٰرِعُونَ فِيهِمۡ يَقُولُونَ نَخۡشَىٰٓ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٞۚ فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأۡتِيَ بِٱلۡفَتۡحِ أَوۡ أَمۡرٖ مِّنۡ عِندِهِۦ فَيُصۡبِحُواْ عَلَىٰ مَآ أَسَرُّواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ نَٰدِمِينَ ٥٢ وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَهَٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ أَقۡسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَيۡمَٰنِهِمۡ إِنَّهُمۡ لَمَعَكُمۡۚ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فَأَصۡبَحُواْ خَٰسِرِينَ﴾ [المائدة: 51-53]

ص 783

قال الإمام ابن كثير رحمه الله عن الآيتين الأخيرتين: «وقوله:﴿فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ﴾ [المائدة: 52]؛ أي: شك، وريب، ونفاق ﴿يُسَٰرِعُونَ فِيهِمۡ﴾ [المائدة: 52]؛ أي: يبادرون إلى موالاتهم ومودتهم في الباطن والظاهر، ﴿يَقُولُونَ نَخۡشَىٰٓ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٞۚ﴾ [المائدة: 52]؛ أي: يتأولون في مودتهم وموالاتهم أنهم يخشون أن يقع أمر من ظفر الكفار بالمسلمين، فتكون لهم أياد عند اليهود والنصارى، فينفعهم ذلك، عند ذلك قال الله تعالى: ﴿فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأۡتِيَ بِٱلۡفَتۡحِ﴾ [المائدة: 52]، قال السُّدِّي: يعني فتح مكة، وقال غيره: يعني القضاء والفصل، ﴿أَوۡ أَمۡرٖ مِّنۡ عِندِهِۦ﴾ [المائدة: 52]، قال السُّدِّي: يعني ضرب الجزية على اليهود والنصارى، ﴿فَيُصۡبِحُواْ﴾ [المائدة: 52]؛ يعني: الذين والوا اليهود والنصارى من المنافقين ﴿عَلَىٰ مَآ أَسَرُّواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ نَٰدِمِينَ﴾ [المائدة: 52] من الموالاة ﴿نَٰدِمِينَ﴾ [المائدة: 52]؛ أي: على ما كان منهم، مما لم يُجْد عنهم شيئًا، ولا دفع عنهم محذورًا، بل كان عين المفسدة، فإنهم فُضِحوا، وأظهر الله أمرهم في الدنيا لعباده المؤمنين، بعد أن كانوا مستورين لا يدرى كيف حالهم، فلما انعقدت الأسباب الفاضحة لهم، تبين أمرهم لعباد الله المؤمنين، فتعجبوا منهم كيف كانوا يظهرون أنهم من المؤمنين، ويحلفون على ذلك ويتأولون، فبان كذبهم وافتراؤهم؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَهَٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ أَقۡسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَيۡمَٰنِهِمۡ إِنَّهُمۡ لَمَعَكُمۡۚ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فَأَصۡبَحُواْ خَٰسِرِينَ﴾ [المائدة: 53]»١٬٤٠٩تفسير ابن كثير: (3 / 132- 133)..

وقال الإمام البغوي رحمه الله: «﴿فَيُصۡبِحُواْ﴾ [المائدة: 52]؛ يعني هؤلاء المنافقون،﴿عَلَىٰ مَآ أَسَرُّواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ﴾ [المائدة: 52] من موالاة اليهود ودس الأخبار إليهم، ﴿نَٰدِمِينَ﴾ [المائدة: 52]»١٬٤١٠تفسير البغوي: (3 / 68)..

وقال الإمام الشنقيطي رحمه الله: «ذكر في هذه الآية الكريمة، أن من تولى اليهود، والنصارى، مِن المسلمين، فإنه يكون منهم بتوليه إياهم، وبين في موضع آخر أن توليهم موجب لسخط الله، والخلود في عذابه، وأن متوليهم لو كان مؤمنًا ما تولاهم، وهو قوله تعالى: ﴿تَرَىٰ كَثِيرٗا مِّنۡهُمۡ يَتَوَلَّوۡنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ لَبِئۡسَ مَا قَدَّمَتۡ لَهُمۡ أَنفُسُهُمۡ أَن سَخِطَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡ وَفِي ٱلۡعَذَابِ هُمۡ خَٰلِدُونَ ٨٠ وَلَوۡ كَانُواْ يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلنَّبِيِّ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مَا ٱتَّخَذُوهُمۡ أَوۡلِيَآءَ وَلَٰكِنَّ كَثِيرٗا مِّنۡهُمۡ فَٰسِقُونَ﴾ [المائدة: 80-81]»١٬٤١١أضواء البيان: (1 / 437)..

وكقوله ﷻ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَكُمۡ هُزُوٗا وَلَعِبٗا مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَٱلۡكُفَّارَ أَوۡلِيَآءَۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ﴾ [المائدة: 57]

قال العلامة السعدي رحمه الله في هذه الآية: «ينهى عباده المؤمنين عن اتخاذ أهل الكتاب من اليهود والنصارى ومن سائر الكفار أولياء يحبونهم ويتولونهم، ويبدون لهم أسرار المؤمنين، ويعاونونهم على بعض أمورهم التي تضر الإسلام والمسلمين، وأن ما معهم من الإيمان يوجب عليهم ترك موالاتهم، ويحثهم على معاداتهم، وكذلك التزامهم لتقوى الله التي هي امتثال أوامره واجتناب زواجره مما تدعوهم إلى معاداتهم»١٬٤١٢تفسير السعدي: (1 / 236)..

ص 784

وقال تعالى:﴿۞فَمَا لَكُمۡ فِي ٱلۡمُنَٰفِقِينَ فِئَتَيۡنِ وَٱللَّهُ أَرۡكَسَهُم بِمَا كَسَبُوٓاْۚ أَتُرِيدُونَ أَن تَهۡدُواْ مَنۡ أَضَلَّ ٱللَّهُۖ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ سَبِيلٗا﴾ [النساء: 88]، ومما ورد في سبب نزول هذه الآية ما رواه الإمام ابن جرير الطبري ورجحه عن ابن عباس رضي الله عنه قوله: «وذلك أن قومًا كانوا بمكة قد تكلّموا بالإسلام، وكانوا يظاهرون المشركين، فخرجوا من مكة يطلبون حاجة لهم، فقالوا: إن لقينا أصحابَ محمد ﷺ، فليس علينا منهم بأس! وأن المؤمنين لما أخبروا أنهم قد خرجوا من مكة، قالت فئة من المؤمنين: اركبوا إلى الخبثاء فاقتلوهم، فإنهم يظاهرون عليكم عدوكم! وقالت فئة أخرى من المؤمنين: سبحان الله -أو كما قالوا-، أتقتلون قومًا قد تكلموا بمثل ما تكلَّمتم به؟ أمن أجل أنهم لم يهاجروا ويتركوا ديارَهم، تستحلّ دماؤهم وأموالهم لذلك! فكانوا كذلك فئتين، والرسول عليه السلام عندهم لا ينهى واحدًا من الفريقين عن شيء، فنزلت»١٬٤١٣تفسير الطبري: (8 / 11)..

ومن تأمل في كتاب الله ﷻ وجد ذكر المظاهرة متكررًا ومعلَّقًا عليه بعض الأحكام، وذلك أن المظاهرة هي المعاونة، فهي تقوية لمن يعينه وشد لظهره وتأييد له فيما هو عليه، فكأن من أعان الكفار على المسلمين قد قوى ظهورهم وشد أزرهم ولهذا سمي مظاهرًا، كما قال العلامة ابن عاشور: «والمظاهرة: التعاون، يقال: ظاهره، أي أيده وأعانه، قال تعالى: ﴿وَلَمۡ يُظَٰهِرُواْ عَلَيۡكُمۡ أَحَدٗا﴾ [التوبة: 4]، ولعلّ أفعال المظاهر ووصف ظهير كلها مشتقة من الاسم الجامد، وهو الظَّهر؛ لأن المعين والمؤيد كأنه يشد ظَهر من يعينه ولذلك لم يسمع لهذه الأفعال الفرعية والأوصاف المتفرعة عنها فعل مجرد»١٬٤١٤التحرير والتنوير: (15 /179)..

ص 785

قال تعالى:﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّم مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ثُمَّ لَمۡ يَنقُصُوكُمۡ شَيۡـٔٗا وَلَمۡ يُظَٰهِرُواْ عَلَيۡكُمۡ أَحَدٗا فَأَتِمُّوٓاْ إِلَيۡهِمۡ عَهۡدَهُمۡ إِلَىٰ مُدَّتِهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: 4]، فقد جعل عدم مظاهرتهم على المسلمين موجبًا لإبقاء عهدهم وعدم نصب الحرب لهم، فهم في مأمن ما لم يظاهروا فإن ظاهروا انتقض عهدهم، كما قال الإمام ابن جرير رحمه الله: «﴿وَلَمۡ يُظَٰهِرُواْ عَلَيۡكُمۡ أَحَدٗا﴾ [التوبة: 4] من عدوكم فيعينوهم بأنفسهم، وأبدانهم، ولا بسلاح، ولا خيل، ولا رجال، ﴿فَأَتِمُّوٓاْ إِلَيۡهِمۡ عَهۡدَهُمۡ إِلَىٰ مُدَّتِهِمۡۚ﴾ [التوبة: 4] يقول: ففوا لهم بعهدهم الذي عاهدتموهم عليه ولا تنصبوا لهم حربًا إلى انقضاء أجل عهدهم الذي بينكم وبينهم»١٬٤١٥تفسير الطبري: (6 / 318)..

وقال ﷻ: ﴿إِنَّمَا يَنۡهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ قَٰتَلُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَأَخۡرَجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ وَظَٰهَرُواْ عَلَىٰٓ إِخۡرَاجِكُمۡ أَن تَوَلَّوۡهُمۡۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ﴾ [الممتحنة: 9].

وقال سبحانه: ﴿وَأَنزَلَ ٱلَّذِينَ ظَٰهَرُوهُم مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ مِن صَيَاصِيهِمۡ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعۡبَ فَرِيقٗا تَقۡتُلُونَ وَتَأۡسِرُونَ فَرِيقٗا﴾ [الأحزاب: 26].

وكما ذكرت قبلًا فإن للعلماء عبارات صريحة في هذا الشأن بل نقل غير واحد منهم الإجماع على هذا الحكم، وأن كل من ظاهر الكفار على المسلمين وأعانهم عليهم بأي نوع من أنواع الإعانة فإنه كافرٌ مرتكبٌ لناقض من نواقض الإسلام، فمن ذلك:

قال الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: «الناقض الثامن؛ مظاهرة المشركين ومعونتهم على المسلمين، والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَإِنَّهُۥ مِنۡهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [المائدة: 51]».

وقال الشيخ حمد بن عتيق «إن مظاهرة المشركين، ودلالتهم على عورات المسلمين، أو الذب عنهم بلسان، أو الرضى بما هم عليه، كل هذه مكفرات، فمن صدرت منه -من غير الإكراه المذكور- فهو مرتد، وإن كان مع ذلك يبغض الكفار ويحب المسلمين»١٬٤١٦الدفاع عن أهل السنة والاتباع: (31)..

وقال العلامة السعدي رحمه الله: «﴿وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ فَلَيۡسَ مِنَ ٱللَّهِ فِي شَيۡءٍ﴾ [آل عمران: 28]؛ أي: فقد انقطع عن الله، وليس له في دين الله نصيب؛ لأن موالاة الكافرين لا تجتمع مع الإيمان، لأن الإيمان يأمر بموالاة الله وموالاة أوليائه المؤمنين المتعاونين على إقامة دين الله وجهاد أعدائه، قال تعالى: ﴿وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ﴾ [التوبة: 71] فمن والى الكافرين من دون المؤمنين الذين يريدون أن يطفؤوا نور الله ويفتنوا أولياءه خرج من حزب المؤمنين، وصار من حزب الكافرين»١٬٤١٧تفسير السعدي: (1/127)..

ص 786

وقال الشيخ سليمان العلوان فك الله أسره: «والحذر الحذر من مناصرة الكفار على المسلمين بأي نوع أو وسيلة من وسائل النصرة فهذا من التولي وهو كفر ونفاق ومرض في القلوب وفسق.

وليس من شروط الكفر أن تكون مظاهرته للكفار محبة لدينهم ورضى به، فهذا مذهب ضعيف لأن محبة دين الكفار والرضى به كفر أكبر دون مظاهرتهم على المسلمين، فهذا مناط آخر في الكفر ولو ادعى المظاهر محبة الدين وبغض الكافرين، فإن كثيرًا من الكفار لم يتركوا الحق بغضًا له ولا كراهية للدين، إنما لهم طمع دنيوي ورغبة في الرياسات فآثروا ذلك على الدين، قال ﷻ ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمُ ٱسۡتَحَبُّواْ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا عَلَى ٱلۡأٓخِرَةِ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ [النحل: 107].

وقصة حاطب في الصحيحين هي من قبيل النفاق الأكبر وقد شفع له شهوده بدرًا في قبول تأويله الذي صدّقه عليه النبي ﷺ وبدليل أن النبي ﷺ أقرّ عمر على تسميته منافقًا.

قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَإِنَّهُۥ مِنۡهُمۡۗ﴾ [المائدة: 51]، وذلك لأنهم دخلوا في طاعتهم ونصروهم وأعانوهم بالمال والرأي.

والإجماعات المنقولة في هذا الباب كثيرة، وقد حررت ذلك في غير موضع وبينت الفرق بين الموالاة والتولي، وأن التولي كفر أكبر وأما الموالاة فمنها ما هو مرادف للتولي، ومنها ما هو دون ذلك والله أعلم»١٬٤١٨«فتوى في حكم الجهاد مع المسلمين في أفغانستان»..

قال الإمام ابن جرير رحمه الله: «ومعنى ذلك: لا تتخذوا، أيها المؤمنون، الكفارَ ظهرًا وأنصارًا توالونهم على دينهم، وتظاهرونهم على المسلمين من دون المؤمنين، وتدلُّونهم على عوراتهم، فإنه مَنْ يفعل ذلك ﴿فَلَيۡسَ مِنَ ٱللَّهِ فِي شَيۡءٍ﴾ [آل عمران: 28]؛ يعني بذلك: فقد برئ من الله وبرئ الله منه، بارتداده عن دينه ودخوله في الكفر»١٬٤١٩تفسير الطبري: (6/313)..

ص 787

وقال الإمام ابن حزم رحمه الله: «وكذلك من سكن بأرض الهند، والسند، والصين، والترك، والسودان، والروم، من المسلمين فإن كان لا يقدر على الخروج من هنالك لثقل ظهر، أو لقلة مال، أو لضعف جسم، أو لامتناع طريق، فهو معذور، فإن كان هنالك محاربًا للمسلمين معينًا للكفار بخدمة أو كتابة فهو كافر، وإن كان إنما يقيم هنالك لدنيا يصيبها، وهو كالذمي لهم، وهو قادر على اللحاق بجمهرة المسلمين وأرضهم، فما يبعد عن الكفر وما نرى له عذرًا ونسأل الله العافية»١٬٤٢٠المحلى: (11/200)..

فتأمل كلام هذا الإمام ثم قارنه بما يصدر في هذا العصر من فتاوى ضالة تجيز للمنتسبين للإسلام المنضوين تحت لواء أهل الصليب بأن يقاتلوا المسلمين في أفغانستان إن خافوا أن يتهموا في «ولائهم الوطني»، وحتى لا تضيع جهود عشرات السنوات من الدعوة، ولَزوال الدنيا أهون عند الله من سفك دم مسلمٍ بغير حقٍ فأين أين تذهبون؟ ولسنا ندري أين ذهب الحرص على الولاء الوطني في حق أولئك الذين خرجوا مع قومهم -مدعين الاستضعاف- فأنزل الله فيهم وفي أمثالهم:

﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّىٰهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ ظَالِمِيٓ أَنفُسِهِمۡ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمۡۖ قَالُواْ كُنَّا مُسۡتَضۡعَفِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ قَالُوٓاْ أَلَمۡ تَكُنۡ أَرۡضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةٗ فَتُهَاجِرُواْ فِيهَاۚ فَأُوْلَٰٓئِكَ مَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ وَسَآءَتۡ مَصِيرًا﴾ [النساء: 97].

فالإمام أبو علي ابن حزم رحمه الله قد ذكر صورتين وفرق بينهما:

فالصورة الأولى: هي أن يكون بعض المسلمين مقيمًا مع الكفار في دار الحرب، ثم يعين هؤلاء الكفرة في حربهم للمسلمين، وذكر من الإعانة أدنى أحوالها الخدمة والكتابة تنبيها على أعلاها وهي مشاركتهم بالقتال أو الرأي، فهذا كافرٌ خارجٌ عن ملة الإسلام.

ص 788

والصورة الثانية: وهي أن يكون المسلم مقيمًا في دراهم تجري عليه أحكامهم كما تجري أحكام الإسلام على أهل الذمة، وهو مع ذلك قادرٌ على التخلص منهم بالهجرة واللحوق بدار الإسلام، غير أنه ليس معينًا للكفار ولا محاربًا للمسلمين، وإنما أقعدته الدنيا وشدته ثقلة الأرض، فهذا الذي قال عنه الإمام ابن حزم: «ما يبعد عن الكفر وما نرى له عذرًا».

فالذي فرق بين الصورتين في الحكم فجزم بكفر الأول ولم يجزم بكفر الثاني، إنما هو وجود إعانة الكفار ومظاهرتهم في محاربتهم للمسلمين في صورة الأول وانعدامها في الثاني والله تعالى أعلم.

وقال رحمه الله: «فصح بهذا أن من لحق بدار الكفر والحرب مختارًا محاربًا لمن يليه من المسلمين، فهو بهذا الفعل مرتد له أحكام المرتد كلها: من وجوب القتل عليه، متى قدر عليه، ومن إباحة ماله، وانفساخ نكاحه، وغير ذلك؛ لأن رسول الله ﷺ لم يبرأ من مسلم»١٬٤٢١المحلى: (11 / 249)..

واللحوق بدار الكفر الذي ذكره ابن حزم ليس له تأثير مباشر في الحكم، وإنما هو حكاية للصور المعهودة عندهم لوجود التمايز بين الدارين دار الإسلام ودار الكفر، وإنما مناط الحكم معلقٌ على حربه للمسلمين مختارًا، بل أشد منه من يبقى في ديار الإسلام وبين المسلمين ثم يمد أعداء الله الكفرة بالأخبار والأسرار مدًا، ويرصد لهم عوراتهم رصدًا، ويرشدهم على مكامن الضعف وأبواب التسلط على المسلمين، فهو بذلك يقوم بما يعجز الكفرة عن القيام به بأنفسهم، وذلك لأن قتالهم العلني للمسلمين وغزوهم لديارهم يمكن أن تقوم به جيوشهم وحشودهم فإما أن يَغلبوا أو يُغلبوا، أما الخلوص إلى صفوف المسلمين والجَوْب في ديارهم والاطلاع على خفاياهم وسبر غور أحوالهم فلا يمكن أن يكون إلا من خلال «جند» الجواسيس الذين يكونون متظاهرين بالإسلام ولهذا كان شأنهم أخطر وضررهم أعظم ﴿هُمُ ٱلۡعَدُوُّ فَٱحۡذَرۡهُمۡۚ قَٰتَلَهُمُ ٱللَّهُۖ أَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ﴾ [المنافقون: 4].

ص 789

ومن المعلوم أن صفة «المحاربة» ليست مختصة باليد والسلاح، بل قد تكون باللسان أيضًا، أو بالكتابة كمن يسلط قلمه على الطعن في الدين والتشكيك في عقائده، والاستهزاء بأحكامه، والاستنقاص لأنبياء الله تعالى، فكل ذلك داخلٌ في معنى المحاربة التي ذكرها الإمام ابن حزم، كما قال شيخ الإسلام رحمه الله: «المحاربة نوعان: محاربة باليد، ومحاربة باللسان، والمحاربة باللسان في باب الدين قد تكون أنكى من المحاربة باليد... لذلك كان النبي ﷺ يقتل من كان يحاربه باللسان مع استبقائه بعض من حاربه باليد... ما يفسده اللسان من الأديان أضعاف ما تفسده اليد، كما أن ما يصلحه اللسان من الأديان أضعاف ما تصلحه اليد، فثبت أن محاربة الله ورسوله باللسان أشد، والسعي في الأرض لفساد الدين باللسان أوكد»١٬٤٢٢الصارم المسلول: (1 / 392)..

وقال الشيخ سليمان العلوان فرج الله عنه: «وقد حكى غير واحد من العلماء الإجماع على أن مظاهرة الكفار على المسلمين ومعاونتهم بالنفس والمال والذب عنهم بالسنان والبيان: كفر وردة عن الإسلام، قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَإِنَّهُۥ مِنۡهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [المائدة: 51]».

وقال الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله: «وقد أجمع علماء الإسلام على أنَّ من ظاهر الكفار على المسلمين وساعدهم بأي نوع من المساعدة فهو كافر مثلهم»١٬٤٢٣مجموع الفتاوى والمقالات: (1/ 274)..

قال الشيخ أحمد شاكر في كتابه «كلمة الحق»: «أما التعاون مع الإنجليز، بأي نوع من أنواع التعاون، قلّ أو كثر، فهو الردّة الجامحة، والكفر الصّراح، لا يقبل فيه اعتذار، ولا ينفع معه تأول، ولا ينجي من حكمه عصبية حمقاء، ولا سياسة خرقاء، ولا مجاملة هي النفاق، سواء أكان ذلك من أفراد أو حكومات أو زعماء، كلهم في الكفر والردة سواء، إلا من جهل وأخطأ، ثم استدرك أمره فتاب واخذ سبيل المؤمنين، فأولئك عسى الله أن يتوب عليهم، إن أخلصوا لله، لا للسياسة ولا للناس.

ص 790

... وأظن أن كل قارئ لا يشك الآن، في أنه من البديهي الذي لا يحتاج إلى بيان أو دليل: أن شأن الفرنسيين في هذا المعنى شأن الإنجليز، بالنسبة لكل مسلم على وجه الأرض، فإن عداء الفرنسيين للمسلمين، وعصبيتهم الجامحة في العمل على محو الإسلام، وعلى حرب الإسلام، أضعاف عصبية الإنجليز وعدائهم، بل هم حمقى في العصبية والعداء، وهم يقتلون إخواننا المسلمين في كل بلد إسلامي لهم فيه حكم أو نفوذ، ويرتكبون من الجرائم والفظائع ما تصغر معه جرائم الإنجليز ووحشيتهم وتتضاءل، فهم والإنجليز في الحكم سواء، دماؤهم وأموالهم حلال في كل مكان، ولا يجوز لمسلم في أي بقعة من بقاع الأرض أن يتعاون معهم بأي نوع من أنواع التعاون، وإن التعاون معهم حكمه حكم التعاون مع الإنجليز: الردة والخروج من الإسلام جملة، أيا كان لون المتعاون معهم أو نوعه أو جنسه».

وأقوال العلماء في هذه المسألة كثيرة مستفيضة ولم أقصد استقصاءها، وكلها تؤكد هذا الحكم وتوضحه، فيتلخص الكلام في هذا الموطن في ثلاث نقاط:

الأولى: أن من صور مظاهرة الكفار على المسلمين، التجسس لهم، واطلاعهم على عوراتهم، ونقل الأخبار التي يتضرر بها المسلمون إليهم، وسواء حصل هذا التجسس بالكتابة، أو باللسان، أو بكاميرا تصوير أو فيديو، أو بآلة تسجيل، أو بتلفون، أو بأجهزة تحديد النقاط والمراكز «G.P.S»، أو بالشرائح أو بأي طريقة كانت، فالعبرة في انطباق وصف التجسس، إنما هو في سعيه للحصول على المعلومات التي يريدها العدو ثم محاولة إيصالها له، ولا اعتبار للوسيلة المستخدمة في ذلك؛ لأن المؤدى واحد، ووسائل التجسس قد بلغت في هذا العصر أعلى درجات التقنيات وما زالت تتطور يومًا بعد يوم.

الثاني: أن مظاهرة الكفار على المسلمين، وإعانتهم عليهم بأي نوع من أنواع الإعانة -ومنها التجسس بنقل العورات لهم- كفرٌ أكبر مخرجٌ من الملة، وصاحب هذه المظاهرة مرتكبٌ لناقض من نواقض الإسلام.

ص 791

الثالث: وعلى هذا فالتجسس للكفار على المسلمين بالبحث عن عوراتهم لإيصالها إليهم -تحت أية ذريعة- كفرٌ وردةٌ عن دين الله تعالى، وهما والإيمان لا يجتمعان في موطن إلا كما يجتمع الماء والنار، فكل من تلبس بهذه المهنة الخسيسة حسب تعريفها الذي ذكرناه أول البحث، فإنه بذلك قد صار ظهيرًا للكافرين على المؤمنين، ومحاربًا لدين الله تعالى الذي يدعي الانتساب إليه، ومَن فعل ذلك فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه وصار كافرًا مرتدًا خارجًا عن الملة وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ٱزۡدَادُواْ كُفۡرٗا لَّمۡ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغۡفِرَ لَهُمۡ وَلَا لِيَهۡدِيَهُمۡ سَبِيلَۢا ١٣٧ بَشِّرِ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ بِأَنَّ لَهُمۡ عَذَابًا أَلِيمًا ١٣٨ ٱلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ ٱلۡكَٰفِرِينَ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۚ أَيَبۡتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلۡعِزَّةَ فَإِنَّ ٱلۡعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعٗا ١٣٩ وَقَدۡ نَزَّلَ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ أَنۡ إِذَا سَمِعۡتُمۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ يُكۡفَرُ بِهَا وَيُسۡتَهۡزَأُ بِهَا فَلَا تَقۡعُدُواْ مَعَهُمۡ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيۡرِهِۦٓ إِنَّكُمۡ إِذٗا مِّثۡلُهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ جَامِعُ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَٱلۡكَٰفِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النساء: 137-140].

ومعلومٌ أنَّ من أخص صفات المنافقين تقليب صفاتهم حسب الأحوال كما قال ﷻ: ﴿وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوۡاْ إِلَىٰ شَيَٰطِينِهِمۡ قَالُوٓاْ إِنَّا مَعَكُمۡ إِنَّمَا نَحۡنُ مُسۡتَهۡزِءُونَ﴾ [البقرة: 14]، فهم متظاهرون بالإيمان مع أهل الإيمان، ومُطَمْئِنون للكفار إن لقوهم واجتمعوا بهم، وهم مع ذلك لا يدخرون وسعًا في البحث عن مداخل الإضرار بالمسلمين، ونقل أخبارهم إلى شياطينهم الكفرة، وهو من أعظم الخيانة لله ولرسوله وللمؤمنين كما قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَخُونُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُوٓاْ أَمَٰنَٰتِكُمۡ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ﴾ [الأنفال: 27].

قال الإمام ابن جرير رحمه الله في هذه الآية: «يقول تعالى ذكره للمؤمنين بالله ورسوله من أصحاب نبيه ﷺ: يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله ﴿لَا تَخُونُواْ ٱللَّهَ﴾ [الأنفال: 27]، وخيانتهم الله ورسوله، كانت بإظهار من أظهر منهم لرسول الله ﷺ والمؤمنين الإيمانَ في الظاهر والنصيحةَ، وهو يستسرُّ الكفر والغش لهم في الباطن، يدلُّون المشركين على عورتهم، ويخبرونهم بما خَفى عنهم من خبرهم»١٬٤٢٤تفسير الطبري: (13/ 480)..

ثم ليعلم أن هذا الحكم في أصله ليس خاصًا بمن تجسس للكفار الأصليين من يهود، أو نصارى، أو هندوس، أو مجوس، أو ملحدين، أو وثنيين، بل يدخل في ذلك من يتجسس للمرتدين أيضًا كالحكام المرتدين في عصرنا، ولا فرق في أصل الحكم بين هؤلاء وأولئك؛ لأن فعله قد صدق عليه قيام معنى مظاهرة الكفار على المسلمين التي هي ناقض من نواقض الإسلام ولهذا قال العلامة حمد بن عتيق رحمه الله: «فنهى ﷻ المؤمنين أن يوالوا اليهود والنصارى، وذكر أن من تولاهم فهو منهم؛ أي من تولى اليهود فهو يهودي، ومن تولى النصارى فهو نصراني.

ص 792

وقد روى ابن أبي حاتم، عن محمد بن سيرين، قال: قال عبد الله بن عتبة: ليتق أحدكم أن يكون يهوديًا أو نصرانيًا، وهو لا يشعر، قال: فظنناه يريد هذه الآية: ﴿۞يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ ٱلۡيَهُودَ وَٱلنَّصَٰرَىٰٓ أَوۡلِيَآءَۘ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ﴾ [المائدة: 51]... إلى قوله: ﴿فَإِنَّهُۥ مِنۡهُمۡۗ﴾ [المائدة: 51] وكذلك من تولى الترك، فهو تركي، ومن يتولى الأعاجم فهو عجمي، فلا فرق بين من تولى أهل الكتابين أو غيرهم من الكفار»١٬٤٢٥«سبيل النجاة والفكاك».، ومقصود الإمام بذكره التركي والأعجمي الكفرة منهم؛ لأن مجرد النسبة التي ذكرها لا يتعلق بها حكم شرعي في الأصل فليتنبه.

كما أنه لا فرق في هذا الحكم بين من كان جزءًا من المنظومة الاستخباراتية، أو أجهزة الأمن، بحيث يُعدُّ لدى أصحاب هذه الأجهزة فردًا من أفرادها وجنديًا من جنودها وهي مهنته الأصلية ووظيفته الأساسية التي يؤديها، وبين مَن يمارسها على سبيل الانتداب أو التطوع أو التبرع وإن لم تعده دوائر الاستخبارات والأمن منتميًا انتماء تامًا إليها، لأن العبرة كما ذكرت مرارًا بوجود صفة التجسس بأركانها، لا بما يظنه المتجسس أو أولياؤه الكفرة الذين يعينهم ببحثه وتحسسه وتطلعه.

تنبيه مهم: ويجدر التنبيه إلى أن ما ذكرته هنا هو تقرير لأحكام شرعية مطلقة عامة قد يوجد فيها بعض الاستثناءات الجزئية حينما يتعلق الأمر ببعض الأعيان والأشخاص الذين يُكتشف أن لديهم مانعًا معتدًا به كجهلٍ حقيقي، أو تأويل سائغ أو نحو ذلك، كما أن الأمر ليس على وتيرة واحدة في الجلاء والخفاء والبيان والاشتباه، فقد يكون شأنه في غاية الوضوح في بلد من البلدان كالعراق، أو أفغانستان، أو فلسطين، أو الصومال، أو الشيشان ونحوها، وما دون ذلك درجات، إذ قد تزداد الشبهة ويعظم التلبيس من بلد إلى بلد، بل في البلد الواحد يختلف الحال من زمن إلى زمن بحسب قوة معارضة الحق لتلبيسات الباطل وتبديد شبهات أهل الضلال والله المستعان.

ص 793

وانظر كيف فرق الإمام ابن حزم رحمه الله في أحكام المقيمين في بلدان تغلب عليها الكفرة، وذلك بحسب ظهور كفر هؤلاء المتغلبين ومجاهرتهم به وإعلانهم البراءة من الإسلام، في مقابل من يتستر به وإن كان في حقيقة أمره مارقًا زنديقًا، فقال بعد أن ذكر الصور التي نقلناها عنه آنفًا: «وليس كذلك من سكن في طاعة أهل الكفر من الغالية ومن جرى مجراهم، لأن أرض مصر والقيروان وغيرهما فالإسلام هو الظاهر، وولاتهم على كل ذلك لا يجاهرون بالبراءة من الإسلام، بل إلى الإسلام ينتمون وإن كانوا في حقيقة أمرهم كفارًا.

وأما من سكن في أرض القرامطة مختارًا فكافرٌ بلا شك؛ لأنهم معلنون بالكفر وترك الإسلام ونعوذ بالله من ذلك.

وأما من سكن في بلد تظهر فيه بعض الأهواء المخرجة إلى الكفر فهو ليس بكافر، لأن اسم الإسلام هو الظاهر هنالك على كل حال من التوحيد، والإقرار برسالة محمد ﷺ، والبراءة من كل دين غير الإسلام، وإقامة الصلاة، وصيام رمضان، وسائر الشرائع التي هي الإسلام والإيمان...

ولو أن كافرًا مجاهدًا غلب على دار من دور الإسلام وأقر المسلمين بها على حالهم، إلا أنه هو المالك لها، المنفرد بنفسه في ضبطها، وهو معلن بدين غير الإسلام لكفر بالبقاء معه كل من عاونه وأقام معه وإن ادعى أنه مسلم لما ذكرنا»١٬٤٢٦المحلى: (11 /200).، وقوله: «كافرًا مجاهدًا» لعلها في الأصل «مجاهرًا» كما نبه على ذلك غير واحد من أهل العلم.

ص 794

وهذا يبيّن لك أن ظهور الكفر وإعلانه والمجاهرة بالبراءة من الإسلام وشرائعه له تأثير كبير في الحكم على أعيان الناس لا سيما مع شيوع الجهل وانتشار التلبيس، فالحال يختلف من بلد إلى بلد، ومن زمن إلى زمن حتى في البلد الواحد كما فرق بعض علماء المالكية في حق المقيمين تحت دولة العبيدين بين أول أمرهم حيث لم تظهر حقيقتهم للناس وبين حال انكشافها وبروزها آخرًا، فقد سأل أبو محمد الكراني من علماء القيروان عمن أكرهه بنو عبيد على الدخول في دعوتهم أو يُقتل؟ قال: «يختار القتل، ولا يعذر أحد بهذا إلا من كان أول دخولهم البلد قبل أن يعرف أمرهم، وأما بعد؛ فقد وجب الفرار، ولا يُعذر أحد بالخوف بعد إقامته؛ لأن المقام في موضع يُطلب من أهله تعطيل الشرائع لا يجوز، وإنما أقام فيها من العلماء والمتعبدين على المباينة لهم، لئلا يخلو بالمسلمين عدوهم فيفتنونهم عن دينهم»١٬٤٢٧ترتيب المدارك (2/38)..

ص 795

المطلب الثاني: تحقيق القول في قصة حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه

وهنا مسألة يكثر ذكرها والدندنة حولها، واستشكال أو اعتراض يثار غالبًا عند الحديث عما يسمى بالجاسوس المسلم، وهو ما حصل من حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه حينما كاتب كفار قريش وأخبرهم بعزم النبي ﷺ على غزوهم، ومع كل ما فعله حاطب رضي الله عنه فإن النبي ﷺ لم يحكم عليه بالردة والكفر.

فإذا كان التجسس داخلًا في مظاهرة الكفار على المسلمين والتي هي ناقض من نواقض الإسلام كما قررناه قريبًا؛ فما بال حاطب رضي الله عنه لم يؤاخذ على تلك المظاهرة، مع أن جل الفقهاء تقريبًا يعتمدون على حديث حاطب رضي الله عنه في بيان حكم الجاسوس المسلم من حيث جواز قتله أو وجوبه أو تحريمه كما سيأتي إن شاء الله، فصنيعهم هذا يدل على اعتبارهم فعلة حاطب رضي الله عنه داخلة في معنى «التجسس»، إذن أليس عد التجسس نوعًا من أنواع المظاهرة المكفرة مناقضًا ومعارضًا لما جاء في قصة حاطب رضي الله عنه؟!

وحل هذا الإشكال والجواب عنه يكون في عدة مباحث نشرع فيها بتفاصيلها من غير ممهدات بحول الله وتوفيقه:

المبحث الأول: في ذكر قصة حاطب رضي الله عنه.

ص 796

عن عبيد الله بن أبي رافع قال سمعت عليًا رضي الله عنه يقول: «بعثنا رسول الله ﷺ أنا والزبير والمقداد، فقال: (انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب)، فخرجنا تعادى بنا خيلنا فإذا نحن بظعينة فقلنا: أخرجي الكتاب، فقالت: ما معي كتاب، فقلنا لها: لتخرجن الكتاب أو لنلقين الثياب، فأخرجته من عِقاصها، فأتينا به رسول الله ﷺ فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى أناس من المشركين ممن بمكة يخبر ببعض أمر النبي ﷺ، فقال: (ما هذا يا حاطب؟)، قال: لا تعجل علي، إني كنت امرأ ملصقًا في قريش، ولم أكن من أنفسها، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها قراباتهم، ولم يكن لي بمكة قرابة، فأحببت إذ فاتني ذلك أن أتخذ عندهم يدًا، والله ما فعلته شكًا في ديني، ولا رضا بالكفر بعد الإسلام، فقال رسول الله ﷺ: (إنه قد صدق)، فقال عمر رضي الله عنه: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال النبي ﷺ: (إنه قد شهد بدرًا، وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) ونزلت: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمۡ أَوۡلِيَآءَ تُلۡقُونَ إِلَيۡهِم بِٱلۡمَوَدَّةِ﴾ [الممتحنة: 1]»١٬٤٢٨رواه أحمد [٦٠٠]، والبخاري [٤٢٧٤]، ومسلم [٢٤٩٤]، وأبو داود [٢٦٥٠]، والترمذي [٣٣٠٥]، والنسائي [١١٥٢١]، وغيرهم، بل يقول شيخ الإسلام رحمه الله: «وهذه القصة مما اتفق أهل العلم على صحتها، وهي متواترة عندهم، معروفة عند علماء التفسير، وعلماء الحديث، وعلماء المغازي والسير والتواريخ، وعلماء الفقه، وغير هؤلاء» منهاج السنة النبوية: (4 / 331)..

وهناك اختلافات كثيرة في بعض ألفاظ الحديث، إلا أن مرجعها من حيث المعنى في الجملة يكاد يكون واحدًا، وسنذكر بعضها في مواطنها الألصق بها حسب الحاجة، والمقصود هنا هو ثبوت مكاتبة حاطب رضي الله عنه لكفار قريش ببعض أسرار النبي ﷺ، وإخباره إياهم بأنه ﷺ يريد غزوهم كما جاء في بعض ألفاظ الحديث عن علي رضي الله عنه: «فأخذناه -أي الكتاب- فانطلقنا به إلى رسول الله ﷺ ففتحه فقرأه فإذا فيه: من حاطب إلى أهل مكة، أما بعد: فإن محمدًا يريدكم، فخذوا حذركم وتأهبوا -أو كما قال-»١٬٤٢٩السنن الكبرى للبيهقي: (9 / 147)..

وقال شيخ الإسلام رحمه الله: «فكان في هذا الكتاب إخبار المشركين بأن النبي ﷺ يريد يغزوهم فأعلمه الله بذلك»١٬٤٣٠الجواب الصحيح: (6 / 137)..

وقد جاء في بعض كتب المغازي نص الكتاب الذي أرسله حاطب إلى كفار قريش كما قال الإمام ابن حجر رحمه الله: «وذكر بعض أهل المغازي -وهو في تفسير يحيى بن سلام- أن لفظ الكتاب: أما بعد يا معشر قريش فإن رسول الله ﷺ جاءكم بجيش كالليل، يسير كالسيل، فوالله لو جاءكم وحده لنصره الله، وأنجز له وعده، فانظروا لأنفسكم والسلام، كذا حكاه السهيلي.

وروى الواقدي بسند له مرسل أن حاطبا كتب إلى سهيل بن عمرو وصفوان بن أمية وعكرمة أن رسول الله ﷺ أذن في الناس بالغزو ولا أراه يريد غيركم، وقد أحببت أن يكون لي عندكم يد»١٬٤٣١فتح الباري: (7/ 520)..

ص 797

وكما ذكرتُ من قبل فإن علماء الحديث قد بوبوا على قصة حاطب بما يفيد أن ما فعله رضي الله عنه يعد تجسسًا، لأنه في الحقيقة إطلاع لمشركي قريش على شيء مما أسره النبي ﷺ وإعلامٌ لهم بذلك.

المبحث الثاني: يلزم التنبيه في هذا الموضع على أنه وإن اشترك الاسم بين ما فعله حاطب رضي الله عنه وبين ما يفعله جواسيس العصر ممن هم موضوع البحث، فإن هذا لا يعني بأي صفة تطابق الحال بين الصورتين، فمن يتجرد في قراءة رسالة حاطب كما سقناها قريبًا يعلم علم اليقين أنه كان راسخ الإيمان، مواليًا موالاة حقيقية لله ولرسوله وللمؤمنين، غير غاش للإسلام وأهله، ولا متمنيًا انكسارهم واندحارهم فضلًا عن اجتهاده وسعيه في ذلك، قاذفًا للرعب في قلوب المشركين، ولم ينحز لا ببدنه ولا بنفسه ولا بقلبه عن معسكر الإسلام ومناصرة أهله ظاهرًا وباطنًا، ولم ينتقل إلى عدوة الكفرة وشقهم، وإنما هي أسطرٌ كتبها لحظٍّ شخصي لم يتصور معه وقوع أدنى ضررٍ بالنبي ﷺ، وقع ذلك كله في لحظة غلبته فيها نفسه شفقة على أولاده فأراد أن يجعل له يدًا عند المشركين ومنةً عليهم لتكون طريقًا ووسيلة لحفظ بنيه، ومع ذلك فالوسيلة التي اتخذها هي أقرب إلى إلقاء الرعب وغرس الفزع في قلوبهم من اطلاعهم على أسرار وأخبار يمكن أن ينتفعوا بها لإضرار الإسلام والمسلمين.

فثقته بنصر الله وحبه لرسوله ﷺ وانحيازه إلى حزبه جعلته يقول في رسالته: «فإن رسول الله ﷺ جاءكم بجيش كالليل، يسير كالسيل، فوالله لو جاءكم وحده لنصره الله، وأنجز له وعده»، وغلبة عاطفة الأبوة والشفة على البنين دفعته لأن يكتب: «أن رسول الله ﷺ أذن في الناس بالغزو ولا أراه يريد غيركم، وقد أحببت أن يكون لي عندكم يد»، ومع إيجاز هذه العبارة وعدم ظهور أية علامة للمظاهرة البينة فيها إذ لا يعدو الأمر أن يكون إخبارًا لهم ليحتاطوا لأنفسهم كما قال لهم: «فانظروا لأنفسكم»، ومع ذلك فقد جاء فيه ما جاء من الآيات التي تقرع الأسماع وتزلزل القلوب، وورد فيها من التهديد والوعيد والتحذير الشديد من موالاتهم والتنفير من إحسان الظن بهم أو الميل نحوهم.

ص 798

فهل يقارن هذا، بما يقوم به «جنود اليوم» الأخفياء من الجواسيس المبثوثين في مشارق الأرض ومغاربها، والذين وطَّدوا أنفسهم وأعدوها إعدادًا تامًا لأن يكونوا في عدوة الكفار، فهم يسعون لهم ليلًا ونهارًا، يمدونهم بالأخبار المفصلة والتقارير المتتابعة، ويرصدون حركات المجاهدين وأنصارهم كما يرصد الذئب فريسته، وينقبون عن مراكزهم ومعسكراتهم تنقيبا دقيقا دائبًا، وقد تم تدريبهم تدريبًا تامًا –وبصورة خفية لخطورتهم وأهميتهم- على كيفية أداء مهامهم التي توقع بالمسلمين أبلغ الأضرار في النفوس والأعراض والأموال والديار وغيرها، وينتفع بها «أولياؤهم» الكفار أيما انتفاع، لا ليحتاطوا بها لأنفسهم فحسب، ولكن لتكون هي معتمدهم غالبًا في رسم خططهم وبلوغ أهدافهم والنكاية البالغة في المسلمين ودينهم.

فحاطب رضي الله عنه لم يجعل نفسه جزءا من معسكر الباطل، ولم يحسب أصلًا أن ضررًا ما يمكن أن يلحق بالنبي ﷺ والمسلمين فضلًا عن أن يقصده ويتعمده ويسعى إليه ويجتهد في إيصاله، وإنما قد يكون الضرر هو لازم فعله أو نتيجته مع بُعْد هذا الاحتمال واقعًا، ولم يتمنَ إعلاء كلمة الكافرين ولا هو سعى في ذلك، كما أنه لم يفعل ما فعل باتفاق وتوثيق وتعهد بينه وبين معسكر الباطل ولا بتكليف منهم، ولم يكن ذلك بناء على عمل مستمر ومهنة دائمة يمارسها يتقاضى عليها مرتبًا ومعاشًا مقابل كل تقرير يقدمه أو هدف يرصده، كما أنه حينما اكتشف أمره لم ينحز إلى معسكر الباطل ولم يفرَّ إلى «أوليائه» ليحموه ويحصنوه ويكرموه ويكافئوه على ما كان قد قدمه لهم من خدمات جليلة ومعلومات مهمة وخطيرة، بل اعترف بخطئه وأقر بذنبه وبين عذره بصدق وصفاء وصراحة.

ص 799

فأين هذا مما يفعله «جنود العصر» مما يقابل كل ما ذكرناه، الذين هم -وكما ذكرت مرارًا- لا يختلفون في شيء عن الجيوش العسكرية العلنية في مناصرتهم ومظاهرتهم ومولاتهم وانحيازهم لأهل الباطل وسعيهم لتعمد إيقاع الضرر بالإسلام والمسلمين والاجتهاد في إعلاء كلمة الكافرين، والفرق في شيء واحد فقط وهو إعلان تلك الجيوش ومجاهرتها بما تفعل، وتخفي «الجواسيس» وإسرارهم وتضليلهم وتمويههم من أجل إتقان أداء مهامهم ومضاعفة إضرارهم وأضرارهم، فهؤلاء يصدق فيهم قول الله ﷻ: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱرۡتَدُّواْ عَلَىٰٓ أَدۡبَٰرِهِم مِّنۢ بَعۡدِمَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلۡهُدَى ٱلشَّيۡطَٰنُ سَوَّلَ لَهُمۡ وَأَمۡلَىٰ لَهُمۡ ٢٥ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَالُواْ لِلَّذِينَ كَرِهُواْ مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ سَنُطِيعُكُمۡ فِي بَعۡضِ ٱلۡأَمۡرِۖ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ إِسۡرَارَهُمۡ﴾ [محمد: 25-26]، إذ لا شك أن هؤلاء الجواسيس هم من الذي وقعوا العقود وأبرموا العهود مع الكفرة -سواء كانوا يهودا أو نصارى أو مرتدين أو غيرهم- الذين ﴿كَرِهُواْ مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ﴾ [محمد: 26] على أن يطيعوهم في ﴿بَعۡضِ ٱلۡأَمۡرِۖ﴾ [محمد: 26]، والذي منه كشف أسرار المسلمين، وهتك أستار المؤمنين، والاطلاع على عورات الموحدين، والدلالة على مواطن الغرة للنيل من المجاهدين.

قال العلامة الشنقيطي رحمه الله في تفسير الآية المذكورة: «وظاهر الآية يدل على أن بعض الأمر الذي قالوا لهم سنطيعكم فيه مما نزل الله وكرهه أولئك المطاعون، والآية الكريمة تدل على أن كل من أطاع من كره ما نزل الله في معاونته له على كراهته ومؤازرته له على ذلك الباطل، أنه كافر بالله بدليل قوله تعالى فيمن كان كذلك ﴿فَكَيۡفَ إِذَا تَوَفَّتۡهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَضۡرِبُونَ وُجُوهَهُمۡ وَأَدۡبَٰرَهُمۡ ٢٧ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمُ ٱتَّبَعُواْ مَآ أَسۡخَطَ ٱللَّهَ وَكَرِهُواْ رِضۡوَٰنَهُۥ فَأَحۡبَطَ أَعۡمَٰلَهُمۡ﴾ [محمد: 27-28]»١٬٤٣٢أضواء البيان: (7 /441)..

وقال أيضًا: «والتحقيق الذي لا شك فيه أن هذه الآيات عامة في كل ما يتناوله لفظها، وأن كل ما فيها من الوعيد عام لمن أطاع من كره ما نزل الله.

ص 800

مسألة: اعلم أن كل مسلم يجب عليه في هذا الزمان تأمل هذه الآيات، من سورة «محمد» وتدبرها، والحذر التام مما تضمنته من الوعيد الشديد؛ لأن كثيرًا ممن ينتسبون للمسلمين داخلون بلا شك فيما تضمنته من الوعيد الشديد؛ لأن عامة الكفار من شرقيين وغربيين كارهون لما نزل الله على رسوله محمد ﷺ، وهو هذا القرآن وما يبينه به النبي ﷺ من السنن، فكل من قال لهؤلاء الكفار الكارهين لما نزله الله: سنطيعكم في بعض الأمر، فهو داخل في وعيد الآية، وأحرى من ذلك من يقول لهم: سنطيعكم في الأمر كالذين يتبعون القوانين الوضعية مطيعين بذلك للذين كرهوا ما نزل الله، فإن هؤلاء لا شك أنهم ممن تتوفاهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم، وأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه، وأنه محبط أعمالهم، فاحذر كل الحذر من الدخول في الذين قالوا: سنطيعكم في بعض الأمر»١٬٤٣٣أضواء البيان: (7 / 443)..

فهل يسوي بين زلة حاطب رضي الله عنه التي فعلها تأولًا وبين المهنة المنظمة المستمرة التي يقوم بها هؤلاء إلا فاقدٌ عقله لا يدري ما يقول؟ فأين الثرى من الثريا وأين الدياثة من الدماثة؟

ولذلك فالذي أراه أن علاقة مسألة حاطب رضي الله عنه وما جاء فيها من الأحكام بما نبحثه مما يتعلق بجواسيس العصر، إنما هي علاقة «الأولى»، ولا يكاد يخرج حكمٌ من الأحكام عن هذه العلاقة، بمعنى أن كل ما يثبت في حق حاطب من التشديد والتغليظ والأحكام فإنها في حق جواسيس العصر من باب أولى بأضعاف مضاعفة، ولا أحسب أن العلماء الأولين رحمهم الله حينما بحثوا مسألة الجاسوس المسلم خطر ببالهم أن الأمر يصل إلى ما هو عليه اليوم من الإتقان، والتدريب، والترتيب، والتنظيم، والتجنيد، والتحيز، والنفقات، والضمانات، والحماية عند اللزوم وغير ذلك من الحقوق التي يتقاضاها الجاسوس مقابل أداء مهمته، فمن الخطأ الشنيع أن ننزل أقوالهم التي تتعلق بحالات جزئية وهفوات عابرة على الصور العصرية، فليكن هذا الأمر مستصحَبًا مستحضَرًا، ولا ينبغي أن يغفل عنه في هذه المسألة فتزل قدم بعد ثبوتها والله تعالى أعلم.

المبحث الثالث: الأمر المقطوع به قطعًا باتًا أن حاطبًا رضي الله عنه لم يكفُر بإخباره كفار قريش بما أخبر؛ بمعنى أنه لم يصر مرتدًا خارجًا عن ملة الإسلام، والذي منع من تكفيره أحد احتمالين لا ثالث لهما:

الأول: ألا تكون مراسلة حاطب رضي الله عنه لكفار قريش أمرًا مُكفرًا أصلًا، وإنما هي معصية كغيرها من المعاصي التي هي دون الكفر.

الثاني: أن يكون نفس الفعل الذي ارتكبه حاطب رضي الله عنه مكفِّرًا، ولكن منع من تكفيره تعيينًا مانعٌ ما كالتأويل.

ص 801

وبكلٍ من الاحتمالين قال بعض العلماء، إلا أن الأكثرين -فيما اطلعت- على أن ما فعله حاطب رضي الله عنه لا يرتقي إلى درجة الكفر، وإنما هو كبيرة من الكبائر، فالكلام هنا على خصوص فعله لا على أصل التجسس والذي نقلنا عن عدد من العلماء من قبل: أن إطلاع الكفار على عورات المسلمين ودلالتهم عليها لينتفعوا بها في حربهم لهم هو نوٌع من أنواع المظاهرة التي تُخرج مقترفها من الملة، وأن صاحبها ليس من الله في شيء وقد برئ من الله وبرئ الله منه، بارتداده عن دينه ودخوله في الكفر.

ومع ذلك فإنني أنبه هنا إلى أن الحكم على خصوص ما فعله حاطب رضي الله عنه وهل يعد كفرًا أم لا هو من المسائل الاجتهادية المحضة التي لا تعلق لها بشأن العقيدة، وإنما مبناه على الترجيح وقوة الدليل بشرط أن يكون ذلك سائرًا على نسق أهل السنة والجماعة الذين لا يشترطون الاستحلال أو الجحود في الأقوال والأفعال المكفرة، ويفرقون بين التكفير المطلق وتكفير المعين بناء على توفر الشروط وانتفاء الموانع لا على معرفة ما في قلب قائلها أو فاعلها.

كما أنهم لا يجعلون ارتكاب المكفرات القولية أو الفعلية لأجل أمرٍ من أمور الدنيا مانعًا من تنزيل الحكم على مرتكبها، ولو جوِّز هذا الأمر لما أمكن تكفير أحدٍ إلا أن يشاء الله، لأن غالب من يقترف شيئًا من المكفرات الصريحة إنما يدفعه لذلك طمعٌ وجشعٌ واستحبابٌ لمتاع الدنيا وإيثارٌ لها على الآخرة، كما قال ﷻ: ﴿مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ إِيمَٰنِهِۦٓ إِلَّا مَنۡ أُكۡرِهَ وَقَلۡبُهُۥ مُطۡمَئِنُّۢ بِٱلۡإِيمَٰنِ وَلَٰكِن مَّن شَرَحَ بِٱلۡكُفۡرِ صَدۡرٗا فَعَلَيۡهِمۡ غَضَبٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ ١٠٦ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمُ ٱسۡتَحَبُّواْ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا عَلَى ٱلۡأٓخِرَةِ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ [النحل: 106-107]، وقال سبحانه: ﴿وَوَيۡلٞ لِّلۡكَٰفِرِينَ مِنۡ عَذَابٖ شَدِيدٍ ٢ ٱلَّذِينَ يَسۡتَحِبُّونَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا عَلَى ٱلۡأٓخِرَةِ﴾ [إبراهيم: 2-3].

ص 802

ولذلك سأعرض عن قول من قال إن حاطبًا رضي الله عنه لم يكفر؛ لأنه فعل ما فعل لأجل الدنيا وجعل ذلك كالأصل في عدم تكفير من كان هذا حاله كما قال الإمام ابن العربي المالكي رحمه الله: «المسألة الرابعة: من كثر تطلعه على عورات المسلمين، وينبه عليهم، ويعرِّف عدوهم بأخبارهم لم يكن بذلك كافرًا إذا كان فعله لغرض دنيوي، واعتقاده على ذلك سليم، كما فعل حاطب بن أبي بلتعة حين قصد بذلك اتخاذ اليد ولم ينو الردة عن الدين»١٬٤٣٤أحكام القرآن: (7 /295).، ومثله تمامًا ما قاله القرطبي رحمه الله كعادته في نقل كلام الإمام ابن العربي، وليت شعري أي اعتقاد سليم سيبقى لهذا الذي جعل ديدنه التنبيه على عورات المسلمين، والبحث عنها وتطلبها، وإتحاف العدو الكافر بها.

فبطلان هذا القول وخطورته أيضًا واضحة جلية، وهل آفة كل من نكص على عقبيه وتنكر للحق بعد معرفته وأعرض عنه بعد سلوك طريقه إلا «الغرض الدنيوي»؟! ﴿فَأَمَّا مَن طَغَىٰ ٣٧ وَءَاثَرَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا ٣٨ فَإِنَّ ٱلۡجَحِيمَ هِيَ ٱلۡمَأۡوَىٰ﴾ [النازعات: 37-39]، وسواء كان ذلك الغرض مشحة بمال، أو تمسكًا بوطن، أو حبًا لمسكن، أو طلبًا لجاه، أو غير ذلك مما يدخل في «استحباب الدنيا» على الآخرة، فلو كانت هذه حجة معتدًا بها مانعة من تكفير من ارتكب كل هذه الموبقات من كثرة التطلع على عورات المسلمين والتنبيه عليهم والتعريف لعدوهم بأخبارهم -بمجرد أنه فعلها لغرض دنيوي- لما أمكن تكفير أحدٍ إلا أن يشاء الله: ﴿قُلۡ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمۡ وَأَبۡنَآؤُكُمۡ وَإِخۡوَٰنُكُمۡ وَأَزۡوَٰجُكُمۡ وَعَشِيرَتُكُمۡ وَأَمۡوَٰلٌ ٱقۡتَرَفۡتُمُوهَا وَتِجَٰرَةٞ تَخۡشَوۡنَ كَسَادَهَا وَمَسَٰكِنُ تَرۡضَوۡنَهَآ أَحَبَّ إِلَيۡكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَجِهَادٖ فِي سَبِيلِهِۦ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّىٰ يَأۡتِيَ ٱللَّهُ بِأَمۡرِهِۦۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَٰسِقِينَ﴾ [التوبة: 24].

إلا أن يقال إن مقصد الإمام ابن العربي: أن دلالة الكفار على عورات المسلمين لا يكون كفرًا من أصله حيث كان الدافع لفاعله دنيويًا، وليس المقصود أن مَن ارتكب الكفر لأمر دنيوي لا يكفر، فهو ربط الحكم بنفس الفعل وصفته لا بحال الفاعل، والفرق بين الصورتين بَينٌ -مع بُعده والتكلف فيه- ففي الحالة الأولى: يكون نفس الفعل «الدلالة على العورات» ليس مكفِّرًا حينما يكون المحرك له هو طلب الدنيا، فليس المانع من تكفير فاعله هو طلبه للدنيا وحرصه عليها، بل لأن الفعل بهذه الصفة المركبة ليس مما يدخل في المكفرات أصلًا.

ص 803

وأما في الحالة الثانية: فيكون الحكم على نفس التطلع على العورات والتنبيه عليها وتكرير ذلك من المكفرات المخرجة من الملة، وإنما يمنع من تكفير صاحبها كونه ارتكبها لأجل الدنيا، وكلا الصورتين خطأ مع أن الحالة الثانية أشنع من الأولى بلا شك ومعناها هو الأقرب في سياق كلام الإمام ابن العربي رحمه الله، والذي نقله بنصه تقريبًا الإمام القرطبي المالكي رحمه الله، ولكل جوادٍ كبوة، ولكل صارمٍ نبوة، ولكل عالمٍ هفوة.

❖ ❖ ❖

وننقل أولًا بعض أقوال العلماء في هذه المسألة ثم ننظر فيما يترجح بعون الله وتوفيقه:

فأما عن الاحتمال الأول: وهو كون ما فعله حاطب رضي الله عنه، لا يرقى إلى مرتبة الكفر المخرج من الملة وإنما هو معصية من المعاصي التي تكفرها الحسنات، فقد ذهب إلى هذا بعض العلماء وهذه هي بعض أقوالهم في ذلك:

قال الإمام الطحاوي رحمه الله: «وكان حاطب لشهوده بدرًا، ولما كان عليه من الأمور المحمودة من ذوي الهيئة، ولم يكن الذي أتى مما يوجب حدًا، إنما يوجب عقوبة ليست بحد، فرفعها عنه رسول الله ﷺ لما كان معه من الهيئة...؛ لأن الهيئة إنما ترفع العقوبات التي ليست حدودًا، ولا ترفع العقوبات التي هي حدود»١٬٤٣٥مشكل الآثار: (9 / 485)..

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بعد أن ذكر قصة حاطب رضي الله عنه: «فدل ذلك على أن الحسنة العظيمة يغفر الله بها السيئة العظيمة»١٬٤٣٦الفتاوى الكبرى: (3 / 446)..

وقال الإمام ابن القيم رحمه الله في الفوائد المستنبطة من رسالة حاطب: «وفيها: أن الكبيرة العظيمة مما دون الشرك قد تُكفَّر بالحسنة الكبيرة الماحية كما وقع الجس من حاطب مكفرًا بشهوده بدرًا؛ فإن ما اشتملت عليه هذه الحسنة العظيمة من المصلحة، وتضمنته من محبة الله لها، ورضاه بها، وفرحه بها، ومباهاته للملائكة بفاعلها، أعظم مما اشتملت عليه سيئة الجس من المفسدة وتضمنته من بغض الله لها، فغلب الأقوى على الأضعف فأزاله وأبطل مقتضاه»١٬٤٣٧زاد المعاد: (3/372)..

ص 804

وقال العلامة ابن الوزير رحمه الله: «وكذلك لم يكفِّر حاطب بن أبي بلتعة مع خيانته لرسول الله رضي الله عنه، وما نزل فيه أول سورة الممتحنة، وقوله تعالى فيه: ﴿تُلۡقُونَ إِلَيۡهِم بِٱلۡمَوَدَّةِ﴾ و﴿تُسِرُّونَ إِلَيۡهِم بِٱلۡمَوَدَّةِ﴾ وقد قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَإِنَّهُۥ مِنۡهُمۡۗ﴾ [المائدة: 51]، ومع ذلك وصفه بالإيمان في أول السورة حيث قال: ﴿۞يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [المائدة: 51]، وإنما قلنا إنه داخل فيمن خوطب بذلك؛ لأن العموم نص في سببه بالإجماع، ولذلك أدخله الله مع المؤمنين وخاطبه بأجمل الخطاب حيث قال: ﴿لَا تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمۡ أَوۡلِيَآءَ﴾، وكذلك ثبت أن رسول الله رضي الله عنه قبل عذره»١٬٤٣٨إيثار الحق على الخلق: (400)..

وكلامه ليس صريحًا في أن ما فعله حاطب لم يكن كفرًا بالأصل بل يحتمل هذا ويحتمل المعنى الآخر لا سيما أنه قال في آخر كلامه «ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وآله قبل عذره»، فقد يفهم من قوله: «قبل عذره»؛ أي تأويله الذي تأوله في ارتكاب ما ارتكب فارتفع بهذا التأويل تبعة الكفر عنه، وإلا فقطعًا ليس المقصود أن قبول النبي ﷺ لعذره هو إقراره وتسويغه لهذا العذر الذي تعلق به حاطب رضي الله عنه، فلا يفهم من ذلك أن مثل هذا العذر جائزٌ شرعًا لارتكاب مثل ما ارتكب حاطب رضي الله عنه!

وكما رأيت فإن بعض العلماء يستدل على عدم كفر حاطب رضي الله عنه بدخوله في قوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [الممتحنة: 1]، إذ لو أنه كفر لما خوطب بخطاب الإيمان، وهذا صحيح، ولكن لا يؤخذ من هذا الكلام أن ما فعله حاطب ليس بكفر في الأصل؛ لأنه لا يلزم من عدم تكفير حاطب كون الفعل في أصله ليس كفرًا إذ قد يكون عنده عذرٌ شرعيٌ يمنع من إسقاط حكم الكفر عليه.

وغير ذلك من الأقوال المعلومة عنهم.

وأما عن الاحتمال الثاني: وهو كون فعل حاطب رضي الله عنه في أصله فعلًا مُكفرًا، وإنما لم يكفر حاطب لقيام مانع في حقه، فمن ذلك:

ص 805

ما قاله الإمام ابن الجوزي رحمه الله: «قال القاضي أبو يعلى: في هذه القصة دلالة على أن الخوف على المال والولد لا يبيح التقية في إِظهار الكفر، كما يبيح في الخوف على النفس، ويبيّن ذلك أن الله تعالى فرض الهجرة، ولم يعذرهم في التخلُّف لأجل أموالهم وأولادهم، وإنما ظن حاطب أن ذلك يجوز له ليدفع به عن ولده، كما يجوز له أن يدفع عن نفسه بمثل ذلك عند التقيَّة، وإِنما قال عمر رضي الله عنه: دعني أضرب عنق هذا المنافق؛ لأنه ظن أنه فعل ذلك عن غير تأويل»١٬٤٣٩زاد المسير: (6 / 17)..

وكلامه رحمه الله كالصريح في أن ما فعله حاطب رضي الله عنه كان كفرًا، وإنما منع من تنزيل الحكم عليه تعيينًا تأويله.

ومما هو محتملٌ لهذا المعنى وقريبٌ مما قاله القاضي أبو يعلى قول الإمام أبي بكر الجصاص الحنفي في تفسير آية الممتحنة: «ظاهر ما فعله حاطب لا يوجب الردة؛ وذلك لأنه ظن أن ذلك جائز له؛ ليدفع به عن ولده وماله كما يدفع عن نفسه بمثله عند التقية ويستبيح إظهار كلمة الكفر، ومثل هذا الظن إذا صدر عنه الكتاب الذي كتبه فإنه لا يوجب الإكفار، ولو كان ذلك يوجب الإكفار لاستتابه النبي ﷺ، فلما لم يستتبه وصدقه على ما قال؛ عُلم أنه ما كان مرتدًا، وإنما قال عمر ائذن لي فأضرب عنقه؛ لأنه ظن أنه فعله عن غير تأويل...

وفي هذه الآية دلالة على أن الخوف على المال والولد لا يبيح التقية في إظهار الكفر وأنه لا يكون بمنزلة الخوف على نفسه؛ لأن الله ﷻ نهى المؤمنين عن مثل ما فعل حاطب مع خوفه على أهله وماله، وكذلك قال أصحابنا أنه لو قال لرجل: «لأقتلن ولدك أو لتكفرن» أنه لا يسعه إظهار الكفر»١٬٤٤٠أحكام القرآن: (9 / 50)..

فالظن المقصود في قوله رحمه الله: «ومثل هذا الظن إذا صدر عنه الكتاب... إلخ» هو ما تأوله حاطب لنفسه في إرسال الرسالة، ويبين ذلك قوله عن عمر رضي الله عنه: «لأنه ظن أنه فعله عن غير تأويل»؛ أي فلهذا أكفره وطلب ضرب عنقه، والله تعالى أعلم.

ص 806

وكثيرٌ من المعاصرين يذهبون هذا المذهب، ويرجحون القول بأن ما فعله حاطب رضي الله عنه كان كفرًا، أو نفاقًا أكبر، لأنه من جنس مظاهرة الكفار على المسلمين، وإنما لم يحكم عليه بالكفر لتأويله، بل إن بعضهم لا يكاد يذكر القول الآخر إطلاقًا ولا يشير إليه أدنى إشارة، لتأكد هذا الحكم في نفسه وظهوره عنده.

هذا ويفهم من كلام بعض العلماء أن حاطبًا رضي الله عنه قد استباح محظورًا؛ أي محرمًا -وهذا كفرٌ- إلا أن استباحته له كانت بتأويل ولهذا لم يحكم عليه بالكفر، وليس المقصود أنهم اشترطوا الاستحلال في فعل مكفِّرٍ، ولكنهم أخبروا أن حاطبًا استحل محرمًا، وهذا الاستحلال يعدُّ كفرًا إلا أنه رضي الله عنه قد استحله بتأويل، فالأمر المكفِّر في قول هؤلاء العلماء هو الاستحلال للمحرم لا نفس الجسّ الذي فعله حاطب رضي الله عنه.

قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله: «وقد دل هذا الحديث على أن حكم المتأول في استباحة المحظور خلاف حكم المتعمد لاستحلاله من غير تأويل»١٬٤٤١كشف المشكل: (1/99)..

وقال الإمام البغوي رحمه الله: «وفي حديث حاطب دليل على أن حكم المتأول في استباحة المحظور خلاف حكم المتعمد لاستحلاله من غير تأويل»١٬٤٤٢شرح السنة: (11/ 75)..

الراجح:
ص 807

والذي يظهر -والله تعالى أعلم- هو ما ذهب إليه الأولون من كون ما فعله حاطب رضي الله عنه معصية من المعاصي وكبيرة من الكبائر التي لا ترتقي إلى درجة الكفر، إلا أن القصة نفسها تدل على أن جنس هذا الفعل -أي الدلالة على عورات المسلمين- هو من الأمور المكفِّرة وليست كسائر المعاصي، فلا تعارض بين ما قررناه أعلاه من أن مظاهرة الكفار على المسلمين -والتي منها التجسس لهم بتتبع عوراتهم- هي كفر أكبر مخرجٌ من الملة، وبين ما ذهب إليه كثيرٌ من العلماء من أن فعل حاطب رضي الله عنه هو من قبيل الكبائر التي كفرتها الحسنات وذلك لما يأتي:

أولًا: إن مقصد حاطب رضي الله عنه لم يكن اطلاع الكفار على أسرار المسلمين لينتفعوا بها في حربهم لهم وتمهيد السبيل للنكاية بهم وظهورهم عليهم، وإنما كان أصل مقصده وأساسه ومطلبه الأول هو الحفاظ على أبنائه، وذلك «بمنته» على الكفار بما أعلمهم به من عزم النبي ﷺ على غزوهم وهذا ظاهر من قول حاطب نفسه حينما سأله النبي ﷺ عما دفعه إلى ذلك: «أردت أن يكون لي عند القوم يد يدفع الله بها عن أهلي ومالي وليس أحد من أصحابك إلا له هناك من عشيرته من يدفع الله به عن أهله وماله»١٬٤٤٣متفق عليه، [البخاري: (٣٩٨٣) واللفظ له، ومسلم: (٢٤٩٤)]..

فأراد أن تكون «يده عند القوم» وسيلة لتحصيل مقصوده وهو «الدفع عن أهله»، فحقيقة ما فعله لا يخرج عن كونه إفشاء سرٍ مجردٍ أُمر بكتمه وإخفائه، فخالف فيه أمر النبي ﷺ كما جاء في بعض الروايات أن حاطبًا كان من بين من سارهم النبي ﷺ بعزمه على غزو مكة، ففي مسند أبي يعلى عن علي رضي الله عنه قال: «لما أراد رسول الله مكة أرسل إلى أناس من أصحابه أنه يريد مكة فيهم حاطب بن أبي بلتعة وفشا في الناس أنه يريد حنين قال: فكتب حاطب إلى أهل مكة... الحديث»١٬٤٤٤مسند أبي يعلى: (1/ 319) [397].، وضعف هذا الأثر بعض العلماء.

ص 808

ثانيًا: ففعل حاطب رضي الله عنه لم يكن في حقيقته لا «مظاهرة» ولا «إعانة» ولا «ممالأة» للكفار على المسلمين -والتي هي مناط التكفير هنا- وإنما كان خيانةً لرسول الله ﷺ، حيث أفشى سره وأظهر ما أمر بكتمانه، إلا أن ما زاد هذه بشاعة وتغليظًا هو أن إفشاءه كان للمشركين؛ ولذلك قربت صورته من المظاهرة وشابهتها ولم تكن إياها في الحقيقة حتى قال عمر في حق حاطب رضي الله عنهما: «إنه قد خان الله ورسوله والمؤمنين فدعني فأضرب عنقه»١٬٤٤٥البخاري [٦٢٥٩].، وفي رواية عند الطبري أن عمر قال بعدما سأله النبي ﷺ: (أليس قد شهد بدرًا): «بلى، ولكنه نكث وظاهر أعداءك عليك»١٬٤٤٦[تفسير الطبري: (23/٣١٢)]، ورواه أيضًا أبو يعلى [٣٩٧]..

فمن المعلوم أن مجرد إفشاء سر النبي ﷺ الذي أمر بكتمه يعد عظيمًا في أصله حتى ولو كان لآحاد المسلمين والخلان المصافين، كما قال ﷻ: ﴿وَإِذۡ أَسَرَّ ٱلنَّبِيُّ إِلَىٰ بَعۡضِ أَزۡوَٰجِهِۦ حَدِيثٗا فَلَمَّا نَبَّأَتۡ بِهِۦ وَأَظۡهَرَهُ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ عَرَّفَ بَعۡضَهُۥ وَأَعۡرَضَ عَنۢ بَعۡضٖۖ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِۦ قَالَتۡ مَنۡ أَنۢبَأَكَ هَٰذَاۖ قَالَ نَبَّأَنِيَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡخَبِيرُ ٣ إِن تَتُوبَآ إِلَى ٱللَّهِ فَقَدۡ صَغَتۡ قُلُوبُكُمَاۖ وَإِن تَظَٰهَرَا عَلَيۡهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ مَوۡلَىٰهُ وَجِبۡرِيلُ وَصَٰلِحُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ بَعۡدَ ذَٰلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: 3-4]، فكيف إذا بُلِّغ خبره إلى أعدائه المشركين؟!

ولهذا قال الإمام ابن كثير رحمه الله بعد أن ذكر عدة أقوال في سبب نزول قوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَخُونُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُوٓاْ أَمَٰنَٰتِكُمۡ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ﴾ [الأنفال: 27]، قال: «والصحيح أن الآية عامة، وإن صح أنها وردت على سبب خاص، فالأخذ بعموم اللفظ لا بخصوص السبب عند الجماهير من العلماء، والخيانة تعم الذنوب الصغار والكبار اللازمة والمتعدية»١٬٤٤٧تفسير ابن كثير: (4/41)..

فقريب من فعل حاطب رضي الله عنه ما قيل إن أبا لبابة بن عبد المنذر رضي الله عنه فعله حينما أرسله النبي ﷺ إلى بني قريظة لينزلوا على حكم سعد بن معاذ فاستشاروا أبا لبابة في ذلك فأشار عليهم بيده: بأنه الذبح؛ فنزلت الآية، مع أن الأثر ضعيف لا يصلح للاحتجاج به.

ص 809

ثالثًا: نعم قد يكون مآل فعل حاطب ونتيجته هو حصول نكاية في المسلمين، وذلك بتأهبهم بعد علمهم بالنفير إليهم، إلا أن هذا لم يكن مقصده ولا مراده لا باطنًا ولا ظاهرًا يدل على ذلك ما ضمنه رسالته من تفتيت عزمهم، وتثبيط هممهم، وتفخيم شأن جيش الإسلام الزاحف إليهم، والتأكيد على نصرة الله لنبيه ﷺ ولو جاءهم وحده، فهذه كلها تدل على أن أقصى ما أراد أن ينتفع به الكفار من رسالته هو «إنقاذهم» من الاستئصال، وكي لا يُدَاهموا على حين غرة وأن «ينظروا لأنفسهم» وليكون ضمن المحفوظين من ذلك أبناؤه، فمسألة إعانة حاطب للمشركين في حربهم على المسلمين غير واردة لا في فعله، ولا في قصده، ولا في مضمون كتابه والذي وصَفَه بأنه «لا يضر الله ورسوله شيئًا»، وإن كانت حقيقة فعله هي إخبار المشركين بأمرٍ من أمور المسلمين الخفية وإبلاغهم بذلك لينتفعوا بها هم لا ليضروا بها المسلمين، ومن هنا أدخلها من أدخلها من العلماء في باب الجاسوس لاشتراكهما في الفعل من هذه الحيثية، أعني الإسرار في تبليغ خبر ينتفع به الكفار.

ففرق كبيرٌ جدًا بين من يقيم بين أظهر المسلمين ويتقصد البحث عن عوراتهم «نقاط ضعفهم»، ويتعمد التفتيش عن ثغراتهم وفجواتهم، ويجتهد في تتبع قادتهم وخفايا جيوشهم، والتعرف على مراكزهم، ثم يجتهد متخفيًا في إيصالها إلى الكفار ليستفيدوا منها ويستعينوا بها في قتالهم وحربهم وتخطيطهم لاستئصال أهل الإسلام، وبين من سارَّ الكفار بخبر لينتفعوا به في حفظ أنفسهم و«الاحتياط لها» مقابل منفعة يتحصل عليها منهم، فهذا الثاني وإن كان موالاة لهم، ونوعًا من أنواع التجسس في الجملة -وهو عظيم في الدين-إلا أن صورة المظاهرة والمعاونة على المسلمين ليست فيها ببيّنة، ولهذا فالتكفير بها محتمل وليس بقطعي وفي مثل هذا يأتي الاستفصال والاستفسار والاستبيان عن الدافع والقصد كما فعل النبي ﷺ مع حاطب رضي الله عنه.

ولتوضيح المسألة أكثر نضرب لذلك مثلًا: فلو أن رجلًا كتب كتابًا إلى كفار قريش وأخبرهم بعزم النبي ﷺ على غزوهم ثم أطلعهم على طريق سير جيش المسلمين، ومواطن إقامتهم، وعدد جنودهم، كي يكمنوا لهم في الشِعب، ويُعدوا العدة المكافئة لقتالهم لما كان هناك أدنى تردد في كفر مَن يفعل ذلك، فصورة المظاهرة هنا واضحة جلية، ومهما ادعى فاعل ذلك من الأعذار فتقديمه للدنيا على الدين بيّنة قطعية، وهذا هو عين ما يفعله جواسيس العصر، بل هم يشاركون أولياءهم في الحرب مشاركة فعلية لا تقتصر على نقل الأخبار والتحريض على قتل الأخيار، أما فعل حاطب رضي الله عنه فهو أبعد ما يكون عن هذه الصورة، وإنما اتخذ صفة التجسس بالنظر إلى اشتمالها على إفشاء سر النبي ﷺ للمشركين، أما قيام وصف المظاهرة في فعله فغير ظاهر والله تعالى أعلم.

ص 810

وأضرب مثالًا آخر لزيادة التوضيح: فلو أن رجلًا مقيمًا بين ظهراني المجاهدين، وهمه وعمله تتبع الأخبار والتفتيش عنها والحرص على تحصيلها بقصد إيصالها للكفار، فعلم أن المجاهدين سينتقلون من مدينة إلى مدينة أو من مركز إلى مركز وسيمرون على طريق كذا وكذا؛ فبادر بإرسال الخبر إلى الكفرة ليعلمهم بذلك كي يكمنوا لهم في تلك الطريق ويقتلوا من يقتلوه منهم ويأسروا من يأسروه؛ فلا شك أن فعله هذا مظاهرة جلية وإعانة واضحة قطعية لأولئك الكفرة على المسلمين وهو ناقض من نواقض الإسلام بلا تردد، وفي المقابل لو أن شخصًا من المجاهدين المناصرين للدين حقًا وصدقًا التاركين لديارهم وأموالهم وأهليهم سمع أن المجاهدين سيغيرون على مركز من المراكز له فيها أخٌ أو قريبٌ فأرسل إليهم: أن اخرجوا من مركزكم وابتعدوا عن ثكنتكم لا يستأصلكم المجاهدون بجيشهم العرمرم الذي لا قبل لكم به لكان الفرق بين هذه الصورة والتي قبلها واضحًا -مع اجتماعهما في معنى التجسس- إذ حقيقة المظاهرة في الحالة الثانية غير ظاهرة وأمر الكفر فيها محتمل ولهذا تحتاج إلى الاستفصال وهي الحالة الموافقة لما فعله حاطب رضي الله عنه.

وقد رأيت كلامًا للعلامة عبد الرحمن البراك حفظه الله أطلق فيه القول: بأن مجرد الجس على المسلمين لا يكون ردة، وجعل ما فعله حاطب مظاهرة، وكلاهما -فيما يظهر لي- مجانبٌ للصواب، فإن التكفير بمجرد الجس لم يزل معروفًا بين العلماء كما ستأتي أقوالهم، ووصْفُ ما فعله حاطب رضي الله عنه بالمظاهرة غير ظاهر كما قد رأيت، فقد فقال حفظه الله وبارك في علمه وعمره: «وهذا الجاسوس الذي يجس على المسلمين وإن تحتم قتله عقوبة فإنه لا يكون بمجرد الجس مرتدًا، ولا أدل على ذلك من قصة حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه... فقبل النبي ﷺ عذره، ولم يأمره بتجديد إسلامه، وذكر ما جعل الله سببًا لمغفرة الله له، وهو شهوده بدرًا... وهذه مظاهرة أي مظاهرة»١٬٤٤٨فتاوى واستشارات الإسلام اليوم: (16 /431)..

ص 811

والأغرب من هذا حكايته الإجماع على عدم كفر الجاسوس! في أجوبته على أسئلة أعضاء ملتقى أهل الحديث حينما سأل: ما هو الفعل الذي وقع فيه الصحابي حاطب؟ ومن أي نوع هو؟ وهل من فعل مثل ما فعل حاطب الآن لا يكفر؟ فأجاب وفقه الله: «... فلم يعتبر النبي ﷺ ما وقع من حاطب موجبًا لردته، ولهذا أجمع العلماء أن المسلم إذا جَسّ على المسلمين لا يكفر، وإنما اختلفوا في قتله، وهو موضع اجتهاد».

رابعًا: أن النبي ﷺ حينما أُحضِر له كتاب حاطب وقرئ عليه سأل حاطبًا: (ما حملك على ما صنعت؟)، وفي رواية (يا حاطب ما هذا؟)، وفي رواية: «فدعا رسول الله ﷺ حاطبًا فقال: (أنت كتبت هذا الكتاب؟) قال: نعم، قال: (فما حملك على ذلك)»١٬٤٤٩فتح الباري: (19 / 396)..

وكل هذه الروايات تدل على أن النبي ﷺ يسأل عن الدافع والحامل لحاطب على فعل ما فعل، وهذا قد يفهم منه أن فعل حاطب رضي الله عنه قد تختلف دوافعه «المؤثرة» في الحكم، بحيث قد يكون بعض تلك الدوافع كفرًا أكبر مخرجًا من الملة، وبعضها دون ذلك، كما قال الإمام الشافعي رحمه الله في هذه الجزئية: «لأنه لما كان الكتاب يحتمل أن يكون ما قال حاطب كما قال من أنه لم يفعله شاكًا في الاسلام، وأنه فعله ليمنع أهله، ويحتمل أن يكون زلة لا رغبة عن الاسلام، واحتمل المعنى الأقبح كان القول قوله فيما احتمل فعله»١٬٤٥٠الأم: (4 / 264)..

ص 812

ولهذا كان جواب حاطب عن هذا السؤال، وبيانه للدافع له على ذلك مقرونًا بنفي إرادة الكفر وقصد الارتداد عن الدين كما جاء في الروايات بألفاظ مختلفة منها: «ولم أفعله كفرًا ولا ارتدادًا عن ديني ولا رضا بالكفر بعد الإسلام»١٬٤٥١[صحيح مسلم: (٢٤٩٤)].، وفي أخرى: «وما فعلت كفرًا ولا ارتدادًا ولا رضا بالكفر بعد الإسلام»١٬٤٥٢[صحيح البخاري: (٣٠٠٧)].، وفي رواية: «ما بي إلا أن أكون مؤمنا بالله ورسوله وما غيرت ولا بدلت»١٬٤٥٣[صحيح البخاري: (٦٢٥٩)].، وفي رواية أيضًا: «والله إني لناصح لله ولرسوله»١٬٤٥٤[شرح مشكل الآثار: (٤٤٣٦)].، ومن المعلوم قطعًا أن القصة واحدة وأن مدلول هذه الروايات -وإن كانت ألفاظها مختلفة- متفقٌ وهو نفي حاطب لأن يكون فعل ما فعل لأجل الكفر، أو الرضى به، أو الارتداد عن الدين، أو لعدم إيمانه بالله ورسوله.

فهنا ثلاث قضايا:

القضية الأولى: تتعلق بسؤال النبي ﷺ لحاطب رضي الله عنه، فقد يقال: إن سؤاله ﷺ عن الحامل يدل على تعدده وتنوعه، إذ لو كان الدافع واحدًا -لا يحتمل التعدد- لوقع محددًا معينًا؛ وحينئذٍ لا يُتصور البحث عن دوافع أخرى لعدم وجودها أصلًا، كما أن سؤاله عن تلك الدوافع مع عدم تأثيرها في الحكم وتأثره بها ينزل منزلة اللغو الذي ينزه عنه ﷺ، ومثل ذلك فيما لو كانت تلك الدوافع كلها بمرتبة واحدة «أي الكفر»؛ فيكون سؤاله آنذاك في حكم من يقول: أي الدوافع المكفِّرة التي حملتك على ما فعلت؟ وهذا أيضًا بعيد ما دام ما يترتب عليها واحدًا لا يختلف.

إلا أن هذا التقرير مدخولٌ باعتبار أن الدافع الذي قد يقع عليه السؤال لا يختص بالمحرك والباعث القلبي فقط، بل قد يتوجه هذا السؤال حتى في حق من يُرى أنه ارتكب كفرًا صريحًا لمعرفة إن كان له عذرٌ شرعيٌ معتبرٌ أم لا، كما جاء في حديث الرجل الذي أمر أبناءه بحرقه بعد موته فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أن النبي ﷺ قال: (إن رجلًا كان قبلكم رغسه الله مالًا، فقال لبنيه لما حضر: أي أب كنت لكم ؟ قالوا: خير أب، قال: فإني لم أعمل خيرًا قط، فإذا مت فأحرقوني، ثم اسحقوني، ثم ذروني في يوم عاصف، ففعلوا، فجمعه الله، فقال: ما حملك على ذلك؟ فقال: مخافتك، فتلقاه برحمته)١٬٤٥٥رواه البخاري [(٣٤٧٨)، واللفظ له]، ومسلم [2757]، وغيرهما.، ولهذا نظائر.

ص 813

القضية الثانية: تتعلق بجواب حاطب رضي الله عنه، إذ إنه لم يقتصر في جوابه على بيان الدافع للفعل وهو قوله: «أردت أن يكون لي عند القوم يد يدفع الله بها عن أهلي ومالي»، وهو ما سأله عنه النبي ﷺ، بل قرنه بأن ذلك لم يكن لأجل الردة عن الدين، أو الكفر والرضى به، أو التبديل والتغيير؛ وهذا يعني أن حاطبًا قد تقرر عنده أن ما حمله على كتابة الرسالة «حفظ الأهلين» قد يكون مقرونًا بدافع آخر وهو الردة والكفر والرضى به، فبيّن أن هذا الأمر منتف في حقه وليس شيء منها مما حمله على فعله، ولهذا جاء معلّلًا كقوله: «ولم أفعله كفرًا ولا ارتدادًا عن ديني ولا رضا بالكفر بعد الإسلام»، ولو كان مجرد كتابته إلى كفار قريش ما كتب يعد فعلًا صريحًا في الكفر لكان هذا التعليل لا معنى له؛ لأن من فعل الكفر الصريح القطعي لا ينفعه قوله إنني لم أقصد بفعلي الكفر، فمن سجد للصنم مثلًا لا ينفعه أن يقول: لم أسجد إليه كفرًا، ولا ارتدادًا، ولا رضى بالكفر بعد الإيمان؛ لأن نفس السجود للصنم يُعد كفرًا سواء فعله لأجل الكفر أو غيره، والشيء لا يعلَّلُ بنفسه.

ومثل ذلك من استهزأ بالدين لا ينفعه أن يتعلل بأنه لم يستهزأ به كفرًا ولا ارتدادًا ولا رضا بالكفر بعد الإيمان؛ لأن الاستهزاء نفسه كفر، ولهذا لما احتج بعض المستهزئين بأنهم كانوا يخوضون ويلعبون، لم يجعل الشارع لاحتجاجهم اعتبارًا ولم يكن تعللهم مانعًا من إسقاط الكفر عليهم حتى ولو كانوا صادقين فيما زعموا؛ لأن تعدد المحامل والدوافع في مثل هذا الفعل لا اعتبار له ولا اعتداد به لانعدام تأثيره وانتفاء تغير الحكم بسببه.

ص 814

وهذا كما يقال: إن من فعل أو قال ما هو كفرٌ مختارًا؛ فإنه لا يحتاج لأن يقال له: هل شرحت بالكفر صدرًا، ولا ينفعه أن يقول: لم أشرح به صدرًا؛ فالتعليل حينئذٍ لا معنى له في الحقيقة ولا تأثير له في حكم الشرع كما قال شيخ الإسلام رحمه الله: «فإن قيل: فقد قال تعالى: ﴿وَلَٰكِن مَّن شَرَحَ بِٱلۡكُفۡرِ صَدۡرٗا﴾، قيل: وهذا موافق لأولها فإنه من كفر من غير إكراه فقد شرح بالكفر صدرًا، وإلا ناقض أول الآية آخرها، ولو كان المراد بمن كفر هو الشارح صدره وذلك يكون بلا إكراه لم يستثن المكره فقط، بل كان يجب أن يستثنى المكره وغير المكره إذا لم يشرح صدره، وإذا تكلم بكلمة الكفر طوعًا فقد شرح بها صدرًا وهى كفر، وقد دل على ذلك قوله ﷻ: ﴿يَحۡذَرُ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيۡهِمۡ سُورَةٞ تُنَبِّئُهُم بِمَا فِي قُلُوبِهِمۡۚ قُلِ ٱسۡتَهۡزِءُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ مُخۡرِجٞ مَّا تَحۡذَرُونَ ٦٤ وَلَئِن سَأَلۡتَهُمۡ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلۡعَبُۚ قُلۡ أَبِٱللَّهِ وَءَايَٰتِهِۦ وَرَسُولِهِۦ كُنتُمۡ تَسۡتَهۡزِءُونَ ٦٥ لَا تَعۡتَذِرُواْ قَدۡ كَفَرۡتُم بَعۡدَ إِيمَٰنِكُمۡۚ إِن نَّعۡفُ عَن طَآئِفَةٖ مِّنكُمۡ نُعَذِّبۡ طَآئِفَةَۢ بِأَنَّهُمۡ كَانُواْ مُجۡرِمِينَ ٦٦﴾.

فقد أخبر أنهم كفروا بعد إيمانهم مع قولهم إنا تكلمنا بالكفر من غير اعتقاد له، بل كنا نخوض ونلعب، وبيَّن أن الاستهزاء بآيات الله كفر، ولا يكون هذا إلا ممن شرح صدره بهذا الكلام ولو كان الإيمان في قلبه منعه أن يتكلم بهذا الكلام»١٬٤٥٦مجموع الفتاوى: (7/220)..

القضية الثالثة: أن تصديق النبي ﷺ حاطبًا بعد جوابه المذكور وقوله: (لقد صدقكم)١٬٤٥٧[صحيح البخاري: (٢٨٤٥)].؛ يدل على أن الجواب في نفسه يحتمل الصدق والكذب، وأن عبارة حاطب المذكورة يمكن حملها على أكثر من وجه، فبعض تلك الأوجه يكون صدقًا، وبعضها يكون كذبًا، فالصدق هو ما أجاب به حاطب رضي الله عنه من أنه فعل ما فعل حفظًا لأبنائه وليس ارتدادًا عن الدين ولا رجوعًا للكفر، فتصديق النبي ﷺ له منصبٌّ على شقي الجملة إثباتًا ونفيًا، فالإثبات وهو إرادته حفظَ ذويه، والنفي وهو عدم إرادته للكفر والردة؛ لأن كلا الجزئين جملة خبرية تحتمل الصدق والكذب لذاتها فحمل تصديق النبي ﷺ على بعضها دون بعض تحكمٌ محضٌ بلا دليل، فكأن النبي ﷺ قد قال: لقد صدقكم حاطب في أنه أراد برسالته حفظ أهله وفي أنه لم يفعل ذلك كفرًا ولا ردة.

ص 815

ثم بنى على هذا التصديق حكمًا وهو قوله: (صدق ولا تقولوا له إلا خيرًا)١٬٤٥٨[صحيح البخاري: (٣٩٨٣)].، فنهيهم عن أن يقولوا له إلا خيرًا معلَّلٌ بصدقه فيما أخبر به عن نفسه، فلو كان قوله: «وما فعلته كفرًا ولا ارتدادًا» لا تأثير له في أصل الحكم لما كان لتصديق النبي ﷺ له معنى، ولعَدَل إلى بيان ما هو أولى منه وأهم وهو تعليم حاطب بأن هذا الفعل لا يقال فيه: «لم أفعله كفرًا ولا ارتدادًا»، إذ من فعله بهذا الدافع وغيره في حكم الشرع سواء، ومعلومٌ أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز في حقه ﷺ، فلما لم يقل النبي ﷺ ذلك، مع تصديقه لحاطب فيما تعلل به لنفسه واحتج به لفعله علمنا أن فعله ليس صريحًا ولا قطعيًا في الكفر وإن كان محتملًا له، وباستبيان النبي ﷺ واستفصاله وبإقراره لصحة جواب حاطب وتصديقه له علمنا أن فعله رضي الله عنه لم يكن من قبيل المكفِّرات والله تعالى أعلم.

خامسًا: احتج البعض على أن فعل حاطب رضي الله عنه يُعد كفرًا بالعبارات المتعددة التي جاءت على لسان عمر رضي الله عنه كقوله: «دعني أضرب عنق هذا المنافق»١٬٤٥٩[سبق قبل قليل].، وقوله: «إنه قد خان الله ورسوله والمؤمنين فدعني فلأضرب عنقه»١٬٤٦٠[صحيح البخاري: (٣٩٨٣)].، وفي رواية: «أمكني منه فإنه قد كفر»١٬٤٦١[المستدرك: (٦٩٦٦)].، وعند البزار بإسناد صحيح: «أمكني من حاطب فإنه قد كفر فأضرب عنقه»١٬٤٦٢[مسند البزار: (1/308) ح: (197)]..

فقال هؤلاء المحتجون: إن النبي ﷺ قد سمع هذه الكلمات والأوصاف من عمر رضي الله عنه ومع ذلك فلم ينكر عليه إطلاقها، بل أقره على ما فهم، وعمر قد قال في حق حاطب «هذا المنافق» وقال: «قد كفر»، وليس هذا إلا النفاق الأكبر، والكفر الأكبر المخرجيْن من الملة لأنه رتب ضرب عنق حاطب عليهما.

والذي يظهر -والله تعالى أعلم- أن في هذا الاستنباط إشكالًا: وهو أن عمر رضي الله عنه أطلق ما أطلق من الأحكام والأوصاف ليس على فعل حاطب فحسب، وإنما على حاطب نفسه إذ سماه منافقًا، وقال عنه قد كفر، وفي رواية أنه نكث وظاهر أعداءك عليك، فما فعله عمر هو تكفير لحاطب رضي الله عنه بحضرة النبي ﷺ، فمن يقول: إن النبي ﷺ لم ينكر على عمر فهمه وأقره عليه؛ فعليه أن يقول: بكفر حاطب ونفاقه ونكثه ومظاهرته، ولا يقتصر على وصف مجرد فعله بأنه كفرٌ ونفاقٌ ونكثٌ ومظاهرة، وهذا لا يقول به أحدٌ قطعًا فإن الجميع متفقون على أن حاطبًا رضي الله عنه لم يكفر، وإنما الخلاف في نفس فعله.

ص 816

ولهذا فلا أرى أن استنباط كون فعل حاطب كفرًا بالاعتماد على قول عمر رضي الله عنه مسلكًا صحيحًا، وذلك لما ذكرته من أن عمر رضي الله عنه حكم على الفاعل لا على مجرد الفعل، فتكفير عمر لعين حاطب يكاد يكون في غاية الصراحة في بعض الروايات كما نقلته أعلاه، وكما ذهب إلى ذلك بعض الأئمة واستنبطوا منه أن حكم المتأول -في تكفير مسلمٍ- يختلف عن غيره، فهذا الإمام البخاري رحمه الله بوب بقوله: «بابُ مَنْ كفَّرَ أخاه بِغَيْرِ تَأْوِيلٍ فَهْوَ كما قال»، قال الإمام البدر العيني رحمه الله: «قيد به لأنه إذا تأول في تكفيره يكون معذورًا غير آثم، ولذلك عذر النبي ﷺ عمر رضي الله عنه في نسبة النفاق إلى حاطب بن أبي بلتعة لتأويله؛ وذلك أن عمر بن الخطاب ظن أنه صار منافقًا بسبب أنه كاتب المشركين كتابًا فيه بيان أحوال عسكر رسول الله ﷺ»١٬٤٦٣[عمدة القاري شرح صحيح البخاري: (22/157)]..

وبعد هذا الباب بوب البخاري بقوله: «بَاب من لم يَرَ إِكْفَارَ من قال ذلك مُتَأَوِّلًا أو جَاهِلًا وقال عُمَرُ لِحَاطِبِ بن أبي بَلْتَعَةَ أنه نافق فقال النبي ﷺ: (وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ قد اطَّلَعَ إلى أَهْلِ بَدْرٍ؛ فقال: قد غَفَرْتُ لَكُمْ)»١٬٤٦٤[صحيح البخاري: (8/26)].، وهذا بيّنٌ في أن البخاري رحمه الله يرى أن عمر قد أكفر حاطبًا وأنه أراد بذلك الكفر المخرج من الملة، إلا أن عذر عمر أنه كان متأولًا، قال ابن بطال رحمه الله: «قال المهلب: معنى هذا الباب أن المتأول معذور غير مأثوم، ألا ترى أن عمر بن الخطاب قال لحاطب لما كاتب المشركين بخبر النبي إنه منافق، فعذر النبي عليه السلام عمر لما نسبه إلى النفاق، وهو أسوأ الكفر، ولم يكفر عمر بذلك من أجل ما جناه حاطب»١٬٤٦٥شرح ابن بطال: (17 / 353)..

وقال الإمام البيهقي رحمه الله: «فسماه عمر منافقًا ولم يكن منافقًا، فقد صدقه النبي ﷺ فيما أخبر عن نفسه، ولم يصر به عمر كافرًا؛ لأنه أكفره بالتأويل، وكان ما ذهب إليه عمر محتملا»١٬٤٦٦شعب الإيمان: (1/91).. وكلام العلماء رحمهم الله في هذا كثير وسائره يدل على أن عمر رضي الله عنه قد كفَّر حاطبًا إما باللفظ الصريح: «قد كفر»، وإما بوصفه بالنفاق «إنه منافق» ومقصوده بلا شك النفاق الأكبر.

ص 817

فإما أن يقال: بأن النبي ﷺ أقر عمر فيما قال؛ وهذا يفضي إلى تكفير حاطبٍ وهو قول باطلٌ قطعًا لم يذهب إليه أحدٌ، وإما أن يوجه قول عمر توجيهًا آخر كما قال بعض العلماء من أن عمر رضي الله عنه قال ذلك متأولًا لما وقع فيه حاطب من المشابهة ببعض أفعال المنافقين كما قال شيخ الإسلام رحمه الله: «فكان عمر متأولًا في تسميته منافقا للشبهة التي فعلها»١٬٤٦٧مجموع الفتاوى: (7 / 523)..

وقال وهو يعدد بعض صور الخطأ المغفور في الاجتهاد: «والخطأ المغفور في الاجتهاد هو في نوعي المسائل الخبرية والعملية... أو اعتقد أن من جس للعدو وعلمهم بغزو النبي ﷺ فهو منافق، كما اعتقد ذلك عمر في حاطب وقال: دعني أضرب عنق هذا المنافق، أو اعتقد أن من غضب لبعض المنافقين غضبة فهو منافق، كما اعتقد ذلك أسيد بن حضير في سعد بن عبادة وقال: إنك منافق تجادل عن المنافقين»١٬٤٦٨مجموع الفتاوى: (20 / 35)..

فيفهم من كلامه رحمه الله أن عمر رضي الله عنه قد قال ما قال مجتهدًا متأولًا بحسب ما فهم من ظاهر فعل حاطبٍ ظانًا أنه عينُ فعل المنافقين؛ ولهذا استحل قتله واستأذن النبي ﷺ في ذلك، وتمثيل شيخ الإسلام بقصة عمر مع حاطب في مغفرة خطأ المجتهد متكرر في كتبه، ومثله قصة أسيد بن حضير مع سعد بن عبادة رضي الله عنهم أجمعين.

وقال الإمام ابن القيم رحمه الله: «ولم يؤاخذ النبي ﷺ عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين رمى حاطب بن أبي بلتعة المؤمن البدري بالنفاق لأجل التأويل، ولم يؤاخذ أسيد بن حضير بقوله لسعد سيد الخزرج: إنك منافق تجادل عن المنافقين؛ لأجل التأويل، ولم يؤاخذ من قال عن مالك بن الدخشم: ذلك المنافق نرى وجهه وحديثه إلى المنافقين؛ لأجل التأويل»١٬٤٦٩إعلام الموقعين: (4 / 89)..

ص 818

وقال الإمام البغوي رحمه الله: «وفيه دليل على أن من كفر مسلـمًا، أو نفقه على التأويل، وكان من أهل الاجتهاد لا يعاقب؛ فإن النبي ﷺ لم يعنف عمر بن الخطاب على قوله: «دعني أضرب عنق هذا المنافق» بعد ما صدقه الرسول ﷺ فيما ادعاه؛ لأن عمر لم يقل ذلك على سبيل العدوان، إذ كان ذلك الصنيع من حاطب شبيها بأفعال المنافقين»١٬٤٧٠شرح السنة: (11 /75)..

وقد ذهب بعض العلماء إلى أن الحمية الإيمانية والغيرة الدينية هي التي حملته على قول ما قال في حق حاطب رضي الله عنه كما قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: «إنما قال ذلك عمر مع تصديق رسول الله ﷺ لحاطب فيما اعتذر به؛ لما كان عند عمر من القوة في الدين وبغض من ينسب إلى النفاق، وظن أن من خالف ما أمره به رسول الله ﷺ استحق القتل، لكنه لم يجزم بذلك فلذلك استأذن في قتله، وأطلق عليه منافقًا لكونه أبطن خلاف ما أظهر»١٬٤٧١فتح الباري لابن حجر: (13 / 492)..

وكلام الحافظ رحمه الله يمكن التسليم به إلا قوله: «وظن أن من خالف ما أمره به رسول الله ﷺ استحق القتل»، فمثل هذا لا يليق بعمر رضي الله عنه إلا إن كان مقصده أن من خالفه في مثل هذه الأمور العظام التي تشابه أفعال المنافقين وتدل على موالاة الكافرين، كما أن استئذان عمر رضي الله عنه في قتل حاطب لا يدل على أنه لم يجزم بنفاقه ولا بكفره، بل الظاهر خلاف ذلك، إذ لو كان شاكًا في الأمر أو مترددًا فيه كيف يقدم على تكفيره واستحلال قتله، فالصحيح أنه استأذن النبي ﷺ لأنه الإمام والمقدَّم وليس لأحد أن يقدِّم بين يديه ولهذا قال الحافظ نفسه فيما يستنبط من هذه القصة: «وفيه تأدب عمر، وأنه لا ينبغي إقامة الحد والتأديب بحضرة الإمام إلا بعد استئذانه»١٬٤٧٢فتح الباري: (19 / 396)..

وقال الإمام النووي فيما يستنبط من القصة: «وفيه أنه لا يحد العاصي، ولا يعزر إلا بإذن الإمام»١٬٤٧٣شرح النووي على مسلم: (8 / 264)..

ص 819

وقد نقل الحافظ ابن حجر شيئًا مما ذهب إليه بعض العلماء في توجيه قول عمر لحاطب رضي الله عنهما فقال رحمه الله: «وفي حديث ابن عباس: قال عمر: فاخترطت سيفي وقلت: «يا رسول الله أمكني منه فإنه قد كفر»، وقد أنكر القاضي أبو بكر بن الباقلاني هذه الرواية وقال: ليست بمعروفة، قاله في الرد على الجاحظ؛ لأنه احتج بها على تكفير العاصي، وليس لإنكار القاضي معنى؛ لأنها وردت بسندٍ صحيح... وإذا ثبت فلعله أطلق الكفر وأراد به كفر النعمة كما أطلق النفاق وأراد به نفاق المعصية، وفيه نظر لأنه استأذن في ضرب عنقه فأشعر بأنه ظن أنه نافق نفاق كفر؛ ولذلك أطلق أنه كفر، ولكن مع ذلك لا يلزم منه أن يكون عمر يرى تكفير من ارتكب معصية ولو كبرت كما يقوله المبتدعة، ولكنه غلب على ظنه ذلك في حق حاطب، فلما بيّن له النبي ﷺ عذر حاطب؛ رجع»١٬٤٧٤فتح الباري: (19 / 396)..

والشاهد من هذا كله أن استنباط كون فعل حاطب كفرًا بالاعتماد على ما قاله عمر رضي الله عنه وادعاء إقرار النبي ﷺ له لا يكاد يستقيم ولا يُسلَّم لما ذكرته، ولوجود نظير لما أطلقه عمر مما يقطع معه أنه ليس في حقيقته كفرًا مخرجًا من الملة، ولا هو من قبيل النفاق الأكبر، كما قال أسيد بن حضير رضي الله عنه لسعد بن عبادة: «إنك منافق تجادل عن المنافقين»١٬٤٧٥[أسباب النزول للواقدي: (ص 321)].، فمثل هذا كان يصدر عن الصحابة رضوان الله عنهم متأولين وفي حالة غضب لله ولرسوله، ولم يؤاخذهم النبي ﷺ على ذلك، ولم ينكر عليهم إلا أحيانًا؛ لعلمه أن الحامل لهم على ذلك هو قوة المولاة والمناصرة والحمية له ﷺ.

ولهذا قال بعض علماء الدعوة النجدية: «وقد كان الصحابة رضي الله عنهم، يفعلون ذلك كثيرًا، كما قال حذيفة رضي الله عنه: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة في عهد رسول الله ﷺ فيكون بها منافقًا»، وكما قال عوف بن مالك لذلك المتكلم بذلك الكلام القبيح: «كذبت، ولكنك منافق»، وكذلك قال عمر في قصة حاطب: «يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق»، وفي رواية: «دعني أضرب عنقه فإنه منافق»، وأشباه ذلك كثير، وكذلك قال أسيد بن حضير لسعد بن عبادة، لما قال ذلك الكلام: «كذبت ولكنك منافق، تجادل عن المنافقين».

ص 820

ولكن ينبغي أن يعرف: أنه لا تلازم بين إطلاق النفاق عليه ظاهرًا، وبين كونه منافقًا باطنًا، فإذا فعل علامات النفاق، جاز تسميته منافقًا لمن أراد أن يسميه بذلك، وإن لم يكن منافقًا في نفس الأمر، لأن بعض هذه الأمور قد يفعلها الإنسان مخطئًا لا علم عنده، أو لقصد يخرج به عن كونه منافقًا، فمن أطلق عليه النفاق لم ينكر عليه، كما لم ينكر النبي ﷺ على أسيد بن حضير تسميته سعدًا منافقًا، مع أنه ليس بمنافق»١٬٤٧٦الدرر السنية: (10 / 174)..

وفيها أيضًا: «ومن كفر إنسانًا أو فسقه أو نفقه متأولًا غضبًا لله تعالى فيرجى العفو عنه، كما قال عمر رضي الله عنه في شأن حاطب بن أبي بلتعة إنه منافق، وكذا جرى من غيره من الصحابة وغيرهم»١٬٤٧٧الدرر السنية: (13 / 416)..

والخلاصة:

أن الذي أراه راجحًا أن خصوص فعل حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه لم يكن كفرًا مخرجًا من الملة، ولا هو من قبيل النفاق الأكبر، وإنما هو كبيرة من الكبائر التي غفرها الله له بشهوده بدرًا كما ذهب لذلك أكثر الأئمة، إلا أن مثل هذا الفعل محتمل للكفر ولغيره، فتارةً يكون كفرًا أكبر مخرجًا من الملة، وتارةً يكون كبيرة من الكبائر، والذي يحدد ذلك إما معرفة قصد الفاعل من فعله (ما حملك على ما صنعت)، وإما بما يحصل من القرائن والشواهد والأمارت والدلائل التي تصاحب الفعل أو الفاعل.

ص 821

قال الشيخ أبو قتادة الفلسطيني فرج الله كربه: «والصَّحيح أنَّ الجاسوس المسلم دائر بين هذه الأحكام، فقد يكون فعله دالًا على الردَّة وقد يكون معصية من المعاصي لا تخرج صاحبها من الإسلام، وها هنا للتَّمييز بين الجاسوسين لا بُدَّ من تبيِّن القصد، والقصد وإن كان أمرًا قلبيًّا إلَّا أنَّه يمكن معرفته بالقرائن؛ كقول الفقهاء في التَّمييز بين القتل العمد وشبه العمد: أنَّ الفارق بينهما هو القصد، فإذا قصد الرَّجل القتل فهو عمد، وإن لم يقصد فهو شبه العمد، وطريقة معرفة القصد هي الآلة المستخدمة في القتل، فإن كانت الآلة ممَّا يقتل بها عادة فهو قاصد، وإن كانت الآلة لا يقتل بها عادة، فهو غير قاصد، فقد عرف القصد بالآلة أي بالقرينة، وكذلك الجاسوسيَّة فلا بدَّ من القرينة لنعرف فاعلها هل هو مرتدّ أم لا؟ إن فهمت هذه حُلَّ إشكالُ مسألة حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه ورسالته إلى قريش؛ فقرائن الحال من سابقته في الإسلام، وكونه من أهل بدر، ثمَّ صيغة الرِّسالة تدل على أنَّ الفعل بقرائنه لا يفيد حكم الردّة»١٬٤٧٨بين منهجين (47)..

وهذا مما يؤيد أن الموالاة منها ما هو كفرٌ مخرجٌ من الملة، ومنها ما هو دون ذلك، فمن ذهب إلى هذا التقسيم، ورأى أن بعض الأفعال هي من قبيل الموالاة غير المكفرة واشترط لتكفير فاعلها الاستحلال فلا يُرمى بالإرجاء فضلًا عن أن يكون من غلاتهم، بل إن قوله جارٍ على طريقة أهل السنة والجماعة الذين لا يكفرون بالمعاصي إلا مع استحلالها.

ولا يغيب عن القارئ الكريم أن كلامنا هنا منصبٌ فقط على خصوص حادثة حاطب رضي الله عنه وليس على مطلق التجسس، فقد ذكرت من قبل أن البحث عن عورات المسلمين ونقلها إلى الكفار لينتفعوا بها في حربهم على الإسلام يعد من المظاهرة والممالأة المكفرة، وما فعله حاطب رضي الله عنه ليس من هذا القبيل، وإنما هو «إفشاء لسر النبي ﷺ»، وهو أمرٌ عظيم أصلًا؛ فكيف إذا كان ذلك الإفشاء للمشركين؟! وهو الذي جعل فعل حاطب يقترب من الكفر ويدنو من النفاق، ولهذا فإن حادثة حاطب وما جرى فيها هي مما يُستدل بها على أن مظاهرة الكفار على المسلمين هي كفر أكبر مخرجٌ من الملة، فهي مما يؤيد ذلك ولا يناقضه، ويقويه ولا يضعفه.

ص 822

وذلك أن حاطبًا رضي الله عنه قد فهم أن جنس هذا الفعل هو من الكفر، والارتداد عن الدين، ولهذا بادر بنفي أن يكون فعله الذي فعله هو من هذا القبيل، وكذلك فهم عمر للحادثة يؤيد أن جنس هذا الفعل هو من الكفر والارتداد، ولو كان متقررًا عنده أن نوع هذا الفعل هو كغيره من المعاصي والكبائر لما كان لقوله: «لم أفعله كفرًا ولا ارتدادًا..».؛ معنى مقبول، وذلك لأن نقل أخبار المسلمين إلى الكفار تدل في الجملة على نوع ميل وركون لهم، فمن عُثِر عليه وقد زنى، أو شرب خمرًا، أو قذفا مسلـمًا، لا يقول: إنه لم يفعل ذلك كفرًا ولا ارتدادًا ولا رضى بالكفر بعد الإيمان؛ لأن سائر المسلمين يدركون أن الوهم بتكفير مرتكبها غير وارد، فلا حاجة إلى نفي ما هو منتفٍ في الواقع وفي الأفهام والعقول، ولهذا فإن حاطبًا رضي الله عنه لم يكن ينازع أو يشك في أن مظاهرة الكفار على المسلمين كفرٌ مخرج من الملة، فهذا الأصل كان مؤكدًا عنده واضحًا في نفسه، ولم يخطر بباله نفي هذا الأصل أو المخالفة فيه أو نقضه.

وإنما كان كلامه منصبًا على نفي أن يكون فعله من قبيل المظاهرة، فمن المعلوم أن مظاهرة الكفار وإعانتهم على المسلمين مشتملة على مُضارَّتهم ولا بد، فبمجرد أن يكون المسلم معينًا لأهل الكفر على أهل الإسلام بنفسٍ أو مالٍ أو رأيٍ أو كتابةٍ فإنه بتلك «الإعانة» قد صار مضرًا للدين وأهله، فهذا الإضرار الذي تتضمنه «المظاهرة» هو الذي نفاه حاطب عن كتابه فقال: «فكتبت كتابًا لا يضر الله ورسوله شيئًا وعسى أن يكون منفعة لأهلي»١٬٤٧٩قال الهيثمي في «المجمع» (9/303)، ح: (١٥٦٦2): «رواه أبو يعلى في الكبير [(٣٩٦)، بالمعنى]، والبزار [197] والطبراني في الأوسط [٨٢٢٧] باختصار ورجالهم رجال الصحيح»، قلت: وكذا رواه الحاكم [٦٩٦٦]، والضياء في المختارة [(174)، بالمعنى] وصحح إسناده..

وكذلك فإن عمر رضي الله عنه قد بادر بالحكم على حاطب بأنه «قد كفر» و«أنه نافق» و«أنه نكث وظاهر أعداءك عليك»، وغير ذلك من العبارات التي تدل على أن المتقرر عند الصحابة رضي الله عنهم هو أن هذا الجنس من الأعمال هو مما يكَفَّر به، وليس جاريًا مجرى سائر المعاصي، وكما ذكرت من قبل أن القصة واحدة بلا شك، ومن ثم فإن الرواة قد رووها بألفاظ مترادفة أو متقاربة، فالمتقرر عندهم أن «النكث ومظاهرة أعداء الدين على أهله» يساوي «الكفر» و«النفاق» فعبروا تارةً بهذه، وتارةً بهذه، ويبعد أن يكون عمر قد نطق بكل هذه العبارات في نفس المجلس لا سيما وأن ألفاظ الروايات أكثر مما ذكرتُ.

ص 823

فلا تناقض إذن ولا تعارض بين التأكيد على أن حكم مظاهرة الكفار على المسلمين وممالأتهم عليهم سواء بنفسٍ، أو مالٍ، أو تجسسٍ، أو رأيٍ، فهو حكمٌ محكمٌ دلت عليه الآيات والأحاديث ونقل غير واحد من العلماء الاتفاق عليه، وبين خصوص فعل حاطبٍ رضي الله عنه والذي لم يكن في حقيقته من قبيل المظاهرة والإعانة، وإن كان مشتبهًا بها قريبًا منها، ولذلك فمثله يعد من الأمور المحتملة للتكفير بها وليس نصًا صريحًا قطعيًا فيه، وتحديد كونه كفرًا أم لا يعرف بقول مرتكبه أو حاله وبالقرائن والشواهد والدلائل التي تحف به، كما هو الحال في سائر الأمور المحتملة للكفر.

فلا ينبغي الخلط بين «هفوة» حاطب وزلته التي تشهد حاله وأعماله بأنه أبعد ما يكون عن المظاهرة والمناصرة للكفار على المسلمين وبين ما يفعله جواسيس العصر الذين هم «جنود الحرب الاستخباراتية» حيث أوقفوا أنفسهم وفرغوا أوقاتهم وبذلوا جهودهم لتتبع المجاهدين والتدقيق في مكامن غرتهم، والمغامرة للوصول إلى مواطنهم ومراكزهم، ووصْل الليل بالنهار لجمع المعلومات عنهم، ثم بعد ذلك تقديم كل ما تحصلوا عليه واجتهدوا في تجميعه إلى أعداء الإسلام من اليهود والنصارى وأعوانهم المرتدين لتكون لهم عونًا وسندًا في تقتيل المجاهدين، وأسرهم، وملاحقتهم، وتدمير مراكزهم، واصطيادهم حتى في مراكبهم، فهذا كله من مظاهرتهم على المسلمين والتي هي كفرٌ أكبر مخرجٌ من الملة والله تعالى أعلم.

هذا وللإمام الشافعي كلامٌ في قصة حاطب رضي الله عنه يُفهِم أن التجسس على المسلمين لا يكون بحالٍ كفرًا بينًا، وهو مشكلٌ بلا شك، فقد سُئل رحمه الله: «أرأيت المسلم يكتب إلى المشركين من أهل الحرب بأن المسلمين يريدون غزوهم أو بالعورة من عوراتهم؛ هل يحل ذلك دمه ويكون في ذلك دلالة على ممالاة المشركين؟

قال الشافعي رحمه الله تعالى: لا يحل دم من ثبتت له حرمة الإسلام إلا أن يقتل، أو يزني بعد إحصان، أو يكفر كفرًا بينًا بعد إيمان، ثم يثبت على الكفر، وليس الدلالة على عورة مسلم ولا تأييد كافر بأن يُحَذَّر أن المسلمين يريدون منه غرة ليحذرها أو يتقدم في نكاية المسلمين بكفرٍ بيّن»١٬٤٨٠الأم: (4 / 264)..

ص 824

فأولًا: سؤال السائل يدل على أن المتقرر عنده أن ممالأة الكفار على المسلمين هي مما يحل به دم المسلم، وهي غاية لو وصلها فعله؛ لصار بها مباح الدم، فكان جزءًا من سؤاله منصبًا على ما إذا كانت كتابة المسلم للمشركين تحذيرًا لهم، أو دلالة على عورة من عورات المسلمين، يدخل في معنى الممالأة أم لا، وعلى هذا فلو حُكم بأنها داخلة في معناها فهي مما يُحل دمه لأنها مخرجة له من الإسلام، فالممالأة معناها في اللغة المساعدة والمشايعة والمعاونة. كما قال العلامة الزبيدي رحمه الله: «ومَلأَه على الأَمرِ كمَنَعَه ليس بمشهور عند اللغويين: ساعَدَه وشايَعَه؛ أَي أَعانَهُ وقوَّاه كَمَالأَهُ عليه مُمَالأَةً، وتَمَالَئُوا عليه؛ أَي اجْتَمَعوا»١٬٤٨١تاج العروس: (1 /226)..

وهذا كما قال عمر رضي الله عنه في النفر الذين اجتمعوا على قتل رجلٍ فقتلهم به وقال: «لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به جميعًا»١٬٤٨٢[رواه البخاري: (9/8) في مطلع باب «إذا أصاب قوم من رجل هل يعاقب أو يقتص منهم كلهم»، وابن أبي شيبة في المصنف: (٢٩٥٠٧) واللفظ له].، ومنه الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن النعمان بن بشير رضي الله عنه عن رسول الله ﷺ: (ألا إنه سيكون بعدي أمراء يكذبون ويظلمون، فمن صدقهم بكذبهم ومالأهم على ظلمهم فليس مني ولا أنا منه، ومن لم يصدقهم بكذبهم ولم يمالئهم على ظلمهم فهو مني وأنا منه)١٬٤٨٣[رواه أحمد في المسند: (١٨٣٥٣)، وقال الأرنؤوط: «صحيح لغيره»].، قال الهيثمي: «فيه راوٍ لم يسم وبقية رجاله رجال الصحيح»١٬٤٨٤[مجمع الزوائد: (5/247)، ح: (٩٢٦4)]..

ثانيًا: أن سؤاله تضمن صورتين:

الأولى: المسلم يكتب إلى المشركين من أهل الحرب بأن المسلمين يريدون غزوهم، وهذا هو ما فعله حاطب في الجملة وإن كانت قرائن الحال وروافده تدل على أن المقصد الأول هو تحصيل مصلحة أبنائه عن طريق انتفاع المشركين بمعرفة ما أخبرهم به، وهذه قد يقال بأن صورة المظاهرة فيها والممالأة ليست قاطعة ومن ثَم فليست هي بالكفر البيّن، وإن كانت محتملة له، كما مر بيانه في قصة حاطب رضي الله عنه.

ص 825

الثانية: أن يكتب المسلم للمشركين بالعورة من عورات المسلمين، وهذه لا شك أنها ممالأة ومعاونة لهم إن كان المقصود بالعورة مواطن الغرة ومكامن الضعف التي يطلبها الكفرة للانقضاض على الإسلام وأهله، مع التنبيه أن بعض العلماء قد بوب على ما فعله حاطب بأنه دلالة على عورات المسلمين، كما قال الإمام البيهقي رحمه الله: «باب المسلم يدل المشركين على عورة المسلمين»١٬٤٨٥[السنن الكبرى: (9/246)].، ثم ذكر تحته قصة حاطب، مع أن القول: بأن ما فعله حاطب رضي الله عنه هو دلالة للمشركين على عورة المسلمين لا يخلو من نوع تجوز وتوسع ومسامحة، ولهذا فيمكن أن يقال إن العورة التي أرادها السائل للإمام الشافعي ليس المقصود بها هو إرشاد المشركين إلى مواطن غرة المسلمين ومواضع ضعفهم ومنافذ وهنهم التي ينتفع بها الكفرة في نفوذهم إليهم وتسلطهم عليهم.

ثالثًا: كما ذكرت أولًا فإن ظاهر كلام السائل يدل على أنه لا يخالف في كون المظاهرة -التي عبر عنها بالممالأة- للكفار على المسلمين هي مما يحل دمَ مرتكبها، وإنما أشكلت عليه صور التجسس التي ذكرها، وهل يشملها معنى الممالأة أم لا، وهذا مما يبيّن أن مسألةَ التكفير بمظاهرة الكفار على المسلمين كان أمرًا متقررًا عندهم، ومن ثَم فلا يصلح أن يؤخذ جواب الإمام الشافعي رحمه الله حجة في نقض الإجماع الذي نقله غير واحد من أهل العلم في كفر المظاهر للكفار على المسلمين، لأن جوابه كان على مسألة جزئية -يُخالَف فيها أو يُوَافق- رأى عدم دخولها في مسمى الممالأة دخولًا بينًا ومن ثم كان التكفير بها محتملًا، فسؤال السائل لم يكن: هل ممالاة المشركين على المسلمين مما يحل به دم المسلم؟! فهذا أصلٌ متقرر عنده وهو معنى واضحٌ في سؤاله.

فحينما يكون جواب الإمام الشافعي رحمه الله مُتجهًا إلى هذا السؤال بعينه ومنصبًا عليه فعندها يقال: إن الإجماع المدعى في مسألة المظاهرة منقوضٌ بمخالفة الشافعي، أما جوابه عن سؤال السائل المذكور فهو مخالفةٌ في دخول صور التجسس التي ذكرها في معنى الممالاة دخولًا قطعيًا، فهي عنده محتملة للدخول ولغيره ولذلك حَكَم بأنها ليست بكفرٍ بيّنٍ.

ص 826

وبيانًا للمسألة بصورة أخرى، فإن الإمام الشافعي -وكذلك سائله- لا يخالف في أن إعانة الكفار على المسلمين ومظاهرتهم وممالأتهم يباح به دم مرتكبها، وهو مناطٌ مكفرٌ لا شبهة فيه ولا دخيلة، وإنما ذهب إلى أن صور التجسس التي أشار إليها في جوابه لا يتحقق فيها هذا المناط تحققًا جليًا، فعنده قيام معنى المظاهرة والممالأة والمعاونة فيها غير قطعي ولهذا قال إنها ليست بكفرٍ بيّن، ولم يقل بأنها ليست كفرًا مطلقًا.

رابعًا: أن جواب الإمام الشافعي رحمه الله نفسَه يدل دلالة واضحة على أن التجسس للكفار على المسلمين بأي صورة كانت ليس هو من جنس المعاصي المعروفة كالزنى، وأكل الربا، وعقوق الوالدين ونحوها؛ لأن مثل هذه الموبقات لا يقال في شيء منها -مهما عظم-: وليس ارتكاب الزنى ولا أكل الربا ولا عقوق الوالدين «بكفرٍ بيّنٍ»، إذ التكفير بمجرد ارتكابها لا هو قطعي ولا محتمل بل منفيٌ انتفاءً تامًا، وهي وشاكلاتها مجلبة المعركة بين أهل السنة والخوارج.

فلما قال الإمام الشافعي في التجسس ما قال؛ علِمنا أن هذا الفعل -عنده- تارةً يُكفّر به وتارةً لا، ولهذا قال في قصة حاطب: «لأنه لما كان الكتاب يحتمل أن يكون ما قال حاطب كما قال من أنه لم يفعله شاكًا في الإسلام، وأنه فعله ليمنع أهله، ويحتمل أن يكون زلة لا رغبة عن الإسلام، واحتمل المعنى الأقبح كان القول قوله فيما احتمل فعله»١٬٤٨٦الأم: (4 /264)..

فقول الإمام الشافعي: «واحتمل المعنى الأقبح»؛ يعني به الكفر، فما فعله حاطب رضي الله عنه -عند الشافعي- محتملٌ للكفر، وهذا من أقوى الأدلة على أن جنس هذا الفعل؛ أي التجسس هو من المكفرات، وليس كسائر الموبقات، وإلا فالاحتمالات التي ذكرها الشافعي لا يمكن إجراؤها في شيء من الكبائر مهما تكاثرت وتعاظمت.

ويُشبه هذا ما قاله الإمام محمد بن الحسن الشيباني وبيّنه الإمام السرخسي حيث قال: «وإذا وجد المسلمون رجلًا ممن يدعي الإسلام معينًا للمشركين على المسلمين يكتب إليهم بعوراتهم فأقر بذلك طوعًا فإنه لا يقتل، ولكن الإمام يوجعه عقوبة.

ص 827

وقد أشار في موضعين في كلامه إلى أن مثله لا يكون مسلـمًا حقيقة؛ فإنه قال: ممن يدعي الإسلام، وقال: يوجع عقوبة، ولم يقل: يعزر، وقد بينا أنه في حق المسلمين يستعمل لفظ التعزير في هذا الموضع، وإنما يستعمل هذا اللفظ في حق غير المسلمين، إلا أنه قال: لا يقتل، لأنه لم يترك ما به بإسلامه، فلا نخرجه من الإسلام في الظاهر ما لم يترك ما به دخل في الإسلام»١٬٤٨٧شرح كتاب السير الكبير: (2 /128)..

فتلبس هذا المدعي للإسلام «بالإعانة للمشركين على المسلمين» هو الذي جعله «لا يكون مسلـمًا حقيقة»؛ ومعنى ذلك أنه كافرٌ، كما زاد الأمر إيضاحًا بقوله: وإنما يستعمل هذا اللفظ «يوجع عقوبة» في حق غير المسلمين، ثم استدرك بقوله: «إلا أنه قال لا يقتل»، فكأنه جواب عن سؤال متبادرٌ ضرورةً، وهو: إذا لم يكن هذا المدعي للإسلام مسلـمًا حقيقة، وقد أقر بإعانته طوعًا فالواجب إذن قتله كغيره من المرتدين، لأن حكم مثله في الشرع هو القتل؟! فأجاب بما أجاب.

فليس في قول هذين الإمامين ما ينقض الإجماع المنقول في كفر المظاهر للكفار على المسلمين كما هو واضحٌ من كلامهم، وإنما استثنوه من حكم القتل إما لعدم القطع بقيام معنى المظاهرة في فعله كما يفهم من كلام الإمام الشافعي رحمه الله، أو للتعليلات التي أشار إليها الإمام السرخسي-سواء سُلِم بها أم لا.

وقريبٌ منه قول أصبغ: «الجاسوس الحربي يقتل، والمسلم والذمي يعاقبان، إلا أن يظاهرا على الإسلام فيقتلان»١٬٤٨٨عمدة القاري: (14 - 257)..

خامسًا: أما عن جواب الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- فقد تضمن ذكر ثلاث صور للتجسس وأعطاها كلها حكمًا واحدًا ووصفها بأنها «ليست بكفر بيّن».

ص 828

فالصورة الأولى: هي الدلالة على عورة مسلم -وليس عورات «المسلمين» - فهذا لا شك أنه محتمل، فقد تحمل العصبية الجاهلية أو العداوة الشخصية أو الحسد المجرد على أن يدل المسلم كافرًا على عورة مسلمٍ بعينه، يفعل ذلك تشفيًا وانتقامًا، وفي مثل هذا لا شك أنه ليس صريحًا في الكفر، وهو يقع كثيرًا من الظلمة والفسقة والمجرمين.

الصورة الثانية: التي ذكرها الإمام الشافعي هي تأييد كافر بأن يُحَذَّر أن المسلمين يريدون منه غرة ليحذرها، وهذه الصورة هي قريبة مما فعله حاطب رضي الله عنه إن لم تكن مطابقة لها، وتسمية الإمام الشافعي رحمه الله لهذا الفعل «تأييدًا لكافر» بالنظر إلى إعانته في حفظ نفسه بالحذر والاحتياط كما فسرها بقوله: بأن يحذر أن المسلمين يريدون منه غرة ليحذرها، وليست هي تأييدًا لكافرٍ على مسلمٍ، أو لأمة كافرة على المسلمين فهذه الصورة عرية عن المظاهرة الجلية، ومن ثَم فلا إشكال في وصفها بأنها ليست «بكفر بيّنٍ» أيضًا.

الصورة الثالثة: وهي التي يقول فيها الإمام الشافعي رحمه الله: «أو يتقدم في نكاية المسلمين»، والظاهر أن هذه الجملة معطوفة على قوله: «بأن يحذَّر»؛ فيكون معناها وليس تأييد كافر بأن يتقدم في نكاية المسلمين بكفرٍ بيّن، فهذه هي الحالة المشكلة في كلام الإمام الشافعي رحمه الله، إذ لا شك أن هذه من صور ممالأة الكفار على المسلمين، فكيف لا تكون كفرًا بينًا؟!

والذي يظهر -والله تعالى أعلم- أن الحقَ في هذه الصورة الأخيرة هو على خلاف ما ذهب إليه الإمام الشافعي -رحمه الله وطيب ثراه- إن كان فهمي لكلامه كما ذكرتُ، واستدلال الإمام الشافعي رحمه الله بقصة حاطب على هذه الصورة في الحكم عليها بأنها ليست بكفرٍ بيّن، لا يظهر، فليس فيما فعله حاطب رضي الله عنه شيء من التأييد للكفار على المسلمين، ولا يلمس منه أدنى إشارة إلى وجود رائحة الممالأة لا من قريب ولا من بعيد، وإنما هي كما ذكرت من قبل: إفشاءٌ مجردٌ لسر النبي ﷺ، وهو في ذاته عظيمة من العظائم، وإنما قارب المظاهرة وكان التكفير به محتملًا؛ لأن الإفشاء كان للمشركين، والله تعالى أعلم.

وقد رأيت بعض فضلاء المعاصرين قد وجه كلام الشافعي الأخير توجيهًا جعل فيه النكاية الحاصلة للمسلمين إنما هي من الكافر «المؤيَّد» لا من المسلم «المؤيِّد»؛ فيكون ذلك الكافر هو الذي باشر الفعل وتولى أمر النكاية، ولا أرى كبير تأثير في هذا التقرير والتوجيه والله أعلم.

ص 829

فقد قال الأستاذ عبد الله بن صالح العجيري: «والصواب في فهم كلامه عليه رحمة الله أن المتقدم هنا في النكاية الكافر لا المسلم، فالكلام لا يخرج عن ذكر صور إضرار الجاسوس فهو قد يدل على عورة مسلم، أو يؤيد الكفار بقول شيء يحذره فيه من أن المسلمين يريدون منه «أي الكافر» غرة فيحذر «الكافر» منها، أو يؤيد المسلـمُ الكافرَ بخبرٍ فيتقدم «الكافر» في نكاية المسلمين، وهذا بيّن بحمد الله»١٬٤٨٩تحقيق مناط الكفر في باب الولاء والبراء: (21)..

هذا وليس مقصودي هنا هو ادعاء الإجماع على كفر الجاسوس المنتسب للإسلام، فاختلاف العلماء في ذلك مشهور كما ستأتي أقوالهم في المطلب الآتي، وإنما المردود هو دعوى اختلافهم في كفر من ظاهر المشركين على المسلمين، ومحاولة نقض هذا الإجماع بالاستدلال بقصة حاطب رضي الله عنه، أو بالتعلق بشيء من العبارات المشتبهة لبعض العلماء، وأقبح من هذا من يجعلها أصلًا محكمًا ويحاول جهده حمل الأحكام الواضحة الجلية القطعية عليها تعسفًا وتكلفًا فيُحدث اضطرابًا في الأحكام ويبتدع أقوالًا مما لم تسمع به الأوائل، وما أجمل ما قاله الشيخ علوي السقاف في جواب له عن قصة حاطب: «وليعلم أنه لم يقل أحدٌ من أهل السنة أنَّ حاطبًا رضي الله عنه كَفَر، أو أنَّ ما صدر منه ليس موالاةً أو ذنبًا، أو أنَّ مظاهرة الكافرين على المسلمين ليست كفرًا، فكلُّ ذلك متفقون عليه فلا ينبغي أنَّ يحدث نوع خلافٍ وشرٍ فيما كان من مسائل الاجتهاد طالما أنَّ الجميع متفقون على مسائل الاعتقاد»١٬٤٩٠[مقالات موقع الدرر السنية: (3/302)]..

فمظاهرة الكفار على المسلمين كفرٌ باتفاق العلماء.

ص 830

وحاطبٌ رضي الله عنه لم يكفر باتفاق العلماء أيضًا، كما أن تجسس المسلم للكفار هو مولاة لهم باتفاق العلماء، إلا أن دخول جميع أشكال التجسس في معنى المظاهرة المكفِّرة ليس قطعيًا في كل الصور، ومن هنا وقع الخلاف بين العلماء في كفر الجاسوس المنتسب للإسلام، فاختلافهم في حكم الجاسوس ليس اختلافًا في حكم المظاهرة، كما أن اتفاقهم في حكم المظاهرة لم يستوجب اتفاقهم في حكم الجاسوس، إذن فليبق حكم المظاهرة سالِمًا من النقض مسلَّمًا به عند الجميع، ويكون مجال البحث والنظر و«الاختلاف» حول أي صور التجسس التي تدخل في مسمى المظاهرة ومعناها لتأخذ حكمها.

وهذا على العموم والإجمال، وإلا فلا أحسب أن علماءنا الأجلاء وهم يقررون حكم الجاسوس المنتسب للإسلام قد تبادر إلى أذهانهم صور التجسس العصرية التي بلغت أقصى صور المظاهرة وأجلاها وأعلاها وأوضحها، وصار التجسس له أجهزته وقوانينه ونظمه ومؤسساته وقياداته وجنوده، بل إن الدول العصرية تعد أجهزة الاستخبارات أهم ركائزها وأعظم مقومات بقائها، ولهذا فهي تغدق عليها من الأموال ما لا تغدقه على وزارات دفاعها، مع أن التجسس اليوم لم يعد مقتصرًا على مجرد نقل المعلومات المحضة بل كثير من الجواسيس يشاركون مشاركة فعلية وعملية -وإن بطريقة خفية- في العمليات التي تقوم بها أجهزة أمنهم وقوات شرطهم وعساكرهم وغيرها.

جاء في الموسوعة العربية العالمية: «يعتمد التجسس على شبكة من الجواسيس ترسلها الحكومات والمجموعات الأخرى إلى أراضي العدو لجمع المعلومات، ويسعى الجواسيس للحصول على المعلومات العسكرية والسياسية والعلمية والإنتاجية ذات الطابع السري المهم.. ويعمل الجواسيس عادة ضمن منظمات يتلقون من خلالها أوامر بإرسال معلومات معينة.

ويعتبر التجسس أحد أساليب جمع المعلومات الاستخبارية، وتقوم وكالات الاستخبارات بتقييم وتفسير المعلومات الواردة من عملائها وباحثيها أو من بعض الأجهزة الآليَّة مثل أجهزة التنصُّت الإلكترونية.. وتتم مثل أعمال التجسس هذه خارج القانون وبدون أي اعتبار للمبادئ الأخلاقية، وقد عُرف عن بعض العملاء أنهم يلجؤون لأي أسلوب لتحقيق غاياتهم؛ بما في ذلك الابتزاز والرشوة والسرقة والتهديد، وحتى استخدام العنف معتبرين هذا جزءًا من أدواتهم كآلة التصوير وأجهزة المراقبة.

ص 831

وقد يعمل العملاء فرادى أو في مجموعات صغيرة. ويستخدم بعضهم هُوية مزيفة، أما البعض الآخر فقد يعيش ويعمل بشكل عادي كدبلوماسي أو صحفي لإخفاء عملية التجسس. وقد يكون العملاء أناسًا تابعين لمنظمة ما، وأُقنعوا بخيانتها، أو قد ينضمون للمنظمة بغرض التجسس عليها».

فلا أرى وجهًا -والله تعالى أعلم- لإجراء اختلاف العلماء في حكم الجاسوس المنتسب للإسلام على هذا الواقع الذي يختلف اختلافًا كليًا عما افترضوه وتصوروه فالأمر كما قال الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله في جواب له عن قصة حاطب: «لا شك أن التجسس تول للمشركين ردة يوجب القتل»١٬٤٩١«شرح زاد المعاد».، والله تعالى أعلم.

ص 832

المطلب الثالث: حكم قتل الجاسوس الذي ظاهره الإسلام

شاع في كلام الفقهاء الحديث عن حكم «الجاسوس المسلم»، وهو ما يقابل الجاسوس الحربي، والجاسوس الذمي، وقد اختلفوا في حكمه -من حيث القتل أو عدمه- اختلافًا كثيرًا، وذِكْر العلماء لهذا النوع من «الجواسيس» ووصْفُهم لهم بالإسلام إما بالنظر إلى سابق حاله قبل أن يرتكب ما ارتكب كما قال النبي ﷺ: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: رجل زنى بعد إحصان، أو ارتد بعد إسلام، أو قتل نفسًا بغير حق فيقتل به)١٬٤٩٢[رواه بلفظ قريب الترمذي: (٢١٥٨) وصححه الألباني، والبزار: (346)، وغيرهما].، وإما بالنظر إلى بعض صور التجسس التي يشتبه أمرها ولا يقطع فيها بكفر صاحبها -كما جرى من حاطب رضي الله عنه- مع التنبيه الذي أعيده مرارًا وهو أن صور التجسس وأحوال الجواسيس حينما قرر العلماء ما قرروا من أحكامهم لم يكن على ما نحن عليه اليوم من إنشاء أجهزة مستقلة، ووزارات خاصة قائمة باستقطابهم، وتدريبهم، وتعليمهم فن التجسس، وترويضهم على إتقانها، وإنفاق ملايين الأموال على كل ذلك بحيث يعد في عرف القوم «جنديًا» مدربًا ورجلًا مهمًا.

ص 833

ولأهمية الدور الذي يؤديه الجواسيس فإن الدول تعد تهمة التجسس أخطر من تهمة القتال العلني ضدها، فالأول عقوبته القتل -حتى في قوانينهم الوضعية- وأما الثاني فلا يعدو كونه «أسير حرب» فيعامل على هذا الأساس، وهو مما يبين اتفاق الناس على خطورة هذا العمل وعظم تأثيره وشدة نكايته، وهو كذلك بلا شك، جاء في الموسوعة العربية العالمية: «تقضي القوانين العالمية للحرب بعدم إمكانية اعتبار الجندي في زيه العسكري جاسوسًا، وإن كان يحاول الحصول على معلومات داخل صفوف العدو، ولكي يحكم على الفرد بأنه جاسوس يجب أن يُقبض عليه متخفيًا في صفوف العدو، أو في حالة انتحال شخصية فرد آخر، ويجب أن تجرى محاكمة من يُشتبه في قيامهم بالتجسس، ويكون الموت هو العقوبة الطبيعية للجاسوس في وقت الحرب».

فكون هذا الجاسوس الذي يتظاهر بالإسلام يؤدي مهنته الخسيسة سرًا ويطلع الكفار على عورات المسلمين التي يجتهد في تصيدها هو مما ينبغي أن يضاعِف التهمة عليه وليس مما يشفع له، وهو مما يدل -غالبًا- على خبث طويته وشعوره بخطورة ما يمارسه وخسته، وعظم الدور الذي يقوم به، ولذلك فيمكن تصور وجود مسلمٍ في صف الكفار مكثرًا سوادهم وهو مكرهٌ على ذلك كما جاء في الحديث عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها عن رسول الله ﷺ قال: (إِنَّ نَاسًا من أُمَّتِي يَؤُمُّونَ بِالْبَيْتِ بِرَجُلٍ من قُرَيْشٍ قد لَجَأَ بِالْبَيْتِ حتى إذا كَانُوا بِالْبَيْدَاءِ خُسِفَ بِهِمْ)؛ فَقُلْنَا: يا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الطَّرِيقَ قد يَجْمَعُ الناس، قال: (نعم فِيهِمْ الْمُسْتَبْصِرُ وَالْمَجْبُورُ وابن السَّبِيلِ يَهْلِكُونَ مَهْلَكًا وَاحِدًا وَيَصْدُرُونَ مَصَادِرَ شَتَّى يَبْعَثُهُمْ الله على نِيَّاتِهِمْ)١٬٤٩٣رواه مسلم [٢٨٨٤] وغيره..

قال الإمام النووي رحمه الله «أما المستبصر؛ فهو المستبين لذلك القاصد له عمدًا، وأما المجبور؛ فهو المكره يقال أجبرته فهو مجبر هذه اللغة المشهورة، ويقال أيضًا جبرته فهو مجبور حكاها الفراء وغيره، وجاء هذا الحديث على هذه اللغة»١٬٤٩٤شرح النووي على صحيح مسلم: (18/7)..

وعند مسلم عن أم سلمة رضي الله عنها بلفظ: «فكيف بمن كان كارهًا»١٬٤٩٥[صحيح مسلم (٢٨٨2)]..

أما الجاسوس فلا يُتصور فيه الإكراه المعتبر شرعًا، ولا يقبل منه إن ادعى ذلك؛ لأنه حينما يؤدي مهنته ويمارس مهمته يكون طليقًا لا مُكرِه له ولا مُجبِر ولا مُلجِئ.

ص 834

وفي قوله تعالى: ﴿لَّا يَتَّخِذِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلۡكَٰفِرِينَ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ فَلَيۡسَ مِنَ ٱللَّهِ فِي شَيۡءٍ إِلَّآ أَن تَتَّقُواْ مِنۡهُمۡ تُقَىٰةٗۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفۡسَهُۥۗ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلۡمَصِيرُ﴾ [آل عمران: 28]، قال الإمام البغوي رحمه الله: «ومعنى الآية: أن الله تعالى نهى المؤمنين عن موالاة الكفار ومداهنتهم ومباطنتهم، إلا أن يكون الكفار غالبين ظاهرين، أو يكون المؤمن في قوم كفار يخافهم فيداريهم باللسان وقلبه مطمئن بالإيمان دفعًا عن نفسه من غير أن يستحل دمًا حرامًا، أو مالًا حرامًا، أو يظهر الكفار على عورة المسلمين»١٬٤٩٦تفسير البغوي: (2 / 26)..

بل يمكنه أن يقوم بخلاف ما «عاهد» عليه أولياءه الكفرة وينفع المسلمين نفعًا عظيمًا ويضر أعداءهم ضررًا بليغًا، ومن هنا نعلم أن ضرره على الإسلام والمسلمين أفدح وأن مهنته التي يقوم بها أقبح، ودائرة إعذاره أضيق فكان حريًا بتغليظ عقوبته لا بتخفيفها لمشابهة حاله لحال المنافقين الذين استحقوا أشد الجزاء الأخروي وأفظعه فكانوا في الدرك الأسفل من النار.

❖ ❖ ❖

مجمل أقوال العلماء في حكم «الجاسوس المسلم»:

للعلماء في حكم قتل الجاسوس المسلم أقوال متعددة، وبعضها متداخل مع بعض، وقد يضع بعضهم قيودًا يغفلها غيرهم، ولكن مدارها على الأقوال التالية:

القول الأول: أن الجاسوس المسلم لا يجوز قتله وهو مذهب الحنفية والشافعية.

القول الثاني: أن حكم الجاسوس المسلم حكم الزنديق فإن جاء تائبًا قبل القدرة عليه قبلت توبته، وإلا قتل ولا بد، وهو قول ابن القاسم، وسحنون من أئمة المالكية ومشهور المذهب.

القول الثالث: أن حكمه حكم المرتد يُستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه وهو قول ابن وهب من أئمة المالكية.

ص 835

القول الرابع: أن أمره راجع إلى اجتهاد الإمام فيعاقبه بما يراه مناسبًا من قتلٍ فما دونه، وهو قول الإمام مالك رحمه الله، وقريبٌ منه قول الإمام ابن عقيل الحنبلي رحمه الله، حيث يرى جواز قتل الجاسوس المسلم.

القول الخامس: أن الجاسوس المسلم يقتل إذا تكرر منه الفعل، وهو قول عبد الملك بن الماجشون من المالكية.

القول السادس: التوقف وهو عن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله.

مع التنبيه أنه ليس هناك حديث خاص بما يعرف بالجاسوس المسلم إلا ما وقع من حاطب رضي الله عنه، فسائر العلماء اعتمدوا عليه في استنباط حكمه كلٌّ بما أداه إليه اجتهاده، وهذا أوان تفصيل أقوالهم وبيان ما يظهر رجحانه منها وعلى الله الاعتماد ومنه نستمد التوفيق والسداد.

القول الأول: أن الجاسوس المسلم لا يجوز قتله وهو مذهب الحنفية، والشافعية.

استدل أصحاب هذا القول بعدة أدلة:

- منها: أن النبي ﷺ لم يقتل حاطبًا رضي الله عنه رغم جسه لأخباره، ولو كان واجبًا لما تركه النبي ﷺ.

- ومنها: ما جاء عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة)١٬٤٩٧رواه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، [وتقدم في (ص 178)..

قالوا: وليس الجاسوس المسلم واحدًا من هؤلاء وعليه فيبقى على أصل الحرمة، إذ هو مسلمٌ يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.

ص 836

وفي هذا يقول الإمام الشافعي رحمه الله حينما سُئل: «أرأيت المسلم يكتب إلى المشركين من أهل الحرب بأن المسلمين يريدون غزوهم أو بالعورة من عوراتهم هل يحل ذلك دمه ويكون في ذلك دلالة على ممالاة المشركين؟ قال الشافعي: لا يحل دم من ثبتت له حرمة الإسلام إلا أن يقتل، أو يزني بعد إحصان، أو يكفر كفرًا بينًا بعد إيمان ثم يثبت على الكفر، وليس الدلالة على عورة مسلم، ولا تأييد كافر بأن يُحذَّر أن المسلمين يريدون منه غرة ليحذرها، أو يتقدم في نكاية المسلمين بكفر بيِّن»١٬٤٩٨الأم: (4 / 264).، ثم ذكر قصة حاطب رحمه الله.

وقد أجاب أبو يوسف عن سؤال هارون الرشيد فيما يتعلق بالحكم في الجواسيس فقال: «وسألت يا أمير المؤمنين عن الجواسيس يوجدون وهم من أهل الذمة أو أهل الحرب أو من المسلمين، فإن كانوا من أهل الحرب أو من أهل الذمة ممن يؤدي الجزية من اليهود والنصارى والمجوس فاضرب أعناقهم، وإن كانوا من أهل الاسلام معروفين فأوجعهم عقوبة وأطل حبسهم حتى يحدثوا توبة»١٬٤٩٩المجموع شرح المهذب: (19 / 342)..

ص 837

وقال الإمام محمد بن الحسن الشيباني، ويعقبه شرحه للعلامة السرخسي الحنفي رحمها الله: «وإذا وجد المسلمون رجلًا ممن يدعي الإسلام معينًا للمشركين على المسلمين يكتب إليهم بعوراتهم فأقر بذلك طوعًا فإنه لا يقتل، ولكن الإمام يوجعه عقوبة؛ وقد أشار في موضعين في كلامه إلى أن مثله لا يكون مسلـمًا حقيقة؛ فإنه قال ممن يدعي الإسلام، وقال: يوجع عقوبة، ولم يقل: يعزر، وقد بيّنا أنه في حق المسلمين يستعمل لفظ التعزير في هذا الموضع، وإنما يستعمل هذا اللفظ في حق غير المسلمين، إلا أنه قال: لا يقتل، لأنه لم يترك ما به بإسلامه فلا نخرجه من الإسلام في الظاهر ما لم يترك ما به دخل في الإسلام، ولأنه إنما حمله على ما صنع الطمع، لا خبث الاعتقاد.. واستدل عليه بحديث حاطب بن أبي بلتعة فإنه كتب إلى قريش أن رسول الله رضي الله عنه يغزوكم فخذوا حذركم... الحديث... إلى أن قال رسول الله رضي الله عنه: (مهلًا يا عمر فلعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)١٬٥٠٠[هكذا أوردها في الشرح الكبير، لكني لم أجد عبارة «مهلا يا عمر» في أي من روايات الحديث الموجودة في كتب السنة المعتمدة].، فلو كان بهذا كافرًا مستوجبًا للقتل ما تركه رسول الله رضي الله عنه بدريًا كان أو غير بدري، وكذلك لو لزمه القتل بهذا حدًا ما ترك رسول الله رضي الله عنه إقامته عليه، وفيه نزل قوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمۡ أَوۡلِيَآءَ﴾ [الممتحنة: 1]، فقد سماه مؤمنًا»١٬٥٠١شرح كتاب السير الكبير: (2 / 128)..

حتى ادعى بعض العلماء الإجماع على عدم جواز قتل الجاسوس المسلم، فقال الإمام ابن حجر رحمه الله: «وقد نقل الطحاوي الإجماع على أن الجاسوس المسلم لا يباح دمه، وقال الشافعية والأكثر يعزر، وإن كان من أهل الهيئات يعفى عنه، وكذا قال الأوزاعي، وأبو حنيفة يوجع عقوبة ويطال حبسه»١٬٥٠٢فتح الباري: (12 / 310)..

ولا شك أن الإجماع المدعى غير مسلّم، وبعيدٌ كل البعد عن الواقع؛ إذ إن الخلاف في المسألة معروف ومشهور، ومذاهب العلماء فيه متعددة، واختلافهم واقعٌ قبل عصر الإمام الطحاوي، ولا يزال الأئمة يحكونه وينقلونه.

وقريبٌ منه قول الإمام ابن بطال رحمه الله: «ومن قال بقتل الجاسوس المسلم فقد خالف الحديث وأقوال المتقدمين من العلماء؛ فلا وجه لقوله»١٬٥٠٣شرح ابن بطال: (9 / 214).، بل لقوله وجه قوي كما سيتضح إن شاء الله تعالى، فأما الحديث فأين وجه المخالفة المدعاة؟ بل الحديث -كما سيظهر- دالٌ على أن حكم مثله القتل وإنما منع من قتل حاطب شهودُه بدرًا، وأما أقوال المتقدمين من الأئمة فقد مرّ بعضها وسيأتي المزيد.

القول الثاني: أن حكم الجاسوس المسلم حكم الزنديق، فإن جاء تائبًا قبل القدرة عليه قبلت توبته، وإلا قتل ولا بد، وهو قول ابن القاسم وسحنون من أئمة المالكية.

ص 838

واختُلف في تعريف الزنديق، ولكن مجمل التعريفات تدور حول من يظهر الإسلام ويبطن الكفر.

جاء في معجم لغة الفقهاء١٬٥٠٤[ص 234]. للدكتورين قلعه جي وحامد قنيبي: «الزنديق: لفظ مُعرب، ج زنادقة وزناديق... من لا يدين بدين، من يبطن الكفر ويظهر الإسلام، وكان يسمى في عصر الرسول ﷺ بالمنافق».

وقد اختلف العلماء في حكم الزنديق إذا لم يظهر الزندقة، ومذهب الإمام مالك رحمه الله -وهو المقصود هنا- أن الزنديق تقبل توبته إن كانت قبل القدرة عليه، وأما بعد ذلك؛ فيتحتم قتله ولا تقبل له توبة، أما في الآخرة فأمره إلى الله، فإن كان صادقًا مخلصًا ناصحًا فيها قبلت، وإن كان كاذبًا مخادعًا مضمرًا للكفر مصرًا على ما كان يبطنه منه ففي نار جهنم خالدًا فيها كغيره من إخوانه المنافقين والكافرين.

قال الإمام الخرشي المالكي في شرحه لمختصر خليل: ««والمسلم كالزنديق»... والمشهور أن المسلم إذا تبيّن أنه عين للعدو فإنه يكون حكمه حينئذٍ حكم الزنديق؛ أي فيقتل إن ظهر عليه ولا تقبل توبته، وهو قول ابن القاسم وسحنون»١٬٥٠٥شرح مختصر خليل للخرشي: (9/493)..

وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن وجوب قتل الزنديق وإن تاب بعد القدرة هو قول أكثر الفقهاء ففي ذلك يقول: «وأما قتل من أظهر الإسلام وأبطن كفرًا منه -وهو المنافق الذي تسميه الفقهاء الزنديق- فأكثر الفقهاء على أنه يقتل وإن تاب كما هو مذهب مالك، وأحمد في أظهر الروايتين عنه، وأحد القولين في مذهب أبي حنيفة، والشافعي»١٬٥٠٦مجموع الفتاوى: (28 / 555)..

ص 839

ويلاحظ هنا أن عبارة مختصر خليل عند كلامه عن العين وهو الجاسوس: «المسلم -العين- كالزنديق» والتشبيه لا يقتضي المطابقة من كل وجه؛ أي أن حكم المسلم العين كحكم الزنديق وهو ما نقلته أعلاه، فهو هنا لم ينظر إلى مسألة إسلامه من عدمه لأنه شبهه بالزنديق في الحكم ولم يجعله زنديقًا، فكلامه منصب على مسألة قتله وقبول توبته من عدمها لا في أصل الكفر كما هو ظاهر من عبارات الشراح قال الشيخ عليش: ««والمسلم» العين «كالزنديق»؛ أي الذي أظهر الإسلام وأخفى الكفر في تعين قتله، وإن أظهر التوبة بعد الاطلاع عليه، وقبول توبته إن أظهرها قبل الاطلاع عليه»١٬٥٠٧منح الجليل: (6 / 35)..

إلا أن العلامة ابن عاشور قد نسب لابن القاسم أن هذا الفعل عينَه زندقة؛ فقال: «وقال ابن القاسم: ذلك زندقة لا توبة فيه، أي لا يستتاب ويقتل كالزنديق، وهو الذي يُظهر الإسلام ويسر الكفار، إذَا اطُّلع عليه»١٬٥٠٨التحرير والتنوير: (3 / 78)..

وقال الإمام القرافي رحمه الله: «قال صاحب البيان: قال ابن القاسم: يجتهد في الجاسوس ورأى أن تضرب عنقه ولا نعلم له توبة، قال: وما قاله صحيح، ويتخير الإمام بين قتله وصلبه؛ لسعيه في الأرض بالفساد دون النفي والقطع لبقاء الفساد معهما»١٬٥٠٩الذخيرة: (3/400).، فقوله هنا: يجتهد في الجاسوس؛ أي في اختيار كيفية قتله لا في أصل عقوبته كما هو واضحٌ من آخر الكلام، حيث استثنى النفي والقطع معللًا ذلك بأنهما لا يؤديان إلى قطع شر الجاسوس لبقائه حيًا ومن ثم استمرار فساده.

ص 840

وقال العلامة أبو الوليد ابن رشد رحمه الله حيث رجح قول ابن القاسم في عقوبة الجاسوس: «لأن الجاسوس أضر على المسلمين من المحارب، وأشد فسادًا في الأرض منه، وقد قال الله تعالى -في الْمُحارب- ﴿إِنَّمَا جَزَٰٓؤُاْ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ﴾ [المائدة: 33]... الآية، فللجاسوس حكم المحارب، إلا أنه لا تقبل له توبة باستخفافه بما كان عليه، كالزنديق، وشاهد الزور، ولا يخير الإمام فيه من عقوبات المحارب إلا في القتل والصلب لأن القطع أو النفي لا يرفعان فساده في الأرض وعاديته على المسلمين عنهم، وعلى هذا ينبغي أن يحمل قول مالك: أرى فيه اجتهاد الإمام»١٬٥١٠البيان والتحصيل: (2/537)..

وهو الذي ذهب إليه العلامة التسولي رحمه الله حيث قال: «أما عقوبة الجاسوس فتكون بالقتل، ولا تقبل له توبة»١٬٥١١أجوبة التسولي عن مسائل الأمير عبد القادر الجزائري (115)..

فكأنهم نظروا إلى تحتم دفع ضرره وقطع دابر شره، وإلى عدم التيقن من حقيقة توبته وصدق مناصحته وسلامة طويته؛ فحكموا بوجوب قتله لذلك.

القول الثالث: أن حكمه حكم المرتد يُستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه.

وقد ذهب إلى هذا القول الإمام ابن وهب من المالكية، قال العلامة ابن عاشور وهو يعدد أقوال مذهب مالك في حكم الجاسوس: «وقال ابن وهب: رِدّة ويستتاب»١٬٥١٢التحرير والتنوير: (3 / 78)..

وقال البدر العيني: «وقال ابن وهب من المالكية: يقتل إلا أن يتوب»١٬٥١٣عمدة القاري: (14/256)..

ومأخذُهُ واضحٌ وهو عدُّ التجسس موالاةً مكفرة، «مظاهرة للكفار على المسلمين»، وفي هذا ردٌّ على من حكى إجماع العلماء على عدم تكفير المسلم إذا جسَّ للكفار، لا سيما وأن عبد الله بن وهب من الأئمة الأثبات من أصحاب مالك الذين جمعوا بين الفقه والحديث والعبادة وكانت وفاته «197هـ»، وقد رأينا أن كلام الإمام ابن القاسم رحمه الله مُحتملٌ للحكم على الجاسوس بأشد أنواع الكفر وهو الزندقة.

القول الرابع: أن أمره راجع إلى اجتهاد الإمام؛ فيعاقبه بما يراه مناسبًا من قتلٍ فما دونه، وهو قول الإمام مالك رحمه الله، ومثله قول الإمام ابن عقيل الحنبلي رحمه الله؛ حيث يرى جواز قتل الجاسوس المسلم.

ص 841

قال العلامة أبو القاسم العبدري المالكي رحمه الله: «سُئل مالك عن الجاسوس من المسلمين يؤخذ وقد كاتب الروم وأخبرهم خبر المسلمين فقال: ما سمعت فيه بشيء وأرى فيه اجتهاد الإمام، اللخمي: قول مالك هذا أحسن»١٬٥١٤التاج والإكليل: (3/357)..

وهذا يعني أن عقوبته تعزيرية، وقد تصل إلى القتل -كما هو مذهب مالك- وذلك بحسب عظم جنايته وشدة ضرره، فقتله جائزٌ وليس بواجبٍ.

قال العلامة ابن فرحون المالكي رحمه الله: «مسألة: وإذا قلنا: إنه يجوز للحاكم أن يجاوز الحدود في التعزير، فهل يجوز أن يبلغ بالتعزير القتل أو لا؟ فيه خلاف، وعندنا يجوز قتل الجاسوس المسلم إذا كان يتجسس للعدو وإليه ذهب بعض الحنابلة»١٬٥١٥تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام: (5 / 279)..

وقد أشار بعض علماء المالكية إلى أن المقصود باجتهاد الإمام في كلام الإمام مالك هو نظير تخييره في عقوبة المحارب، فقال القرافي: «قال مالك: يجتهد الإمام فيه كالمحارب»١٬٥١٦الذخيرة: (3/400)..

وهذا يوضح أن اجتهاد الإمام هو في التخيير بين العقوبات المناسبة -بما فيها القتل- وليس معناه إنزال عين عقوبة المحارب عليه، فالتشبيه -والله أعلم- في أصل التخيير لا في نوع العقوبة، والمعروف من مذهب مالك أن «أو» في آية الحرابة إنما هي للتخيير كما قال مالك رحمه الله «المحارب الذي يقطع السبيل وينفر بالناس في كل مكان، ويظهر الفساد في الأرض -وإن لم يقتل أحدًا- إذا ظهر عليه يقتل، وإن لم يقتل فللإمام أن يرى فيه رأيه، بالقتل أو الصلب، أو القطع، أو النفي، قال مالك: والمستتر في ذلك والمعلن بحرابته سواء، وإن استخفى بذلك وظهر في الناس إذا أراد الأموال وأخاف فقطع السبيل أو قتل فذلك إلى الإمام يجتهد أي هذه الخصال شاء»١٬٥١٧أحكام القرآن لابن العربي: (2/94)..

ص 842

بل قد ذهب بعض علماء المالكية إلى أن مقصد الإمام مالك من اجتهاد الإمام في حق الجاسوس وتشبيهه بالمحارب إنما هو في اختيار كيفية القتل لا في الانتقال إلى بقية العقوبات كالنفي والقطع، وعلى هذا فهو موافقٌ -من حيث وجوب القتل- لما ذهب إليه ابن القاسم، كما قال العلامة أبو الوليد ابن رشد -وقد نقلته قريبًا-: «وعلى هذا ينبغي أن يحمل قول مالك: أرى فيه اجتهاد الإمام»١٬٥١٨البيان والتحصيل: (2/537)..

وقال الإمام المرداوي الحنبلي رحمه الله: «وجوز ابن عقيل قتل مسلم جاسوس للكفار، وزاد ابن الجوزي: إن خيف دوامه»١٬٥١٩الإنصاف: (15 /464)..

والإمام مالك رحمه الله وإن كان قد صرح بأنه لم يسمع فيه شيئًا؛ بمعنى أنه ليس لديه دليل بخصوص المسألة إلا أن بعض العلماء الذين ذهبوا إلى ما ذهب إليه استدلوا لقولهم بحادثة حاطب رضي الله عنه، ووجه ذلك: أن عمر رضي الله عنه قد طلب من النبي ﷺ قتل حاطب، ولم ينكر عليه هذا الطلب، ولا قال له: إن جنايته لا تستحق هذه العقوبة، وإنما ذكر المانع من ذلك وهو شهوده بدرًا، وهذا المانع منتفٍ فيمن سواه، فإذا قام السبب «التجسس» وانتفى المانع «شهود بدر» جاز إنزال العقوبة «القتل» بإقرار النبي ﷺ، وتقرير هذا الدليل قد ذكره غير واحد من العلماء.

قال شيخ الإسلام رحمه الله: «ويدل على جواز قتل الزنديق المنافق من غير استتابة ما خرجاه في الصحيحين عن علي في قصة حاطب بن أبي بلتعة فقال عمر: «دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق»؛ فقال النبي ﷺ: (إنه قد شهد بدرًا وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)١٬٥٢٠[رواية صحيح مسلم: (٢٤٩٤)].؛ فدل على أن ضرب عنق المنافق من غير استتابة مشروعٌ إذ لم ينكر النبي ﷺ على عمر استحلال ضرب عنق المنافق، ولكن أجاب بأن هذا ليس بمنافق، ولكنه من أهل بدر المغفور لهم، فإذا أظهر النفاق الذي لا ريب أنه نفاق فهو مباح الدم»١٬٥٢١الصارم المسلول: (1 / 358)..

ص 843

واستدلال شيخ الإسلام رحمه الله بالقصة زائد على مجرد إباحة القتل، حيث استنبط منه أن طلب عمر رضي الله عنه من النبي صلى الله قتل حاطب من غير استتابة وإقراره ﷺ لذلك يدل على جواز قتل المنافق الزنديق من غير أن يستتاب، وبيان ذلك أن عمر رضي الله عنه قد علق المبادرة إلى إقامة عقوبة القتل على وصف ظاهر وهو «النفاق»، وفي رواية «الكفر»، ولم ينكر عليه النبي ﷺ هذه المبادرة ولا تعليقها على عين الوصف، وإنما بين له أن الوصف الذي يعلق به هذا الحكم غير قائمٍ في هذا الموطن على وجه الخصوص، ومعلوم أن الحكم يدور مع علته حيث دار وجودا وعدمًا والله تعالى أعلم.

وقال الإمام ابن القيم رحمه الله -وقد اختار ما ذهب إليه الإمام مالك- في الفوائد المستنبطة من غزوة الفتح: «وفيها: جواز قتل الجاسوس وإن كان مسلما؛ لأن عمر رضي الله عنه سأل رسول الله ﷺ قتل حاطب بن أبي بلتعة لما بعث يخبر أهل مكة بالخبر، ولم يقل رسول الله ﷺ: لا يحل قتله إنه مسلم، بل قال: (وما يدريك لعل الله قد اطلع على أهل بدر؛ فقال: اعملوا ما شئتم)١٬٥٢٢[رواية صحيح البخاري: (٦٢٥٩)].، فأجاب بأن فيه مانعًا من قتله وهو شهوده بدرًا وفي الجواب بهذا كالتنبيه على جواز قتل جاسوس ليس له مثل هذا المانع، وهذا مذهب مالك وأحد الوجهين في مذهب أحمد... والصحيح: أن قتله راجع إلى رأي الإمام فإن رأى في قتله مصلحة للمسلمين قتله، وإن كان استبقاؤه أصلح استبقاه والله أعلم»١٬٥٢٣زاد المعاد: (3 / 371)..

ص 844

وقال أيضًا: «وتأمل قوله لعمر وقد استأذنه في قتل حاطب فقال: (وما يدريك أن الله اطلع على أهل بدر؛ فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)، كيف تجده متضمنًا لحكم القاعدة التي اختلف فيها أرباب الجدل والأصوليون، وهي أن التعليل بالمانع هل يفتقر إلى قيام المقتضي، فعلل النبي ﷺ عصمة دمه بشهوده بدرًا دون الإسلام العام، فدل على أن مقتضي قتله كان قد وجد وعارضه سبب العصمة وهو الجس على رسول الله، لكن عارض هذا المقتضي مانع منع من تأثيره وهو شهوده بدرًا، وقد سبق من الله مغفرته لمن شهدها، وعلى هذا فالحديث حجة لمن رأى قتل الجاسوس؛ لأنه ليس ممن شهد بدرًا، وإنما امتنع من قتل حاطب لشهوده بدرًا»١٬٥٢٤بدائع الفوائد: (4 / 940)..

وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: «واستدل باستئذان عمر على قتل حاطب لمشروعية قتل الجاسوس ولو كان مسلـمًا، وهو قول مالك ومن وافقه ووجه الدلالة أنه ﷺ أقر عمر على إرادة القتل لولا المانع، وبين المانع هو كون حاطب شهد بدرًا، وهذا منتف في غير حاطب، فلو كان الإسلام مانعا من قتله لما علل بأخص منه»١٬٥٢٥فتح الباري: (8 /635)..

وأقوال العلماء في استنباط هذا الحكم من القصة كثيرة، ولعل بعضها يأتي لاحقًا إن شاء الله تعالى.

القول الخامس: أن الجاسوس المسلم يقتل إذا تكرر منه الفعل، وهو وقول عبد الملك بن الماجشون من المالكية.

وقد أشار الإمام القرطبي إلى أن ابن الماجشون أخذ هذا الحكم من كون حاطب أخذ في أول مرة؛ ولهذا لم يقتل، فمن تكرر منه هذا الفعل أو كان عادته قتل، فقال: «ولعل ابن الماجشون إنما اتخذ التكرار في هذا لأن حاطبا أخذ في أول فعله»١٬٥٢٦تفسير القرطبي: (18/46)..

وقال الإمام ابن المنذر رحمه الله: «وقال عبد الملك الماجشون:... وإذا وجدت من قد أعاد ذلك، وعرف منه، وتواطأ به عليه اللسان والذكر، فهو الجاسوس المختان لله ورسوله، فعليه القتل»١٬٥٢٧الأوسط: (10 / 211)..

ص 845

وقال القاضي عياض رحمه الله: «وفرق عبد الملك بين من عرف بالغفلة، وكانت منه مرة، وليس من أهل الطعن على الإسلام، وبين المعتاد لذلك، فقتل من اعتاد ذلك، ونكل الآخر»١٬٥٢٨إكمال المعلم: (7 / 272).، وقال أيضًا: «وقال ابن الماجشون: إن عرف بذلك قتل وإلا نكل»١٬٥٢٩إكمال المعلم: (6 / 35)..

وقال الإمام ابن بطال رحمه الله: «وقال ابن الماجشون: إن كان نادرًا من فعله، ولم يكن من أهل الطعن على الإسلام، فلينكل لغيره، وإن كان معتادًا لذلك فليقتل»١٬٥٣٠شرح ابن بطال: (9 / 214)..

وقال العلامة أبو العباس أحمد بن عمر القرطبي رحمه الله: «وقال كبار أصحاب مالك: إنه يقتل، واختلف في قبول توبته على ثلاثة أقوال، يفرق في الثالث بين أن يكون معروفًا بذلك أو لا»١٬٥٣١المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم: (11 / 74).، وفي اختيارات شيخ الإسلام: «ويقتل الجاسوس الذي يكرر التجسس»١٬٥٣٢الاختيارات العلمية: (261)..

وقال الإمام ابن العربي المالكي رحمه الله: «وقال عبد الملك: إذا كانت تلك عادته قتل لأنه جاسوس، وقد قال مالك: يقتل الجاسوس -ثم قال ابن العربي-: وهو صحيح لإضراره بالمسلمين وسعيه بالفساد في الأرض»١٬٥٣٣أحكام القرآن: (7 / 296)..

وقال الإمام القرافي رحمه الله: «قال المازري: إذا كان الجاسوس مسلـمًا؛ فقيل: يقتل، واختلف في قبول توبته، وقيل: إن ظن به الجهل وكان منه المرة؛ نكل، وإن كان معتادًا؛ قتل»١٬٥٣٤الذخيرة: (3/400)..

وكأن الإمام عبد الملك بن الماجشون ومَن قال بقوله نظروا إلى أن التكرر دالٌ على تأكد وثبوت معنى الموالاة للكفار والمظاهرة لهم، وهو من الاحتياط في الحكم، أو أن التكرر دالٌّ على بلوغ فساد هذا الشخص «الجاسوس» مبلغًا يُوجِب استئصاله وقطع دابره.

ص 846

قال القاضي عياض رحمه الله في بيان مأخذ هذا القول: «ومن فرق بين المعتاد وغيره رأى أن باعتياده يعظم جرمه، ويشتد ضرره، فيحسن قياسه على المحارب، وإذا كانت منه «الفلتة» لم يحسن قياسها على المحارب»١٬٥٣٥إكمال المعلم: (7 / 272)..

وعلى كل حال فإن جواسيس العصر يؤدون ما يؤدون بناء على تعاقد وتعاهد بينهم وبين أوليائهم الكفرة، وهي مهنة مصاحبة لهم في حياتهم، وقد تكون هناك بعض الحالات التي يؤدي فيها الجاسوس عملًا واحدًا ثم تنتهي مهمته، ولكن ما هو معروف في هذا العصر أن مثل هذه الصور قليلة جدًا والله تعالى أعلم.

القول السادس: التوقف وهو عن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله، والمقصود بتوقفه هو عدم الحكم فيه بالقتل.

ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن الإمام أحمد رحمه الله توقف في حكم الجاسوس المسلم، فبعد أن نقل الخلاف في مسألة بلوغ التعزير للقتل وذكر بعض صور ذلك والتي منها عقوبة الجاسوس المسلم قال رحمه الله: «وأما مالك وغيره فحكي عنه أن من الجرائم ما يبلغ به القتل، ووافقه بعض أصحاب أحمد في مثل الجاسوس المسلم إذا تجسس للعدو على المسلمين، فإن أحمد توقف في قتله»١٬٥٣٦مجموع الفتاوى: (28 / 345).، وكرر ذلك في مواطن متعددة من كتبه رحمه الله.

ولما ذكر القاضي عياض رحمه الله أقوال العلماء المتفرقة في حكم الجاسوس ووجهها بما ظهر له وبين مدرك كلٍّ منها قال: «والذى يظهر لي أن حديث حاطب لا يستقل حجة فيما نحن فيه؛ لأنه اعتذر عن نفسه بالعذر الذى ذكر، فقال ﷺ: (صدق)؛ فقُطِع على تصديق حاطب لتصديق النبي ﷺ له، وغيره ممن يتجسس لا يقطع على سلامة باطنه، ولا يتيقن صدقه فيما يعتذر به، فصار ما وقع في الحديث قصة مقصورة لا تجري فيما سواها؛ إذ لم يعلم الصدق فيه كما علم فيها، ويتنزل هذا عندي منزلة ما قاله العلماء من أهل الأصول في الحكم إذا كان معللا بعلة معينة؛ فإنه لا يقاس عليه»١٬٥٣٧إكمال المعلم: (7 / 272)..

ص 847
الراجح:

قد بيَّنَّا أول البحث أن نقل أخبار المسلمين إلى الكفار لينتفعوا بها في حربهم للمسلمين هي مظاهرة ظاهرة وردة سافرة لمن يقترفها، إذ إن حقيقة المظاهرة التي هي الإعانة والممالأة موجودة في مثل هذه الصورة، وكون صاحبها يؤديها خفية وسرًا لا يخرجها عن حقيقتها، بل يتأكد في حقه خبث الطوية، وإضمار الشر، والتحيل لإيصاله، وانحسار دائرة الإعذار في حقه، وعليه فالذي يظهر لنظري القاصر أن يحمل كلام الأئمة على غير هذه الحالة التي تكون فيها إعانة الكفار على المسلمين واضحة جلية، ومظاهرتهم محققة متيقنة.

ومثل هذا يخرج أصلًا عن كونه «جاسوسًا مسلـمًا» ليلحق بزمرة المرتدين، وقد نقلت من قبلُ كلام الإمام ابن حزم فيمن أقام بين الكفار وأعانهم بكتابة أو خدمة ونحوها، وما يفعله الجواسيس أثناء إقامتهم بين المسلمين وتتبعهم لأخبارهم هو أخطر بكثير مما يفعله أولئك بخدمتهم وكتابتهم، والحقيقة أنه لا يمكن التغاضي عن الواقع المشاهد من الحرب الصريحة من هؤلاء الجواسيس على الإسلام والمسلمين ونتعلق بعبارات مشتبهة وكلمات محتملة، خاصةً بعد أن رأينا «الحصد» الذي تقوم به أسلحة الكفرة من طائرات وصواريخ وغيرها بالاعتماد المباشر على المعلومات الدقيقة والخفية التي يقدمها لهم «أعينهم» والتي أدت وتؤدي كل يوم إلى قتل الأخيار وتمزيق أجسادهم، أو اعتقالهم، وتدمير البيوت، وتحريق القرى، فكيف يكون مسلـمًا مَن يشارك في ذلك مشاركة مباشرة؟! بل إن معلوماته التي تقود الكفرة إلى ارتكاب مثل هذه الجرائم تعد هي الأصل الأصيل التي عليه المدار في هذه الحرب الضروس.

ص 848

وأي دليل من شرعٍ أو عقل يفرق بين «مُدّعٍ للإسلام» يستقل طائرته أو دبابته أو ينصب مدفعه ليدك به قرى المسلمين ومساكنهم ويصطاد قادتهم وجنودهم وبين «مُدّعٍ للإسلام آخر» يقطع أطول المسافات، ويرتكب أشد المخاطر، ويتحمل أقصى المتاعب، ويتجاوز أقسى المصاعب، ويغامر بنفسه ليبحث عن تلك الأهداف التي يطلبها الكفرة لتكون لهم غرضًا سهلًا وصيدًا ميسرًا فيحصل بسببه من النكاية في المسلمين، وتوهين الدين، والفتِّ في عضد المجاهدين ما لا يعلمه إلا الله وحده؟!

إننا بفضل الله تعالى قد بيّنا سابقًا أن العلماء قد اختلفوا في تكفير الجاسوس المنتسب للإسلام كما اختلفوا في قتله، وبناء على ذلك الاختلاف في الأمرين فالذي يظهر لي في هذه المسألة بعد النظر والتأمل -والله تعالى أعلم- أنه يمكن تقسيم الجواسيس المنتسبين للإسلام إلى قسمين:

القسم الأول: من ثبت أن نوع تجسسه هو إعانة واضحة للكفار على المسلمين، فمثل هذا لا يسمى «بالجاسوس المسلم»، إلا باعتبار ما كان عليه، أو بالنظر إلى ما يتظاهر به ويدعيه كحال المنافقين، أما حقيقته فهو مرتدٌ إن لم يكن شر المرتدين لمضاهاته للزنادقة المتسترين المستسرين.

القسم الثاني: من قد يكون نوع تجسسه مشتبهًا بحيث لا تظهر فيه إعانته للكفار على المسلمين ظهورًا واضحًا، أو يكون قد تأول في حادثة معينة عابرة تأويلًا معتبرًا، أو التبس عليه الأمر التباسًا يعذر به في عدم تكفيره ونحو ذلك، فمن كان كذلك فهو الذي يمكن أن يسمى «بالجاسوس المسلم».

فأما عن القسم الأول: فالذي يظهر لي -والله تعالى أعلم- أن ما ذهب إليه الإمامان ابن القاسم وسحنون -وهو المشهور من مذهب السادة المالكية- هو الراجح، فمَن عُثر عليه من هؤلاء الجواسيس الْمُعِينيِن للكفار على المسلمين واطلع عليه؛ فيتعين قتله سواء ادعى التوبة أم لا، فإن كان صادقًا مخلصًا فيها نفعته عند الله، وإن كان كاذبًا مخادعًا فما ازداد بها إلا شرًا وكان له نصيب ممن قال الله فيهم: ﴿يُخَٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَمَا يَخۡدَعُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمۡ وَمَا يَشۡعُرُونَ ٩ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضٗاۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمُۢ بِمَا كَانُواْ يَكۡذِبُونَ﴾ [البقرة: 9-10].

وأما مَن جاء تائبًا مِن قِبل نفسه قبل أن يقع في أيدي المجاهدين قُبلت توبته ورفع عنه القتل.

ص 849

فمشابهة هذا النوع من الجواسيس للزنادقة من حيث إضمارهم لخيانة المسلمين، وإسرارهم لإيقاع الشر بهم، وإخفاؤهم لإعانة أعدائهم عليهم، ومشايعتهم للكفرة في حربهم لهم ظاهرةٌ بينةٌ، فالجامع بينهما «الزنديق والجاسوس» هو إضمار الشر أو الكفر والتظاهر بالإسلام والنصح مع وجود المخادعة والمخاتلة في ذلك، وقد علل بعض العلماء وجوب قتل الزنديق بأن ما يزعمه من التوبة -وهو رجوعه إلى الإسلام وإقلاعه عما كان عليه- لا يعدو أن يكون إعلانًا لما كان يدعيه من الإسلام، بل جعل بعضهم ادعاءه للتوبة بعد القدرة عليه هو عين الزندقة التي كان يتلبس بها؛ لأنه لم يزد على إظهار ما كان يدعيه مما كان يجعله وقاية له من القتل.

كما أن المحارب «قاطع الطريق» قد ميز القرآن بين قبول توبته قبل القدرة وبعدها فقال الله ﷻ: ﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبۡلِ أَن تَقۡدِرُواْ عَلَيۡهِمۡۖ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ﴾ [المائدة: 34]، مع أن ضرر هؤلاء المحاربين قطاع الطرق إنما يتعلق بالأموال ونهبها، والدماء وسفكها، أما ضرر الزنديق فيتعلق بالأديان وإفساد العقائد والتشكيك فيها، والضرر في الأديان لا شك أنه أعظم وأغلظ من الضرر في الأبدان، كما قال الإمام ابن القيم رحمه الله: «وأيضًا فإن الله تعالى سن في المحاربين أنهم إن تابوا من قبل القدرة عليهم قبلت توبتهم ولا تنفعهم التوبة بعد القدرة عليهم، ومحاربة الزنديق للإسلام بلسانه أعظم من محاربة قاطع الطريق بيده وسنانه؛ فإن فتنة هذا في الأموال والأبدان وفتنة الزنديق في القلوب والإيمان فهو أولى ألا تقبل توبته بعد القدرة عليه»١٬٥٣٨إعلام الموقعين: (3 /130)..

ومن هذه الحيثية فإن الأضرار التي تحصل من قبل الجواسيس قد تكون في بعض حالاتها شاملة للأبدان والأموال والأديان، وهذا ظاهرٌ ملموسٌ في حياة المسلمين لا سيما في ساحات القتال والجهاد، فبأخبارهم الخفية التي يوصلونها إلى أعداء الدين، تسفك الدماء، وتنتهك الأعراض، وتأسر الخيار، وتدمر البيوت والمراكز، وتحرق القرى، وفوق ذلك تحفظ ثكنات الكفرة، ومؤسساتهم، التي تبث الكفر والإلحاد والمجون والانحلال ليلًا ونهارًا، حيث نشروا حولها مئات الجواسيس وفرقوهم كالجراد المنتشر، وليس فيما أذكره هنا شيء من المبالغة ولا التفخيم ولا التهويل، بل الحقيقة أضعاف أضعاف هذا، وليس الخبر كالمعاينة.

ص 850

فلئن كان قطاع الطرق يرصدون «الضعفاء» في الطرقات ويقتصرون -غالبًا- على قتل من يمانعهم من سلب المال، فإن أخبار الجواسيس قد تؤدي إلى قتل العشرات من الرجال والنساء والولدان في لحظة لا تتجاوز الثانية عبر الصواريخ التي تصبب حممها وفقًا للمعلومات «الدقيقة» التي قدمها أولئك الجواسيس إلى أسيادهم الكفرة.

وقد ذكر بعض العلماء أن ضرر الجاسوس أشد من ضرر المحارب مؤيدًا بذلك ما ذهب إليه الإمام ابن القاسم فقد قال ابن رشد الجد: «قول ابن القاسم هذا صحيح؛ لأنه أضر من المحارب١٬٥٣٩التاج والإكليل لمختصر خليل: (5/160)..

وقد ذهب بعض العلماء إلى وجوب قتل الجاسوس إذا ترتب على جسه ضررٌ من قتل للنفوس، وتوهين للإسلام، وجعلوه في حكم المحارب من هذه الجهة فقال الإمام الذهبي رحمه الله: «الكبيرة التاسعة والستون: من جس على المسلمين ودل على عورتهم: فيه حديث حاطب بن أبي بلتعة وأن عمر أراد قتله بما فعل، فمنعه رسول الله ﷺ من قتله لكونه شهد بدرًا، إذا ترتب على جسه وهن على الإسلام وأهله، وقتل، أو سبي، أو نهب، أو شيء من ذلك، فهذا ممن سعى في الأرض فسادًا وأهلك الحرث والنسل؛ فيتعين قتله وحق عليه العذاب، فنسأل الله العفو والعافية»١٬٥٤٠الكبائر: (1/92)..

وتأمل أن الإمام الذهبي رحمه الله قد عطف بعض المفاسد المترتبة على جسه بحرف «أو»؛ مما يعني أن واحدةً من هذه كافية في تعين قتله فكيف إذا اجتمعت وتواطأت كما هو الحال اليوم إذ لا شك أن هذه المفاسد التي عددها قد وقعت كلها أو جلها جراء ما يقوم به جواسيس العصر، وما أصاب الإسلام من الوهن، وما لحق أهله من التقتيل، ولم تتمكن جيوش الصليب وأذنابهم هذا التمكن إلا بمساعدة وإعانة ومعلومات جواسيسهم التي تتدفق عليهم لحظة بلحظة كالسيل، والله المستعان.

ص 851

وقد تعقب العلامة ابن حجر الهيتمي الإمامَ الذهبي في قوله: بتعين القتل مع تسليمه بقباحة وفداحة هذه المفاسد؛ فقال: «الكبيرة الخامسة بعد الأربع مئة: الدلالة على عورة المسلمين... فإن ترتب من الدلالة على ذلك وهنٌ للإسلام أو لأهله، أو قتل، أو سبي، أو نهب كان ذلك من أعظم الكبائر وأقبحها؛ لأنه سعى في الأرض فسادًا، وأهلك الحرث والنسل فمأواه جهنم وبئس المهاد.

قال بعضهم: ويتعين قتل فاعل ذلك وليس كما قال على إطلاقه»١٬٥٤١الزواجر عن اقتراف الكبائر: (3 /192)..

فمخالفته إنما هي في إطلاق القول بتعين قتله، لا إنزال هذه العقوبة به أحيانًا إن عظمت مفسدته والله أعلم.

وجاء في النوازل الكبرى١٬٥٤٢(3/78-81).: «... ومنهم من لجأ للمسلمين وصار يقاتل العدو معهم وهو مع ذلك يعين العدو خفية، ويعلمه بأحوال عساكر المسلمين، ويطلعه على عوراتهم، ويتربص بهم الدوائر، وقد اطلع لهم على كتب كتبها في ذلك الوقت كثير من مشايخهم المعروفين عندهم بالأجداد، يذكرون العدو وعهده، ويعلمونه ببقائهم عليه، وانتظارهم الفرج، مع تضعيفهم لجيوش المسلمين وتوهينهم إياهم؛ وحكم أولئك حكم الزنادقة، إن اطلع عليهم قتلوا وإلا فأمرهم إلى الله تعالى».

ص 852

ومن العلماء المعاصرين الذين ذهبوا إلى وجوب قتل الجاسوسِ الشيخُ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله حيث قال: «بل إن الجاسوس وإن كان مسلـمًا يجب أن يقتل إذا تجسس للعدو، والدليل على ذلك أن النبي ﷺ لما اطلع على الجاسوس الذي تجسس لقريش وهو حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه وعلم به، استأذن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يقتله فقال النبي ﷺ: (إنه من أهل بدر، وما يدريك أن الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)١٬٥٤٣[هكذا ذكره الشيخ بالمعنى، وقد تقدم تخريجه قريبًا].؛ فجعل النبي ﷺ الجاسوسية مُبيحة للدم، لكن وجد مانع وهو كونه من أهل بدر، وهذه العلة لا توجد في عهدنا الآن، فإذا وجد إنسان، جاسوس يكتب بأخبارنا إلى العدو، أو ينقلها مشافهة، أو ينقلها عبر الأشرطة، فإنه يجب أن يقتل حتى لو تاب؛ لأن ذلك كالحد لدفع شره، وردع أمثاله عن ذلك)١٬٥٤٤الشرح الممتع: (4/523)..

وقال أيضًا: «والصحيح أنه يقتل: أن الجاسوس المسلم يقتل، ويدل على ذلك قصة حاطب رضي الله عنه، فإن النبي ﷺ لما استؤذن في قتله قال: (وما يدريك أن الله اطلع إلى أهل بدر؛ فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)١٬٥٤٥[هكذا ذكره الشيخ بالمعنى، وقد تقدم تخريجه قريبًا].، فهذا دليل على أنه يقتل لولا المانع، والمانع في حاطب لا يعود لغير أهل بدر، وهذا كالصريح في أن الجاسوس المسلم يقتل، ولا شك في قتله؛ لأن خطره عظيم وفساده عظيم»١٬٥٤٦شرح كتاب السياسة الشرعية: (351)..

وقال أيضًا رحمه الله: «ولهذا يجب على ولي الأمر إذا أدرك جاسوسًا يكتب إلى أعدائنا بأخبارنا أن يقتله ولو كان مسلـمًا؛ لأنه عاث في الأرض فسادًا، فقتْلُ الجاسوس ولو كان مسلـمًا واجبٌ على ولي الأمر لعظم فساده، ولكن هذا «يعني حاطبًا» منع منه مانع؛ وهو أنه كان من أهل بدر»١٬٥٤٧شرح رياض الصالحين: (2/ 19)..

ص 853

وقال أيضًا رحمه الله: «فالذي منع الرسول أن يقتل هذا الرجل أنه شهد بدرًا، وعلى هذا إذا وجدنا جاسوسًا من المسلمين يخبر الكفار بأخبارنا وجب قتله، حتى لو قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله؛ وجب قتله بدون استثناء؛ لأن الرسول ﷺ لم يمنعه من قتل حاطب إلا كونه من أهل بدر، وهي مزية لن تحصل إلى يوم القيامة، وقد استدل العلماء رحمهم الله بهذا الحديث على أن الجاسوس يقتل سواء أكان مسلـمًا أم كافرًا على كل حال؛ لأنه يفضي بأخبارنا إلى أعدائنا والله الموفق»١٬٥٤٨شرح رياض الصالحين: (1/2206)..

قلت: إن أخذ وجوب قتل الجاسوس من قصة حاطب رضي الله عنه غير ظاهر، فالحادثة تدل على الجواز، فتعليل النبي ﷺ بكون حاطب شهد بدرًا؛ يدل على جواز قتل من لم توجد فيه هذه العلة، أما الوجوب فيؤخذ من أدلة مستقلة، وسيأتي كلام للقاضي عياض منبهًا على هذا الأمر، والله تعالى أعلم.

فوجه التفريق بين من تاب قبل القدرة عليه فتقبل منه، ومن تاب بعدها فلا تقبل هو مشابهة هؤلاء الجواسيس لقطاع الطرق الذين فرق القرآن فيهم بين الحالتين تفريقًا جليًا فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَٰٓؤُاْ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَسۡعَوۡنَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوٓاْ أَوۡ يُصَلَّبُوٓاْ أَوۡ تُقَطَّعَ أَيۡدِيهِمۡ وَأَرۡجُلُهُم مِّنۡ خِلَٰفٍ أَوۡ يُنفَوۡاْ مِنَ ٱلۡأَرۡضِۚ ذَٰلِكَ لَهُمۡ خِزۡيٞ فِي ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ٣٣ إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبۡلِ أَن تَقۡدِرُواْ عَلَيۡهِمۡۖ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ﴾ [المائدة: 33-34].

بل لا ينبغي أن يُختلف في أن ما يحصل من الأضرار الواسعة والمفاسد العريضة بسبب تجسس هؤلاء هو أكبر بكثير مما يحصل على أيدي قطاع الطرق الذين لا يكاد يتجاوز تعديهم -غالبًا- قافلة أو سيارة أو عددًا محدودًا من الناس، ومع ذلك أنزل الله فيهم هذه العقوبة القاسية والنكال البليغ وسماهم محاربين لله ورسوله وساعين في الأرض بالفساد، فكيف بمن تكون حربه لله ولرسوله وللمؤمنين حقيقة يدركها كل من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان، وفسادهم في الأرض أظهر من أن يظهر، وأشهر من أن يشهر؟! وهل هناك فساد أعظم من تمهيد السبيل لتسلط أعداء الله من اليهود والنصارى والمرتدين وإعانتهم على أخذ ديار الإسلام ودلالتهم على الفجوات التي منها يخلصون والثغرات التي من خلالها ينفذون؟

ص 854

وقد رأينا كيف نص أكثر من عالم على أنهم أضر من المحارب، وزيادة ضررهم على المحارب لا تذكر ليعرف به مجرد وصفهم ويغلظ بسببه القول فيهم وعليهم، وإنما لما يترتب على ذلك من تغليظ الحكم في حقهم، ومضاعفة العقوبة تبعًا لتضاعف ضررهم واتساع شرهم.

فهم أولى بأن لا تقبل توبتهم بعد القدرة عليهم، ويتعين قتلهم لشدة ضررهم وعِظم نكايتهم وظهور فسادهم، والآية المذكورة وإن كان العلماء يذكرونها في أحكام قطاع الطرق إلا أن كثيرًا منهم يستدلون بها على غير ذلك، ويجعلون الأوصاف التي ذكرت فيها «المحاربة والفساد في الأرض» أعم من كونها مقتصرة على قطاع الطرق، وفي مثل هذا يقول شيخ الإسلام رحمه الله: «فكل من امتنع من أهل الشوكة عن الدخول في طاعة الله ورسوله فقد حارب الله ورسوله، ومن عمل في الأرض بغير كتاب الله وسنة رسوله فقد سعى في الأرض فسادا؛ ولهذا تأول السلف هذه الآية على الكفار وعلى أهل القبلة، حتى أدخل عامة الأئمة فيها قطاع الطريق الذين يشهرون السلاح لمجرد أخذ الأموال، وجعلوهم بأخذ أموال الناس بالقتال محاربين لله ورسوله ساعين في الأرض فسادًا، وإن كانوا يعتقدون تحريم ما فعلوه ويقرون بالإيمان بالله ورسوله.

ص 855

فالذي يعتقد حل دماء المسلمين وأموالهم، ويستحل قتالهم أولى بأن يكون محاربًا لله ورسوله ساعيًا في الأرض فسادًا من هؤلاء، كما أن الكافر الحربي الذي يستحل دماء المسلمين وأموالهم ويرى جواز قتالهم أولى بالمحاربة من الفاسق الذي يعتقد تحريم ذلك، وكذلك المبتدع الذي خرج عن بعض شريعة رسول الله وسنته واستحل دماء المسلمين المتمسكين بسنة رسول الله ﷺ وشريعته وأموالهم هو أولى بالمحاربة من الفاسق وإن اتخذ ذلك دينًا يتقرب به إلى الله، كما أن اليهود والنصارى تتخذ محاربة المسلمين دينًا تتقرب به إلى الله»١٬٥٤٩مجموع الفتاوى: (28/470)..

وقال أيضًا رحمه الله: «لأن المحاربة باللسان كالمحاربة باليد... ومن هذا الباب الجاسوس المسلم الذي يخبر بعورات المسلمين، ومنه الذي يكذب بلسانه أو بخطه أو يأمر بذلك حتى يقتل به أعيان الأمة علماءَها وأمراءَها فتحصل أنواع من الفساد كثيرة، فهذا متى لم يندفع فساده إلا بقتله فلا ريب في قتله، وإن جاز أن يندفع وجاز ألا يندفع قتل أيضًا وعلى هذا جاء قوله تعالى: ﴿مَن قَتَلَ نَفۡسَۢا بِغَيۡرِ نَفۡسٍ أَوۡ فَسَادٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ﴾ [المائدة: 32] وقوله: ﴿إِنَّمَا جَزَٰٓؤُاْ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَسۡعَوۡنَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَسَادًا﴾ [المائدة: 33]»١٬٥٥٠الاختيارات العلمية: (1 /263)..

وإذا كان العلماء قد ذكروا أن الربيئة من قطاع الطرق يتعين قتلهم مع أنه لم يباشر القتل أصلًا، وإنما لكونه عينهم وجاسوسهم وراصدهم الذي يعينهم في قتالهم بإخبارهم من يأتي، لهم مما يؤدي لدوام شرهم وظلمهم، والربيئة: هو الذي يقف على مكان عالٍ لينظر للمحاربين من يجيء، أوَ ليس هؤلاء الجواسيس المعينون «للمحاربين لله ولرسوله وللمؤمنين» أولى بأن يستحقوا هذه العقوبة، فإن مباشرتهم للفعل ألصق وأظهر من أولئك، وضررهم أعم وأوسع، ومهنتهم أشنع وأبشع، فهم جزءٌ من الطائفة التي يعينونها ويترصدون لها ويمدونها بمعلوماتهم التي يجمعونها بل ويشاركونها مشاركة مباشرة في جرائمهم.

ص 856

قال شيخ الإسلام رحمه الله: «وإذا كان المحاربون الحرامية جماعةً، فالواحد منهم باشر القتل بنفسه والباقون له أعوان وردء له، فقد قيل إنه يقتل المباشر فقط، والجمهور على أن الجميع يقتلون ولو كانوا مئة، وأن الردء والمباشر سواء، وهذا هو المأثور عن الخلفاء الراشدين، فإن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قتل ربيئة المحاربين، والربيئة هو الناظر الذي يجلس على مكان عال ينظر منه لهم من يجيء، ولأن المباشر إنما تمكن من قتله بقوة الردء ومعونته، والطائفة إذا انتصر بعضها ببعض حتى صاروا ممتنعين فهم مشتركون في الثواب والعقاب»١٬٥٥١مجموع الفتاوى: (28 /311)..

وعليه فخلاصة القول في هذا القسم من الجواسيس: أن مَن ثبت عليه إعانة الكفار على المسلمين بنقل أخبارهم إليهم جرى عليه حكمُ الزنديق في القتل، فإن جاء تائبًا من عند نفسه وقبل القدرة عليه قبلت توبته وسقط عنه القتل، وأما مَن اطُّلِع عليه وهو لا يزال متلبسًا بمهنة التجسس المذكورة فيتعين قتله سواء ادعى توبة أم لم يدَّعِ، وهذا من حيث أصل الحكم وأساسه الذي يُستمسك به، ويسار عليه، ولكن هذا لا يمنع من استثناء بعض الحالات في حق بعض الجواسيس لاعتبارات شرعية ظاهرة معتدٍّ بها، فيمكن تخفيف عقوبتهم، أو تخليتهم لمصلحة ظاهرة للمسلمين، أو لدرء مفسدة أكبر والله أعلم.

وسواء كانت إعانته للكفار حقيقة بأن يكون قد نقل إليهم بعض الأخبار واستفادوا منها في عملياتهم وأعمالهم، أو كانت إعانته حكمية وهو الذي هيأ نفسه للإعانة وصار جزءًا من منظومة الاستخبارات التي يعلم القاصي والداني مهنتها ومهمتها.

أما القسم الثاني من الجواسيس: وهو من قد يكون نوع تجسسه مشتبهًا بحيث لا تظهر فيه إعانته للكفار على المسلمين ظهورًا واضحًا، أو يكون قد تأول في حادثة معينة تأويلًا معتبرًا يعذر به في عدم تكفيره ونحو ذلك، فمن كان كذلك فهو الذي يمكن أن يسمى «بالجاسوس المسلم».

وإنما ذكرنا هذا القسم بناءً على تصور وجوده، ولو في بعض الصور والحالات النادرة.

ص 857

ولا يقال بما أن العلماء قد ذكروا في كتبهم وتبويباتهم حكم «الجاسوس المسلم» فلا بد من وجود هذه الصورة، لأنهم لم يتفقوا على ذلك، فليس في المسألة إجماعٌ على ضرورة وجود حالة «الجاسوس المسلم»؛ أي الذي تلبس بالتجسس مع بقائه على الإسلام، فقد رأينا أن الإمام ابن وهب -وهو أحد الأعلام الكبار- قد وصف ذلك بأنه ردة ويستتاب، ولم يفصِّل، كما أن بعض العلماء المعاصرين قد عدَّ كل صور التجسس التي يكون فيها ضرر بالمسلمين ردةً عن الإسلام ولم يستثن إلا حالة حاطب رضي الله عنه لأسبابٍ ذكرَها.

فقد قال الشيخ سعيد بن وهف القحطاني: «سمعت سماحة العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز حفظه الله يقول: «هذا الحديث عظيم وفيه مسألتان:... الثاني: تحريم التجسس إذا كان فيه ضرر للمسلمين، أولم يكن فيه مصلحة للمسلمين، والتجسس فيما يضر المسلمين يوجب القتل، لكن هذا الرجل له شبهة؛ ولهذا قبل النبي ﷺ عذره؛ لأمرين؛ كونه شُبِّه عليه الأمر، وكونه من أهل بدر، أما من فعل ذلك من المسلمين... فيقتل لأن هذا ردة إلا في حق حاطب رضي الله عنه»١٬٥٥٢فقه الدعوة في صحيح الإمام البخاري: (3/23-24)..

وقد سُئل أيضًا رحمه الله: «أحسن الله إليكم: قول بعض أهل العلم أن فعل حاطب فعل كفر، ولكن فعل حاطب منعه من الكفر لأنه شهد بدرًا؟

الجواب: الظاهر الشبهة منع من تكفيره وقتله، الشبهة كونه من أهل بدر، وكونه تأول اجتمع له التأويل، والحديث الصحيح: (اعملوا ما شئتم)؛ فصار شبهة في قتله وكفره جميعا، وإلا لا شك أن التجسس تول للمشركين ردة يوجب القتل، ولهذا لما جاء عين للمشركين يتجسس أمر بقتله ﷺ»١٬٥٥٣شرح زاد المعاد، نقلًا عن أرشيف ملتقى أهل الحديث..

ص 858

فالذي يظهر -والله تعالى أعلم- أن الراجح في حق مثل هذا هو ما ذهب إليه الإمام مالك وابن عقيل من الحنابلة واختاره الإمام ابن القيم رحمهم الله جميعًا، من أن عقوبته تعزيرية قد تصل إلى القتل، والدليل على ذلك هو قصة حاطب نفسها كما نقلتُ استنباط عدد من العلماء هذا الحكم منها، فعمر رضي الله تعالى قد استحل قتل حاطب رضي الله عنه بحضرة النبي ﷺ، وبنى هذا الحكم على كون حاطب قد نافق أو كفر فيخرج من هذا عدة أمور:

الأمر الأول: أن عمر رضي الله عنه قد طلب قتل حاطب من غير استتابة، ولم ينكر عليه النبي ﷺ ذلك كما قال شيخ الإسلام رحمه الله: «ويدل على جواز قتل الزنديق المنافق من غير استتابة ما خرجاه في الصحيحين عن علي في قصة حاطب بن أبي بلتعة فقال عمر: «دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق»؛ فقال النبي ﷺ: (إنه قد شهد بدرًا وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر؛ فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)١٬٥٥٤[تقدم مرارًا].؛ فدل على أن ضرب عنق المنافق من غير استتابة مشروعٌ إذ لم ينكر النبي ﷺ على عمر استحلال ضرب عنق المنافق، ولكن أجاب بأن هذا ليس بمنافق، ولكنه من أهل بدر المغفور لهم، فإذا أظهر النفاق الذي لا ريب أنه نفاق فهو مباح الدم»١٬٥٥٥الصارم المسلول: (1/358)..

الأمر الثاني: تعليق عمر رضي الله عنه جواز قتله لحاطب على نفاقه الذي اعتقده فيه، فأقر النبي ﷺ هذا التعليق، وإنما نهى عن قتله من جهة بيان وجود مانعٍ وهو شهود حاطب لبدر وهي خصيصة له منتفية في حق غيره، وعلمنا من ترك النبي ﷺ لحاطب، وإخباره بمغفرة الله لأهل بدر، وقوله في حق حاطب: (قد صدقكم) أن حاطبًا لم يكن منافقًا، وأن مَن فعل مثل فعله جاز قتله لعدم وجود المانع من ذلك وهو شهود بدرٍ.

ولو كان المانع من قتل حاطب هو إسلامه، لما كان لذكر شهوده بدرًا فائدة، ولقال النبي ﷺ لعمر: كيف تقتله وهو مسلمٌ؟!

ص 859

قال القاضي عياض المالكي رحمه الله: «وقول عمر: «دعني أضرب عنقه»: حجة في جواز قتل الجاسوس المسلم، فإن النبي ﷺ لم ينكر ذلك من قول عمر، وإنما عذره بغفران الله لأهل بدر ذنوبهم؛ ولأنه لم يكن منه قبل مثلها، فيه حجة لمن لا يرى أن حده القتل بكل حال، وأن للإمام الاجتهاد فيه ألا يقتله، وهو قول مالك»١٬٥٥٦إكمال المعلم شرح صحيح مسلم: (7 / 271)..

قال الإمام الشوكاني رحمه الله: «قوله: (إنه قد شهد بدرًا) ظاهر هذا أن العلة في ترك قتله كونه ممن شهد بدرًا، ولولا ذلك لكان مستحقًا للقتل ففيه متمسك لمن قال: إنه يقتل الجاسوس ولو كان من المسلمين»١٬٥٥٧نيل الأوطار: (12 / 228)..

وقال السهيلي رحمه الله: «وفي الحديث دليل على قتل الجاسوس؛ فإن عمر رضي الله عنه قال: دعني فلأضرب عنقه، فقال له النبي ﷺ: (وما يدريك يا عمر لعل الله اطلع إلى أصحاب بدر...) الحديث، فعلق حكم المنع من قتله بشهود بدر؛ فدل على أن من فعل مثل فعله وليس ببدري أنه يقتل»١٬٥٥٨الروض الأنف: (4 / 150)..

ولهذا فالذين منعوا قتل «الجاسوس المسلم» محتجين بحديث النبي ﷺ: (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس والثيب الزاني والمارق لدينه التارك للجماعة)١٬٥٥٩متفق عليه [وتقدم في: (ص 178) بخلاف يسير].، يظهر -والله أعلم- أن احتجاجهم غير مسلَّم، لوجود حالات زائدة عن هذه الثلاثة جوز فيها الشرع قتل المسلم كقاطع الطريق، وفاعل فعل قوم لوط وغيرهما.

ص 860

وقد عدد الإمام ابن رجب الحنبلي رحمه الله كثيرًا من الصور التي أبيح فيها دم المسلم سوى الثلاث التي ذكرت في هذا الحديث ثم قال: «ومنها: قتل الجاسوس المسلم إذا تجسس للكفار على المسلمين، وقد توقف فيه أحمد، وأباح قتله طائفة من أصحاب مالك وابن عقيل من أصحابنا، ومن المالكية من قال إن تكرر ذلك منه أبيح قتله، واستدل من أباح قتله بقول النبي ﷺ في حق حاطب بن أبي بلتعة لما كتب الكتاب إلى أهل مكة يخبرهم بسير النبي ﷺ إليهم ويأمرهم بأخذ حذرهم فاستأذن عمر في قتله فقال: (إنه شهد بدرًا)، فلم يقل: إنه لم يأت بما يبيح دمه، وإنما علل بوجود مانع من قتله وهو شهوده بدرًا، ومغفرة الله لأهل بدر، وهذا المانع منتفٍ في حق من بعده»١٬٥٦٠جامع العلوم والحكم: (129)..

وقال الإمام ابن العربي رحمه الله: «وقد جاء القتل بأكثر من عشرة أشياء، منها متفق عليها ومنها مختلف فيها فلا تعلق بهذا الحديث لأحد»١٬٥٦١أحكام القرآن: (3 /163)..

وقال شيخ الإسلام رحمه الله في كلامه عن التعزير: «وعلى القول الأول: هل يجوز أن يبلغ به القتل مثل قتل الجاسوس المسلم؟ في ذلك قولان أحدهما: قد يبلغ به القتل؛ فيجوز قتل الجاسوس المسلم إذا قصد المصلحة، وهو قول مالك وبعض أصحاب أحمد كابن عقيل، وقد ذكر نحو ذلك بعض أصحاب الشافعي وأحمد في قتل الداعية إلى البدع؛ ومن لا يزول فساده إلا بالقتل؛ وكذلك مذهب مالك قتل الداعية إلى البدع كالقدرية ونحوهم»١٬٥٦٢مجموع الفتاوى: (9 / 288)..

وقد نقلت من قبل ترجيح الإمام ابن القيم لهذا القول وذهابه إليه، وممن اختاره من المعاصرين الشيخ عبد الله عزام رحمه الله حيث قال: «وقد مال الإمام ابن القيم إلى رأي الإمام مالك، ونحن نرى رأي الإمام مالك رحمه الله»١٬٥٦٣الذخائر: (1/304)..

وقال أيضًا -طيب الله ثراه-: «أما قتل الجاسوس المسلم فيرجع أمره إلى الأمير، فإن كانت المصلحة في قتله يقتل اعتمادًا على رأي الإمام مالك وابن القيم، وإن كانت المصلحة في تركه فيترك حسب رأي الأئمة الثلاثة»١٬٥٦٤كلمات من النار: (314)..

ص 861

فخلاصة هذا القول: أن الجواسيس الذين يرتكبون بعض صور التجسس التي لا تكون فيها الإعانة للكفار على المسلمين ظاهرة جلية، ويكون أمرها ملتبسًا ومشتبهًا بها، فعقوبتهم تعزيرية يُبذل فيها الوسع لإنزال العقوبة المناسبة بجرمهم، من ضربٍ، أو سجنٍ، أو نفيٍ، أو قتلٍ، بحيث تزجره هو وأمثاله عن مثل هذه الأفعال الشنيعة والمخازي الوضيعة، والله تعالى أعلم.

ولا ريب أن هذا النوع من الجواسيس يجوز العفو عنهم بعد الاجتهاد والتحري، إن اقتضت المصلحة ذلك كما هو الحال في سائر العقوبات التعزيرية.

قال الطبري رحمه الله: «في حديث حاطب بن أبى بلتعة من الفقه: أن الإمام إذا ظهر من رجل من أهل الستر على أنه قد كاتب عدوًا من المشركين ينذرهم ببعض ما أسره المسلمون فيهم من عزم، ولم يكن الكاتب معروفًا بالسفه والغش للإسلام وأهله، وكان ذلك من فعله هفوة وزلة من غير أن يكون لها أخوات؛ فجائز العفو عنه كما فعله الرسول بحاطب من عفوه عن جرمه بعدما اطلع عليه من فعله»١٬٥٦٥شرح صحيح البخاري لابن بطال: (5 / 162)..

وتأمل كيف يصف الإمام الطبري فعل هذا الجاسوس الذي قد يعفى عنه بوصف يطابق فيه فعلة حاطب رضي الله عنه والتي لم تكن كفرًا ولا مظاهرةً.

تنبيه: هذا الحكم الذي ذكرناه في صورتي التجسس، إنما هو في الجاسوس المقدور عليه، أو الذي يقع في أيدي المجاهدين ويمكنهم التحقق من حاله والوقوف عليها، أما الذي تثبت عليه تهمة التجسس وهو ممتنع بالشوكة والقوة، آبٍ عن الاستسلام والنزول على الأحكام، فهذا يُبادر بقتله من غير ترددٍ، قطعًا لضرره، ودفعًا لصولته، وكفًا لشره، وردعًا لأمثاله، كما قال شيخ الإسلام رحمه الله: «ولأن المرتد لو امتنع بأن يلحق بدار الحرب أو بأن يكون المرتدون ذوي شوكة يمتنعون بها عن حكم الإسلام فإنه يقتل قبل الاستتابة بلا تردد»١٬٥٦٦الصارم المسلول: (1 /328)..

❖ ❖ ❖

ص 862