فلسطين.. صيحة نذير، وصرخة تحذير
[يُحتمل أنها في: ذي القعدة 1430 هـ / 11 - 2009م]
۞
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد..
أمة الإسلام، أمة التضحية والإقدام، أمة الثبات والوفاء السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
قال الله ﷻ وقوله أصدق قيلا وأحسن حديثا: ﴿وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَيُطِيعُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓۚ أُوْلَٰٓئِكَ سَيَرۡحَمُهُمُ ٱللَّهُۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ﴾ [التوبة: 71].
فانطلاقًا من مبدأ التناصح في الدين الذي هو ركيزة أساسية من ركائزه الراسخة، واستجابةً لنداء الولاء الإيماني الذي يتمثل بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وينبثق منه التواصي بالحق والتعاون على القيام به؛ فهذه كلماتٌ أقتطعها من فؤادي المحب لأبعثها إلى إخواني في الأرض المقدسة المباركة فلسطين السليبة التي ما فتئت تتدفق دماؤها جراء طعنات اليهود المحتلين حتى فوجئت بخنجر حاد ينفذ إلى مقاتلها ويُركز في أحشائها؛ فنكبت به نكبة ضاعفت محنتها وأضعفت قوتها.
وذلك بعد المنزلق الهاوي الذي زلت فيه أقدام ساسة حماس وأوردوا جماعتهم مهلكة تائهة لا مخرج لهم منها، ولا نجاة من مخادعات سرابها، إلا بالاستيقاظ من أحلام سبات عميق خدروا بها أنفسهم وخيبوا أتباعهم وأنصارهم، وبالعود الصريح الواضح إلى نهج الجهاد في ساحات الوغى والذي تسللوا لواذًا لتركه شيئًا فشيئًا؛ حتى آل بهم الحال إلى هذه الهوة السحيقة العميقة تحت غطاء العملية السياسية ودعوى الحفاظ على الوحدة الوطنية.
وقبل ذلك أحب أن أقول: إننا مسلمون تجمعنا عقيدة الإسلام الحقة، ويربطنا رابط الولاء المتين، وتشدنا آصرة الأخوة الإيمانية، ومقتضى هذه الأخوة حينما نكون صادقين فيها متجردين لها؛ هو إسداء النصح وقبوله أيضًا، وقد قال الله ﷻ: ﴿وَلۡتَكُن مِّنكُمۡ أُمَّةٞ يَدۡعُونَ إِلَى ٱلۡخَيۡرِ وَيَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ﴾ [آل عمران: 104].
وفي حديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال: «بايعت رسول الله ﷺ على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم»٣٬٣٥٩[متفق عليه، البخاري: (٢٧١٥)، ومسلم: (٥٦)].، ولذا فلا يحق لمسلم مهما ارتقى أن يأنف من استماع النصح إن كان جادًا في توخي الحق، حريصًا على اتباعه، ولا أن يجعل بينه وبينه حجبًا وعقبات يموه بها ويحسبها عذرًا تعفيه من تَقُبِّل ما يصله من الحق ومن أي جهة كانت، ما دام ما يقال له وينصح به: دعوة صادقة وهداية راشدة وحقًا صريحًا، فالكلمة الحِكْمة ضالة المؤمن؛ حيثما وجدها فهو أحق بها، وإلا فلئن استطاع المرء بفصاحة لسانه وقوة بيانه؛ أن يقنع الناس بتمويهاته وتلبيساته وحججه، التي يعلم هو قبل غيره أنها داحضة، فما عساه أن يقول لربه ﷻ غدًا: ﴿يَوۡمَ تُبۡلَى ٱلسَّرَآئِرُ ٩ فَمَا لَهُۥ مِن قُوَّةٖ وَلَا نَاصِرٖ ١٠﴾ [الطارق: 9-10]؟! أما يخشى وقد لبس على الناس دينهم وزين لهم الباطل حتى ارتضوه واتبعوه؟ أما يخشى أن يكون له نصيب ممن قال الله ﷻ فيهم: ﴿لِيَحۡمِلُوٓاْ أَوۡزَارَهُمۡ كَامِلَةٗ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَمِنۡ أَوۡزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيۡرِ عِلۡمٍۗ أَلَا سَآءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [النحل: 25].
قلت هذا الكلام؛ لأننا سمعنا مرارًا وتكرارًا من قادة حماس السياسيين كلما قدم لهم بعض قادتنا نصائح، أو خاطبوهم بتوجيهات أو حذروهم من مزالق وانحرافات، قالوا: إن نهجنا يختلف عن نهج تنظيم القاعدة! أو إننا لسنا في حاجة إلى نصائح قادة القاعدة! وجُعِلت هذه العبارات التي لا مكان لها في الشرع حائلًا يُدفع به الحق ويمنع من الاسترشاد به.
ومن عجائب المفارقات في هذا الصدد: أن مثل هذه العبارات صرح بها بعض كبارهم وهم في قلب عاصمة الإلحاد والإفساد موسكو، وفي الوقت الذي كانوا يثنون فيه على نتائج لقائهم واجتماعهم بالسفاحين القتلة من قادة روسيا الملحدة، والذين لا يقل إجرامهم وإفسادهم بحال عن جرائم شارون وحزبه، بل ويصفون تلك الاجتماعات بأنها إيجابية ومثمرة!
فيا ساسة حماس: هل أصبح الطاغية بوتين وحزبه الأرعن أحرص عندكم وفي قاموس موازناتكم على مصلحة فلسطين والفلسطينيين من الشيخ المجاهد أيمن الظواهري حفظه الله؟!
وأي رابطة هذه التي تربطكم يا قادة حركة المقاومة الإسلامية -وأقول الإسلامية- بقيادة الإلحاد والخراب والدمار في موسكو؛ حتى تطمئنوا إلى نصائحهم وتصدقوا أقوالهم وتثنوا على مواقفهم وتصغوا لإرشاداتهم؟!
أهو حب بوتين ودولته لتحرير فلسطين -كل فلسطين- وسعيه لطرد المحتل الصهيوني المفسد من أرضها؟!
أم هو حرصه الجاد على أمان واستقرار الشعب الفلسطيني المنكوب؟!
أم هو عداؤه السافر لدولة بني صهيون وموالاته لكم؟!
ألا تعتبرون وتتعظون بمن كان قبلكم من المنظمات والدول التي ولَّت وجهها تارة شطر الشرق وتارة شطر الغرب؛ فأصبحوا كالشاة العائرة بين الغنمين، تعير إلى هذه مرة وإلى هذه مرة لا تدري أيهما تتبع، وقبلوا بكل نصير إلا الله ﷻ؛ فعاشوا دُهُورهم وقضوا أعمارهم بالمخادعات والمراوغات والأماني الكاذبات؛ فما زادوا أمتهم بعمالتهم ونذالتهم إلا ذُلًّا إلى ذلها، وأرغموها لتكون ذنبًا منقادًا لأعدائها، وسلخوها من الاعتزاز بهويتها، أَوَ تريدون أن تعيدوا الكرة عليها بعد أن طفقت الحياة تدب في عروقها؟ فسبحان الله! قال الله ﷻ: ﴿ٱلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ ٱلۡكَٰفِرِينَ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۚ أَيَبۡتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلۡعِزَّةَ فَإِنَّ ٱلۡعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعٗا﴾ [النساء: 139]، وقال ﷻ: ﴿وَمَن يَتَوَلَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فَإِنَّ حِزۡبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلۡغَٰلِبُونَ﴾ [المائدة: 56].
ألستم تقرؤون في كتاب الله ﷻ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ بِطَانَةٗ مِّن دُونِكُمۡ لَا يَأۡلُونَكُمۡ خَبَالٗا وَدُّواْ مَا عَنِتُّمۡ قَدۡ بَدَتِ ٱلۡبَغۡضَآءُ مِنۡ أَفۡوَٰهِهِمۡ وَمَا تُخۡفِي صُدُورُهُمۡ أَكۡبَرُۚ قَدۡ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِۖ إِن كُنتُمۡ تَعۡقِلُونَ﴾ [آل عمران: 118].
فها أنتم -يا ساسة حماس- لم تتوقفوا في اتخاذ البطانة منهم عند المغمورين الذين لا يحركون ولا يسكنون من النصارى الذين رشحتموهم ضمن جماعتكم «الإسلامية!» حتى قفزتم قفزة أودت بجهود حركتكم وبددت تضحيات شبابكم، وولجتم هذه المهلكة القاتلة؛ فجعلتم بطانتكم ومحل الثقة في مشورتكم: أئمة الكفر ورؤوس الطغيان وأركان الإلحاد.. فأين أين تذهبون؟!
أأصبح هذا المجرم الملحد المفسد؛ الذي دمر بلدًا مسلـمًا وأباد شعبًا كاملًا في الشيشان، وشرَّده في الأودية والشعاب والصحاري تشريدًا فاق تشريد اليهود لشعبنا المسلم في فلسطين؛ أأصبح أقرب إليكم يا قادة حماس من أناس أثبتوا صدقًا وحقًا ولاءهم لله ﷻ ولرسوله وللمؤمنين، وبرهنوا قولًا وعملًا على تبنيهم لقضية فلسطين واجتهادهم لرفع معاناة شعبها المسلم، لا مِنَّةً منهم ولا تطوعًا يسدونه إليهم، ولكنه الشعور بالواجب الشرعي الذي ينطلقون منه في كل قراراتهم وسياساتهم وتوجيهاتهم ومواقفهم والذي يفترض أن يكون منطلقكم أنتم أيضًا.
إنني لأعلم أن أناسًا مشفقين ومحبين وناصحين سيقولون: ألم تجد إلا حركة حماس التي تقف اليوم بشبابها وأبطالها في وجه المشروع الصهيوني؛ لتجعلها محلًا لنصائحك وعنوانًا لكلماتك، وفي هذا الظرف العصيب الكئيب حيث التقت عليها قوى الخارج والداخل، وطُوِّقت بحصار اقتصادي وسياسي قاتل؟! فأقول:
أولًا: إن واجب النصيحة لم يستثن منه أحد ولا يستغني عنه فرد ولا جماعة، وقد قال النبي ﷺ: (الدين النصيحة- ثلاثًا-)، قلنا لمن؟ قال: (لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم)٣٬٣٦٠رواه مسلم [٥٥]..
ولولا النصيحة لما بقي للدين باقية ولما قامت له قائمة، ولأصبح شرعًا ممسوخًا ببدع المبتدعة، ومدنسًا بتلطيخ أهل الأهواء، وممزقًا بنتائج أفكار الفلاسفة والعقلانيين، ومنكوسًا بجشع الحكام وأطماع المتسلطين، وما بَلَغنا بصفائه ونقائه ويسره إلا بنصح الناصحين وتقويم الصادقين وصراحة الصادعين.
وكما أن الأرض المقدسة لا تُقَدِّس أحدًا، وإنما يقدس الإنسانَ عملُه كما قال سيدنا سلمان الفارسي رضي الله عنه٣٬٣٦١[موطأ مالك (2842)، وهو حسن بطرقه، انظر: موسوعة بيت المقدس وبلاد الشام الحديثية، لأحمد أيوب (ص267)].؛ فكذلك الأسماء لا تعصم أو تنزه أو تكرم أحدًا، إنما يرفع الإنسان ويبجله استقامة عمله: ﴿إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٞ﴾ [الحجرات: 13].
ونحن نقول: نعم، إن حماسًا في مأزق ومضيق، ولكن من الذي ألجأها إليه ودفعها نحوها وألقاها بين مطحنة المطالب الشعبية ومقارع الضغوطات الدولية وإغراءات المساومات العربية؛ حتى أصبح منتهى التجلد وغاية علامة الثبات على المبدأ هو: رفضها الاعتراف بإسرائيل، بعد أن كانت تنادي بوجوب إزالتها من الوجود أصلًا، واسترداد كل ذرة من فلسطين إلى الحكم الإسلامي والمِلكية الإسلامية؟!
ولهذا فإننا بهذه الكلمات لا مقصد لنا إلا إخراج الحركة من ورطتها التي ألقت نفسها في حبائلها، ومطلبنا هو: نبذها لهذا المسلك الردي الذي اقتحمته من غير مسوغ شرعي ولا عقلي.
ثم أقول ثانيًا: رغم أننا كنا نرصد المزالق المتعددة الخطرة التي كانت تَزِل فيها أقدام قادة الحركة حينًا بعد حين من خلال سياساتهم وتصريحاتهم ولقاءاتهم ومواقفهم، ورغم علمنا أن المنهج الذي وضعوا أنفسهم فيه لن يُجنى من ورائه إلا ضياع الجهود وتزايد الانحرافات وتوالي التنازلات، إلا أننا آثرنا أن ندع الأمر إلى الواقع والمشاهدة؛ لينكشف لكل منصف انحراف النهج الذي يسلكونه، ويظهر للعيان ظهورًا لا خفاء فيه: تخليهم عن الشعارات التي كانوا يدندنون حولها وينادون بها ويُلهِبون حماسة شعب فلسطين برفعها، فحينما طفح الكيل وفاض السيل وبدأت أفعالهم تعود بالشعب الفلسطيني المسلم إلى نقطة الصفر، وأصبح خُلاصة سعيهم ترسيخ العلمانية الجديدة في واقع وأفهام الناس، وتجلت الحقيقة لكل طالب حق جلاءً لا غبش فيه؛ كان لزامًا علينا، بل على كل مسلم أن يسعى لإنقاذ تضحيات هذا الشعب الأبي من تلاعب المتلاعبين ومخادعات طلاب المناصب وأرباب المراتب، فسكوتنا يعني أننا شركاء في هذه الفعلة الشنعاء التي هي تضييع للدين وتحريف للحق المبين، ومجاراة للباطل المهين، وسرقة وتبديد لجهود الصادقين المخلصين، ونعوذ بالله من خيانة دماء الأبطال والشهداء، وقد قال الله ﷻ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَخُونُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُوٓاْ أَمَٰنَٰتِكُمۡ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ﴾ [الأنفال: 27].
وما علينا إلا أن نبلغ الحق ونقذف به على الباطل، ومبتغانا في ذلك رضا الله ﷻ وحده ولو سخطت علينا الأرض كلها، قال ﷻ: ﴿ٱلَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَٰلَٰتِ ٱللَّهِ وَيَخۡشَوۡنَهُۥ وَلَا يَخۡشَوۡنَ أَحَدًا إِلَّا ٱللَّهَۗ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيبٗا﴾ [الأحزاب: 39]، وقال النبي ﷺ: (من أرضى الله بسخط الناس كفاه الله ومن أسخط الله برضا الناس وكله الله إلى الناس)٣٬٣٦٢[صحيح ابن حبان: (٤٨٦٥)، وصححه الألباني]..
إن مقتضى تسمية حركتكم بالمقاومة الإسلامية أن تكون مستمسكة بطريق الجهاد الذي أسميتموه مقاومة مع تحفظنا على هذا الإطلاق إلا أنه لا مفهوم لها إلا ذلك.
ثم إن هذه الحركة كما يريدها أصحابها هي حركة إسلامية، ولا معنى لإسلاميتها إلا بتميزها الشامل عن سائر الحركات الوطنية والقومية، وذلك بالتزامها الكامل بأحكام الإسلام ظاهرًا وباطنًا؛ في علمها وعقائدها ودعوتها وتحريضها وجهادها وسياستها وعلاقاتها وبياناتها، قال ﷻ: ﴿قُلۡ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحۡيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٦٢ لَا شَرِيكَ لَهُۥۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرۡتُ وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلۡمُسۡلِمِينَ﴾ [الأنعام: 162-163]؛ فبهذا تستبين سبيل المجرمين، وتزايل سبيل المؤمنين في أصول القضايا وفروعها وكلياتها وتفاصيلها، وتتمايز الرايات، وتُحَدَّد الأهداف، فلا تبقى هائمة عائمة مائعة لا يعرف فيها حق من باطل، ولا يلتبس صادق بكاذب، قال ﷻ: ﴿وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ وَلِتَسۡتَبِينَ سَبِيلُ ٱلۡمُجۡرِمِينَ﴾ [الأنعام: 55].
ومن هنا فإن أصل إقامة حركتكم وتأسيسها ليكون الدين كله لله ﷻ، لا أن يُجزَّأ ويبعض وينتقى منه ما يوافق النفوس وينبذ الباقي وراء الظهور تحت دعاوى المصالح والسياسات ومتطلبات العصر؛ فكيف تجعلون الدين لله في الخطب الرنانة والشعارات البراقة وعند دغدغة عواطف الناس وإيقاد حماسة الشباب حتى إذا قرعتم أبواب السياسة العرجاء العوجاء، واستظللتم بقبة المجلس التشريعي الشركي، والتقيتم أئمة الكفر وطوفتم في الأرض شرقًا وغربًا؛ تنكرتم له بأفعالكم، وأهنتموه بأقوالكم؟! فأخبرونا إذن عن أي إسلام تتحدثون، وأي شريعة تلك التي ستقيمون، ولتطبيقها تسعون حسب ما تزعمون؟! قال ﷻ: ﴿وَجَعَلُواْ لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلۡحَرۡثِ وَٱلۡأَنۡعَٰمِ نَصِيبٗا فَقَالُواْ هَٰذَا لِلَّهِ بِزَعۡمِهِمۡ وَهَٰذَا لِشُرَكَآئِنَاۖ فَمَا كَانَ لِشُرَكَآئِهِمۡ فَلَا يَصِلُ إِلَى ٱللَّهِۖ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَىٰ شُرَكَآئِهِمۡۗ سَآءَ مَا يَحۡكُمُونَ﴾ [الأنعام: 136].
لقد غدا الدين بهذا المسخ والتشويه والتلاعب والتخير لا حقيقة له، ولا وجود إلا في عالم المزاعم والدعايات وفي ذاكرة الأوهام والخيالات: ﴿ذَٰلِكُمۡ قَوۡلُكُم بِأَفۡوَٰهِكُمۡۖ وَٱللَّهُ يَقُولُ ٱلۡحَقَّ وَهُوَ يَهۡدِي ٱلسَّبِيلَ ٤﴾ [الأحزاب: 4]؛ فأين دينكم يا قادة حماس من قضية تحكيم الشرع -كل الشرع- والتي ذبحتموها بأيديكم يوم أن رضيتم بالدين الديمقراطي الكفري الذي يقوم على أساس: حاكمية الشعب وسيادة الشعب؟! فدين الله يقول: ﴿إِنِ ٱلۡحُكۡمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ﴾ [يوسف: 40]، ودين الديمقراطية الذي نَخر في جسد أمتنا المنهكة يقول: إن الحكم إلا للشعب؛ فليس الفصل لأحد سواه، فهو في دينها لا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه، فأي الدينين تختارون وأي الحكمين ترتضون؟!
وأين دينكم يا قادة حماس من اختصاص ربكم -الذي تزعمون أنكم ستقيمون دينه- بحق التشريع، والذي هدمتم بنيانه وقلعتم أركانه باسم السياسة والكياسة والحنكة ونضوج الفكر، يوم أن نصبتم أنفسكم تحت القبة البرلمانية -دار الندوة- مشرعين تنازعون الله ﷻ في هذا الحق؛ تلك القبة السافلة التي جُعل لها الحق وفق الدستور العلماني الذي أقسمتم على احترامه في أن تحلل وتحرم، وتشرع وتلزم؛ فالحلال ما أحله أهلها، ولو كان في دين الله حرامًا، والحرام ما حرمه أربابها ولو كان في شرع الله حلالًا.
فدين الله تعالى يقول: ﴿أَلَا لَهُ ٱلۡخَلۡقُ وَٱلۡأَمۡرُۗ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ [الأعراف: 54]، ويقول: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤۡمِنٖ وَلَا مُؤۡمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَمۡرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلۡخِيَرَةُ مِنۡ أَمۡرِهِمۡۗ وَمَن يَعۡصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدۡ ضَلَّ ضَلَٰلٗا مُّبِينٗا﴾ [الأحزاب: 36]، ومجلسكم التشريعي الشركي الذي ارتضيتم أن تكونوا أبرز أقطابه يقول: بل نحن الأرباب المُعَقِّبون، فلا حكم إلا ما قررناه، ولا قانون إلا ما ارتضيناه، ولا إلزام لأحد إلا بما ألزمناه، ولا عقوبة إلا حيث خولف ما شرَّعناه، فلنا بالانتماء إليه الخيرة من أمرنا، ولو قضى الله ورسوله أمرا سواه!
إننا لن نفتري عليكم ولا على مجلسكم الذي جمع شركاء متشاكسين، ولكن قولوا لنا بربكم: أوَ ليس ما ذكرناه هو حقيقتَه ولبَّه ومضمونه ولو زعم الزاعمون خلاف ذلك؟!
أتستطيع حركتكم الإسلامية أن تلزم الشعب الفلسطيني بحكم شرعي واحد قبل إمراره على قناة مجلس الشرك والتعقب لأحكام الله؟ فما لكم كيف تحكمون؟!
ولتعلموا أن الأسماء مهما زُينت ونُمقت؛ لن تغير من الحق شيئًا، ولن تُسَوِّغ لأصحابها اتباع الباطل والتفلت من أوامر الشرع، والإعفاء من المؤاخذة في الدنيا والآخرة، وقد قال النبي ﷺ: (ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها)٣٬٣٦٣[رواه البخاري في التاريخ الكبير: (967)، وأحمد: (18073)، وابن ماجه: (٣٣٨٤)، وصححه الألباني].؛ فالضلال هو الضلال، والكفر هو الكفر، والتشريع هو التشريع، والتلاعب بالدين هو كذلك؛ سواء سماه أصحابه سياسة أو فطنة أو مصلحة أو مراعاة للمصلحة الوطنية أو اتباعًا للإجماع العربي، قال ﷻ: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكۡثَرُهُمۡ إِلَّا ظَنًّاۚ إِنَّ ٱلظَّنَّ لَا يُغۡنِي مِنَ ٱلۡحَقِّ شَيۡـًٔاۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِمَا يَفۡعَلُونَ﴾ [يونس: 36].
وأين دينكم يا قادة حماس من قضية الولاء والبراء التي هي لُبُّ الإسلام وروحه وركنه الركين وقِوامه المتين وأوثق عراه، والذي ينفرط بقطعها عقد الإسلام وتتناثر وتتلاشى أحكامه؛ لتصبح فرائس تتخطفها أيدي العابثين، وتُحَرفها عقول المخبولين، وتملأ بغيابها الأرض بالفساد والإفساد، وتعم الفتن، وتتوالى المحن، وهو ما تعيشونه اليوم من بني جلدتكم الذين تتوددون لهم وهم لكم كارهون؟!
قال ﷻ: ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٍۚ إِلَّا تَفۡعَلُوهُ تَكُن فِتۡنَةٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَفَسَادٞ كَبِيرٞ﴾ [الأنفال: 73].
فالإسلام قد جعل رابطة الولاء واحدة؛ ألا وهي رابطة الإيمان فقال ﷻ: ﴿إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ إِخۡوَةٞ﴾ [الحجرات: 10]؛ فهي قطب الرحى وعليها المدار؛ فالمؤمن أخو المؤمن قرب أم بعد، عربيًا كان أم أعجميًا، أسود أم أبيض، رجلًا أو امرأة، وقد أعلن النبي ﷺ هذا المبدأ الأصيل في أكبر تجمع شهده المسلمون، فقال: (يا أيها الناس! إن ربكم واحد وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي ولا لأحمرَ على أسود، ولا لأسودَ على أحمر؛ إلا بالتقوى، إن أكرمكم عند الله أتقاكم ألا هل بلغت)، قالوا: «بلى يا رسول الله»؛ قال: (فليبلغ الشاهد الغائب)٣٬٣٦٤[رواه أحمد: (٢٣٤٨٩) بخلاف يسير، وصحح إسناده الأرنؤوط]..
فما بالنا نسمع منكم اليوم روابط أخرى وبدائل مستحدثة ما لها في الإسلام نصيب؛ فغدت الوطنية والوحدة الفلسطينية وغيرها هي مرتكز علاقاتكم، وأساس روابطكم؛ فركبتم بها الصعب والذلول، واقتحمتم من خلالها مفاوز الضلال؛ فأوبقتكم ودنَّست جماعتكم التي طهرها الشهداء بدمائهم، حتى لم يعد المستمع لتصريحاتكم ولقاءاتكم ليفرق بينكم وبين الحركات العَلْمانية التي آخيتموها وواددتموها وواليتم قادتها وأتباعها.
إن هذه المسالك المُعْوَجَّة هي التي صار بها البهائي عبد البيت الأبيض سيدًا ورئيسًا وأخًا وصاحب فخامة، بينما حكمتم على قضية الشيشان تملقًا للملاحدة واستجداءً لرضاهم بأنها «قضية داخلية» لا شأن لكم بها كما صرح بذلك بعض ساستكم، وهو ما أنتجه «فقه الصفقات السياسية المشينة» الذي ضلل العقول وصدع مبادئ الدين، أما فقه الإسلام وهدي النبوة الذي به نستضيء فيقول لنا: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمَّى)٣٬٣٦٥[سبق في: (ص 2908)].، قال الله ﷻ: ﴿لَّا تَجِدُ قَوۡمٗا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ يُوَآدُّونَ مَنۡ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَوۡ كَانُوٓاْ ءَابَآءَهُمۡ أَوۡ أَبۡنَآءَهُمۡ أَوۡ إِخۡوَٰنَهُمۡ أَوۡ عَشِيرَتَهُمۡۚ﴾ [المجادلة: 22]، وقال ﷻ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُوٓاْ ءَابَآءَكُمۡ وَإِخۡوَٰنَكُمۡ أَوۡلِيَآءَ إِنِ ٱسۡتَحَبُّواْ ٱلۡكُفۡرَ عَلَى ٱلۡإِيمَٰنِۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ﴾ [التوبة: 23]، وقال النبي ﷺ: (أوثق عرى الإيمان: الموالاة في الله والمعاداة في الله والحب في الله والبغض في الله ﷻ)٣٬٣٦٦[أورده بهذا اللفظ السيوطي في جامع الأحاديث: (9531)، وقد تقدم مختصرًا في: (ص 2365)]..
نعم، إن تقحمكم لهذا الطريق الخطر من غير مبالاة ولا اكتراث؛ هو الذي جعل الروافض في إيران الذين هم أعداء الصحابة، بل أعداء دين الإسلام جعلهم إخوة لكم، تداهنونهم على حساب عقيدتكم وتبشون لهم؛ هادمين بذلك أصول دينكم، وقد عظمتم أئمتهم وقدستم مراقد جيفهم بزياراتكم، وفتحتم لهم أبواب التشييع للشعب الفلسطيني المسلم السني، وأطلقتم أيديهم المفسدة عبر جماعتكم؛ لتعبث في الأرض المقدسة فسادًا: تُهَدِّم عقائد الناس، وتلوث أفكارهم، وتحرف فطرهم، كل ذلك تحت حجج المصلحة وأوهام الحاجة وأكاذيب الضرورة، وأنتم في كل ذلك تتعامُون عن جرائمهم التاريخية والعصرية، والتي لا تقل والله عن جرائم اليهود المجرمين؛ فكان حالكم وحالهم كالمستجير من الرمضاء بالنار.
وفي مقابل ذلك؛ تنكرتم لإخوانكم في العقيدة والمنهج من المجاهدين الصادقين الذين إن نصحوا؛ نصحوا بالحق، وإن نصروا؛ نصروا بالصدق، وإن حكموا؛ حكموا بالعدل، بعيدًا عن أضاليل الأهواء وأقاويل أرباب الفساد: ﴿فَأَيُّ ٱلۡفَرِيقَيۡنِ أَحَقُّ بِٱلۡأَمۡنِۖ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٨١ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمۡ يَلۡبِسُوٓاْ إِيمَٰنَهُم بِظُلۡمٍ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلۡأَمۡنُ وَهُم مُّهۡتَدُونَ﴾ [الأنعام: 81-82].
وإنني أخاطب تلك الفِتية الفَتيَّة النقية من القساميين البواسل الأبطال تلامذة الأسد يحيى عياش رحمه الله، الأوفياء لدماء إخوانهم الشهداء الذين ضربوا أروع الأمثلة في صنوف التضحية وقصص الإقدام؛ بشجاعة نادرة وغيرة صادقة وجرأة يتهيب من مثلها الأبطال، أخاطبهم مخاطبة المحب المشفق فأقول لكم:
[البحر: الكامل]
[البحر: الكامل]
أَكَتَائِبُ القَسَّامِ أَيْنَ الثَّارُ | أَيْنَ الْقَنَابِلُ أَيْنَ أَيْنَ النَّارُ؟ | |
أَيْنَ ابْنُ عَيَّاشٍ يُجَدِّدُ مَجْدَكُمْ | فَنَرَى بِهِ صَرْحَ العِدَا يَنْهَارُ | |
فَبِكُمْ سَمَتْ شَمْسُ الْجِهَادِ وَأَرْسَلَتْ | نُورًا تَصَاغَرَ حَوْلَهُ الْأَنْوَارُ | |
وَالْمَسْجِدُ الْأَقْصَى عَلَتْهُ بَشَاشَةٌ | لَمَّا تَسَاقَطَ دُونَهُ الْأَبْرَارُ | |
وَبَعَثْتُمُ الْآمَالَ فِي أَعْمَاقِهِ | فَرَأَى الفِكَاكَ يَسُوقُهُ الْإِصْرَارُ | |
وَالْيَومَ غَطَّتْهُ الْكَآبَةُ آسِفًا | إِذْ أَبْعَدَ السَّيْفَ الصَّقِيلَ حِوَارُ | |
فَاسْتَمْسِكُوا بِالْعُرْوَةِ الوُثْقَى وَلَا | يُرْضْيكُمُ شَجْبٌ وَلَا اسْتِنْكَارُ٣٬٣٦٧[هذا من شعر الشيخ أبي يحيى، ولم يُذكر في غير هذا الموضع، وقد وضعته ضمن قسم الشعر في الأبيات المفردة للشيخ]. |
فورب السماء والأرض؛ لولا الله ﷻ أولًا، ثم مواجهتكم المسلحة وجهادكم الشرعي للمحتل الغاصب، وتحملكم في سبيل تلك الآلام والجراحات وباهظ التضحيات، وتقطيعكم لأوصال المغضوب عليهم بعملياتكم المسددة؛ لما كان لكم في هذه المعمعة وزن ولا قيمة، ولكنتم رقمًا تائهًا في مهب رياح المؤامرات؛ لا يعبأ به ولا يلتفت إليه.
بل ولما وصل هؤلاء القادة السياسيون إلى ما وصلوا إليه حيث تضلعوا في انتخاباتهم المَهينة بدماء الشهداء، واقتاتوا بجهود الشجعان، وارتقوا على متن أشلاء الجرحى، حتى إذا وطئت أقدامهم بِلاط مجلسهم التشريعي الشركي واستظلوا بقبته واتكؤوا على مقاعده؛ إذا بهم يحيون السنة «العرفاتية» من جديد ليعيدوها إلى الشعب الفلسطيني المنكوب غضة يافعة؛ فما بين تطواف دائم في عواصم المكر والخبث «موسكو، القاهرة، طرابلس، طهران، الرياض، دمشق» وغيرها.. إلى اللقاءات المتكررة بفراعنة الزمان وطغاة العصر وجلادي الأمم، إلى سياسة الاستجداء والتوسل والتنازلات من منظمات وهيئات؛ ما قامت أصلًا ولا تأسست إلا لتقوية وترسيخ دعائم دولة بني صهيون.
إن من حق كل واحد منكم -يا أبطال حماس الصادقين-، بل من حق كل مسلم أين ما كان؛ أن يسأل سؤالًا لا لجلجة فيه ولا مواربة: ما الذي يريدونه قادة حماس السياسيون؟ وإلى أي غاية يذهبون بها؟ ومن حق كل أحد أن يطالبهم بجواب صريح يحكم به على أعمالهم، ويقوِّم به حقيقةَ دعواهم، بعيدًا عن تُرَّهات التصريحات الصحفية البائسة، وليِّ الألسن ولوكها بالعبارات والشعارات الخاوية الجوفاء، التي لا تظل هذا الشعب المسكين من قَيْظ قنابل اليهود، ولا تدفئهم من زمهرير خيانات السلطة الفلسطينية وأشياعها.
إن قادة كأمثال هؤلاء الساسة الذين أثبتوا فشلهم وانحراف أفكارهم وترهَّل تدبيراتهم؛ لا يمكن لبصيرٍ بحقائق دينه، حريص على جني ثمار تضحياته أن يقبل بأن يكونوا هم من يقودونه ويسوسونه، مهما ادعوا الكياسة وفهم السياسة، ونضوجَ الفكر، والقدرة على التأقلم مع الظروف المتقلبة.
فوالله ثم والله إن بنيانًا يريد أن يشيده أصحابه على أساسٍ كهذا الأساس؛ لهو مُنهار بأصحابه لا محالة، زائل عند وضع أول لَبِنة، وسيكِدُّ بانيه وينصب ليبلغ غايته إن كان صادقًا في طلب بلوغها وما هو ببالغها: ﴿أَفَمَنۡ أَسَّسَ بُنۡيَٰنَهُۥ عَلَىٰ تَقۡوَىٰ مِنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنٍ خَيۡرٌ أَم مَّنۡ أَسَّسَ بُنۡيَٰنَهُۥ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٖ فَٱنۡهَارَ بِهِۦ فِي نَارِ جَهَنَّمَۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [التوبة: 109].
فمن أراد أن يقيم بنيان الدين، ويرسخ أركان الجهاد، ويُثَبِّت دعائم الحق ويصل إلى مقصد واضح؛ فعليه أن يعرف حقيقة دينه وأصوله التي لا يقوم عماده إلا عليها، وإلا فسيبقى يزرع في الماء ويحرث في الهواء فهل سيرجو بعد ذلك حصادًا؟ هيهات هيهات: ﴿فَمَن كَانَ يَرۡجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِۦ فَلۡيَعۡمَلۡ عَمَلٗا صَٰلِحٗا وَلَا يُشۡرِكۡ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦٓ أَحَدَۢا﴾ [الكهف: 110].
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
وصلى الله وسلم على نبيه الكريم
❖ ❖ ❖
لقد أتممت قراءة كتاب: فلسطين.. صيحة نذير، وصرخة تحذير
يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.
تحميل الكتاب مفردًا