خاتمة نسأل الله حسنها

الحديث الأربعون: عن سهلِ بن سعدٍ رضي الله عنه قال: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: (إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالْخَوَاتِيمِ)١٬٩٥٤رواه البخاري [٦٦٠٧]، وأحمد [٢٢٨٣5]، وغيرهما..

قال تعالى: ﴿وَلَا تَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمۡوَٰتَۢاۚ بَلۡ أَحۡيَآءٌ عِندَ رَبِّهِمۡ يُرۡزَقُونَ ١٦٩ فَرِحِينَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ وَيَسۡتَبۡشِرُونَ بِٱلَّذِينَ لَمۡ يَلۡحَقُواْ بِهِم مِّنۡ خَلۡفِهِمۡ أَلَّا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ١٧٠ ۞يَسۡتَبۡشِرُونَ بِنِعۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضۡلٖ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ [آل عمران: 169-171].

قال أبو حامد الغزالي رحمه الله: «ولأجل شرف ذكر الله ﷻ عظمت رتبة الشهادة، لأن المطلوب الخاتمة، ونعني بالخاتمة وداع الدنيا والقدوم على الله والقلب مستغرق بالله ﷻ منقطع العلائق عن غيره، فإن قَدرَ عبدٌ على أن يجعل همه مستغرقا بالله ﷻ فلا يقدر على أن يموت على تلك الحالة إلا في صف القتال، فإنه قطع الطمع عن مهجته وأهله وماله وولده، بل من الدنيا كلها، فإنه يريدها لحياته وقد هون على قلبه حياته في حب الله ﷻ وطلب مرضاته، فلا تجرد لله أعظم من ذلك؛ ولذلك عظم أمر الشهادة وورد فيه من الفضائل ما لا يحصى... ثم القتل سببُ الخاتمة على مثل هذه الحالة، فإنه لو لم يقتل وبقي مدة ربما عادت شهوات الدنيا إليه وغلبت على ما استولى على قلبه من ذكر الله ﷻ؛ ولهذا عظم خوف أهل المعرفة من الخاتمة.

ص 1145

فإن القلب وإن ألزم ذكر الله ﷻ فهو متقلب لا يخلو عن الالتفات إلى شهوات الدنيا ولا ينفك عن فترة تعتريه، فإذا تمثل في آخر الحال في قلبه أمر من الدنيا واستولى عليه وارتحل عن الدنيا والحالة هذه فيوشك أن يبقى استيلاؤه عليه فيحنّ بعد الموت إليه ويتمنى الرجوع إلى الدنيا وذلك لقلة حظه في الآخرة إذ يموت المرء على ما عاش عليه ويحشر على ما مات عليه، فأسلم الأحوال عن هذا الخطر خاتمة الشهادة، إذ لم يكن قصد الشهيد نيلَ مال أو أن يقال شجاع أو غير ذلك، بل حب الله ﷻ وإعلاء كلمته، فهذه الحالة هي التي عبر عنها: ﴿۞إِنَّ ٱللَّهَ ٱشۡتَرَىٰ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَنفُسَهُمۡ وَأَمۡوَٰلَهُم بِأَنَّ لَهُمُ ٱلۡجَنَّةَۚ﴾ [التوبة: 111]، ومثل هذا الشخص هو البائع للدنيا بالآخرة، وحالة الشهيد توافق معنى قولك لا إله إلا الله، فإنه لا مقصود له سوى الله ﷻ وكل مقصود معبود وكل معبود إله، فهذا الشهيد قائل بلسان حاله لا إله إلا الله إذ لا مقصود له سواه»١٬٩٥٥إحياء علوم الدين: (2/89-91)..

وقال العراقي: «فَإِنَّ الْإِنْسَانَ مَحْثُوثٌ عَلَى أَنْ يَخْتِمَ أَعْمَالَهُ بِالصَّالِحَاتِ فِي جَمِيعِ الْأُمُورِ؛ فَإِنَّ الْأَعْمَالَ بِالخَواتِيم، والله أعلم»١٬٩٥٦طرح التثريب: (7/478)..

نسأل الله حسن الختام بشهادةٍ زكيةٍ مرضيّةٍ عليِّةٍ يُدخلنا بها الفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، والحمد لله في الانتهاء كما حمدته في الابتداء، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء، وآله وصحابته أنجم الاهتداء.

كتبه:

أبو يحيى الليبي «حسن قائد»

الأربعاء (25/ذو الحجة/1431هـ)

❖ ❖ ❖

ص 1146

📚
نهاية هذا المبحث

لقد أتممت قراءة كتاب: الأَرْبَعُونَ فِي فَضْلِ الشَّهَادَةِ وَطَلَبِ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٍ

يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.