🎬المواد الصوتية والمرئية المصاحبة

الصومال.. وانقشعت سحابة الصيف

الصومال.. وانقشعت سحابة الصيف

الصومال.. وانقشعت سحابة الصيف

[رجب 1430 هـ / 7 - 2009م]

۞

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد...

أمة الإسلام: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...

فكل شيءٍ يمكن للمرء أن يتلاعب به وأن يُظهر معه حنكته ودهاءه وخداعه، إلا دين الله ﷻ؛ فما أن يسلك المرء معه هذا المسلك، ويدخل هذا النفق حتى يكتشف ومن حيث لا يحتسب أنه قد جنى على نفسه وأوبقها بيده: ﴿وَلَا يَحِيقُ ٱلۡمَكۡرُ ٱلسَّيِّئُ إِلَّا بِأَهۡلِهِۦۚ﴾ [فاطر: 43]، وقد مرَدَ أهل النفاق على هذا الأسلوب قديمًا وحديثًا، أولئك الذين وصفهم الله بقوله: ﴿۞وَإِذَا رَأَيۡتَهُمۡ تُعۡجِبُكَ أَجۡسَامُهُمۡۖ وَإِن يَقُولُواْ تَسۡمَعۡ لِقَوۡلِهِمۡۖ كَأَنَّهُمۡ خُشُبٞ مُّسَنَّدَةٞۖ يَحۡسَبُونَ كُلَّ صَيۡحَةٍ عَلَيۡهِمۡۚ﴾ [المنافقون: 4].

ص 2513

فهؤلاء بمناظرهم الحسنة وأجسامهم المعتدلة وألبستهم الأنيقة ومنطقهم الفصيح وبلاغتهم الباهرة أصحاب عقول تائهة وقلوبٍ خاوية تمكَّن فيها الجبن وعشش داخلها الخور واستمكن منها الحذر، قلَّ خيرهم وتطاير شرهم، ومع ذلك كله لم يزالوا مفتونين بذكائهم، متلاعبين بدينهم، متكلين على كياستهم، غافلين عن مراقبة ربهم لهم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ يُخَٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَٰدِعُهُمۡ وَإِذَا قَامُوٓاْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ وَلَا يَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ إِلَّا قَلِيلٗا ١٤٢ مُّذَبۡذَبِينَ بَيۡنَ ذَٰلِكَ لَآ إِلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِ وَلَآ إِلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِۚ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ سَبِيلٗا﴾ [النساء: 142-143]، فما كادوا كيدًا إلا حاق بهم وما مكروا مكرًا إلا ورجعَ عليهم وما بيَّتوا شرًا إلا وخابَ سعيهم، ذلك أن الله سبحانه مطلعٌ على سرائرهم وضمائرهم وعليمٌ بسرهم وعلانيتهم، فهم يخوضون حربًا مع الله ﷻ ولكن لا يشعرون، قال الله تعالى: ﴿يَسۡتَخۡفُونَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَلَا يَسۡتَخۡفُونَ مِنَ ٱللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمۡ إِذۡ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرۡضَىٰ مِنَ ٱلۡقَوۡلِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا يَعۡمَلُونَ مُحِيطًا﴾ [النساء: 108].

ومع ذلك قلَّ ما يرعوون عن مخادعاتهم أو يكفون عن تماديهم في غيهم وهذا من تمام خذلان الله لهم وهم لا يعلمون؛ فتراهم يبرمون أمرًا وينقضونه، ويمدحونه اليوم ويلعنونه غدًا، ويقاتلون من أجله بالأمس ويقاتلونه اليوم، وما ذلك إلا لأن أعمالهم كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار، ولقد قضى الله ﷻ بأن تكون عبادة الجهاد أكبر عدو لهؤلاء وأعظم ممحصٍ لهم وفاضحٍ لمخازيهم ومراوغاتهم.

ومن هنا كان عباد الله المجاهدين أشدَّ الناس عداوة لهم تبعًا لذلك، فهذه العبادة الجليلة هي التي تكشفُ سرهم وتفضح أمرهم وتبين حقيقتهم، ولا يمكنهم بحالٍ أن يسايروها بتلاعبهم إلى نهاية الطريق، فتراهم يتفننون في اختلاق الأعذار للتنصل منها والتخلي عنها والبراءة من أهلها في الوقت الذي يحاولون جهدهم أن يسترضوهم ويقنعوهم بأنهم منهم وعلى طريقهم كما قال الله ﷻ: ﴿وَيَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنَّهُمۡ لَمِنكُمۡ وَمَا هُم مِّنكُمۡ وَلَٰكِنَّهُمۡ قَوۡمٞ يَفۡرَقُونَ ٥٦ لَوۡ يَجِدُونَ مَلۡجَـًٔا أَوۡ مَغَٰرَٰتٍ أَوۡ مُدَّخَلٗا لَّوَلَّوۡاْ إِلَيۡهِ وَهُمۡ يَجۡمَحُونَ﴾ [التوبة: 56-57]،

فهذا يقول: لا تنفروا في الحر!

والآخر يصيح: ائذن لي ولا تفتني!

وغيره يحتج: لو نعلم قتالًا لاتبعناكم!

وآخرون يقولون: إن بيوتنا عورة!

وهم يسرون ويتمتمون: ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورًا!

ص 2514

فإذا تعيَّن القتال، وأصبح سبيله لا مناص منه، وخوضه لا محيد عنه؛ تلاشت أعذارهم واستسلموا لحقيقتهم الكامنة في قلوبهم، وارتسمت علامات النفاق والشقاق على صفحات وجوهم كما أخبرنا الله عن حالهم وقال: ﴿فَإِذَآ أُنزِلَتۡ سُورَةٞ مُّحۡكَمَةٞ وَذُكِرَ فِيهَا ٱلۡقِتَالُ رَأَيۡتَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ يَنظُرُونَ إِلَيۡكَ نَظَرَ ٱلۡمَغۡشِيِّ عَلَيۡهِ مِنَ ٱلۡمَوۡتِۖ﴾ [محمد: 20]، ولهذا قال قتادة رحمه الله: «كل سورة ذُكر فيها الجهاد فهي محكمة وهي أشد القرآن على المنافقين»٣٬٢٨٩[تفسير الطبري (21/210)].، وقال الله تعالى: ﴿۞قَدۡ يَعۡلَمُ ٱللَّهُ ٱلۡمُعَوِّقِينَ مِنكُمۡ وَٱلۡقَآئِلِينَ لِإِخۡوَٰنِهِمۡ هَلُمَّ إِلَيۡنَاۖ وَلَا يَأۡتُونَ ٱلۡبَأۡسَ إِلَّا قَلِيلًا ١٨ أَشِحَّةً عَلَيۡكُمۡۖ فَإِذَا جَآءَ ٱلۡخَوۡفُ رَأَيۡتَهُمۡ يَنظُرُونَ إِلَيۡكَ تَدُورُ أَعۡيُنُهُمۡ كَٱلَّذِي يُغۡشَىٰ عَلَيۡهِ مِنَ ٱلۡمَوۡتِۖ فَإِذَا ذَهَبَ ٱلۡخَوۡفُ سَلَقُوكُم بِأَلۡسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى ٱلۡخَيۡرِۚ أُوْلَٰٓئِكَ لَمۡ يُؤۡمِنُواْ فَأَحۡبَطَ ٱللَّهُ أَعۡمَٰلَهُمۡۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٗا﴾ [الأحزاب: 18-19].

فهذا الصنف من الناس وما أكثره في هذا العصر لا يرجى خيره لدينٍ ولا لدنيا، إلا من تاب وأناب ورجع صادقًا مخلصًا لله ﷻ لا للخديعة، ولولاه لكان المسلمون ينعمون بدولةٍ للإسلام ممكنة منذ أمدٍ بعيد.. هؤلاء المعوقون المذبذبون المبطئون هم من أعظم محن الأمة الذين لا يرجون لله وقارًا، همهم في مناظرهم ومناصبهم وذهابهم وإيابهم واستقبالهم وتوديعهم! فهل يرجو ذو عقلٍ لبيب من هؤلاء أن يقيموا لله دينًا تحكم فيه شريعته ويعز فيه أولياؤه ويذل فيه أعداؤه وهم أول من والاهم وانسل من دينه وعقيدته إرضاءً لهم وتطمينًا لقلوبهم وتسكينًا لنفوسهم؟!

كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوۡاْ إِلَىٰ شَيَٰطِينِهِمۡ قَالُوٓاْ إِنَّا مَعَكُمۡ إِنَّمَا نَحۡنُ مُسۡتَهۡزِءُونَ﴾ [البقرة: 14]؛ فهذا الصنف المخذول من الناس يجب أن يُتخذ معه قرار حاسم حازم لا تذبذب فيه ولا تردد، يقطع دابر مؤامراتهم ويكف عن الأمة والمجاهدين شرهم وتلاعبهم، ذلك المبدأ الذي بينه القرآن أتم البيان في محنة من المحن المشابهة مع أمثال هؤلاء كما قال الله ﷻ: ﴿فَإِن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ إِلَىٰ طَآئِفَةٖ مِّنۡهُمۡ فَٱسۡتَـٔۡذَنُوكَ لِلۡخُرُوجِ فَقُل لَّن تَخۡرُجُواْ مَعِيَ أَبَدٗا وَلَن تُقَٰتِلُواْ مَعِيَ عَدُوًّاۖ إِنَّكُمۡ رَضِيتُم بِٱلۡقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٖ فَٱقۡعُدُواْ مَعَ ٱلۡخَٰلِفِينَ﴾ [التوبة: 83].

ص 2515

هذا الصنف الذي كشفت ولا زالت تكشف الأحداث وساحات الجهاد وما ينتابها من المحن والممحصات؛ أن همهم لا يعدو تلبية رغباتهم وعبادة أهوائهم واتخاذ آيات الله هزوًا ولإن انقطع نزول الوحي الذي كان يتنزَّلُ ببيان صفاتهم وأحوالهم وربما تعيين بعض أشخاصهم فإن الجهاد الذي جعله الله ﷻ ممحصًا ومميزًا لم ينقطع ولن ينقطع رغم أنوف المبغضين.

وبفضل الله ﷻ لما استمسك أهل الجهاد بوضوح رايتهم، وتجلية أهدافهم، والاستماتة دون مقاصدهم، ولم يداهنوا في دينهم أو يتلاعبوا بمصطلحات شريعتهم؛ انكبتَ هؤلاء وصاروا بين خيارين؛ إما أن يكونوا في صف المجاهدين ليتحملوا معهم الأعباء والعناء حقيقةً وفعلًا لا تشبعًا وادعاءً، وإما أن ينحازوا إلى أعداء الإسلام ويجاهروا بكفرهم ويصرحوا ويفصحوا عن حقيقة ولائهم، ولم يكن لأصحاب قلوبٍ خاوية ونفوسٍ هلعة وأهواءٍ معبودة أن يصبروا ويصابروا على مشاق الجهاد واستنشاق غباره في مسيرة لا يرون لها نهاية؛ فاختاروا الذي هو أدنى على الذي هو خير، قال الله ﷻ: ﴿أَمۡ حَسِبَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَن لَّن يُخۡرِجَ ٱللَّهُ أَضۡغَٰنَهُمۡ﴾ [محمد: 29].

ومن أبرز أمثلة العصر -وما أكثرها!- انتكاس «شيخ شريف» الذي اتبع ما أسخط الله وكره رضوانه فانسل من «تشيخه» وتبرأ من «شرفه»، وارتمى في أحضان الصليب ذليلًا مهينًا مسارعًا فيهم خشية الدوائر، مُبتغيًا عندهم العزة وألقاها وراء ظهره يوم أن خلع ربقة الإسلام من عنقه، واليوم وهو في انحطاطه وهوانه يهدد ويتوعد أسود الشرى الذين فضحوه بثباتهم وانكشفت خبيئته أمام رسوخهم وإيمانهم؛ فأصبح يردد قول سلفه في النفاق والذبذبة: ﴿يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعۡنَآ إِلَى ٱلۡمَدِينَةِ لَيُخۡرِجَنَّ ٱلۡأَعَزُّ مِنۡهَا ٱلۡأَذَلَّۚ﴾ [المنافقون: 8]، ولكن هيهات هيهات أن تُنال العزة ممن أذلهم الله ﷻ، قال ﷻ: ﴿وَلِلَّهِ ٱلۡعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِۦ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ وَلَٰكِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ لَا يَعۡلَمُونَ﴾ [المنافقون: 8]، وقال الله ﷻ: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلۡعِزَّةَ فَلِلَّهِ ٱلۡعِزَّةُ جَمِيعًاۚ﴾ [فاطر: 10].

ص 2516

فابتداءً: أهنئ إخواني المجاهدين الأحبة في الصومال على ثباتهم ورسوخهم وتصديهم لهذه المؤامرة التي خيطت حبالها بمكرٍ شيطاني التقت فيه رؤوس الكيد ودبرته عقول المكر؛ فرجعت خائبة هزيلة واهنة مكشوفة مفضوحة، وذلك من فضل الله ﷻ عليكم ورحمته؛ فاشكروه على أن كفَّ شرهم وهتك سترهم وميز صفهم، وجعلكم سببًا في ذلك كله، وقد قال الله سبحانه: ﴿ذَٰلِكُمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ مُوهِنُ كَيۡدِ ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ [الأنفال: 18]، وقال الله ﷻ: ﴿وَمَا كَيۡدُ ٱلۡكَٰفِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَٰلٖ﴾ [غافر: 25].

وعلينا أن نقف عند هذا الدرس طويلًا تدبرًا وتأملًا واستخلاصًا للعبر واستحضارًا للعظات الجمة التي حواها؛ لنجتهد في شكر الله ﷻ، وليترسخ في أعماق قلوبنا قوله سبحانه: ﴿۞إِنَّ ٱللَّهَ يُدَٰفِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٖ كَفُورٍ﴾ [الحج: 38]، ونسأل الله سبحانه أن ييسر لنا وقتًا نقول أو نكتب فيه ما يفتح علينا سبحانه في ذلك.

فأقول لإخواني المجاهدين الأحبة في الصومال:

والله إن ثباتكم أمام هذه المؤامرة المخزية التي علق عليها الكفر آمالًا لا نظير لها، وحشد لها حشودًا تدعمها وتقويها وتباركها وتنفخ فيها بأقلامها المأجورة، وأفكارها الزائغة وتصوراتها المنحرفة، واستدلالاتها المتلاعبة، حتى لكأنما ولي الخلافة عمر بن عبد العزيز! أقول: إن ثباتكم أمام ذلك كله لم يُبطل مؤامرة عبّاد الصليب في الصومال فحسب، بل أبطل مشروعًا متكاملًا كانت أولى خطواته في أرضكم، ووضعت أصوله بعناية تامة ودقة متناهية يراد تطبيقه على كثير من الدول الإسلامية بعد أن بليت ثياب العلمانية المفضوحة ليأتونا بالعلمانية في ثوبها الجديد.

ومن يدري فلعلنا نسمع عما قريب «العلمانية الإسلامية»! خاصةً مع كثرة المذبذبين الذين سال لعابهم وهم يرون بريق الكراسي يُلوح به في أيدي الأمريكان يعدونهم ويمنونهم، أولئك ﴿ٱلَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمۡ فَإِن كَانَ لَكُمۡ فَتۡحٞ مِّنَ ٱللَّهِ قَالُوٓاْ أَلَمۡ نَكُن مَّعَكُمۡ وَإِن كَانَ لِلۡكَٰفِرِينَ نَصِيبٞ قَالُوٓاْ أَلَمۡ نَسۡتَحۡوِذۡ عَلَيۡكُمۡ وَنَمۡنَعۡكُم مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۚ﴾ [النساء: 141]! فخاب مسعاهم بقرار استمرار القتال الذي اتخذتموه، وتبدد حلمهم مع أول قذيفة هوت على قصر العمالة في مقديشو استقبالًا لعميلهم وعبدهم الوفي، ولولا ذلك لرأينا صفًا من الشيوخ «الشرفاء-العملاء» قد اصطفوا أمام السيد الأمريكي وهم يعدون شعوبهم بتطبيق الشريعة الإسلامية كاملة وبإجماع أعضاء البرلمانات ويا للمهزلة! فنسأل الله ﷻ أن يجزل لكم المثوبة ويبارك في جهدكم وجهادكم.

ص 2517

فاليوم ها هو شيخ شريف يستنجد استنجادًا صارخًا بشياطين الإنس كلهم ليعينوه ويداهموا بلده ويحتلوا أرضه؛ ليكفوا ضربات المجاهدين عنه، ولا أدري إن كانت استغاثاته بالجامعة العربية ومجلس الأمن والاتحاد الأفريقي وغيرها إن كان ذلك من أجل تطبيق الشريعة الإسلامية كاملة كما أقر برلمانه، ونحن نقرأ في كتاب الله ﷻ الذي يجب أن يُطبق كاملًا قوله تعالى: ﴿۞يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ ٱلۡيَهُودَ وَٱلنَّصَٰرَىٰٓ أَوۡلِيَآءَۘ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَإِنَّهُۥ مِنۡهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [المائدة: 51]، فهل ألغى شيخ شريف -الذي أسهبت الأقلام في مدحه وإطرائه- هذه الآية وآيات الولاء والبراء من شريعة الإسلام الكاملة التي ما زال بعض السُذَّج يترقب تطبيقها على يديه الآثمتين؟! أم أن هناك شريعة إسلامية أخرى تنزلت عليه وعلى اتباعه لا يفهمها المتعصبون والمتشددون؟ ولا حول ولا قوة إلا بالله!

فأين أصحاب الأقلام المتلاعبة بالشرع الذي عُرفوا في لحن أقوالهم ممن أسموا أنفسهم «اتحاد علماء المسلمين» حين سعوا جاهدين لإقناع المجاهدين بوضع أسلحتهم والتسليم للأمير الجديد، وسوّدوا الصفحات بزخارف الأقوال، ما لنا لا نسمع اليوم لهم همسًا ولا ركزًا؟! أم أن اتحادهم لا تظهر نصائحه ولا يتجلى حرصه إلا إذا كان خنجرًا مسمومًا يطعن به في الجهاد والمجاهدين؟!! فالآن وقد كشر شريفكم الذي زكيتموه عن أنيابه وأبرز استغاثته الصريحة بأمم الكفر لاحتلال الصومال حتى أثيوبيا النصرانية التي طالما تغنى بمعارضتها ومخالفتها، وجاهر بانحيازه لمعسكر الكفر ومنابذته لمعسكر الإيمان، فأبرزوا لنا ما كنتم تدعونه من النصح للإسلام والمسلمين، وأرونا غيرتكم على ديارهم ودمائهم التي تغنيتم بالحرص على حقنها، أم أن خطر المجاهدين الذين يرفعون راية «لا إله إلا الله» أشد عندكم على الصومال والصوماليين من راية رفعها من يقول: إن الله ثالث ثلاثة، ومن لف في لفهم؟! ونعوذ بالله من الخذلان، قال الله تعالى: ﴿وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتۡنَتَهُۥ فَلَن تَمۡلِكَ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ شَيۡـًٔاۚ﴾ [المائدة: 41].

ص 2518

[مؤسسة السحاب: قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: «وأيُّ دين، وأيُّ خير فيمن يرى محارم الله تنتهك وحدوده تضاع ودينه يترك، وسنّة رسول الله يُرغب عنها وهو بارد القلب ساكت اللّسان شيطان أخرس كما أن المتكلم بالباطل شيطان ناطق؟ وهل بلية الدين إلاّ من هؤلاء الذين إذا سلمت لهم مآكلهم ورياساتهم فلا مبالاة بما جرى على الدّين؟ وخيارهم المتحزن المتلمظ، ولو نوزع في بعض ما فيه غضاضة عليه في جاهه أو ماله بذل وتبذل وجد واجتهد، واستعمل مراتب الإنكار الثلاثة بحسب وسعه، وهؤلاء مع سقوطهم من عين الله ومقت الله لهم قد بُلوا في الدّنيا بأعظم بليّة تكون وهم لا يشعرون، وهو موت القلوب، فإنّ القلب كلّما كانت حياته أتمّ كان غضبه لله ورسوله أقوى وانتصاره للدين أكمل»٣٬٢٩٠[إعلام الموقعين: (2/121)].].

فأول ما أُوصي به إخواني المجاهدين أبطال الصومال الذين تحطمت على قوة ثباتهم سلاسل المؤامرات واحدة، واحدة، أوصيهم بتقوى الله ﷻ والإخلاص له في القول والعمل في السر والعلانية واللجوء إليه في الرخاء والشدة، قال ﷻ: ﴿إِنَّهُۥ مَن يَتَّقِ وَيَصۡبِرۡ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ [يوسف: 90]، ولتعلموا علم اليقين أن النصر من عند الله تعالى؛ فاحذروا أن تطلبوه من غيره؛ فيخذلكم، أو تلتفتوا إلى سواه؛ فيتخلى عنكم، ووالله لتكفينا آية واحدة تتنزل بها السكينة في قلوبنا وتطيب بتلاوتها وتدبرها نفوسنا، ونرى من خلالها هوان أعدائنا، قال الله ﷻ: ﴿إِن يَنصُرۡكُمُ ٱللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمۡۖ وَإِن يَخۡذُلۡكُمۡ فَمَن ذَا ٱلَّذِي يَنصُرُكُم مِّنۢ بَعۡدِهِۦۗ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ﴾ [آل عمران: 160]، فكيف وقد تواطأت الآيات على هذا المعنى الذي لا ينبغي للمجاهد أن يغفل عنه وهو يتصدى لأعداء الإسلام ويحصد رؤوسهم، فلئن لجأ شريف إلى سادته وابتغى العزة عند أوليائه فقولوا له: الله مولانا ولا مولى لكم، وأنى لأولياء نصرتهم أوهى من خيوط العنكبوت أن تنازع أو تدافع قوةَ من لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء؟! قال الله ﷻ: ﴿مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوۡلِيَآءَ كَمَثَلِ ٱلۡعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتۡ بَيۡتٗاۖ وَإِنَّ أَوۡهَنَ ٱلۡبُيُوتِ لَبَيۡتُ ٱلۡعَنكَبُوتِۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ﴾ [العنكبوت: 41].

 فاللهَ الله في التقوى والصبر والإخلاص والصدق، وليس مثلي من يوصي مثلكم، ولكن قد يوجد في النهر ما لا يوجد في البحر.

ثانيًا: قال الصحابي الجليل أبو الدرداء رضي الله عنه: «إنما تقاتلون بأعمالكم»٣٬٢٩١[رواه البخاري في أول ‌‌باب: عمل صالح قبل القتال].؛ فلتضعوا هذه النصيحة الصادقة من هذا الصحابي الجليل نصب أعينكم، فإنما تقاتلون هؤلاء الكفرة الفجرة الذين حادوا الله ﷻ ورسوله؛ بأعمالكم الصالحة من الصدق والتقوى والصبر واليقين والتوكل والإخلاص والدعاء والاتفاق على الحق، وهذه الحقيقة التي لم ولن يدركها عُبّاد الدنيا الذين لا يرون النصر إلا من خلال دبابة مصفحة أو صواريخ ذكية أو أسلحة متطورة أو ذخائر مكدسة.

ولسنا ضدَّ الأخذ بما يُمكن ويستطاع من الأسباب، ولكن لسنا ممن يلتفت إليها أو يعتمد عليها، بل نقول كما قال الصحابي الجليل عبد الله بن رواحة رضي الله عنه: «ما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به»٣٬٢٩٢[سيرة ابن هشام: (2/375)].؛ فاحذروا من المعاصي حذركم من عدوكم، فوالله لهي أشدّ فتكًا بالجيوش من الآلاف المؤلفة من الجنود، فقد نصر الله ﷻ المؤمنين يوم بدر وهم أذلة كما قال الله سبحانه: ﴿وَلَقَدۡ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدۡرٖ وَأَنتُمۡ أَذِلَّةٞۖ﴾ [آل عمران: 123]، وانكسر جيشهم يوم أحد بعد النصر والظفر بسبب معصيةٍ اقترفها بعض الجند مع وجود من نهاهم عنها وحذرهم منها وكان أمر الله ﷻ قدرًا مقدورًا، قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمَّآ أَصَٰبَتۡكُم مُّصِيبَةٞ قَدۡ أَصَبۡتُم مِّثۡلَيۡهَا قُلۡتُمۡ أَنَّىٰ هَٰذَاۖ قُلۡ هُوَ مِنۡ عِندِ أَنفُسِكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ﴾ [آل عمران: 165].

 ولتعلموا -إخوتي الأحبة- أنَّ زهو النصر قد يكون أشد وأنكى على الجهاد والمجاهدين من غم الهزيمة، فكلما فتح الله ﷻ عليكم فتحًا أو هيأ لكم نصرًا؛ تذكروا ما كنتم عليه من تشتت أمركم وقلة ذات يدكم، وشدة تخطف عدوكم لكم، فأنقذكم الله ﷻ من كل ذلك ومنَّ عليكم بما منَّ، وتفضل بما تفضل، وما بكم من نعمة فمن الله ﷻ، قال الله ﷻ: ﴿وَٱذۡكُرُوٓاْ إِذۡ أَنتُمۡ قَلِيلٞ مُّسۡتَضۡعَفُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ ٱلنَّاسُ فَـَٔاوَىٰكُمۡ وَأَيَّدَكُم بِنَصۡرِهِۦ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ﴾ [الأنفال: 26].

ص 2519

ثالثًا: عليكم بالثبات على طريق الجهاد، فلا تحيدوا عنه قيد أنملة، ولا تتزحزحوا حدَّ شعرة، ففيه والله عزكم وحياتكم وتمكينكم وبقاؤكم ونصركم وفتحكم، وفي ساحاته مصدر رزقكم سواء في البر أو البحر، فاستمسكوا به وعضوا عليه بالنواجذ ولو تخلى عنه من تخلى، وتنكب لسبيله من تنكب، وتنكر له من تنكر، فقد رأيتم آلاء الله ﷻ عليكم بصبركم على طريقه وتحملكم لمشاقه ومصاعبه، وعاينتم ما فعل الله ﷻ بمن أراد أن يتلاعب به ويجعله حظًا لنفسه لا عبادة لربه، ويتخذه سفرًا قاصدًا لا تعب فيه ولا نصب، ولينال مغنمه دون أن يتجرع مغرمه، حتى إذا حلَّ النصر وتنزَّل الفتح؛ قالوا: إنا كنا معكم! ففضحهم الله ﷻ في منتصف الطريق وأخرج دسائس نفوسهم وهتك أستارهم وجعلهم عبرة لكل معتبر وآية يوعظ بها من وعظ، فلن يخوض غمار الجهاد إلى نهايته من بدأه بالتذبذب والتلاعب والتحايل والتمايل والمداهنات والمراوغات، القائلين كلما انكشف سرهم وانفضح أمرهم: إن أردنا إلا إحسانًا وتوفيقًا!

[البحر: الرجز]

[البحر: الرجز]

نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدَا

عَلَى الْجِهَادِ مَا بَقِينَا أَبَدَا

ومن الاستمساك بعبادة الجهاد: الاستمساك بمصطلحاته الشرعية الجلية، والتأكيد عليها وجعلها شعارًا مرفوعًا لا نستحيي من إعلانه وإشهاره، فلا خير فينا حين نخجل من ذلك ونبحث عن المخارج والمدخلات التي نحاول أن نداهن بها أعداءنا.

ولتعلموا إخواني الأحبة أن الاستمساك بمصطلحات الجهاد ومفرداته لا تقلُّ اليوم أهمية عن الاستمساك بأحكامه وضوابطه، فكم وكم كانت فارقة بين أهل الرايات المتميعة وبين غيرهم؟

فمثلًا؛ نحن لسنا ممن يسمي الجهاد مقاومةً ويكتفي بذلك؛ فالله ﷻ هو الذي اختار لنا هذا الاسم الشريف وجعله عنوانًا على محبته وعبوديته والصدق معه، ومهما ضربنا في بطون القواميس ونقبنا بين أسطرها واستشرنا القريب والبعيد؛ فلن نجد خيرًا مما اختاره الله ﷻ لنا ولا أشرف مما شرَّفنا به، فلن نخلع قميصًا كسانا الله به، وكم من الكلمات التي بدأها أصحابها مجرد عبارات؛ فإذا بها اليوم مناهج ترسم أفكارًا وترسخ مبادئ هي أبعد ما تكون عن الهدى والحق.

ص 2520

فنحن وأنتم مجاهدون في سبيل الله، مقاتلون لأعداء الله، ولسنا مجرد مقاومين دافعين لأعداء حلوا بديارنا، وما هذا إلا ضرب من المداهنة التي يحاول البعض امتصاص ثورة الأعداء بها، وقد قال الله ﷻ لنبيه ﷺ: ﴿وَدُّواْ لَوۡ تُدۡهِنُ فَيُدۡهِنُونَ﴾ [القلم: 9].

[مؤسسة السحاب: قال الأستاذ سيد قطب -طيب الله ثراه-: «هي المساومة إذن، والالتقاء في منتصف الطريق، كما يفعلون في التجارة، وفرق بين الاعتقاد والتجارة كبير، فصاحب العقيدة لا يتخلى عن شيء منها، لأن الصغير منها كالكبير، بل ليس في العقيدة صغير وكبير، إنها حقيقة واحدة متكاملة الأجزاء لا يطيع فيها صاحبها أحدًا، ولا يتخلى عن شيء منها أبدًا.

وما كان يمكن أن يلتقي الإسلام والجاهلية في منتصف الطريق، ولا أن يلتقيا في أي طريق، وذلك حال الإسلام مع الجاهلية في كل زمان ومكان، جاهلية الأمس وجاهلية اليوم وجاهلية الغد كلها سواء.. إن الهوة بينها وبين الإسلام لا تعبر، ولا تقام عليها قنطرة، ولا تقبل قسمة ولا صلة، وإنما هو النضال الكامل الذي يستحيل فيه التوفيق»٣٬٢٩٣في ظلال القرآن (7/292).].

الشيخ أبو يحيى الليبي: إذن علينا أن نختصر الطريق على أنفسنا ونقرر حقيقةً متمكنةً واضحةً لا لبس فيها ولا غبش، وهي أن حكومات العالم كلها سواءٌ العربية المرتدة أو الغربية النصرانية أو الشرقية الملحدة أو غيرها؛ لا يمكن أن ترضى أو تقبل بتطبيق الشريعة الإسلامية الصافية، ولن يتحقق هذا الهدف الإسلامي السامي إلا بأن يُمكِّن لأهله بالقوة والقتال والشوكة والمنعة، وأيما جماعة إسلامية أو تنظيم إسلامي رسم لنفسه طريقًا لم يجعل مدارها على الإعداد والجهاد والسلاح والقتال؛ فلن يبلغ هذا الهدف أبد الدهر، ولن يحقق هذا المقصود حتى يلج الجمل في سم الخياط، فليس له أن يزيد أمته رهقًا وإرباكًا وحيرةً واضطرابًا، فشريعة الله ﷻ التي نسعى لتطبيقها والتمكين لها لا نستجديها من أحد، وإنما نفرضها بقوة السلاح ولسنا في حاجة لاعتراف أية دولة بنا إذا كان الله قد رضي عنا.

ص 2521

وما المطالبة بذلك إلا بداية الانزلاق الذي لن يتوقف حتى نصطف خلف الشرعية الدولية، ونقر بالحدود والسدود التي رسموها وخطوها لأنفسهم، وحتى نعتبر المواطنة والانتماء الأرضي المجرد هو معيار المفاضلة وتحصيل الحقوق وفرض الواجبات، وتلك والله هزيمة نكراء شنعاء لا تعدلها ولا تدانيها عشرات الهزائم التي تحصل في ساحات القتال، قال الله تعالى: ﴿وَلَن تَرۡضَىٰ عَنكَ ٱلۡيَهُودُ وَلَا ٱلنَّصَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمۡۗ﴾ [البقرة: 120].

رابعًا: إن من أعظم ما يكشف أهل الحق من أهل الباطل في ساحات الجهاد؛ هو التصريح بإعلان الأهداف والوضوح في ذلك بحيث لا يبقى هناك أدنى لبسٍ أو ميوعةٍ فيها، وهو محك طالما زلت فيه أقدام جماعات رفعت رايات الجهاد وخاضت غمار الحروب، ولكن بقيت أهدافها ضبابية فضفاضة خائضة في أمر مريج، وقد وضح القرآن هذا الأمر وضوحًا لا اضطراب فيه، وحدد غاية الجهاد تحديدًا لا تداخل معه؛ فقال الله تعالى: ﴿وَقَٰتِلُوهُمۡ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتۡنَةٞ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ كُلُّهُۥ لِلَّهِۚ فَإِنِ ٱنتَهَوۡاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ﴾ [الأنفال: 39]؛ فقتالنا إذن حتى لا تبقى فتنة ولا شركٌ ولا مسلمٌ يفتن عن دينه، وحتى تكون الطاعة كلها لله تعالى، فلا تجعلوا مدار قتالكم ومحور جهادكم على مجرد وجود قوات الاتحاد الأفريقي، فالأمر أكبر من ذلك، كيف وقد يكون بنو جلدتكم ممن يتكلمون بلسانكم ويتسمون بأسمائكم هم أشدَّ على الإسلام وأنكى في أهله منهم.

فما إخراج قوات الاتحاد الأفريقي إلا جزءٌ من المقصد الجهادي الكبير، وهو خطوةٌ من خطوات تحقيقه، إننا نقاتل لنخرج المحتل الأجنبي من أرضنا، ولنستأصل شأفة أعوانهم المرتدين من بني جلدتنا، ولنزيل كل نظامٍ أو قانونٍ أو شريعةٍ تناقض ديننا، وليحكم دين الإسلام -ودين الإسلام وحده- ربوع بلادنا، وليكون الناس كلهم عبيدًا للهوحده وفي حياتهم كلها، فلا يجعلون بعض الدين لله وبعضه لغير الله، كما قال الله ﷻ: ﴿قُلۡ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحۡيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٦٢ لَا شَرِيكَ لَهُۥۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرۡتُ وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلۡمُسۡلِمِينَ﴾ [الأنعام: 162-163]؛ فارفعوا بهذه الأهداف السامية النبيلة أصواتكم ورسخوها في إعلامكم وبياناتكم، وربوا عليها جنودكم واسعوا لتحقيقها في واقعكم وأرضكم.

ص 2522

خامسًا: من فضل الله تعالى على المجاهدين في هذه الحقبة وفي سائر ساحات النزال والقتال أن نجَّاهم الله ﷻ من دعوات الجاهلية وعُبيتها ونخوتها ورفعوا لواء الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين ليكونوا من حزب الله المفلحين الذين قال الله ﷻ فيهم: ﴿وَمَن يَتَوَلَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فَإِنَّ حِزۡبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلۡغَٰلِبُونَ﴾ [المائدة: 56]؛ فكان جهادهم واجتماعهم لدين الله تعالى ونصرته ومن أجل إعلاء كلمته وتحكيم شريعته دون أن يخلطوا سبيله بدنس القومية أو يحرِّفوه بنداءات الوطنية، انسياقًا مع دين الله ﷻ الذي قال لهم: ﴿إِنَّ هَٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَأَنَا۠ رَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 92]، واتباعًا لنبيهم ﷺ الذي قرر هذا المبدأ بقوله وفعله حيث قال ﷺ: (إن الله قد أذهب عنكم عُبيّة الجاهلية وفخرها بالآباء مؤمن تقي وفاجر شقي أنتم بنو آدم وآدم من تراب ليدعن رجال فخرهم بأقوام إنما هم فحم من فحم جهنم أو ليكونن أهون على الله من الجعلان التي تدفع بأنفها النتن)٣٬٢٩٤[رواه أبو داود: (٥١١٦)، وحسنه الألباني]..

وما ذلَّت الأمة الإسلامية لأعدائها، إلا بعد أن استسلمت لهذه الدعوات التي مزقتها إربًا، وتعاظم كل شعبٍ من الشعوب الإسلامية في نفسه، وترفعت تلك الشعوب بعضها على بعض، وابتعدت عن مصدر عزها وقوتها ووحدتها، ولم تصغ لما قاله أمير المؤمنين الْمُجرِّب عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «إنا كنا أذلّ قوم فأعزنا الله بالإسلام، فمهما نطلب العز بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله»٣٬٢٩٥[المستدرك: (٢٠٧)، وقال الحاكم: «حديث صحيح على شرط الشيخين»]..

ص 2523

فمما تفتخر به أمة الإسلام بعامة -وطائفة الجهاد بخاصة- أنَّها خرجت من بحر الجاهلية الدنس إلى رحاب العقيدة الطاهر؛ ليجتمع رجالها من أهل الشرق والغرب والعرب والعجم على كلمةٍ واحدة لإحياء الأمة الواحدة، فما يحاول عميل أمريكا في الصومال أن يجعله وصمة عارٍ في حق المجاهدين الصادقين بقوله: «إن صفوفهم تضم أجانب»؛ هو عين ما نفتخر به، وندعو إليه ونحرض عليه، فهؤلاء العملاء هم الذين استبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير، فنبذوا الإسلام وراءهم ظهريًا وتعزوا بعزاء الجاهلية المنتن، واتخذوا ذلك مِجنّةً يستترون خلفه لحرب الإسلام عمومًا والمجاهدين خصوصًا؛ فرفعوا أصواتهم مستنجدين بالدول الكافرة ومؤسساتهم العالمية؛ لأنهم اكتشفوا أن في الصومال «أجانب» حسب تعبيرهم يقاتلون بجانب إخوانهم المجاهدين.

ويا لِخَيبة كل من انسلخ عن الدين كيف تجرجره الأهواء في كل واد كما يجرجر الكلب صاحبه، فإذا كان إخوان العقيدة الذين جمعتهم كلمة واحدة وانتسبوا إلى أمة واحدة؛ قد جعلتموهم أجانب فقط؛ لأنهم لم يولدوا أو يكبروا في الصومال، فماذا تقولون يا أصحاب الحكمة والحنكة والسياسة في الدول الكافرة التي تستنجدون بها ليلًا ونهارًا لإنقاذ حكمكم البالي والحفاظ على قصركم المتهاوي؟!! وصدق الله ﷻ: ﴿أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّهِۦ كَمَن زُيِّنَ لَهُۥ سُوٓءُ عَمَلِهِۦ وَٱتَّبَعُوٓاْ أَهۡوَآءَهُم﴾ [محمد: 14].

فيا أيها الإخوة المجاهدون: الزموا دعوة الإسلام، وانبذوا دعوات الجاهلية وأهلها، واحذروا أن تعودوا لدثارها بعد إذ نجاكم الله ﷻ منها، قال ﷻ: ﴿وَجَٰهِدُواْ فِي ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِۦۚ هُوَ ٱجۡتَبَىٰكُمۡ وَمَا جَعَلَ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلدِّينِ مِنۡ حَرَجٖۚ مِّلَّةَ أَبِيكُمۡ إِبۡرَٰهِيمَۚ هُوَ سَمَّىٰكُمُ ٱلۡمُسۡلِمِينَ﴾ [الحج: 78]، وقال ﷺ: (من دعا بدعوة الجاهلية فإنه من جثاء جهنم)، قال رجل: يا رسول الله وإن صام وصلى؟ قال: (نعم)٣٬٢٩٦[رواه أحمد: (٢٢٩٠٩)، وصححه الأرنؤوط].؛ فادعوا بدعوة الله ﷻ التي سماكم بها المسلمين والمؤمنين عباد الله.

وأخيرًا: عليكم بالاتفاق واجتماع الكلمة، واحذروا الاختلاف والتفرق، وأكثروا من الدعاء والتضرع، واجتهدوا في تعليم الناس أمر دينهم، ورسخوا في قلوبهم معاني الولاء للمؤمنين والبراءة من الكافرين، وكونوا قدوتهم في التواضع والزهد والعدل والانتصار والشجاعة والتضحية، واكسبوهم بلين القلوب من غير تفريطٍ في الحق ولا تضييع للحقوق اقتداءً بنبيكم ﷺ الذي قال الله ﷻ له: ﴿فَبِمَا رَحۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمۡۖ وَلَوۡ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلۡقَلۡبِ لَٱنفَضُّواْ مِنۡ حَوۡلِكَۖ فَٱعۡفُ عَنۡهُمۡ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ وَشَاوِرۡهُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِۖ فَإِذَا عَزَمۡتَ فَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: 159].

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

❖ ❖ ❖

📚
نهاية هذا المبحث

لقد أتممت قراءة كتاب: الصومال.. وانقشعت سحابة الصيف

يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.

تحميل الكتاب مفردًا