توضيح حول ما جاء في إصدار «شهداء العيد»
[صفر 1428 هـ / 3 - 2007م٣٬٠٤٤[هذا مقالٌ خطي للشيخ، ولكن لتعلقه بالكلمة التي سبقته؛ آثرتُ وضعَه هنا مع التفريغات؛ ليكون القارئ على بصيرةٍ من المقصود..].]
۞
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد:
فعن أنس رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: (كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون)٣٬٠٤٥[رواه الترمذي: (٢٤٩٩)، وحسنه الألباني]..
فقد اطلعت على شيء مما كتبه بعض الإخوة الفضلاء -جزاهم الله خيرًا- حول ما رود في كلمتي التي نشرت في إصدار «شهداء العيد»، والتي جاء فيها العبارة التالية: «ولو تكلموا أمامنا والله لقالوا إنا لقينا ربنا فرضي الله عنا ورضينا عنه»، فأقول ابتداءً: جزى الله خيرًا كل من أسدى النصح في هذه المسألة، ولم يحمله التعصب ولا المجاملة والمسايرة على عدم البيان والمناصحة، أو التكلف في البحث عن التخريجات البعيدة، كما أشكر الفضلاء الذين ظنوا بأخيهم الضعيف خيرًا والتمسوا له العذر، ولا شك أن هذا هو الذي ينبغي أن يكون بين المجاهدين؛ فالإنسان عرضة للنقص والخطأ في قوله وفعله إذ خلقه الله ظلومًا جهولًا ضعيفًا، والمؤمن مرآة أخيه، وجزى الله خيرًا امرأً أهدى إليَّ عيوب نفسي.
ثم إني أقول: لو أردت أن أجد لنفسي تخريجًا وتدعيمًا وأبحث عن التعليلات والتوجيهات لِما قلته لَما أعوزني أن أجد من الأدلة ومذاهب العلماء ما يؤيد ويوافق تلك العبارة؛ فنحن نعلم أن عدم الشهادة لمعين من أهل القبلة بالجنة ليس هو القول الوحيد لأهل السنة في هذه المسألة والكلام فيها منثور مشهور، فقد جاء في العقيدة الطحاوية وشرحها: «ولا ننزل أحدًا منهم جنة ولا نارًا»، قال ابن أبي العز: «لا نقول عن أحد معين من أهل القبلة إنه من أهل الجنة أو من أهل النار، إلا من أخبر الصادق ﷺ أنه من أهل الجنة كالعشرة رضي الله عنهم وغيرهم، وإن كنا نقول: إنه لا بد أن يدخل النار من أهل الكبائر من شاء الله إدخاله النار، ثم يخرج منها بشفاعة الشافعين، ولكنا نقف في الشخص المعين، فلا نشهد له بجنة ولا نار إلا لمن علم، لأن الحقيقة باطنة، وما مات عليه لا نحيط به، لكن نرجو للمحسنين ونخاف على المسيئين.
وللسلف في الشهادة بالجنة ثلاثة أقوال:
أحدها: ألا يشهد لأحد إلا للأنبياء وهذا ينقل عن محمد بن الحنفية والأوزاعي.
والثاني: أنه يشهد بالجنة لكل مؤمن جاء فيه النص، وهذا قول كثير من العلماء وأهل الحديث.
والثالث: أنه يشهد بالجنة لهؤلاء ولمن شهد له المؤمنون، كما في الصحيحين أنه مر بجنازة فأثنوا عليها بخير، فقال النبي ﷺ: (وجبت)، ومر بأخرى فأثني عليها بشر، فقال: (وجبت)، وفي رواية كرر (وجبت) ثلاث مرات، فقال عمر: يا رسول الله ما وجبت؟ فقال رسول الله ﷺ: (هذا أثنيتم عليه خيرًا وجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شرًا وجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض)٣٬٠٤٦[البخاري: (٢٦٤٢)، ومسلم: (٩٤٩)].، وقال ﷺ: (توشكون أن تعلموا أهل الجنة من أهل النار، قالوا: بم يا رسول الله؟ قال: بالثناء الحسن والثناء السيئ)٣٬٠٤٧[رواه ابن أبي شيبة: (39733) وضعفه محققه الشثري، وأحمد: (15439) وصححه الأرنؤوط]. فأخبر أن ذلك مما يعلم به أهل الجنة وأهل النار»٣٬٠٤٨شرح العقيدة الطحاوية: (ص 378)..
ونظير هذا مع زيادة أصرح ما قاله شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «قال شيخ الإسلام رحمه الله: ولهم في الشهادة بالجنة ثلاثة أقوال:
- منهم من لا يشهد بالجنة لأحد إلا للأنبياء وهذا قول محمد بن الحنفية والأوزاعي.
- والثاني: أنه يشهد بالجنة لكل مؤمن جاء فيه نص وهذا قول كثير من أهل الحديث.
- والثالث: يشهد بالجنة لهؤلاء ولمن شهد له المؤمنون كما قال النبي ﷺ: (أنتم شهداء الله في الأرض)، وقال: (يوشك أن تعلموا أهل الجنة من أهل النار)، قالوا: بم يا رسول الله، قال: (بالثناء الحسن والثناء السيئ)، فأخبر أن ذلك مما يعلم به أهل الجنة وأهل النار، وكان أبو ثور يقول: أشهد أن أحمد بن حنبل في الجنة، ويحتج بهذا، وبسط هذه المسألة له موضع آخر»٣٬٠٤٩منهاج السنة النبوية: (5/295-296)..
كما قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في شرحه للحديث المذكور: «في هذا الحديث قولان للعلماء:
1- أحدهما: أن هذا الثناء بالخير لمن أثنى عليه أهل الفضل، وكان مطابقًا لأفعاله؛ فيكون من أهل الجنة فإن لم يكن كذلك فليس هو مرادا بالحديث.
2- والثاني: وهو الصحيح المختار أنه على عمومه وإطلاقه وأن كل مسلم مات فألهم الله الناس أو معظمهم الثناء عليه، كان ذلك دليلا على أنه من أهل الجنة، سواء كانت أفعاله تقتضي ذلك أم لا، لأنه وإن لم تكن أفعاله تقتضيه فلا تحتم عليه العقوبة، بل هو في خطر المشيئة، فإذا ألهم الله ﷻ الناس الثناء عليه استدللنا بذلك على أنه ﷻ قد شاء المغفرة، وبهذا تظهر فائدة الثناء، وقوله ﷺ: (وجبت)، و(أنتم شهداء الله في الأرض)، لو كان لا ينفعه ذلك إلا أن يكون أفعاله تقتضيه، لم يكن للثناء فائدة، وقد أثبت النبي ﷺ فائدة»٣٬٠٥٠مسلم بشرح النووي: (7/20-21) [والحديث المذكور في النص في: صحيح البخاري (1301)، ومسلم (949)]..
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «وقد يعلم أن الرجل مؤمن في الباطن تقي بدلائل كثيرة، وقد يُطلع الله بعض الناس على خاتمة غيره فهذا لا يمتنع، لكن هذا مثل الشهادة لمعين بالجنة وفيها ثلاثة أقوال: قيل لا يشهد بذلك لغير النبي ﷺ وهو قول أبي حنيفة، والأوزاعي، وعلى بن المديني، وغيرهم، وقيل يشهد به لمن جاء به نص إن كان خبرا صحيحًا، كمن شهد له النبي ﷺ بالجنة فقط، وهذا قول كثير من أصحابنا وغيرهم، وقيل يشهد به لمن استفاض عند الأمة أنه رجل صالح كعمر بن عبد العزيز، والحسن البصري، وغيرهما، وكان أبو ثور يشهد لأحمد بن حنبل بالجنة، وقد جاء في الحديث الذي في المسند: (يوشك أن تعلموا أهل الجنة من أهل النار)، قالوا: بماذا يا رسول الله؟ قال: (بالثناء الحسن والثناء السيء)،... وفي حديثٍ آخر: (إذا سمعت جيرانك يقولون قد أحسنت؛ فقد أحسنت، وإذا سمعتهم يقولون: قد أسأت؛ فقد أسأت)، وسُئل عن الرجل يعمل العمل لنفسه فيحمده الناس عليه؟ فقال: (تلك عاجل بشرى المؤمن).
والتحقيق أن هذا قد يعلم بأسباب، وقد يغلب على الظن، ولا يجوز للرجل أن يقول بما لا يعلم»٣٬٠٥١النبوات: (10)..
وقال أيضًا رحمه الله: «فمن شهد له النبي ﷺ بالجنة شهدنا له بالجنة، وأما من لم يشهد له بالجنة، فقد قال طائفة من أهل العلم لا نشهد له بالجنة ولا نشهد أن الله يحبه، وقال طائفة: بل من استفشى من بين الناس إيمانُه وتقواه، واتفق المسلمون على الثناء عليه كعمر بن عبد العزيز، والحسن البصري، وسفيان الثوري، وأبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، والفضيل بن عياض، وأبي سليمان الداراني، ومعروف الكرخي، وعبد الله بن المبارك، رضي الله عنهم وغيرهم شهدنا لهم بالجنة؛ لأن في الصحيح أن النبي ﷺ مر عليه بجنازة... إلخ»٣٬٠٥٢مجموع الفتاوى: (11/ 518)..
وعن أبي الأسود الديلي قال: «قدمت المدينة فجلست إلى عمر بن الخطاب فمروا بجنازة فأثنوا عليها خيرًا، فقال عمر: وجبت، فقلت لعمر وما وجبت؟ قال: أقول كما قال رسول الله ﷺ قال: (ما من مسلم يشهد له ثلاثة إلا وجبت له الجنة)، قال: قلنا: واثنان، قال: (واثنان)، قال: ولم نسأل رسول الله ﷺ عن الواحد»٣٬٠٥٣قال الترمذي رحمه الله [١٠٥٩]: هذا حديث حسن صحيح، وصححه الشيخ الألباني رحمه الله، وكذلك هو في صحيح ابن حبان وترجم له بقوله: «ذكر إيجاب الجنة للميت إذا شهد له رجلان من المسلمين بالخير»..
وعن أنس رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: (ما من مسلم يموت فيشهد له أربعة أهل أبيات من جيرانه الأدنين إنهم لا يعلمون إلا خيرًا، إلا قال الله: قد قبلت علمكم فيه وغفرت له ما لا تعلمون)٣٬٠٥٤رواه أبو يعلى [٣٤٨٠] وابن حبان في صحيحه [٥٩٩]، وحسنه الشيخ الألباني رحمه الله، وفي رواية لأحمد [9295] ثلاثة أبيات..
وإنما ذكرت هذه النقولات وأطلت فيها حتى يعلم الإخوة الفضلاء أن الشهادة لمعين من أهل القبلة بالجنة بناء على ثناء أهل الفضل والدين ليس قولًا شاذًا مغمورًا، وإنما هو أحد أقوال «السلف» في المسألة، ومن ذهب إليه وترجح عنده فلم يأت ببدع من القول وله فيه قدوة من الأئمة الراسخين.
ومع ذلك فإني أقول وبكل وضوح أن: العبارة التي قلتها في إصدار «شهداء العيد» لم تكن مبنية على القول الذي يذهب إلى جواز الشهادة لمعين من أهل القبلة بالجنة، بل كانت خطأً بينًا مني، وجملةً سبق بها لساني، قد يكون سببه كما ذكر بعض الإخوة هو حالة الانفعال والتفاعل التي كانت تحيط بالمجلس والموقف، هذا مع الأجواء الإيمانية التي كانت تملأ المكان لظهور الكرامات القاطعة التي منَّ الله بها على إخواننا، ولما نعرفه عنهم من الصدق والصفاء والجد والاجتهاد نحسبهم كذلك ولا نزكيهم على الله، فبسبب اجتماع هذه الأمور خرجت العبارة بهيئتها المذكورة، مع العلم أني قد تنبهت إليها فيما بعد ولكن لم يسعفني الوقت لاستدراكها أو حذفها: ﴿وَلَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٞ فِيمَآ أَخۡطَأۡتُم بِهِۦ وَلَٰكِن مَّا تَعَمَّدَتۡ قُلُوبُكُمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمًا﴾ [الأحزاب: 5]، ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذۡنَآ إِن نَّسِينَآ أَوۡ أَخۡطَأۡنَاۚ﴾ [البقرة: 286].
فنسأل الله أن يعفو عنا ويغفر لنا ويتجاوز عما سبقت به ألسنتنا وأن يجزيكم على نصحكم كل خير في الدنيا والآخرة إنه سميع قريب..
والحمد لله رب العالمين
❖ ❖ ❖
لقد أتممت قراءة كتاب:
يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.
تحميل الكتاب مفردًا