🎬المواد الصوتية والمرئية المصاحبة

وسطية الإسلام ووسطية الانهزام

وسطية الإسلام ووسطية الانهزام

وسطية الإسلام ووسطية الانهزام

[ربيع الثاني 1429 هـ / 4 - 2008م]

۞

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد...

أمة الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

عندما نتحدث عن أية قضية من قضايا الإسلام؛ لا بُد أن نستشعر من أعماق قلوبنا أن هذا الدين الذي نتكلم عن مسائله هو دين الله ﷻ، وهو شعور له تأثيره المباشر في كيفية تقرير المسائل وبحثها والخوض فيها، فالإسلام -كل الإسلام- ليس نظرية أرضية تخوض فيها الأبحاث حرة طليقة بلا زمام ولا خطام، وإنما هو: ﴿كِتَٰبٌ أُنزِلَ إِلَيۡكَ فَلَا يَكُن فِي صَدۡرِكَ حَرَجٞ مِّنۡهُ لِتُنذِرَ بِهِۦ وَذِكۡرَىٰ لِلۡمُؤۡمِنِينَ ٢ ٱتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيۡكُم مِّن رَّبِّكُمۡ وَلَا تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِۦٓ أَوۡلِيَآءَۗ قَلِيلٗا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: 2-3].

فما دام الدين دين الله تعالى؛ فلا محل إذن لتلاعب الأهواء، ولا لتخوض الأفكار والآراء، ولا لتخرص العقول والتحاليل، ولا الحرصِ على ترضية النفوس، ولا الخضوع لدعوات مواكبة العصر، ولا الدندنة حول مسايرة رغبات الشعوب، فدين الله ﷻ يقود ولا يُقاد، ويطوِّع النفوس ولا تطوِّعه، ويحكم الشعوب ولا تحكمه، ويقيِّد الأهواء ولا تقيِّده، ويتحكم في قضايا العصر ولا تتحكم فيه، ويهيمن على الحياة كلها ولا تهيمن عليه.

ص 2370

فالذين يريدون أن ينقذوا الأرض من الفساد ويخرجوها من ظلمات الغي بمجرد استحساناتهم وآرائهم وأهوائهم تحت شعارات مغرية، ولكنها في حقيقتها خاوية، بعيدة عن منهج الحق وسبيل الهدى؛ هؤلاء لن يَحصِدوا من سعيهم إلا الوبال والخبال كما قال تعالى: ﴿وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلۡحَقُّ أَهۡوَآءَهُمۡ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ وَمَن فِيهِنَّۚ﴾ [المؤمنون: 71].

وبما أننا في زمن بلغ فيه «إله الهوى» مبلغًا لم يصله من قبل، وقد سخَّر لنصرته وتعزيزه الجنود المجندة، وفتح على صرح الإسلام الشامخ جبهات متعددة لتقويضه واقتلاع أصوله، فإننا بحاجة حقيقية إلى وقفة صادقة حازمة أمام كل مَن يسعى لأن يكون جنديًا من جنود «إله الهوى» الذي برز لنا في صور شتى وألوان متعددة، وخر له الكثيرون ركعًا وسجدًا يسبحون بحمده وينفخون في إلهيته بعلم وبغير علم، لنسير على بصيرة من أمرنا، وننافح عن أصولنا وعقيدتنا ومفاهيمنا، ونصونها من كل تمييع وتدنيس، قال ﷻ: ﴿ثُمَّ جَعَلۡنَٰكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡرِ فَٱتَّبِعۡهَا وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَ ١٨ إِنَّهُمۡ لَن يُغۡنُواْ عَنكَ مِنَ ٱللَّهِ شَيۡـٔٗاۚ وَإِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۖ وَٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلۡمُتَّقِينَ ١٩ هَٰذَا بَصَٰٓئِرُ لِلنَّاسِ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٞ لِّقَوۡمٖ يُوقِنُونَ﴾ [الجاثية: 18-20].

أمة الإسلام: إن هناك شركة تعاونية يقوم عليها شياطين من الإنس والجن، لها رجالها وإمكاناتها، ووسائلها ومؤسساتها، ونفقاتها وجهودها، وخِططها وبرامجها، تقوم على السعي الجاد لتحريف الناس عن دينهم، وتشكيكهم في مسلمات عقائدهم، وتشجيع كل ناعق ليخوض فيها بما شاء باسم الاجتهاد والتفكير والتنظير والتنوير والتحليل ودراسة الواقع والانفتاح والاتزان.. إلى آخر القائمة المعهودة، وليس له في ذلك حمى يتحاماه، ولا حدود يقف عندها، ولا قواعد وأصول يتحاشاها، بل الكل عنده مرتعٌ مباح، يتنكر -بلا خجل ولا وجل- للحق الصراح، ويحرِّف وبكل جرأة الكلمَ عن مواضعه، وينسب إلى شرع الله ما تعلم عجائز البوادي أنه منه براء، وينقُض ما عَلِمه واستسلم له الأولون والآخرون، بل وتراه يسفههم ويسخر منهم، ويزدري أفهامهم، ويَصبُغ على خرافاته من الألقاب والممادح ما يحاول عبثًا أن يغطي به سخفها وخزيها.

ص 2371

وقد بين لنا النبي ﷺ حقيقة هذه الشركةِ الشيطانية، وأنها منتصبة في كل حين لتأدية مهمتها، وإغواءِ من التفت إليها، أو أصغى لدعواتها، لنكون منها على حذر وتيقظ فلا ننخدع بدعاياتها وزخرف أقوالها، فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (خط لنا رسول الله خطًا، ثم قال: هذا سبيل الله، ثم خط خطوطا عن يمينه وعن شماله، وقال هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه، ثم قرأ: ﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَٰطِي مُسۡتَقِيمٗا فَٱتَّبِعُوهُۖ وَلَا تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمۡ عَن سَبِيلِهِۦۚ ذَٰلِكُمۡ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ ١٥٣﴾ [الأنعام: 153])٣٬٢١١[رواه أحمد: (٤١٤٢)، وحسن إسناده الأرنؤوط]..

وقال ﷻ: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّٗا شَيَٰطِينَ ٱلۡإِنسِ وَٱلۡجِنِّ يُوحِي بَعۡضُهُمۡ إِلَىٰ بَعۡضٖ زُخۡرُفَ ٱلۡقَوۡلِ غُرُورٗاۚ وَلَوۡ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُۖ فَذَرۡهُمۡ وَمَا يَفۡتَرُونَ﴾ [الأنعام: 112].

وقال سبحانه: ﴿يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ لَا يَفۡتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ كَمَآ أَخۡرَجَ أَبَوَيۡكُم مِّنَ ٱلۡجَنَّةِ يَنزِعُ عَنۡهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوۡءَٰتِهِمَآۚ إِنَّهُۥ يَرَىٰكُمۡ هُوَ وَقَبِيلُهُۥ مِنۡ حَيۡثُ لَا تَرَوۡنَهُمۡۗ إِنَّا جَعَلۡنَا ٱلشَّيَٰطِينَ أَوۡلِيَآءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ﴾ [الأعراف: 27].

إذن هذه هي وصية الله ﷻ ووصية رسوله ﷺ لمن أراد أن يكون على الجادة، يسير على الحق ولا يبالي بمن خالفه، ويستمسك بالهدى ولا يعبأ بمن أنكره أو تنكر له، ويعتصم بحبل الله ﷻ ولا يأبه بمن غمزه أو لمزه، ويحرص على رضا ربه ولو سخطت عليه الدنيا بأسرها، ويعتز بجميع دينه ولو سفَّهه مَن سفهه، ويُبلِّغ الحق على نصاعته وجلائه ولو استبشعه أصحاب العقول المنحرفة والقلوب المريضة، وقدوته في ذلك مَن لا ينطق عن الهوى ولا يحابي في تبليغ الهدى كما قال الله تعالى له: ﴿۞يَٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغۡ مَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَۖ وَإِن لَّمۡ تَفۡعَلۡ فَمَا بَلَّغۡتَ رِسَالَتَهُۥۚ وَٱللَّهُ يَعۡصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ [المائدة: 67]، وقال له أيضًا: ﴿فَٱصۡدَعۡ بِمَا تُؤۡمَرُ وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡمُشۡرِكِينَ﴾ [الحجر: 94].

ص 2372

أمتي الحبيبة: إلى أمدٍ قريب كان الشعار الذي يرفعه زعماء الحملة الصليبية العصرية هو الحربَ على الإرهاب، ومطاردةَ القاعدة وقادتها وأعضائها -كما يزعمون-، ولقد قال العقلاء النبهاء من علماء الأمة وقادة المجاهدين عند أول هبوب ريح هذه الحرب: إنها حرب صليبية سافرة كافرة تستهدف الإسلام والمسلمين، ولن تتوقف مساعي أصحابها وخطواتُهم عند حدٍ، ولن يكتفوا -كما يزعمون- بالاجتهاد في القضاء على طائفة المجاهدين، ولن ينقضي تنازل حتى يطالبوا بغيره، بل لن تُترَك قاعدة من قواعد الإسلام ولا أصلٌ من أصوله، ولا مسلمة من مسلماته، إلا ودهمتها حملتهم، وتقلبت يمينًا وشمالًا لاقتلاعها ونسفها، لتنقل الأمةَ -كل الأمة- من البصيرة إلى العمى، ومن اليقين إلى الشك والحيرة، بل من الإيمان إلى الكفر، وذلك هو مبتغاهم ومقصدهم مهما تلونوا وتقلبوا؛ فالقرآن كما فضح أسلافهم يفضحهم، وكما عرى أولئك يعري هؤلاء قال الله تعالى: ﴿وَلَن تَرۡضَىٰ عَنكَ ٱلۡيَهُودُ وَلَا ٱلنَّصَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمۡۗ﴾ [البقرة: 120].

فهي حربٌ تستهدف معاقل الإسلام كلها، وتقتحم الديار كما تغزو العقول والأفكار، وتتجرأ على سفك الدماء تمامًا كما تتجرأ على نسف العقائد والعبث بالمقدسات.

ولقد استطاع دهاقنة ودهاة هذه الحملة الصليبية أن يغرسوا لهم غرسًا من أبناء هذا الدين وفي وسط بلدان المسلمين يتولون التسويق لكثير من أفكارهم والترويجَ لنظرياتهم، وبثَ مصطلحاتهم، وتكريرَ عباراتهم، ومحاولةَ إقناع المسلمين بها، أو على الأقل إماتة الشعور ببشاعتها وفظاعتها، لتصبح مع الأيام شيئًا مستساغًا وفكرًا متقبلًا ونظرة معتبرة.

ولأنهم عرفوا أن مفتاح نجاحهم في خطتهم هذه إنما هو في التنفير من الجهاد والمجاهدين، والقضاءِ عليهم عسكريًا بجانب محاربتهم فكريًا، فلا يكاد ينطق رجلٌ مغمورٌ ويتمتم بكلمات يعرِّض فيها بالمجاهدين حتى تستنفر وسائل إعلامهم لإظهاره وإشهاره وإجراء الحوارات المتواصلة واللقاءات المتتالية لإرشاد العباد إلى تلك الفكرة الفذة التي تفتق عنها عقل رجلٍ معتوه لا يكاد يبين.

ص 2373

وللأسف فلقد رأينا الكثيرين ممن ينتسبون إلى قادة الحركات الإسلامية، أو الدعاة، أو المفكرين، مَن شمروا عن ساعد الجد وراوحوا يعقدون المؤتمرات تلو المؤتمرات، واللقاءات تلو اللقاءات، والندوات بعد الندوات، ويشدون الرحال من دولة إلى دولة، ليعززوا كثيرًا من المفاهيم الضالة التي تأتي على الإسلام من أصله، ولا يعني الأخذُ بها إلا نقضَ عراه عروةً، عروة، وهدمَ أسسه أساسًا، أساسًا، وهم ينسبون ضلالاتهم وانحرافاتهم إلى دين الله، فأضافوا على سوئهم سوءًا، فصدق فيهم قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنۡهُمۡ لَفَرِيقٗا يَلۡوُۥنَ أَلۡسِنَتَهُم بِٱلۡكِتَٰبِ لِتَحۡسَبُوهُ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَمَا هُوَ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ وَمَا هُوَ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِۖ وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ﴾ [آل عمران: 78].

وإن أعظم ما يسترون به عوجهم، ويسوِّقون به ضلالهم، هو انتسابهم للوسطية والاعتدال والاتزان، وقد صاغوا لهذه الكلمات معانيَ ارتضوها لأنفسهم، ونحتوها من بنات أفكارهم، أساسها التلفيق والتوفيق، ووسيلتها التمييع والتطويع، ولبها وجوهرها إقرار أعين الغرب بما يرضيهم ويُطيِّب نفوسهم ويسكِّن هيجانهم ولو نُسِف مع ذلك دين الله نسفًا.

فما هي الوسطية التي يدعو لها هؤلاء ويدندنون حولها صباح مساء، وما هي الوسطية التي جاء بها دين الله ﷻ وارتضاها لنا ومدح أمة نبيه بها فقال: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَٰكُمۡ أُمَّةٗ وَسَطٗا لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيۡكُمۡ شَهِيدٗاۗ﴾ [البقرة: 143].

أمة الإسلام: إن تحديد المفاهيم الشرعية التي نصوغ لها من الألفاظ ما يحسِّنها ويزينها، لا بد أن يكون مُعتمِدًا على كتاب الله ﷻ وسنة نبيه ﷺ؛ لأن العقول متفاوتة، والأفكار متضاربة، وموازين الأمور مضطربة، والأهواء والرغبات تتسلل إلى هذا المعنى أو ذاك؛ فتعبث به وتلوث بهاءه؛ فلا بد إذن من مرجع ثابت راسخ محكم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، إن قال فقوله الحق، وإن حكم فحكمه العدل، وإن أرشد فإرشاده الهدى، وليس ذلك إلا كتابَ الله تعالى؛ كما قال ﷻ: ﴿وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلۡحَقُّ أَهۡوَآءَهُمۡ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ وَمَن فِيهِنَّۚ بَلۡ أَتَيۡنَٰهُم بِذِكۡرِهِمۡ فَهُمۡ عَن ذِكۡرِهِم مُّعۡرِضُونَ﴾ [المؤمنون: 71].

ص 2374

فالوسطية كلمةٌ ارتضاها الناس، واستحسنوها وربما اتفقوا على مدحها، لما تُنبي عنه من معنى العدل والاتزان والاعتدال، إلا أن الكثيرين ممن نصبوا أنفسهم للدعوة إليها، قد فرغوها من معناها الشرعي السامي، وأفرغوا فيها ما تشتهيه أنفسهم وترتضيه ميولهم من المعاني المنحرفة والمفاهيم الزائغة التي ما أنزل الله ﷻ بها من سلطان، ثم قدموها للناس وقالوا لهم: هذه هي الوسطية فاتبعوها وانبذوا من خالفها أو تخلف عنها.

إن المفهوم الصحيح للوسطية هو التمسك الكامل بدين الله ﷻ الذي ارتضاه للناس كافة، ولو كره ذلك من كره، والسعي لنشره بينهم من غير تحريف ولا تزييف ولا مخادعة ولا مراوغة، وعرضُه عليهم عرضًا صريحًا بينًا من غير تلاعب بأحكامه، ولا تمييع لأصوله، ولا تغيير لشرائعه، ولا إخفاء لحقائقه، ولا تحرج من تقرير مسائله، ثم ليقبله منهم من قَبِل وليردَّه من يرد، قال ﷻ: ﴿فَذَكِّرۡ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٞ لَّسۡتَ عَلَيۡهِم بِمُصَيۡطِرٍ﴾ [الغاشية: 21-22].

فنحن ما أمرنا بأن نُهلك أنفسنا ونَبخَعها لأجل صدود الناس وشرودهم عنه، وإنما علينا البلاغ للحق الصريح والتمسك بالهدى الجلي؛ قال الله ﷻ لنبيه ﷺ: ﴿فَلَعَلَّكَ بَٰخِعٞ نَّفۡسَكَ عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِمۡ إِن لَّمۡ يُؤۡمِنُواْ بِهَٰذَا ٱلۡحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف: 6]، وقال سبحانه: ﴿لَعَلَّكَ بَٰخِعٞ نَّفۡسَكَ أَلَّا يَكُونُواْ مُؤۡمِنِينَ ٣ إِن نَّشَأۡ نُنَزِّلۡ عَلَيۡهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ءَايَةٗ فَظَلَّتۡ أَعۡنَٰقُهُمۡ لَهَا خَٰضِعِينَ﴾ [الشعراء: 3-4].

فبصفة الإيمان، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تبوأت هذه الأمة منزلة الخيرية بين الأمم، قال الله ﷻ: ﴿كُنتُمۡ خَيۡرَ أُمَّةٍ أُخۡرِجَتۡ لِلنَّاسِ تَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَتَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِۗ﴾ [آل عمران: 110]، ومن ثم استحقت أن تكون أمة وسطًا شاهدة على الناس، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَٰكُمۡ أُمَّةٗ وَسَطٗا لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيۡكُمۡ شَهِيدٗاۗ﴾ [البقرة: 143].

ص 2375

فمهمة أمة الإسلام ليست مضاهاة الأمم الكافرة، ولا التملق لها، والاجتهاد في طلب إرضائها، ولا البحث عن عوامل التقارب معها، ولا التنقيب عن أسس التعايش التي تجمعها بها، ولا بذل الجهود وإنفاق الأعمار لمطاوعة الواقع والاستسلام له، فما خُلقنا لهذا، ولا أمرنا بهذا، إنما «الله ابتعثنا واللهُ جاء بنا لنُخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جَوْر الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه، فمن قبل منا ذلك قبلنا ذلك منه، ومن أبى قاتلناه أبدا حتى نُفضي إلى موعود الله الجنةِ لمن مات على قتال من أبى، والظفر لمن بقي»٣٬٢١٢[تاريخ الطبري (3/520)].، هكذا لخص ربعي بن عامر رضي الله عنه، مهمة أمة الإسلام، وهذه هي الوسطية الحقة التي فهمها الصحابة رضي الله عنهم ودعوا إليها بعيدًا عن التخرصات الباردة، والتعقيدات المضللة، والأفكار الهائمة.

فليس لأحد أن ينتقي من دين الله ﷻ ما يحب ويهوى، ولا أن يطوع أحكام الله ﷻ لمن يحب ويهوى، ولا أن يقدم دين الله ﷻ بالصورة التي يحب ويهوى، وقد قال الله ﷻ: ﴿قُلۡ هَٰذِهِۦ سَبِيلِيٓ أَدۡعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا۠ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِيۖ وَسُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ﴾ [يوسف: 108]، إذن هي دعوة إلى سبيل الله -والتي تعني الدين كافة- وليست دعوة إلى نتائج الآراء المجردة، ولا مستحسنات الأفكار المستحدثة، وقد قال الله ﷻ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱدۡخُلُواْ فِي ٱلسِّلۡمِ كَآفَّةٗ وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٞ﴾ [البقرة: 208].

فالإسلام كله دين العدل ودين الوسط ودين القيِّمة، ولن يفلح الناس ولن يجدوا «الوسطية الحقة»، إلا بأخذه كما هو، ونشره كما هو، وهو دينٌ ربانيٌّ غني عن تعديلنا وتوسيطنا وتقويمنا، فأحكامه ليست أحكام جور حتى نعدِّلها، وسبيله ليست سبيل إفراط وتفريط حتى نوسطها، وشرائعه ليست شرائع عوج حتى نقومها؛ قال ﷻ: ﴿۞إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَٱلۡإِحۡسَٰنِ وَإِيتَآيِٕ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَيَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِ وَٱلۡبَغۡيِۚ يَعِظُكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90]، وقال ﷻ: ﴿۞إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُكُمۡ أَن تُؤَدُّواْ ٱلۡأَمَٰنَٰتِ إِلَىٰٓ أَهۡلِهَا وَإِذَا حَكَمۡتُم بَيۡنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحۡكُمُواْ بِٱلۡعَدۡلِۚ إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِۦٓۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعَۢا بَصِيرٗا﴾ [النساء: 58].

ص 2376

إن الوسطية ليست دليلًا شرعيًا قائمًا بذاته بحيث نجعلها حاكمة على شرائع الإسلام، ومهيمنة على عقائده ومفاهيمه، ومقيدة لأصوله وفروعه، بل هي صفة ملازمة لدين الله ﷻ، وملاصقة لكل حكم من أحكامه، فحيثما وجد حكم الله ﷻ الذي أنزله في كتابه أو شرعه على لسان نبيه ﷺ، سواء في صغير الأمور أو كبيرها، فهو حكم وسط عدل سمحٌ لا حرج فيه ولا مشقة حتى ولو استثقلته بعض النفوس، ونفرت منه بعض القلوب.

فالداء ليس في أحكام الله ﷻ حتى نسعى لإصلاحها وتعديلها لتوافق تلك النفوسَ والقلوب، ولكن المرض المستحكم هو في هذه النفوس والقلوب التي تحتاج إلى إخراجها من هوسها ووساوسها لتدرك الحق الوسط على ما هو عليه بصفائه وجلائه لا على الصفة التي تريدها هي وتهواها، وبهذا فقط تنتفع بالحق وتخرج إلى رحمة العدل وسعة الوسطية، وإلا فإنها ستبقى تتقلب في غيها وتتعذب بشقائها وإن حسبت أنها تحسن صنعًا، قال الله ﷻ: ﴿أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّهِۦ كَمَن زُيِّنَ لَهُۥ سُوٓءُ عَمَلِهِۦ وَٱتَّبَعُوٓاْ أَهۡوَآءَهُم﴾ [محمد: 14].

وها نحن نرى كثيرًا ممن رفع شعار الوسطية وتشبع بها زعمًا وادعاءً قد جعلها مطية ينقض بها أسسًا هي من مسلمات الإسلام ولا يبالي، وكلما خالفه المخالفون، وأنكر عليه المنكرون، رماهم بالغلو والتطرف وعدم الانفتاح على الواقع؛ حتى فتحوا الباب لكبار الزنادقة والملاحدة ليدخلوا على الإسلام ومن نفس الباب -بابِ الوسطية المزعوم- فيعيثوا فيه فسادًا، فما تركوا منه شاذة ولا فاذة إلا ولاحقوها بأفكارهم، وطاردوها باستهزائهم وسخريتهم، ونسفوها بمعول وسطيتهم واعتدالهم، ومن حاول الأخذ على أيديهم وكف زندقتهم؛ رموه بالتطرف والشطط والجمود، ثم تمادوا واسترسلوا ليأتوا على الإسلام كله.

فباسم الوسطية والاعتدال اقتحمت قِباب المجالس الشركية لا لفتحها وإقامة عَلم التوحيد فيها، وإنما للانفتاح عليها وتوطيد دعائمها، والتأكيد على شرعيتها، ومشاركة أربابها في تشريعاتها، فإذا صدع الصادعون بكلمة الحق التي أمروا بها وتلوا آيات الله ﷻ البيّنات على هؤلاء اشمأزت قلوبهم ورموهم بالغلو والتطرف وعدم فهم السياسة، وواللهِ لن تغني عنهم سياستهم ووسطيتهم من الله شيئًا، قال ﷻ: ﴿يَوۡمَ تُبۡلَى ٱلسَّرَآئِرُ ٩ فَمَا لَهُۥ مِن قُوَّةٖ وَلَا نَاصِرٖ﴾ [الطارق: 9-10].

فإذا قيل لهؤلاء المتشبعين بالوسطية: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤۡمِنٖ وَلَا مُؤۡمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَمۡرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلۡخِيَرَةُ مِنۡ أَمۡرِهِمۡۗ﴾ [الأحزاب: 36]، قالوا: أنتم متشددون.

ص 2377

 وإذا قيل لهم: ألا يزجركم قوله تعالى: ﴿ٱتَّخَذُوٓاْ أَحۡبَارَهُمۡ وَرُهۡبَٰنَهُمۡ أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلۡمَسِيحَ ٱبۡنَ مَرۡيَمَ وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُوٓاْ إِلَٰهـٗا وَٰحِدٗاۖ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ سُبۡحَٰنَهُۥ عَمَّا يُشۡرِكُونَ﴾ [التوبة: 31]، قالوا: أنتم حرفيون منغلقون.

وإذا قيل لهم: ﴿أَمۡ لَهُمۡ شُرَكَٰٓؤُاْ شَرَعُواْ لَهُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا لَمۡ يَأۡذَنۢ بِهِ ٱللَّهُۚ﴾ [الشورى: 21]، قالوا: أنتم جامدون متزمتون.

وإذا قيل لهم: ﴿وَإِن تُطِعۡ أَكۡثَرَ مَن فِي ٱلۡأَرۡضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنۡ هُمۡ إِلَّا يَخۡرُصُونَ﴾ [الأنعام: 116]، قالوا: إننا في زمن الديمقراطية، وسيادة الشعوب.

وباسم الوسطية والاعتدال نُسِفت عقيدة الولاء والبراء، وقطِّعت عراها والتي هي أوثق عُرى الإيمان، واقتحمت حصونه الحصينة تحت الشعارات المنمقة والدعوات الملفقة؛ فصرنا نسمع: الحضارات تتسالم ولا تتصادم، وتتحاور ولا تتناحر، والأديان تتظافر ولا تتنافر، وتتقارب ولا تتحارب، وانتصب بعض المنتسبين إلى الدعوة للترويج لهذه الدعوات الكفرية، وتسهيل أمرها في بلدان المسلمين، وتحريف الكلم عن مواضعه -وهم يعلمون في قرارة أنفسهم- أنهم كاذبون أفاكون، ويا ويل من يفتري الكذب على الله ﷻ، أفعلى الله تستدركون، ولدينه تزيدون وتنقصون؟! فما لكم كيف تحكمون؟!.

حتى إنني سمعت مرةً أحد مروجي مثل هذه الدعوات يفتخر على شاشات التلفزة بأن عددًا من القساوسة والرهبان يتصلون به ليخبروه، بأنهم راضون عن دعوته وتسامحه، وأنه إن كانت مفاهيم الإسلام الحقيقية هي كما يعرضها وينشرها فليس بينهم وبينه خلاف، فهنيئًا لك هذه البشارة، وهنيئًا لك هذه الشهادة، فقلت في نفسي: نعم والله إن كان الإسلام هو ما تدعو أنت إليه فليس بينكم وبينهم خلاف.

ص 2378

أما الإسلام الحق، والعقيدة النقية الصافية، والتوحيد الخالص فهيهات هيهات أن تلتقي أو تقترب من دين يقول: ﴿ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ ٱللَّهِۖ﴾ [التوبة: 30]، ويقول: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلَٰثَةٖۘ﴾ [المائدة: 73]، حتى قال اليهود قاتلهم الله ﷻ من كثرة مخالفة النبي ﷺ لهم في صغير أمورهم وكبيرها: «ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئا إلا خالفنا فيه»٣٬٢١٣[صحيح مسلم: (٣٠٢)]..

فوسطيتنا التي ندعو إليها تقول لنا: ﴿لَّا تَجِدُ قَوۡمٗا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ يُوَآدُّونَ مَنۡ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَوۡ كَانُوٓاْ ءَابَآءَهُمۡ أَوۡ أَبۡنَآءَهُمۡ أَوۡ إِخۡوَٰنَهُمۡ أَوۡ عَشِيرَتَهُمۡۚ﴾ [المجادلة: 22]، وإن عددتم ذلك غلوًا.

ووسطيتنا التي نسير على سبيلها أساسها: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُوٓاْ ءَابَآءَكُمۡ وَإِخۡوَٰنَكُمۡ أَوۡلِيَآءَ إِنِ ٱسۡتَحَبُّواْ ٱلۡكُفۡرَ عَلَى ٱلۡإِيمَٰنِۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ﴾ [التوبة: 23]، وإن شنعتم علينا واتهمتمونا في وطنيتنا.

ووسطيتنا التي نرسي قواعدها تنادي في الآفاق: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَكُمۡ هُزُوٗا وَلَعِبٗا مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَٱلۡكُفَّارَ أَوۡلِيَآءَۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ﴾ [المائدة: 57]، وإن قابلتم ذلك بالاشمئزاز والتغيظ.

ووسطيتنا التي ننافح عنها ونقاتل دونها رائدها وقائدها من قال الله ﷻ عنه: ﴿قَدۡ كَانَتۡ لَكُمۡ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ فِيٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ إِذۡ قَالُواْ لِقَوۡمِهِمۡ إِنَّا بُرَءَٰٓؤُاْ مِنكُمۡ وَمِمَّا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ كَفَرۡنَا بِكُمۡ وَبَدَا بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمُ ٱلۡعَدَٰوَةُ وَٱلۡبَغۡضَآءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ وَحۡدَهُۥٓ﴾ [الممتحنة: 4]، وإن قلتم: إن ذلك دعوة للكراهية والتعصب، ومحاربة للسلام.

ووسطيتنا التي نستمسك بها ولا نحيد عنها قِيد أنملة هي التي نجدها في قول الله تعالى: ﴿۞يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ ٱلۡيَهُودَ وَٱلنَّصَٰرَىٰٓ أَوۡلِيَآءَۘ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَإِنَّهُۥ مِنۡهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [المائدة: 51]، وإن اعتبرتم ذلك تطرفًا وجمودًا.

ص 2379

وفي هذا الموطن أقول: يا علماء الصدق والصدع بالحق في جزيرة العرب، ها هو حامي حمى التوحيد كما يزعم علماء التملق والتزلف، يرفع راية التآخي بين الأديان، ويَهرِف بما لا يعرِف، ويحسب أنه قد وجد الحكمة التي جَهَدَ الكثيرون في البحث عنها لنزع فتيل الحروب، وقطعِ أسباب العداوة بين الأديان والشعوب، فهذا يومكم وقد حمي وطيس الشبهات، ونَعَقَت غربانُ الباطل، وأسفر الكفر عن وجهه العبوس، وآزر علماءُ المداهنة ظلمات الضلالات، وغاصوا في بطون الكتب لاستخراج أدق المشتبَهات وإقصاء الآيات المحكمات البينات، وأجهدوا أنفسهم لاختلاق الأعذار لهذا الأبله وحزبه مما لم يخطر على باله أو يمر على خاطره! ولم يحلم به في ساعة من ليل أو نهار.

وإنها واللهِ لساعة الفوز لمن أراد أن يكون من سادات الشهداء، فيقومَ في وجه هذا المعتوه المرتد، ويرد هراءَه بالحق الصراح الذي لا لبس فيه ولا التباس، وليكن بعد ذلك دمه وجسده قربانًا ترتوي به شجرة الإسلام الذابلة في جزيرة العرب، كما ارتوت أرض باكستان بدماء أهل الصدق والحق من أمثال الشهيد «عبد الرشيد غازي» وطائفته رحمهم الله.

ووالله إن لم تقفوا اليوم وقوف الأبطال في وجه هذا الطاغية العابث، وأفسحتم المجال لعلماء الضلالة وخطباء سجع الكهان يبررون له ويسوِّغون شطحاته وحماقاته؛ ليأتين اليوم الذي ترون فيه نواقيس الكنائس تدق في قلب جزيرة العرب، وما أمر دويلة قطر منكم ببعيد، ولتعلمن نبأه بعد حين!

فلا وسطية ولا تقارب ولا تعاضد بيننا وبين أهل الملل الكافرة. فمتى اجتمع الضوء والظلمات في موطن؟! قال ﷻ: ﴿فَإِنۡ ءَامَنُواْ بِمِثۡلِ مَآ ءَامَنتُم بِهِۦ فَقَدِ ٱهـۡتَدَواْۖ وَّإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا هُمۡ فِي شِقَاقٖۖ فَسَيَكۡفِيكَهُمُ ٱللَّهُۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ﴾ [البقرة: 137]، وهذا نبينا ﷺ قد كان فرقًا بين الناس، فعبثًا يحاول من أراد أن يجمع بينهم على غير سبيل الهدى.

ص 2380

وباسم الوسطية عاث العائثون في مفهوم الجهاد؛ فسلطوا عليه أقلامهم وألسنتهم، فدنسوا محياه، ولوثوا رونقه، وراحوا يفرغون أحكامه في قالب هزيمتهم وجبنهم وخورهم؛ ليخرجوها لنا بصفة ممسوخة لا يعرفها الأولون ولا يرضاها الصادقون، ولكن يكفي أن يقتنع بها كفرة الغرب المتحضرون.

فقد كانت الهجمة من قبلُ -على بشاعتها وشناعتها- تقتصر على جهاد الطلب الذي حار المنهزمون في توجيهه، وطأطؤوا رؤوسهم حياءً عند ذكره، وخجلوا إن واجههم أعداؤهم بحقيقته، أما اليوم فها هو جهاد الدفع يلاقي ما لقي سابقه من مساعي التشويه والتنفير وجهود التمييع والتغيير؛ فصار الجهاد مقاومة، وقسمت المقاومة إلى شريفة وغير شريفة، ثم أثبتت شرعيتها لا بالكتاب المحكم ولا بالسنة الصحيحة ولا الإجماع الثابت، ولكن بإقرار جميع الأديان السماوية والأعراف الدولية على إعطاء هذا الحق.

فحتى هذا الجهاد طمس معلمه الإسلامي، وقامت شعارات الوطنية والقومية ولافتات التحرير مقامه، فذابت معاني الجهاد السامية في مفاهيم السياسة الضائعة، وميعت أحكامه الصارمة باسم الوسطية الهائمة، وضيعت حقيقته النبيلة وسط ضجيج التعقل والاتزان والمصلحة؛ حتى وصل التحريف والانهزام ببعضهم أن يقولوا: بأن قتالنا لليهود المحتلين والنصارى المجرمين ليس قتالًا عقديًا، وإنما هو فقط صراعٌ على أرض احتلوها وديارٍ اغتصبوها، وهذا جزاء من يعرض عن الحق، وينقاد إلى استحسانات آرائه، وجواذب أهوائه، أن يتنقل من ضلالة إلى ضلالة، ومن عماية إلى عماية، ومن انحراف إلى انحراف؛ قال ﷻ: ﴿فَلۡيَحۡذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنۡ أَمۡرِهِۦٓ أَن تُصِيبَهُمۡ فِتۡنَةٌ أَوۡ يُصِيبَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: 63].

ص 2381

فليعلم هؤلاء وغيرهم ممن تقمصوا ثوب الوسطية زورًا ومينًا أن الإسلام دين السيف، نقولها ولا نستحيي منها، ولا نتهرب من رفع الصوت بها، فنبينا هو الضحوك القتال، ونبي الرحمة والملحمة، فالسيف والتوحيد لا يفترقان أبدًا، فلا إقرار للتوحيد بغير السيف والقوة، ولا معنى للسيف إن لم يكن لأجل التوحيد، قال الله تعالى: ﴿وَقَٰتِلُوهُمۡ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتۡنَةٞ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ كُلُّهُۥ لِلَّهِۚ فَإِنِ ٱنتَهَوۡاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ﴾ [الأنفال: 39].

وقال النبي ﷺ: (بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد اللهُ تعالى وحده لا شريك له)٣٬٢١٤[رواه أحمد: (٥١١٤)، وصححه الألباني في صحيح الجامع: (2831)].، وقال ﷺ: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله)٣٬٢١٥[سبق في: (ص 95)].

وإننا لا ننتظر لإسباغ الشرعية على جهادنا الطلبي والدفاعي، إقرارًا من دين سوى الإسلام، ولا قانونًا من منظمة عالمية أو شرعية دولية، ولا نُظمًا تواطأت عليها الأعراف الأرضية؛ فكل هذه أصنام يجب هدمها، وطواغيت يلزم السعي لنسفها، وهي أول ما يجب أن يُكفر به ويتبرأ منه، وهي وإن عظمها أهلها وفخموها وأنفقوا عليها نفائس أموالهم، وقضوا لنشرها زهرات أعمارهم؛ فإنها ومَن يروج لها أهون عندنا من جناح البعوضة، وأحقر من الجعلان، قال ﷻ: ﴿إِنَّكُمۡ وَمَا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمۡ لَهَا وَٰرِدُونَ ٩٨ لَوۡ كَانَ هَٰٓؤُلَآءِ ءَالِهَةٗ مَّا وَرَدُوهَاۖ وَكُلّٞ فِيهَا خَٰلِدُونَ﴾ [الأنبياء: 98-99].

فدين الإسلام لا الأمم المتحدة ولا الأعراف الدولية هو الذي قال لنا: ﴿قَٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَا بِٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ ٱلۡحَقِّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ حَتَّىٰ يُعۡطُواْ ٱلۡجِزۡيَةَ عَن يَدٖ وَهُمۡ صَٰغِرُونَ﴾ [التوبة: 29].

ص 2382

وما قال لنا: كفوا عنهم إن لم يحتلوا أرضكم، ويداهموا بلادكم، ويتسلطوا على دياركم، فالأمر ليس بحاجة إلى فلسفات الوسطية الانهزامية، ولا تخرصات عقول الاتزان الكاذب، ولا التمويه على الأعداء وتضليلهم لنخبرهم بخلاف ما أمرنا؛ فإما أن يؤمنوا بالله ﷻ، وإما أن يخضعوا لأحكام الإسلام، فإن أبوا استعنَّا بالله ﷻ وقاتلناهم، وهو أمرٌ جليٌّ لا يخلو منه كتاب من كتب الفقه، ولكن عُميت عنه أبصار المنهزمين لما عميت بصائرهم، قال ﷻ: ﴿وَلَا تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلۡسِنَتُكُمُ ٱلۡكَذِبَ هَٰذَا حَلَٰلٞ وَهَٰذَا حَرَامٞ لِّتَفۡتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفۡتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ لَا يُفۡلِحُونَ﴾ [النحل: 116].

وباسم الوسطية والاعتدال؛ تمحل المتمحلون لإلغاء ومحو كثيرٍ من الألفاظ والكلمات الشرعية التي تثير حفيظة الغرب الكافر، وتحول دون التقارب والتفاهم معه، فوضعوا كلمة «الآخر» محل كلمة «الكافر»، واستبدلوا بكلمة «الكافرين» كلمة «غير المسلمين»، ووصفوا دين النصرانية، واليهودية، «بالأديان السماوية»، بل بالغ بعضهم في شططه فسمى اليهود والنصارى «بالمؤمنين»؛ فجرت بمثل هذه الكلمات ألسنتهم، وسالت بتدوينها أقلامهم، وامتلأت منها مواقعهم وحواراتهم، وثقل على أصحابها الوسطيين أن ينطقوا بما نطق به كتاب الله ﷻ وسنة نبيه ﷺ، حتى صار حال بعضهم يشبه حال من قال الله ﷻ فيهم: ﴿وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُنَا بَيِّنَٰتٖ تَعۡرِفُ فِي وُجُوهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلۡمُنكَرَۖ يَكَادُونَ يَسۡطُونَ بِٱلَّذِينَ يَتۡلُونَ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِنَاۗ﴾ [الحج: 72].

أما وسطية الإسلام فهي التي قسمت الناس إلى فريقين لا ثالث لهما، قال ﷻ: ﴿فَرِيقًا هَدَىٰ وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيۡهِمُ ٱلضَّلَٰلَةُۚ﴾ [الأعراف: 30].

فإما أن يكون من أهل الإيمان، وإما أن يكون من أهل الكفران، قال الله ﷻ: ﴿هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ فَمِنكُمۡ كَافِرٞ وَمِنكُم مُّؤۡمِنٞۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [التغابن: 2].

ص 2383

وإن هذه الدعوات المنحرفة التي تتسلل إلى مسائل الدين على مهل واختفاء، وبتلبيس ومراوغة، ويهون الكثيرون من شأنها، بل يعدها بعضهم ظفرًا ما بعده ظفر، وحكمةً ما فوقها حكمة، أقول: إن هذه الدعوات إن لم تواجه من علماء الأمة الصادقين ودعاتها الغيورين بكل حزم وجرأة وصراحة؛ ستكون عاقبتها إحداث دين جديد -بكل ما تحمل هذه الكلمة من معان-، وإني لأرى معالمه قد بدأت تتشكل، فهو دينٌ جديدٌ في مصطلحاته، جديدٌ في مفاهيمه، جديدٌ في ضوابطه وأصوله، جديدٌ في عقائده وفروعه، بل جديدٌ في عباداته ومعاملاته، وجديدٌ في مصادر تلقيه، ثم يقال لنا: هذا هو الإسلام المعتدل، والإسلام المتزن، إسلام القرن الحادي والعشرين، إسلام الانفتاح والتآخي والسلام، إسلام الوسطية والتعقل، وما هو إلا إسلام «مؤسسة راند» وضراتها، الإسلام الذي يسعى أئمة الكفر في حملتهم الصليبية العصرية للوصول إليه.

ولن يكون لهم ذلك حتى يلج الجمل في سم الخياط، فموتوا بغيظكم والعقوا الحسرات، فدين الله ﷻ محفوظ، ولا يُهلكن امرؤٌ إلا نفسه، قال ﷻ: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمۡ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيۡهِمۡ حَسۡرَةٗ ثُمَّ يُغۡلَبُونَۗ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحۡشَرُونَ ٣٦ لِيَمِيزَ ٱللَّهُ ٱلۡخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ وَيَجۡعَلَ ٱلۡخَبِيثَ بَعۡضَهُۥ عَلَىٰ بَعۡضٖ فَيَرۡكُمَهُۥ جَمِيعٗا فَيَجۡعَلَهُۥ فِي جَهَنَّمَۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ﴾ [الأنفال: 36-37].

فهذا هو دين الإسلام بوسطيته الحقة، وعدله الكامل، ودعوته الصريحة، لا ما يموه به أصحاب النفوس المنهزمة، والقلوب المريضة، والعقول المضللة وإن صفق لهم الملايين، قال ﷻ: ﴿وَقُلِ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكُمۡۖ فَمَن شَآءَ فَلۡيُؤۡمِن وَمَن شَآءَ فَلۡيَكۡفُرۡۚ﴾ [الكهف: 29].

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

❖ ❖ ❖

ص 2384

📚
نهاية هذا المبحث

لقد أتممت قراءة كتاب: وسطية الإسلام ووسطية الانهزام

يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.

تحميل الكتاب مفردًا