ثورات الشعوب.. بين التأثر والتأثير

[مجلة طلائع خراسان، العدد الثامن عشر ربيع الآخر 1432هـ / 3 - 2011م]

۞

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه..

فمما لا شك فيه أن الأحداث الجارية المتوالية في عددٍ من الدول العربية تُعدُّ نقلةً نوعيةً في مسيرة الشعوب، وما ذلك إلا لأن هذه التغيرات المفاجئة والكبيرة قد وقعت بجهود تلك الشعوب أنفسها والتي ظنَّ الكثيرون من حكام دولهم ومسانديهم من الغرب أنها قد تذلَّلت وخنعت وخضعت واستسلمت وتكيفت مع الواقع فليس ثمةَ ما يخشى من جانبها، وأن كلَّ فكرة أو تجربةٍ تخطر على بال الحاكم أو يمليها عليه أولياؤه يمكن تطبيقها بكل يسرٍ ومن غير اعتراض ولا امتعاض، وأن انتفاضة الشعوب في وجه حكامها لا يُتصور حتى في أضغاث الأحلام، وأن ما قد يقع من ردة فعل معارِضة فهي لا ترقى إلى حد التخوِّف والانقلاب والانفلات والتمرد.

وإن كان هناك شيء من التوجس فلم يكن قطعًا قد خطر على البال أن يصل الأمر إلى هذا الحدِّ من الاصطلام والتجرؤ والاندفاع الذي تولَّته الشعوب وصبرت عليه واستسهلت كلَّ صعبٍ فيه حتى أطاحت بأعظم أوتاد الطغيان وأكبرها تجبرًا وبطرًا، ابتداءً من تونس ثم مصر والآن في ليبيا واليمن.

ص 2093

وبما أن الأحداث من الجسامة بمكان وأن سيلها الجارف مندفع بقوةٍ نحو «التغيير» إلى المجهول بإسقاط الأنظمة؛ كان لا بد للمجاهدين أن يُدلوا بدلوهم فيها ويظهروا شيئًا من مواقفهم تجاه ما يجري، بحيث يحافظون على ثوابت مسيرتهم الجهادية المباركة مع الاستفادة قدر الإمكان من هذه التغيرات الكبيرة المتوالية فلا تفوتهم الفرص السانحة ولا ينجرفون وراء صرخات التغيير باندفاعٍ وانفعالٍ وحماسةٍ من غير تثبُّتٍ واستبصار.

فإنني أرى أن الأحداث التاريخية الكبيرة -كالتي تجري اليوم-كما أنها تكون مشتملةً على جوانب إيجابية واسعة ومتعددة يمكن الاستفادة منها واقتناصها، فهي كذلك أيضًا قد تكون سببًا في تحريف كثير من المفاهيم والتساهل في ابتلاع أنواع من الطعوم القاتلة التي تأتي على أصول المناهج وقواعدها من أساسها، وصخبُ الأحداث الكبرى ربما يكون بيئة مناسبةً لميلاد الأفكار المنحرفة والمناهج الملَفَّقة كلُّ ذلك بسبب تأرجحها بين شدةِ تأثيرها وقوةِ جاذبيةِ تياراتها ومساراتها وبين محاولة التمسك بالأسس والأصول الأولى التي تقوم عليها الحركات؛ إذ تبدو وسط ذلك التيار بصوتها الخافت الضعيف عديمة التأثير فاقدة المفعولية أو ربما يُستشعر بأنها من «المعوقات» التي يجب تجاوزها وإزاحتها وإيجاد المخارج من قيودها؛ فيتولَّد من هذا المزيج المتذبذب فكرٌ جديدٌ ملفَّق يساير الأحداث مدةَ فورانها وثورانها ووقتَ نشاطها وتفاعلها فما تلبث أن تهفتَ وتضعف -كما هي السنن- حتى يجد أصحاب الأفكار «المتأرجحة» أنفسهم مضطرين إلى البحث عن عُمَد تأصيلها وأدلتها بعد أن يكتشفوا أن مفعول «التلفيق» كان مؤقتًا وتأثيره محدودًا وأنه -وبعد غياب بيئته التي ولد فيها- قد أصبح عديم الصلاحية فما الحلُّ آنذاك؟!

وهي من هذه الحيثية شبيهة بالفتنة العمياء الصمَّاء البكماء التي تحتاج إلى التثبت والبصيرة والأناة حتى لا تزل الأقدام بسرعة الإقدام، ولا تتورط الأقلام بترسيخ أوهام الأفهام، فيُكتشف بعد حينٍ أن ضجيج الأحداث قد انقضى وولى وفُقِد معه كلُّ شيءٍ، وذهبت جهود سنين في بضعة أشهر، وتلك هي صفقة المغبون، فلا الأصول والمبادئ تم المحافظة عليها والتمسك بها ولا الأحداث أمكن الاستفادة منها واغتنام مجرياتها.

ص 2094

إذن فليكن المقصود هنا واضحًا ومحددًا وجليًا، ليس للفهم السقيم فيه منفذ، ولا للتحريف إليه مجالٌ، فلا أحد منا يدعو إلى إغماض الأعين عمَّا يجري من تغيرات كبيرة في بلداننا، ولا إنكارِ الفوائد الجليلة التي تحصَّلت عليها أمتنا في المناطق التي انتفضت فيها بثوراتها، بل وفي غيرها، ولا الانعزالِ في الصوامع والشِّعابِ والابتعاد التام عن متابعةِ ما يحصُل والمشاركة المنضبطة فيه، بل المطلوب من المجاهدينَ في سائر الساحات هو أن يتقنوا الولوج للأحداث محافظين على جهادهم ومبادئهم، وأن يحذروا من تسلل شيءٍ من «المفاهيم» المعوجَّة إليهم في غمرة الانشغال والانفعال مع التغيرات الكبيرة المتسارعة المبهِرة، وأن تكون مرتكزات مسيرتهم راسخةً في أذهانهم مصقولةً في تصوراتهم، وأن يكون هَمُّ المحافظة عليها وصيانتها وتدعيمها وزيادة ترسيخها فوق كلِّ شيءٍ.

فأهم ما يجب أن يُعلَم لدى المجاهدين خصوصًا، والمسلمين عمومًا أن الحرياتِ والسعةَ والانفتاحَ الذي نالته الشعوب الثائرة ضد طغاة بلدانها إنما ظهَر حُسنه وأبهر الناظرينَ واستُشعِرت حلاوتُه بمقارنته بالحقبة السوداء النكداء الخانقة التي كانت تعيشها تحت وطأة الرأي الواحِد والطغيان المضاعَف والظُّلم العامِّ، فهي خرجت لتوِّها من سراديب الدكتاتورية وولِدت من رحم الاستبدادِ المطبَق الذي بلغت معه الشعوب حدَّ الغرغرة وكادت تلفظ أنفاسها من شدة الكبت وقوانين التقييد وضروب التجارِب؛ فكيف لا تستشعر بعد هذا نَسِيم ما انتقلتْ إليه وظفِرت به؟ وكيف لا تخرج تركض وتركض بعد أن كانت ترسف في أثقال القيود داخل جدرانِ المراقبةِ والمتابعةِ والتجسس لعدِّ الأنفاس؟ ولكن هل حقًا نالت تلك الشعوب الغاية والكمال من الحريةِ والراحةِ وليس وراء فرحها فرح، ولا فوق انطلاقها انطلاق؟

إنني أشبِّه ما جرى ويجري اليوم عند شعوبنا المقهورة المظلومة، بشخصٍ سجينٍ كان منذ أمدٍ بعيدٍ مكبَّل الأيدي والأرجل داخل غرفةٍ انفراديةٍ ممنوعٍ فيها من الكلامِ لا يرى من النور إلا خيوط أشعةٍ رقيقةٍ تخترق أحيانًا ثقوبًا في نافذتها الصغيرة ثم ما تلبث أن تختفي، فطال أمد هذا السجين المسكين وقد أصابه الإحباط وأحاط به اليأس واجتمعت عليه ظلماتٌ ثلاث: ظلمة السجن والغرفة والهموم! وهو يتتبع أماني النفس ويتخيَّل نفسَه وسطَ جمعٍ من الناسِ في سجنٍ جماعيٍّ له قدرٌ كبيرٌ من الحرية يتحدَّث مع «أصحابه السجناء» يصلى معهم جماعةً يتحرَّك داخل غرفته برجلينِ طليقتين من القيود.

ص 2095

ثم يفيق من أوهام الأماني ويستيقظ من غطِّها ويعلم أنه ما زال في تلك الغرفة البئيسة وحيدًا عاجزًا مُبلسًا، وفجأةً انتقل ذلك السجين من حالته الكئيبة وانفراده القاتل ووحشته الـمُرعِبة إلى غرفةٍ جماعيةٍ ضمَّته بعددٍ من «السجناء الأحرار» داخل زنزانتهم المتسعة فرأى النورَ، وتكلَّم مع رفقائه متى شاء، وصلَّى معهم جماعةً، ودارَ معهم وسطَ غرفته الجديدة برجلين طليقتين من القيود، فعندها ذاق طعم الحرِّية وعرَف قيمةَ الاجتماع وتلذذ بكلامه مع «إخوانه السجناء»، فكان كلما تذكر غرفته المظلمة ووحدته الموحشة شعَر أنه لا أحدَ أنعمَ منه ولا حرية فوق ما هو فيه وقَصرَ مقارنته بين ما كان عليه وما صار إليه وشتان شتان ما بينهما، «فداخل الغرفة الجديدة» الضوء موجود، والكلام مسموحٌ به، والحركة والدوران ممكنٌ، إلاَّ أن حقيقةَ حالِه الذي لا يمكن أن تُغيَّبَ أو تُدفَنَ هو أنه لا يزال سجينًا بكلِّ ما يحمل هذا الوصف من معنىً، وإنما أقصى ما حصل معه أن انتقلَ من سجنٍ إلى سجنٍ أرحبَ منه، ولكن وراء هذا السجن ما هو أكمل حريةً، وأفسحُ مجالًا، وأطيبُ عيشةً، وألذُ حياةً، وآمنُ مكانًا، وأكثرُ رفقةً، بعيدٌ كلَّ البعد عن الكدر والتنغيص.

هكذا يجب أن نقوِّم الوضع الجديد الذي آلت إليه الأمور بعد الانتفاضات الشعبية وبهذا الميزانِ نزنها، وأن لا ننسى أبدًا أن المطلب الأول والأساس الذي لا يُقبلُ إسقاطُه ولا إغفالُه ولا التغاضي عنه ولا التهاونُ فيه ولا الاستحياء من الدعوة إليه هو: إقامةُ حكمِ الله تعالى الحقِّ كاملًا غير منقوصٍ، والسعيُ الجادُّ الصادقُ لبلوغ هذه الغايةِ، وأنَّ كلَّ حكمٍ سواه -مهما ازيَّن في أعين الناظرين- لا يعدو أن يكون في الوصف الشرعي الخالص حكمًا جاهليًا، وأن جاهليته الخادعة المموِّهة ستظهرُ بوجهها الكالح عند مقارنته بصفاء وجلاءِ نورِ شريعة الإسلام النقيِّة، قال الله تعالى: ﴿أَفَحُكۡمَ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِ يَبۡغُونَۚ وَمَنۡ أَحۡسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكۡمٗا لِّقَوۡمٖ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: 50]، وقال الله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلۡنَٰكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡرِ فَٱتَّبِعۡهَا وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَ﴾ [الجاثية: 18].

فالدعوة الآن ينبغي أن تنصبَّ وتركِّز على معنيين وتجلِّيهما تجليةً لا خفاءَ فيها وهما:

ص 2096

الأول: هو ما ذكرتُه، من أنَّ كلَّ نظامٍ أو حكمٍ أو شرعٍ سوى حكمِ اللهِ وشرعه فهو جاهليٌّ لا وصفَ له إلا ذاكَ، نعم... ليكن تعريف الشعوب بهذه الحقيقة بالرِّفق واللين والحسنى والحكمةِ، ولتخاطَب بما يوصل إليها هذه المعنى ويحصِّل المقصود، ولكن ما ينبغي أن يُتجنَّب ويحذرَ منه هو الخلط بين الحكمة في الطريقة والأسلوب والوسيلةِ والتمييع للحقائق والمسلَّماتِ، فلا يُدخل هذا في ذاك، فبعضُ الحقِّ قد يُسكتُ عنه في موطنٍ ما أو يؤخَّرُ ذكرُه أو يُخصُّ به ناسٌ دونَ غيرهم أو يخاطبونَ ببعضه كلُّ ذلك بحسب ضوابط الشرع وقيوده لا باستحسانات العقول وميول الأهواء والتقديرات الارتجالية، أما أن يحرَّف الحق الثابت أو يُحقَّ «يُجعَل حقًا» الباطلُ ويُلبسَ على الناس دينهم ويكونوا معه في أمرٍ مريجٍ فهذا ما لا يجوز بحالٍ؛ فلئن كانت الشعوب الإسلامية بثوراتها وانتفاضاتها قد حققت مكاسب دينية ودنيوية -ولو عظمت وكثُرت- واستعادت كثيرًا من حقوقها المسلوبة وخرجت من رَهق الاستبداد الأسود فإنَّ هذا الخيرَ المحقَّقَ يذكرُ ويحفَظُ ويُقرّ ولكن ليبقَ في مستواه ومنزلته ولا يُتخذ ذريعةً للبس الحقِّ بالباطلِ ولا تزكية ما يستحق الذمّ من الشرائع والقوانين والأنظمة.

ص 2097

الثاني: التأكيد على أن كلَّ نظامٍ وشريعةٍ سوى شرع الله تعالى هو محلُّ الأكدارِ، ومنبعُ الضنكِ والهم والغمِّ وجالبُ الشقاء والعناء، وهذه الحقيقة لا مريةَ فيها إلا عند ضعاف الإيمان أو معدوميه، أما الاسترواح الذي تناله بعض الشعوب تحت مظلة «الديمقراطية»، فإنما هو موهومٌ أو مؤقتٌ أو في شريعة الإسلام ما هو أنقى وأوفر وأزكى منه، والأمر الذي يجب أن يقطع به ولا يُتردد في ذكره أن شعوبنا الإسلامية الْمُجَهدة بتجارب الأفكار والنظريات لن تنال راحتَها وحريَّتها الحقيقية التامَّة، ولن تذوق طيب حياتها إلا تحت مظلة الشريعة الإسلامية الصافية النقية، وسينالها من نقص هذه المعاني القيِّمة بحسب ما يغيب عنها من الشرعِ كما قال ﷻ: ﴿مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَنُحۡيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةٗ طَيِّبَةٗۖ وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ﴾ [النحل: 97]، وقال ﷻ: ﴿فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشۡقَىٰ ١٢٣ وَمَنۡ أَعۡرَضَ عَن ذِكۡرِي فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَةٗ ضَنكٗا وَنَحۡشُرُهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ أَعۡمَىٰ﴾ [طه: 123-124]، وقال ﷻ: ﴿وَأَلَّوِ ٱسۡتَقَٰمُواْ عَلَى ٱلطَّرِيقَةِ لَأَسۡقَيۡنَٰهُم مَّآءً غَدَقٗا ١٦ لِّنَفۡتِنَهُمۡ فِيهِۚ وَمَن يُعۡرِضۡ عَن ذِكۡرِ رَبِّهِۦ يَسۡلُكۡهُ عَذَابٗا صَعَدٗا﴾ [الجن: 16-17].

ونحن نعلم أن رحلة التعريف والتبيين هذه ستستغرق وقتًا وتستهلك جهدًا وتفني أعمارًا وهذا أمرٌ لا بد منه في تغيير الأمم وتوعيتها، لا سيما مع قيام المعارض ممن يحسِّن الباطل ويقبِّح الحق ويسفِّه القائمين عليه، فهو محتاج إلى جهدٍ مضاعفٍ ما بين بيان الحقِّ مجرَّدًا في ثوبه البهي النقي ثم دفع شبهات الباطل عنه وإزالة تلبيسات أهله التي ينفِّرون بها الناس ويصدونهم عن سبيله، ومن تأمل القرآن وما فيه من تقرير الحقِّ وتجليته ثم دفع ما يثيره أعداؤه من الشبهات ويلصقونه به من التشكيك وجدَ هذا الأمرَ واضحًا فيه: ﴿أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَسَالَتۡ أَوۡدِيَةُۢ بِقَدَرِهَا فَٱحۡتَمَلَ ٱلسَّيۡلُ زَبَدٗا رَّابِيٗاۖ وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيۡهِ فِي ٱلنَّارِ ٱبۡتِغَآءَ حِلۡيَةٍ أَوۡ مَتَٰعٖ زَبَدٞ مِّثۡلُهُۥۚ كَذَٰلِكَ يَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡحَقَّ وَٱلۡبَٰطِلَۚ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذۡهَبُ جُفَآءٗۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمۡكُثُ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ كَذَٰلِكَ يَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡأَمۡثَالَ﴾ [الرعد: 17].

فالأمر محتاجٌ إلى مزيدٍ من الجهدِ الدؤوب ولا ينبغي التوقُّف ولا الضعف والارتخاء والقنوع بالحالِ، فإن هذه الأحداث هي خطوةٌ كبيرةٌ مهمِّةٌ متقدِّمةٌ خطتها الشعوب نحو تحقيق الهدف المنشود ﴿وَيَكُونَ ٱلدِّينُ كُلُّهُۥ لِلَّهِۚ﴾ [الأنفال: 39] الذي يجب أن يكون نصب عينِ كلِّ مسلمٍ لا يُقيلُ فيه ولا يَستقيل، بل يستفرغ طاقته ليكون له دورٌ في بلوغه.

ص 2098

وبغض النظر عن الأسباب التي اجتمعت وأدت إلى وقوع هذه «الجرأة» من الشعوب، وهل كان لأعمال المجاهدين وتحريضهم على مر السنين الماضية دورٌ فيها، فإنّ ذلك استغرقَ وقتًا طويلًا من الزمن كانت المياه فيها شبهَ راكدة، والشعوب خامدة جامدة، وليس ثمةَ بوادر بينة لأية عاصفة تغيير سريعة -أي تغيير كان- حتى حصل ما حصل ووقعت الوقائع، والمجاهدون طوالَ هذه المدّة كأنهم ينحتون الصخر بأظافرهم في مسألة إقناع الناس بخلع الحكام، فالواجب عليهم الآن هو التركيز على دفع الشعوب إلى الأمام وتعريفها -وبتركيز واهتمام واستمرار وإتقان ورفق- أن عليها خطوات أخرى لا بد أن تقطعها، وأن ما وصلت إليه وما نالته ليس هو المنتهى والغاية القصوى.

ولنحذر تمام الحذَر وسَط أفراح التغيير أن نرضى بالوقوف عند ما استقرَّت عليه الأمور، بل لا بد من مواصلة السعي لرفع مستوى الأفهام والأعمال لتبلغ المنتهى الذي لا يرضى اللهُ بشيءٍ سواه، فكلنا يقطع أنَّ ما سيستقر به الأمر الحاليُّ -وإن كان في فحواه كثير من الخير والمكتسبات للمسلمين-، إلا أنه في حقيقته ومضمونه ليس سوى نظام طاغوتي جديدٍ ستتعايش معه الأمة مدةً ويُلهيها الفرح به زمنًا ثم تبدأ آلام «الضنك» الحتمية والناتجة عن الإعراض عن الذكر تدب في جسم الأمة لتشعر بها بعد حين، ثم تبحث عمَّا يسكِّنه أو يزيلُه.

فقد جرَّبت الأمة الإسلامية المقهورة الكينونةَ تحت حكم قادة الانقلابات العسكرية بخطاباتهم النارية، وتحدياتهم العنترية، ومواقفهم «البطولية!»، وانتصاراتهم المصطنعة، وهامت معهم في تلك الحقبة ومجَّدتهم وعظمتهم ودخل حبُّهم سويداءَ قلوبها فما لبثت أن انقضت تلك الفترة السوداء واكتشف كثير من الأمة بعدها أنها عاشت على الأوهام والأحلام، وسِيستْ بالمخادعاتِ وإثارة العواطف والحماس، وأن القادة الأبطال لم يكونوا سوى خونة عملاء وعبيدٍ أذلاء تسلطوا عليها مستغلِّين نشوة فرح الأمة بخروجها من ربقة الاحتلال الخارجي ونجاتها من مخالب الاستعمار وأنيابه الذي مزق جسدها وقطع أوصالها وقاربَ على طمس هويتها فأسلمها أولئك «الأبطال الثوريون» لأعدائها مرةً أخرى وبصورة أخبث فما أن اكتشفتهم حتى لعنتهم ولم تغنِ لعناتها شيئًا.

ص 2099

ثم جاءت حقبة «الديمقراطية العربية» بحرية تعبيرها العرجاء، وأحزاب معارضتها الهُزَأَةِ، وانتخاباتها لرئيسها لا لرؤسائها، حيث لم يقع أن تغيَّر رئيس أو ملك أو أمير وتخلى عن كرسيه ومنصبه عبر صناديق الاقتراع، بل كانت انتخاباتهم كالطرق على المسمار لا يزيده إلا تعمُّقًا ورسوخًا وثباتًا، فكانت أيام «الديمقراطية العربية» أشد وأنكى على الأمة مما سبقها فذاقت بسبب التعبير الموهوم والمموه عن حرياتها من التنكيل والتشريد والتعذيب ما هانَ معه خطب ما رأته في سجون الأبطال الثوريين، وأصبحت معارضة «الرئيس المنتخب!» جريمةً مغلَّظةً يؤخذ عليها بالنواصي والأقدام، هذا والأمة تحاول أن تتكيف مع هذه «الديمقراطية» وتقنع نفسها بشيءٍ من جدواها، فما تَقطع مرحلةً حتى تدركَ أن الأمر يوغِل ويتمادى في الاستبداد، و«الضنك» يتضاعف في دينها ودنياها، حتى إذا طال عليها الأمد وملَّت الانتظار ولم يبدُ لها في الأفق بوادرُ تغييرٍ ولا إصلاحٍ واكتشفت كذب وبهتان ودجل تلك «الأنظمة الديمقراطية» وعرفتها على حقيقتها ليس من جهة قربها أو بعدها من الإسلام فحسبُ، وإنما من جهة صدق أو كذب تبنيها للديمقراطية الحرة.

وانطلقت أخيرًا شرارات الانتفاضات والثورات الشعبية ضد هذه الأنظمة وهي تطالب بتغييرها مع رفع شعارات تعبر عن بالغ التسخط والتذمر والكبت والخنق الذي كانت تعيش تلك الشعوب تحته، والآن جاءت مرحلة «الديمقراطية الغربية» لإعطاء حريات أوسع للشعوب -وقطعًا لن تنالها على الطريقة الغربية- وتفريغ الشحنة الكبيرة التي تتدفق من أعماقها، ومحاولة توظيفها وتوجيهها لتُبعدَ من كلِّ تغييرٍ عليه «مسحةٌ إسلامية»، ولا بأس بعدها بأي نظامٍ يُظلُّ الشعوبَ وتحتكِمُ به؛ فالغرب لا يعنيه في أي تغييرٍ إلا تحقق أمرين لا يقبل المساومة عليهما بحالٍ:

أولهما: ألا يكون هذا التغيير إسلاميًا خالصًا، يقوم على ركائز الدين والذي يعني الاستقلال التام في السياسات والقرارات وبناء العلاقات، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَن تَرۡضَىٰ عَنكَ ٱلۡيَهُودُ وَلَا ٱلنَّصَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمۡۗ﴾ [البقرة: 120].

وثانيهما: التيقُّن من الحفاظ على المصالح الغربية في المنطقة سواء كانت اقتصادية أو مالية أو سياسية أو عسكرية، وبالطبع يتبع ذلك عدم التعرُّض لوليدة السفاح «إسرائيل».

ص 2100

وبناءً على التغيرات الجديدة في العالم العربي فإن الأمة الإسلامية ستعيش حقبةً ا أخرى تسعد في أولها وتنتشي بشيءٍ مما حققته من خلال ثوراتها، وتستلذُّ بما نالته من حرياتها تحت مظلة الديمقراطية الفتية؛ لأنها ستبقى تقارن بين ما كانت عليه إبان حكم الطغاة المستبدين من «الدكتاتورين الديمقراطيين» وبين ما آلت إليه من الانفتاح الواسع والحريات المتعددة والأمن المبسوط والعدل النسبي، وقد لا تحسب أن هناك ما هو خيرٌ مما هي فيه ولا أفضل مما وصلت إليه خاصةً إذا ظنَّت أنه لا تعارض بين الإسلام وبين ما تعيشه بل هو، هو؛ وهذا ما يعني أن واجب التوعية والتعريف ينبغي أن لا يتوقف، ولا يترك الأمر للتجربةِ والانتظار والاختبار فتُقطع أعمارُ أجيالٍ أخرى ويُترقب، حتى يأتي شبابٌ جُدُد ينتفضون مرةً أخرى في وجه الديمقراطية التي ستكون آنذاك باليةً قديمةً ليبحثوا عن الراحة والحرية التغيير والتجديد والذي لن يكون على والوجه الأكمل والأزكى إلا في دين الإسلام، ولتعلمنَّ نبأه بعد حين!

بيدَ أنه -وبحسب وجهة نظري- أن أكبر وأهم ما في هذه الأحداث ليس هو مجرَّد إسقاط تلك الأنظمة والتغير الذي حصل بعدها، فذلك -مع أهميته البالغة- لا يعدو بمقياسنا الشرعي الصِّرف إلا أن يكون «ذهب طاغوت وجاء طاغوتٌ!»، وحنانيك بعض الشر أهون من بعضِ، ومن الشرِّ ما تختار، ولكنَّ الأمر الكبير في هذه المجريات هو تحطُّم حاجز الخوف الذي عاشت تحت وطأته الشعوب عقودًا طويلة، ثم تجرؤها بشكل سافرٍ ومكشوفٍ على تلك الأنظمة التي تعرف وتستيقن مدى بطشها وطغيانها واستماتتها في التمسك بعروشها، ومواجهتها لأجهزتها القمعية المتوحشة وتحملها للقتل والاعتقالات والإرهاب وتعاضدها وتناصرها لتحقيق أهدافها.

ص 2101

فإن تلك الأنظمة المجرمة لم تتمكن من قهر الشعوب وتدجينها وإخضاعها لسياساتها -وهي لها كارهة- إلا بأجواء الإرهاب والإرعاب الذي كان المواطن يشعر معه أنه مستهدف ومطلوبٌ ومراقبٌ ومغلوبٌ على أمره أينما كان، وليس هناك أية جهة يمكن أن يركن إليها ليستقوي بها فالكل ظلمٌ في ظلمٌ وتنكيل في تنكيل، ولم يكن ما تتخوفه تلك الشعوب من تنكيل حكوماتها بمعارضيها شيئًا متخيلًا أو متوهمًا فهي ترى ذلكَ أمامها رأيَ العين، حيث السجون المكتظة وأساليب التعذيب البشعة المتنوعة وغياب العدل وانتشار الرشاوى وتسلط غلاظ الأكباد قساة القلوب، وقيام كل أجهزة الدول على أساس واحدٍ لا غير وهو المحافظة على «الحاكم» تحت شعاره «من القصر إلى القبر!»، فلا ترد تلك الأجهزة العتيدة له طلبًا ولا تراجعه في أمرٍ ولا تستعظم شيئًا جاء من قِبله ولو كان إبادة الشعب كلِّه.

فتحطُّم حاجز الخوف الرهيب الذي كانت الشعوب تقاد به وتذلُّ بسياطه وتجرُّ بِرَسَنِه هو أهمُّ شيءٍ في هذه الثورات، ومن أجلِّ المكتسبات، وليس معنى هذا الاستهانة أو التقليل من باقي ما تحققَّ في ثوراتها، فهذا شيء لا يُنكَر ولا يستهان به أيضًا، ولكنَّ المقصود أن البابَ الذي استطاعت تلك الشعوب المرعوبة الدخول من خلاله لتحصيل مكاسبها وتحقيق مطالبها هو استئصالها لأشد وأعتى جنود تلك الأنظمة الإجرامية ألا وهو «الرُعب»، حيث أصبح معه مسألة «الخروج على الحاكم وخلعه وتنصيب غيره» أمرًا ممكنًا مجرَّبًا وربما مغريًا أيضًا، فبهذا تكون الشعوب قد قطعت خطوات متقدِّمة للخروج من الشِّراك القاتل: «حب الدنيا، وكراهية الموت»، والذي كان سببًا في وصف النبي ﷺ لمن غَلب عليه بأنه: «غثاء كغثاء السيل»، والنجاة من هذا الشِّراك ليس بالأمر الهين، وتمزيقه أيضًا يُعدُّ مكسبًا عظيمًا جدًا جدًا لمن أحسنَ الاستفادة منه وأتقن توظيفه.

فالمطلوب هو التفكير الجاد العميق المثمر في كيفية الاستفادة العملية لاستثمار أجواء الشجاعة والجرأة والتحدي والاندفاع التي تعيش هذه الشعوب نشوتها خلال هذه الفترة، لتُوجّه معها إلى التغيير الحقيقي الذي نرنو إليه وهو إقامة حكم الله تعالى، من غير فوضى ولا ارتجالٍ ولا سطحيةٍ أو تخليطٍ حتى لا تكون النتائج عكسيةً، أو على الأقل الإبقاء والمحافظة على حالةِ القوة النفسية ونَفَس التحدِّي وعزيمة المواجهة التي وصلت إليها الأمة كي لا تعود إلى نقطة الصفر «حب الدنيا وكراهية الموت» والتي كانت ضريبتها طوالَ العقود الماضية ما علمه القاصي والداني.

والله ولي التوفيق

❖ ❖ ❖

ص 2102

📚
نهاية هذا المبحث

لقد أتممت قراءة كتاب:

يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.

تحميل الكتاب مفردًا