المسألة الثالثة: بعض الأخطاء التي وقع فيها عند استدلاله بالإجماع المذكور
كنا قد أنهينا في المسألة السابقة الكلام عن بطلان دعوى الإجماع القطعي على تكفير أنصار الحكام المرتدين، وذكرنا عندها أن صنيع الشيخ لم يتجاوز في حقيقة أمره: إثبات وتقرير تكفير الصحابة لأتباع المتنبئين على التعيين، وهؤلاء كما ذكرنا كفرهم معلوم لدى الخاص والعام؛ بحيث يُستغنى في بيان حكمهم عن الاستطراد والإسهاب، ثم إنَّ الشيخ لما قرر كفرهم على التعيين عمم هذا الحكم بطريقته ليُدخِل فيه أنصار الحكام المرتدين الذين خصص البحث لهم، وأوضحنا أنه سلك في تعميمه مسلك القياس، وإن لم يشعر هو بذلك، ومع هذا فإن قياسَهُ باطل ومردود لوجود فوارق بينة ومؤثرة بين الواقعتين، وقد ذكرناها بما يغني عن الإعادة هنا.
وفي هذه المسألة سيكون الحديث حول بعض الأخطاء التي احتواها كلام الشيخ عبد القادر وتضمنتها عباراته، عند استدلاله بإجماع الصحابة المذكور على تكفير أنصار الحكام المرتدين.
الخطأ الأول:
قال الشيخ عبد القادر: «وقد أجمع الصحابة على كفر أنصار أئمة الردة؛ كأنصار مسيلمة المتنبئ الكذاب، وأنصار طليحة المتنبئ الكذاب؛ فقد غنموا أموالهم وسبوا نساءهم وشهدوا على قتلاهم بأنهم في النار، وهذا تكفير منهم على التعيين، ودليله: ما رواه طارق بن شهاب قال: «جاء وفد بزاخة؛ من أسد وغطفان إلى أبي بكر يسألونه الصلح؛ فخيرهم بين الحرب المجلية والسلم المخزية، فقالوا: هذه المجلية قد عرفناها فما المخزية؟ قال: تنزع منكم الحلقة والكُراع١١٨[الحلقة: السلاح، والكُراع: الخيل].، ونغنم ما أصبنا منكم، وتردون علينا ما أصبتم منا، وتدون قتلانا وتكون قتلاكم في النار وتتركون أقواما يتبعون أذناب الإبل حتى يُرِي الله خليفة رسوله والمهاجرين أمرا يعذرونكم به، فعرض أبو بكر ما قال على القوم، فقام عمر فقال: قد رأيت رأيا وسنشير عليك، أما ما ذكرت من الحرب المجلية والسلم المخزية فنعم ما ذكرت، وأما ما ذكرت أن نغنم ما أصبنا منكم وتردون ما أصبتم منا فنعم ما ذكرت، وأما ما ذكرت تدون قتلانا وتكون قتلاكم في النار، فإن قتلانا قاتلت فقتلت على أمر الله أجورها على الله، ليس لها ديات»١١٩[الأموال لأبي عبيد (ص 254)].. قال: فتتابع القوم على ما قال عمر رضي الله عنه -إلى أن قال- والشاهد من هذا: هو قول أبي بكر للمرتدين التائبين: «وتكون قتلاكم في النار» وموافقة عمر وسائر الصحابة رضي الله عنهم له على ذلك، وهذا إجماع منهم على تكفير أنصار أئمة الردة وجنودهم على التعيين، إذ لا خلاف في أن القتلى أشخاص معينون، كما أنه لا خلاف بين أهل السنة في أنه لا يشهد لمعين بالنار إلا لمقطوع بكفره. وأما المسلم مهما كان فاسقًا فاعتقاد أهل السنة هو كما ذكره الطحاوي رحمه الله: ونرى الصلاة خلف كل بر وفاجر من أهل القبلة وعلى من مات منهم، ولا ننزل أحدًا منهم جنة ولا نارًا»١٢٠انظر: «شرح العقيدة الطحاوية» ط. المكتب الإسلامي: (1403ه، ص 421-426): «أما من مات كافرًا فإنه يشهد له بالنار، وأنه من أهلها». الجامع في طلب العلم الشريف (2/ 597-598)..
فإذا تأملت في كل ما نقلناه عنه هاهنا، وأمعنت فيه النظر، وتدبرته كلمة كلمة، لظهر لك جليًا أنه في حقيقة أمره لم يتعد تقرير وإثبات تكفير الصحابة لأتباع المتنبئين، غير أنه عدل عن استخدام بعض الألفاظ الخاصة بالحادثة «كالأتباع» و«المتنبئين» إلى ألفاظ يدخل فيها جنود وأعوان الحكام المرتدين، لشمولها لهم، فبدلًا من لفظ «الأتباع» استخدم «الأنصار والجنود» وذلك لأن من خصص لهم البحث هم «أنصار وجنود»، وبدلًا من «المتنبئين» آثر استعمال كلمة «أئمة الردة» لشمول هذا اللفظ للحكام المرتدين ودخولهم فيه، فوفد بزاخة الذين جاءوا للصديق رضي الله عنه هم أتباع طليحة الأسدي المتنبئ الكذاب، وكانوا قد ارتدوا لاتباعهم له وتصديقهم بنبوته، وهم الذين خاطبهم أبو بكر بقوله: «وتكون قتلاكم في النار» الذي تمسك به الشيخ عبد القادر للحكم على «أنصار أئمة الردة» على التعيين.
ولا شك أن كفر هؤلاء المتبعين للمتنبئ الكذاب ومن شاكلهم يكون على التعيين، وهو أشهر وأظهر وأبين من أن يحتاج إلى مثل هذه الأدلة الجزئية؛ التي لتطرق الاحتمال إليها مجال واسع، إذ إن ردتهم وكفرهم على التعيين لا يختلف فيه اثنان؛ لأنه مما علم من الدين بالضرورة، بل إن التعلق بمثل هذه العبارة وغيرها من الأدلة الجزئية، والاستدلال بها على كفر هؤلاء على التعيين، يضعف قوة القطع والجزم بكفرهم ويفتح بابًا عريضًا للمناقشة والأخذ والرد، والاعتراضات والإيرادات، وأمرهم كما هو معلوم قد تجاوز هذه المرحلة وتخطاها، بحيث صار مقطوعا به ومستيقنًا منه، لا مجال للشك أو التشكيك فيه.
أما عما نقلناه من كلامه قبل قليل، فإنه قد تضمن أمورًا نذكرها أولًا ثم نعقب على ما يحتاج منها إلى تعقيب:
الأمر الأول: إجماع الصحابة على تكفير أنصار أئمة الردة وجنودهم على التعيين.
الأمر الثاني: أن الإجماع مأخوذ من موافقة عمر وسائر والصحابة على قول أبي بكر: «وتكون قتلاكم في النار»، ومتابعتهم له على ذلك.
الأمر الثالث: الحكم بتكفيرهم على التعيين مأخوذ من قول أبي بكر رضي الله عنه: «وتكون قتلاكم في النار»، إذ لا خلاف في أن القتلى أشخاص معينون.
الأمر الرابع: لا خلاف بين أهل السنة أنه لا يشهد لمعين بالنار إلا لمقطوع بكفره، فهذا يشهد له بها، ويحكم عليه بأنه من أهلها.
الأمر الخامس: المسلم مهما كان فاسقا فعقيدة أهل السنة فيه ما ذكره الطحاوي: «ونرى الصلاة خلف كل بر وفاجر من أهل القبلة، وعلى من مات منهم، ولا ننزل أحدًا منهم جنة ولا نارًا»، هذا مجمل ما اشتمل عليه كلامه المنقول آنفًا.
فأمَّا عن الأمر الأول؛ فقد تبيّن مما سبق ذكره مرارًا أن الإجماع الذي قصده، إنما ظهرت صورة انعقاده على تكفير المتنبئين وأتباعهم، والأمة كلها على هذا، والحكم فيهم متحد سواء كان المتنبئون وأتباعهم ممتنعين أم لا، فالامتناع أو عدمه لا تأثير له البتة في الحكم على هؤلاء بالكفر على التعيين، مما يبيّن أن حالهم مغاير لأنصار الحكام المرتدين، فقياسهم عليهم ومحاولة إلحاقهم بهم وإلصاقهم بحكمهم هو قياس مع وجود فوارق مؤثرة لا ينبغي إهمالها إذ لا يصح معها قياس إلا بشيء من التكلف مما لا يصلح أن يكون حجة شرعية مرضية فضلًا عن جعله إجماعًا قطعيًا يكفر مخالفه.
وأما عن الأمر الثاني فنُرجئ الكلام عنه إلى موضع آخر بتفصيل أكثر، والكلام هنا سيكون عن بقية الأمور الثلاثة الأخرى لاندراجها وتداخلها مع بعضها البعض.
فقد اعتمد الشيخ عبد القادر على قول أبي بكر رضي الله عنه: «وتكون قتلاكم في النار»؛ فجعلها عند الاستدلال بالإجماع المذكور الدليل على تكفير «أنصار أئمة الردة» على التعيين، معللًا ذلك بأن القتلى الذين شهد عليهم أبو بكر والصحابة بالنار، هم أشخاص معينون، والنار لا يشهد بها على معين إلا حيث قطع بكفره، أما مع عدم القطع بالكفر فلا يحكم عليه بأنه من أهل النار وقد نقلنا عبارته قبل قليل.
وقال في موضع آخر من كتابه: «.. وقطعوا بأن قتلاهم في النار، والنار لا يقطع بها إلا لكافر، وقتلاهم معينون، فقطعوا بكفر الأتباع على التعيين»١٢١[الجامع] (2/ 584).؛ فإذا عزلنا ما ذكره في هذا الموضع عن كون المشهود عليهم بالنار هم أتباع المتنبئين، وعلى افتراض أن ما قاله أبو بكر لم يكن لوفد بزاخة أتباع طليحة الأسدي، ونظرنا لها نظرة مجردة ومنفصلة عن موردها، وتفحصنا في الألفاظ من غير اعتبار للقرائن التي يمكن أن يكون لها تأثير في تعيين الحكم أو تقويته، فإننا ندرك أن العبارة التي تمسك بها -على افتراض صحة دلالتها على ما ذهب إليه- فإنها ليست نصًا قاطعًا سالِمًا من الاحتمالات المعتبرة، بل غاية ما يقال فيها أنها ظاهرة فيما احتج به.
ففي رواية البيهقي لحادثة وفد بزاخة: «عن طارق بن شهاب قال: جاء وفد بزاخة وغطفان إلى أبي بكر رضي الله عنه يسألونه الصلح فخيرهم أبو بكر رضي الله عنه بين الحرب المجلية أو السلم المخزية، قالوا: هذه الحرب المجلية قد عرفنا فما السلم المخزية؟ قال: تؤدون الحلقة والكراع... إلى أن قال: وتدون قتلانا ولا ندي قتلاكم، وقتلانا في الجنة، وقتلاكم في النار.. وكان من ضمن ما قال عمر لأبي بكر: وأما أن قتلاهم في النار، وقتلانا في الجنة فنعما رأيت.». الأثر١٢٢السنن الكبرى: (8/ 335)..
والشاهد من هذا؛ قول أبي بكر: «وقتلانا في الجنة»، وبهذا اللفظ ونحوه أخرجه ابن أبي شيبة في مواضع من مصنفه، والخلال في السنة، وعبد الله بن أحمد في فضائل الصحابة، قال الحافظ ابن حجر: «حديث أن أبا بكر قال للذين قاتلهم بعد ما تابوا: تدون قتلانا ولا ندي قتلاكم، البيهقي من حديث أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة، فذكره في حديث، وروى البخاري من طريق طارق بن شهاب قال: جاء وفد بزاخة أسد وغطفان إلى أبي بكر يسألونه الصلح، فخيرهم بين الحرب المجلية والسلم المخزية، قالوا ما السلم المخزية؟ قال تؤدون الحلقة والكراع، وتتركون أقواما يتبعون أذناب الإبل، وتدون قتلانا ولا ندي قتلاكم، الحديث ذكر منه البخاري طرفا، وساقه البرقاني في مستخرجه بطوله، وفيه أن عمر وافق أبا بكر على ذلك إلا على قوله تدون قتلانا ولا ندي قتلاكم، واحتج بأن قتلانا قتلوا على أمر الله فلا ديات لهم، قال: فتبايع الناس على ذلك»١٢٣تلخيص الحبير: (4/47)..
فلما قال الشيخ عبد القادر في قتلى المرتدين: «ولا خلاف في أن القتلى أشخاص معينون» اعتمادًا على قولة أبي بكر رضي الله عنه «قتلاكم في النار»، فكذلك ينبغي أن يقال في قتلى المسلمين الذين شهد لهم أبو بكر والصحابة بالجنة -كما في هذه الرواية وغيرها-: «لا خلاف في أن القتلى -من المسلمين- أشخاص معينون»؛ فالعبارتان لا يظهر بينهما أي فرق أو اختلاف من ناحية الدلالة اللغوية المجردة، فكما تناول الحكم -وهو الشهادة بالنار لقتلى المرتدين- كلَّ فرد من أفرادهم، فكذلك ينبغي أن يكون الأمر بالنسبة لقتلى المسلمين، فيشهد لكل واحد منهم بالجنة، وما قيل في أولئك يقال في هؤلاء، إلا أن هذا لا يستقيم لمصادمته اعتقاد أهل السنة الذين لا يشهدون لمعين من أهل القبلة بجنة ولا نار.
قال الطحاوي: «ولا ننزل أحدًا منهم جنةً ولا نارًا»، قال ابن أبي العز: «لا نقول عن أحد معين من أهل القبلة إنه من أهل الجنة أو من أهل النار، إلا من أخبر الصادق ﷺ أنه من أهل الجنة كالعشرة رضي الله عنهم وغيرهم، وإن كنا نقول: إنه لا بد أن يدخل النار من أهل الكبائر من شاء الله إدخاله النار، ثم يخرج منها بشفاعة الشافعين، ولكنا نقف في الشخص المعين، فلا نشهد له بجنة ولا نار إلا لمن علم، لأن الحقيقة باطنة، وما مات عليه لا نحيط به، لكن نرجو للمحسنين ونخاف على المسيئين.
وللسلف في الشهادة بالجنة ثلاثة أقوال:
أحدها: ألا يشهد لأحد إلا للأنبياء وهذا ينقل عن محمد بن الحنفية والأوزاعي.
والثاني: أنه يشهد بالجنة لكل مؤمن جاء فيه النص، وهذا قول كثير من العلماء وأهل الحديث.
والثالث: أنه يشهد بالجنة لهؤلاء ولمن شهد له المؤمنون، كما في الصحيحين أنه مر بجنازة فأثنوا عليها بخير، فقال النبي ﷺ: (وجبت)، ومر بأخرى فأثني عليها بِشَرٍّ، فقال: (وجبت)، وفي رواية كرر وجبت ثلاث مرات، فقال عمر: يا رسول الله ما وجبت؟ فقال رسول الله ﷺ: (هذا أثنيتم عليه خيرًا وجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شرًا وجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض)١٢٤[صحيح البخاري (1301)]، وقال ﷺ: (توشكون أن تعلموا أهل الجنة من أهل النار، قالوا: بم يا رسول الله؟ قال: بالثناء الحسن والثناء السيئ)١٢٥[مصنف ابن أبي شيبة: (39733) وضعفه محققه الشثري، ومسند أحمد: (15439) وصححه الأرنؤوط].؛ فأخبر أن ذلك مما يعلم به أهل الجنة وأهل النار»١٢٦شرح العقيدة الطحاوية: (378)..
وبهذا نستطيع القول: إن ما قاله أبو بكر رضي الله عنه في حق قتلى المسلمين إنما قصد به عموم القتلى لا أعيانهم وأشخاصهم، وهذا تمشيًا مع ما ذكره الطحاوي في عقيدته، وابن أبي العز في مطلع شرحه، وهو ما يوافق القول الثاني من أقوال السلف التي ذكرها ابن أبي العز في أهل القبلة وقال إنه: قول كثير من العلماء وأهل الحديث، وهو الذي ذكره الشيخ عبد القادر فيما نقله عن الطحاوي رحمه الله.
إذ إن حمل عبارة «قتلانا في الجنة» على غير هذا الوجه، يجعلها مخالفة لاعتقاد أهل السنة المنقول آنفًا؛ بمعنى أننا لو حملنا قول أبي بكر رضي الله عنه قتلانا في الجنة، على أن المقصود به الحكم على كل فرد من قتلى المسلمين بأنه في الجنة والقطع له بذلك فإننا نكون بذلك قد ناقضنا قول من قال من أهل السنة: بأنه لا يشهد لمعين من أهل القبلة بجنة ولا نار إلا حيث شهد له الدليل، ومثل هذه المخالفة والمناقضة ينزه عنها الصحابة رضي الله عنهم، وهل أخذ اعتقاد أهل السنة إلا منهم، فكيف يتصور مخالفتهم له، ومناقضتهم لأنفسهم فيه؟
فإذا كان الشيخ عبد القادر عند ذكره لإجماع الصحابة المذكور، قد حكم بالكفر على أعيان أنصار الحكام المرتدين، اعتمادًا منه على قول أبي بكر «وتكون قتلاكم في النار» حيث قال: «والشاهد من هذا: هو قول أبي بكر للمرتدين التائبين: «وتكون قتلاكم في النار»، وموافقة عمر وسائر الصحابة رضي الله عنهم له على ذلك، وهذا إجماع منهم على تكفير أنصار أئمة الردة وجنودهم على التعيين... إلخ، فما الذي جعل دلالة قول أبي بكر رضي الله عنه: «قتلاكم في النار» على التعيين كما قال الشيخ عبد القادر، بينما دلالة قوله: «قتلانا في الجنة» على التعميم كما هو الظاهر، ونحن نعلم أن كلا اللفظين سواء، فما الذي فرق بينهما إذا ما نظرنا إلى مجرد الدلالة اللغوية من غير التفات إلى إي قرائن خارجية؟
وكما قيل في أتباع المتنبئين؛ يقال أيضًا في قتلى المسلمين: «ولا خلاف في أن القتلى أشخاص معينون»، فكيف عَينَّا في الأوَّلِين، وعَممنا في الآخرين؟
وعلى العموم يمكن حصر الاحتمالات التي ترد على الاستدلال بقول أبي بكر رضي الله عنه في أربعة أمور:
1- أن يقالَ: إن قوله: «قتلانا في الجنة» هو حكم منه لأعيان قتلى المسلمين وأشخاصهم بأنهم في الجنة، ليطابق ما ذهب إليه الشيخ عبد القادر في قوله: «قتلاكم في النار»، حيث جعل المقصود بالحكم أعيان قتلى المرتدين، وأن كل فرد منهم محكوم عليه بأنه في النار، ولا شك أن هذا لا يستقيم، لأنه يؤدي إلى مخالفة اعتقاد أهل السنة -والذي نقله الشيخ عبد القادر عن الطحاوي- في أهل القبلة، حيث لا ينزلون أحدا منهم جنة ولا نارا، وأولى الناس بعدا عن هذا القول هم الصحابة رضي الله عنهم.
2- أن يجعل قوله: «قتلانا في الجنة» محمولًا على عموم قتلى المسلمين لا على أعيانهم، وأما قوله: «قتلاكم في النار» فيقصد به أعيان القتلى وأشخاصهم، وذلك بمجرد الدلالة اللغوية من غير التفات إلى أي قرائن أو ملابسات تفرق بينهما أو تعين وتحدد مدلولهما، وهذا -إن قيل به- فهو تحكم محض لا يسلم به أحد أيضًا، لأن فيه تفريقًا بين متماثلين من غير موجب يقتضي ذلك، وعليه فيصح للغير أن يقلب المسألة؛ فيعين في قتلى المسلمين، ويعمم في قتلى المرتدين، إذ الفرض أن الألفاظ متجردة عن القرائن التي تحدد دلالة كل من العبارتين.
3- أن يقال: إن الحكم في كلا العبارتين «قتلانا في الجنة، وقتلاكم في النار»، باقٍ على عمومه، فلا يشهد لأعيان قتلى المسلمين بأنهم في الجنة، ولا يحكم على أعيان قتلى المرتدين بأنهم في النار، فهنا وإن وافق القول اعتقاد أهل السنة في شأن من مات أو قتل من أهل القبلة إلا أنه في الوقت نفسه إبطال لدلالة قول أبي بكر: «قتلاكم في النار» على ما ذهب إليه الشيخ عبد القادر من أنها دليل على تكفير الصحابة لأنصار أئمة الردة على التعيين؛ وعليه فلا يصح أن يقال: إن هذا شهادة منهم لأعيان قتلاهم بأنهم في النار، ومن ثم فيسقط الاستدلال بهذه العبارة على تكفير أعيانهم، وهذا كله كما ذكرنا على فرض الخلو من القرائن التي تعين دلالة أي من اللفظين، وعلى اعتبار أن العبارة لم ترد في قوم اتفق الناس على تكفيرهم وهم أتباع المتنبئين، وكما ذكرنا قبلًا فإن هذا على وجه الفرض.
4- أن يقال: إنما عممنا الحكم في قوله: «قتلانا في الجنة»، وعيناه في قوله: «قتلاكم في النار»؛ لموجب اقتضى ذلك، وقرينة خارجية عينت المراد من اللفظين، وباعتبار الملابسات التي كانت تحف بالحادثة، ففرقت تلك القرائن والملابسات بينهما حكمًا، وإن تماثلا لفظًا، وهذا يبيّن أن اللفظ بمجرده لا يدل على الحكم الذي ذهب إليه الشيخ عبد القادر وتمسك به، وجعله دليلًا على أن الصحابة حكموا بالكفر على أعيان «أنصار أئمة الردة»، وبذلك يظهر أن مجرد العبارة لا تكفي في الدلالة على هذا الحكم، إذ إنه مأخوذ من أمر خارجي زائد على مجرد الدلالة اللغوية، وهو الدافع الحقيقي الذي تم به التفريق بين هاتين العبارتين المتشابهتين.
وهذا الأمر إما أن يكون العلم بعدم وجود مانع من موانع التكفير لدى أولئك القتلى، مع احتمال ما أتوا به من الكفر لتلك الموانع، وإما أن يكون كفرهم من النوع المغلظ الذي لا يحتمل وجود مانع من موانع التكفير عند مرتكبه أصلًا كتصديق المتنبئين هنا؛ فالعبارة التي استند إليها الشيخ عبد القادر، وجعلها دليلًا على أن الصحابة أكفروا قتلى المرتدين على التعيين: هذه العبارة تحتمل المعنى الذي ذهب إليه «التعيين»، كما تحتمل غيره من المعاني «التعميم»؛ فهي تحتاج دائمًا إلى دليل مستقل، وقرينة منفصلة تعين المراد منها، وعليه فينظر إلى كل حال بحسبها، ولا بد من النظر إلى الموضع الذي وردت فيه، والظروف التي أحاطت بها؛ حتى يتحدد المراد، ويتجلى المقصود، وهذا يبيّن أن المرجع في تعيين المراد وتحديده هو اعتبار حال القوم الذين تقال فيهم، فإن كانوا ممن يحكم عليهم بالكفر عينا نتيجة المعرفة بأحوالهم وظروفهم -كما هو الحال في وفد بزاخة- حمل المعنى على التعيين، وإن كانوا غير ذلك حمل على العموم، وبمعنى آخر أن حمل العبارة على أن المقصود بها أعيان القتلى، هو فرع عن الحكم بتكفيرهم، وليس مرتبطًا به ارتباط الدال بالمدلول، فلا تلازم بين قول هذه العبارة وبين تكفير من تقال فيهم.
قال ابن قدامة رحمه الله رادًا على من استدل بقول أبي بكر: «وقتلاكم في النار» -على تكفير مانعي الزكاة-: «ويحتمل أن أبا بكر قال ذلك لأنهم ارتكبوا كبائر، وماتوا من غير توبة، فحكم لهم بالنار ظاهرًا، كما حكم لقتلى المجاهدين بالجنة ظاهرًا، والأمر إلى الله تعالى في الجميع، ولم يحكم عليهم بالتخليد، ولا يلزم من الحكم بالنار الحكم بالتخليد، فقد أخبر النبي ﷺ أن قومًا من أمته يدخلون النار، ثم يخرجهم الله تعالى منها ويدخلهم الجنة»١٢٧المغني: (4/9)..
وكلام ابن قدامة صريح في أن الحكم على طائفة بالنار لا يعني بالضرورة الحكم عليها بالكفر أصلًا، فضلًا عن أن يكون حكمًا على أعيانها به، وهذا بَيِّنٌ في قوله: «ولا يلزم من الحكم بالنار الحكم بالتخليد»؛ بمعنى أنه يمكن أن يقال في حق طائفة مسلمة غلبت عليها الموبقات والكبائر من المعاصي: قتلاكم في النار، وهذا لا يستلزم أن تكون شهادة عليهم بالكفر، ولا شهادة لأعيانهم بالنار، وإنما هو حكم على الصفة لا على عين الموصوف أي أن الشريعة قد دلت على أن من فعل مثل فعلهم وارتكب ما يرتكبونه فهو مستحق للنار، فحسب نصوص الأدلة وظاهر حالهم يكونون مستحقين للنار من حيث تلبسهم بهذه الأعمال.
أما الحكم على كل فرد منهم بذلك؛ فهو مبني على العلم بعدم وجود مانع عنده وذلك متعذر، وكلام ابن قدامة وإن كان المقصود به مانعي الزكاة -ولسنا بصدد الكلام عليهم- إلا أن الدليل الذي رد عليه ابن قدامة، هو عين ما استدل به الشيخ عبد القادر، وهو قول أبي بكر: «وتكون قتلاكم في النار».
وقال ابن مفلح في كلامه على مانعي الزكاة أيضًا: «ولأن أبا بكر لما قاتلهم؛ قالوا: نؤديها، قال: لا أقبلها حتى تشهدوا أن قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار، ولم ينقل عن أحد من الصحابة إنكاره؛ فدل على كفرهم... وجوابه: بأنه يحتمل أنهم جحدوا وجوبها، ويحتمل غير ذلك، فلا يجوز الحكم به في محل النزاع، ولا يلزم من الحكم بالنار الحكم بالكفر بدليل العصاة من هذه الأمة»١٢٨المبدع: (2 / 402)..
وقال البهوتي في ذلك أيضًا: «وما روي عن الصديق أنه لما قاتل مانعي الزكاة وعضتهم الحرب؛ قالوا: نؤديها، قال: لا أقبلها حتى تشهدوا أن قتلانا في الجنة وأن قتلاكم في النار، يحتمل أنه فيمن منعها جحودًا ولحق بأهل الردة منهم، فقد كان فيهم طائفة كذلك على أنه لا يلزم من الحكم بالنار الحكم بالكفر بدليل العصاة من هذه الأمة»١٢٩كشاف القناع: (2/258)..
وهذا كله مما يقوي ما ذكرناه من أن عبارة «قتلاكم في النار»، على افتراض صحة دلالتها في هذا الموطن على ما ذهب إليه الشيخ عبد القادر، إلا أن ذلك كان بناءً على قرائن وأدلة عينت المراد منها، فالمرجع الحقيقي في الدلالة على التكفير عند ورود هذه اللفظة ومثيلاتها إنما هو تلك القرينة وذلك الدليل الذي بني عليه تحديد المعنى، وليس كل موضع جاءت فيه هذه الجملة كانت نصًا قاطعًا وبرهانًا ساطعًا في الحكم بالتكفير لأعيان القتلى، فهي مفتقرة دائما إلى ما يحدد معناها، ويعين المراد منها حتى يعرف هل هو التعيين أو التعميم، والله تعالى أعلم.
والخلاصة: أن قول أبي بكر رضي الله عنه للمرتدين التائبين: «وتكون قتلاكم في النار»، لا يصلح أن يجعل دليلًا على تكفير أعيان قتلاهم للاحتمالات والمقارنات التي ذكرناها، بل الذي يحكم على العبارة، ويعين المراد منها، اعتبار حال من قيلت فيهم؛ بمعنى أنه بعد معرفة حال من وردت في حقهم، وهل هم كفار أم لا؟ نستطيع بعدها أن نقول: إن العبارة الواردة فيهم يقصد بها الحكم على أعيانهم بالنار أو هي على العموم في حقهم، أما الاعتماد على هذه العبارة بمجردها وجعلها دليلًا على تكفير أعيان من تقال فيهم حيثما وردت فهذا لا يصح، فإذا كانت العبارة بمجردها من غير اعتبار القرائن والملابسات المحيطة بها، لم يستقم الاستدلال بها استدلالًا صحيحًا على تكفير أعيان من قيلت فيهم، فكيف يتوجه الاستدلال بها والاعتماد عليها في تكفير غيرهم فيعمم الحكم ويقال: «وهذا إجماع منهم على تكفير أنصار «أئمة الردة» وجنودهم على التعيين إذ لا خلاف في أن القتلى أشخاص معينون»؟!
هذا وليس ما ذكرناه في هذا الموضع وما سنذكره في مواطن أخرى شكًّا أو تشكيكًا أو ترددًا أو توقفًا في تكفير أعيان قتلى المرتدين من أتباع مسيلمة وطليحة وأمثالهم من أتباع المتنبئين وأنصارهم؛ فكفرهم وردتهم أظهر وأشهر وأبيَن من أن تحتاج إلى مثل هذه الأدلة الجزئية، والأقوال الفرعية ذات الاحتمالات المتعددة، ولكن ينبغي أن تكون طريقة الاستدلال في ذلك صحيحة، وأن يدخل لها من بابها.
تنبيه: قد يقول قائل: إن شهود الصحابة رضي الله عنهم لقتلى المسلمين بالجنة، ولقتلى المرتدين بالنار، هو شهود لأعيانهم وأشخاصهم، وذلك للحديث الذي رواه البخاري ومسلم وغيرهما، عن أنس رضي الله عنه قال: (مر بجنازة فأثني عليها خيرًا؛ فقال النبي ﷺ: وجبت، وجبت، وجبت، ومر بجنازة فأثني عليها شرًا؛ فقال النبي ﷺ: وجبت، وجبت، وجبت، قال عمر: فدى لك أبي وأمي، مر بجنازة فأثني عليها خيرًا فقلت: وجبت، وجبت، وجبت، ومر بجنازة فأثني عليها شرًا؛ فقلت: وجبت، وجبت، وجبت، فقال رسول الله ﷺ: من أثنيتم عليه خيرًا وجبت له الجنة، ومن أثنيتم عليه شرًا وجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض)١٣٠وهذا لفظ مسلم [949]..
وعليه؛ فلا يتوجه الاعتراض الذي ذكرته من أن حمل عبارة «قتلانا في الجنة» على التعيين يخالف اعتقاد أهل السنة والجماعة، في أنهم لا يشهدون لمعين من أهل القبلة بجنة ولا نار، ومن ثم فإنه يمكن أن تحمل العبارتان على تعيين القتلى في الطائفتين من غير أن يكون هناك محظور.
وقبل أن نشرع في الجواب عن هذا الاستشكال نحب أن ننبه إلى مسألة مهمة ينبني عليها فهم ما سبق ذكره وما سنذكره بعد، وهي: أن المقصود من الاعتراضات التي ذكرناها حول قول أبى بكر رضي الله عنه: «وتكون قتلاكم في النار»، هو بيان أن هذه اللفظة بمجردها لا تدل على تكفير من قيلت فيهم بإطلاق، بل لا بد من معرفة حال الطائفة التي وردت فيها، وهي القرينة التي تحدد المراد إن كان تعيينًا أو تعميمًا؛ بمعنى أنه لا يستقيم القول: إننا حيثما وجدنا هذه الكلمة قيلت في جماعة حكمنا على أعيانها بالكفر اعتمادًا منا على مطلق الدلالة اللغوية؛ فهي تأتي ويراد بها عموم القتلى، كما نقلناه عن ابن قدامة وغيره في حق مانعي الزكاة، كما تأتي ويراد بها أعيانهم وأشخاصهم، وعليه فالقرينة -وهي معرفة حال من قيلت فيهم- هي التي تحدد وتعيّن أيّ المعنيين أُريد.
فمثلًا: هذه العبارة، قد قيلت في حق مانعي الزكاة كما في مصنف ابن أبي شيبة عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، قال: «لما ارتد من ارتد على عهد أبي بكر، أراد أبو بكر أن يجاهدهم، فقال عمر: أتقاتلهم وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله حرم مالهم إلا بحق وحسابهم على الله تعالى)، فقال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، والله لأقاتلن من فرق ينهما حتى أجمعهما، قال عمر: فقاتلنا معه وكان رشدا، فلما ظفر بمن ظفر به منهم، قال اختاروا مني خصلتين: إما الحرب المجلية وإما الْحِطَّةُ المخزية، قالوا: هذه الحرب المجلية قد عرفناها، فما الْحِطَّةُ المخزية، قال: تشهدون على قتلانا أنهم في الجنة وعلى قتلاكم أنهم في النار؛ ففعلوا»١٣١[مصنف ابن أبي شيبة (30883)].، وقيلت أيضًا في حق أتباع المتنبئين.
وقد رأينا ابن قدامة رحمه الله حملها في حق مانعي الزكاة على العموم بناء على ما ترجح عنده من معرفة حالهم وأنهم لم يكونوا كفارًا، أما في حق أتباع المتنبئين فهي على التعيين لما علم من ظهور كفرهم وشيوع ردتهم؛ فالمرجع أولًا وآخرًا إنما هو حال من قيلت فيهم.
وعليه؛ فليس فيما ذكرناه اعتراض على حمل العبارة على أعيان القتلى، ولكن على جعلها دليلًا على تكفير الأعيان، وهناك فرق بين أن تحمل العبارة على الأعيان بسبب دليل خارجي وقرينة معينة، وبين جعل العبارة بمجردها دليلًا على التكفير، والله أعلم.
أما عن الاستشكال المذكور: فإننا قد ذكرنا أن للسلف ثلاثة أقوال في الشهادة لأعيان أهل القبلة بالجنة، ونقلناها مستوفاة عن ابن أبي العز شارح الطحاوية، وبيّنا أن الاعتراضات المشار إليها مبنية على القول: بأنهم لا يشهدون لمعين بالجنة إلا لمن شهد له النص بذلك، ونقلنا ما ذكره الطحاوي وما صدر به شارحه ابن أبي العز كلامه، وهذا القول هو الذي ذكره واعتمده الشيخ عبد القادر وجعله اعتقاد أهل السنة في أهل القبلة ولم يذكر غيره، حيث قال: «وأما المسلم مهما كان فاسقًا فاعتقاد أهل السنة -هو كما ذكره الطحاوي رحمه الله: ونرى الصلاة خلف كل بر وفاجر من أهل القبلة، وعلى من مات منهم، ولا ننزل أحدا منهم جنة ولا نارًا»١٣٢[تقدم ذكره سابقًا، وكلام الطحاوي في عقيدته (ص 421-426): وانظر: الجامع في طلب العلم الشريف (2/ 597-598)]..
ولا شك أن اللوازم التي ذكرناها ما دامت مبنية على هذا القول فهي لازمة، ومع ذلك فإن ما ذكر في الاستشكال أعلاه، لا يخرم أو ينقض ما قلناه من أن العبارة -من حيث دلالتها اللغوية- لا تفيد ما رمى إليه الشيخ عبد القادر وسيتضح هذا إن شاء الله تعالى بما سيأتي:
أولًا: ننقل ما قاله الإمام النووي رحمه الله في معنى هذا الحديث، ومن ثم نبيّن أن الاستشكال غير متوجه، قال الإمام النووي رحمه الله: «في هذا الحديث قولان للعلماء:
أحدهما: أن هذا الثناء بالخير لمن أثنى عليه أهل الفضل، وكان مطابقًا لأفعاله فيكون من أهل الجنة فإن لم يكن كذلك فليس هو مرادًا بالحديث.
والثاني: وهو الصحيح المختار أنه على عمومه وإطلاقه وأن كل مسلم مات فألهم الله الناس أو معظمهم الثناء عليه، كان ذلك دليلًا على أنه من أهل الجنة، سواء كانت أفعاله تقتضي ذلك أم لا، لأنه وإن لم تكن أفعاله تقتضيه فلا تحتم عليه العقوبة، بل هو في خطر المشيئة، فإذا ألهم الله ﷻ الناس الثناء عليه استدللنا بذلك على أنه ﷻ قد شاء المغفرة، وبهذا تظهر فائدة الثناء، وقوله ﷺ: (وجبت)، (وأنتم شهداء الله في الأرض)، لو كان لا ينفعه ذلك إلا أن يكون أفعاله تقتضيه، لم يكن للثناء فائدة، وقد أثبت النبي ﷺ فائدة»١٣٣مسلم بشرح النووي: (7/20-21). [وتقدم تخريج الحديثين وأنهما في البخاري ومسلم]..
ثانيًا: لا شك أن العلماء الذين يقولون: إنه لا يشهد لمعين بالجنة إلا لمن جاء في حقه نص بذلك، يحملون قول أبي بكر رضي الله عنه: «قتلانا في الجنة» على العموم لا على الأعيان، وهذا وحده كافٍ في الدلالة على أن العبارة تأتي ويراد بها عموم القتلى لا أعيانهم، وذلك لأن حمل كلام هؤلاء العلماء المذكورين على غير هذا يصّير مذهبهم هو عين مذهب من قال: إن من استفاض الثناء عليه، وتواطأت شهادات المؤمنين له بالصلاح، يشهد له بالجنة كذلك، وعلى هذا يكون لأهل السنة قولان في الشهادة للمعين من أهل القبلة بالجنة وليست ثلاثة، وهذا خلاف ما حكاه العلماء.
قال شيخ الإسلام رحمه الله: «ولهم في الشهادة بالجنة ثلاثة أقوال:
منهم من لا يشهد بالجنة لأحد إلا للأنبياء وهذا قول محمد بن الحنفية والأوزاعي.
والثاني: أنه يشهد بالجنة لكل مؤمن جاء فيه نص وهذا قول كثير من أهل الحديث.
والثالث: يشهد بالجنة لهؤلاء ولمن شهد له المؤمنون كما قال النبي ﷺ: (أنتم شهداء الله في الأرض)، وقال: (يوشك أن تعلموا أهل الجنة من أهل النار)، قالوا بم يا رسول الله؟ قال: (بالثناء الحسن والثناء السيء)؛ فأخبر أن ذلك مما يعلم به أهل الجنة وأهل النار، وكان أبو ثور يقول: أشهد أن أحمد بن حنبل في الجنة، ويحتج بهذا، وبسط هذه المسألة له موضع آخر»١٣٤منهاج السنة النبوية: (5/295-296). [وتقدم تخريج الأحاديث قبل قليل]..
ثالثًا: أن الشيخ عبد القادر جعل قول أبي بكر رضي الله عنه: «وتكون قتلاكم في النار» دليلًا على تكفير أعيان الطائفة التي قيلت فيها، وعلى أعيان غيرها من الطوائف المشابهة مما يأتي بعدها، كأنصار الحكام المرتدين المعاصرين، ولم يجعل قول أبي بكر دليلًا مقصورًا على تكفير تلك الطائفة التي وردت فيها هذه العبارة فقط، حيث قال: «والشاهد من هذا: هو قول أبي بكر للمرتدين التائبين: «وتكون قتلاكم في النار» وموافقة عمر وسائر الصحابة رضي الله عنهم له على ذلك، وهذا إجماع منهم على تكفير أنصار أئمة الردة وجنودهم على التعيين» وغيرها من العبارات المشابهة التي وردت في كتابه، فهل يصح أن يجعل قول أبي بكر رضي الله عنه: «قتلانا في الجنة» دليلًا على أن أعيان قتلى المسلمين من كل طائفة وفي كل زمان -ممن قيلت فيهم وغيرهم ممن يجيء بعدهم- في الجنة؟! بحيث يقال إن الشهادة بالجنة لأعيان قتلى المسلمين قد ثبت بإجماع الصحابة إجماعًا قطعيًا ليس فيه مخالف، ومثل هذا الإجماع يكفر مخالفه فمن خالف في هذا الحكم فقد كفر واتبع غير سبيل المؤمنين وفارق جماعتهم؟!!
وما دام هذا القول لا يقوله أو يقبله أحد؛ فما هو الفرق بين المقولتين الذي جعل الأولى عامة وشاملة لكل «أنصار الطواغيت» ممن قيلت فيهم وغيرهم، بينما المقولة الثانية مقصورة ومحصورة فيمن وردت فيهم فحسب؟
رابعًا: ما ذكر في هذا الاعتراض يدعم ويقوي ما ذكرناه من أن القرينة المصاحبة للعبارة هي التي تعين المراد وتحدد المقصود، يبيّن ذلك أن شهادة أبي بكر والصحابة معه لأولئك القتلى من المسلمين وثناءهم عليهم خيرًا، هي التي جعلتنا نحمل العبارة على التعيين -إن صح هذا الحمل- فلولا وجود اتفاقهم على الثناء وتواطؤهم على التزكية لما كان حمل العبارة على التعيين متوجهًا، فالإجماع المذكور على الثناء هو القرينة التي حددت المراد من اللفظ وليست العبارة بمجردها، يبيّن ذلك أن من يحمل شهادة أبي بكر والصحابة لقتلى المسلمين على التعيين يجعل الدليل على ذلك ثناءهم عليهم خيرًا بغض النظر عن العبارة التي تم بها هذا الثناء؛ وذلك لأن السنة دلت على أن من أثنى عليه المسلمون خيرًا وجبت له الجنة، ولم تحدد الصيغة أو اللفظة التي يكون بها هذا الثناء.
ولهذا قال شيخ الإسلام رحمه الله: «والقول بكون الرجل المعين من أهل الجنة قد يكون سببه إخبار المعصوم، وقد يكون سببه تواطؤ شهادات المؤمنين الذين هم شهداء الله في الأرض، كما في الصحيح عن النبي ﷺ أنه مُرَّ عليه بجنازة... إلخ»١٣٥منهاج السنة النبوية: (3/497)..
فهو قد جعل السبب الثاني «تواطؤ الشهادات» وليس مجرد وجود الشهادة، وهذا شبيه بما قاله النووي رحمه الله فيما نقلنا عنه قريبًا «فألهم الله الناس أو معظمهم الثناء عليه» والله أعلم.
الخطأ الثاني:
إذا اعتبرنا أن دلالة قول أبي بكر «وتكون قتلاكم في النار» على ما ذهب إليه الشيخ عبد القادر صحيحة، وأن شهادة أبي بكر والصحابة معه بالنار قصد بها أعيان قتلى المرتدين؛ لأن القتلى أشخاص معينون، فمع هذا فهناك أمور ينبغي الوقوف، عليها والتأمل فيها، نذكرها تباعا إن شاء الله:
الأول: من ضمن ما ذكره الشيخ عبد القادر أن النار لا يشهد بها لمعين إلا لمقطوع بكفره، وتجدر الإشارة إلى أن معنى القطع بكفره، الحكم عليه بالكفر ظاهرًا «أي في أحكام الدنيا»، وعلى الحقيقة «أي في أحكام الآخرة»، والتي منها الحكم عليه بالنار وأنه من أهلها الخالدين فيها، وذلك بناء على العلم بعدم وجود شيء من موانع التكفير عند من حكم بكفره.
الثاني: حسب ما ذهب إليه الشيخ عبد القادر من أن شهادة أبي بكر والصحابة معه على أتباع طليحة بأنهم في النار هي نص في الحكم عليهم بالكفر، فعليه يكون قول أبي بكر «وتكون قتلاكم في النار» شهادة لأعيانهم بأنهم في النار كما صرح بذلك الشيخ عبد القادر، وهذا حكم من الصحابة على هؤلاء المرتدين بالكفر «على الحقيقة»، وبالتالي فهو حكم على أعيانهم بالكفر ظاهرًا «أحكام الدنيا» وعلى الحقيقة «أحكام الآخرة».
الثالث: وهذا يعني أن حكم الصحابة رضي الله عنهم على هؤلاء القتلى لم يكن على الظاهر فقط؛ بل قطعوا بكفر كل أتباع طليحة الأسدي الذين وردت فيهم قولة أبي بكر، وبسبب القطع بكفرهم شهدوا لكل واحد منهم بأنه من أهل النار، وفي هذا يقول الشيخ عبد القادر: «... وقطعوا بأن قتلاهم في النار، والنار لا يقطع بها إلا لكافر، وقتلاهم معينون، فقطعوا بكفر الأتباع على التعيين»١٣٦الجامع في طلب العلم الشريف: (2/584)..
وعلى هذا فإن إجماع الصحابة على تكفير أنصار المرتدين يكون منعقدا على تكفيرهم ظاهرًا «أحكام الدنيا»، وباطنًا «أحكام الآخرة»، وكلا الأمرين ينبغي أن يكون ثابتا بإجماعهم «القطعي» الذي يكفر مخالفه سواء بسواء.
الرابع: أنَّ قطع الصحابة بكفر أنصار أئمة الردة، وتكفيرهم لهم على الحقيقة، والحكم على أعيان قتلاهم بأنهم في النار، إما أن يكون خاصًا بمن وردت فيهم هذه العبارة، وهم أتباع طليحة الأسدي، وإما أن يكون القطع بالتكفير شاملًا ومتناولًا لكل أنصار أئمة الردة في كل زمان ومكان بما فيهم «أنصار الحكام المرتدين».
الخامس: أن الشيخ عبد القادر قد حكم بالكفر على أنصار الحكام المرتدين على التعيين ظاهرًا «أحكام الدنيا» فقط، ولم يقطع بكفرهم كما قطع الصحابة بكفر أتباع طليحة، فقال: «مسألة: فإن قيل فهل الحكم بكفر أنصار المرتدين على التعيين هو على الظاهر أم على الحقيقة؟ أي هل هم كفار في الحكم الدنيوي الظاهر فقط أم كفار ظاهرًا في الدنيا وباطنًا على الحقيقة معذبون في الآخرة؟ والجواب: أن كل من أتى كفرًا وانتفت الموانع في حقه، فلا بد أن يكون كافرًا ظاهرًا وباطنًا كما سبق بيانه تصديقًا لخبر الله ﷻ الذي لا يكون إلا على الحقيقة، ولما كان الحكم بالكفر يقع على الممتنعين بدون تبين الشروط والموانع، فَحُكْمُنا بكفرهم إنما هو على الظاهر، ولا نقطع بكفرهم كممتنعين على الحقيقة، لاحتمال قيام مانع من التكفير في حق بعضهم، مع التذكير بأنه لا يجب علينا البحث عن هذه الموانع، فالحكم عليهم إنما هو على الظاهر»١٣٧الجامع في طلب العلم الشريف: (2/616)..
فأنت كما ترى، فإن الشيخ عبد القادر قد استدل على تكفير أنصار الحكام المرتدين على التعيين، بما وقع من إجماع الصحابة على تكفير أتباع مسيلمة المتنبئ الكذاب، وأتباع طليحة المتنبئ الكذاب، وهو قد نص على أنَّ الصحابة قد قطعوا بكفر هؤلاء كما قال: «فقطعوا بكفر الأتباع على التعيين»؛ بمعنى أنهم أكفروهم ظاهرًا وباطنًا، ولذلك شهدوا على قتلاهم بأنهم في النار، ثم إن الشيخ عبد القادر يقول: «إن حكمنا بالكفر على أنصار الحكام المرتدين، إنما هو على الظاهر فقط» كما نقلناه عنه قريبًا؛ ومعنى هذا أنه لم يقطع بكفرهم كما قطع الصحابة «بكفر أنصار أئمة الردة»، فالصحابة رضي الله عنهم قد حكموا على هؤلاء الأتباع بالكفر ظاهرًا وباطنًا، والشيخ إنما حكم على أنصار الحكام المرتدين بالكفر ظاهرًا فقط كما قال: «ولا نقطع بكفرهم كممتنعين على الحقيقة»، فهو وإن وافق إجماع الصحابة «القطعي» في حكمه على أنصار أئمة الردة بالكفر ظاهرًا، إلا أنه في الوقت نفسه قد خالف إجماعهم «القطعي» أيضًا.
وذلك لـمَّا توقف عن الحكم عليهم بالكفر على الحقيقة، ولم يشهد لأعيان قتلاهم بأنهم في النار كما شهد الصحابة؛ فتأمل في تعارض العبارتين: «فقطعوا بكفر الأتباع على التعيين»، و«ولا نقطع بكفرهم كممتنعين على الحقيقة»؛ هذا وما ينبغي أن نستحضره وننبه إليه في هذا المقام أن الشيخ عبد القادر يجعل إجماع الصحابة منعقدًا على تكفير كل أنصار أئمة الردة، وليس مقصورًا فقط على تكفير أتباع طليحة الأسدي أو محصورا فيهم، ولهذا يذكر هذا الإجماع القطعي على أنه دليل على تكفير أنصار الحكام المرتدين المعاصرين وأصل إيراده لهذا الغرض؛ فالذي ينبغي أن يتوجه به الاستدلال أن يكون الصحابة قد حكموا على أنصار الحكام المرتدين المعاصرين بالكفر عينا ظاهرًا وباطنًا، وأن شهادتهم على القتلى بالنار شاملة ومتناولة لقتلى أنصار الحكام المرتدين تماما كما شهدوا على قتلى أتباع المتنبئين، لئلا يكون كلامهم مقتصرًا على أتباع طليحة الأسدي.
فإذا كان الشيخ عبد القادر يقول بهذا ويلتزمه فهو قطعًا قد خالف الصحابة في تكفيرهم لأنصار الحكام المرتدين والشهادة على قتلاهم بالنار؛ لأن حكمهم عليهم كان على الظاهر والحقيقة معًا، أما حكمه فهو على الظاهر فقط، وإذا كان لا يقول بهذا ولا يلتزمه؛ فهذا يعني أن الصحابة أجمعوا إنما هو على تكفير أتباع المتنبئين على التعيين، أما أنصار الحكام المرتدين فليسوا داخلين في هذا الإجماع وإلا لما ساغ للشيخ عبد القادر أن يخالفه ويترك القطع بتكفيرهم والشهادة على قتلاهم بالنار؛ وإذ كان الأمر كذلك فما الذي جعل من خالف في تكفير أنصار الحكام المرتدين على التعيين «ظاهرًا» مخالفًا لإجماع الصحابة «القطعي»، بينما من يخالف في تكفيرهم باطنًا «على الحقيقة» كالشيخ عبد القادر لا يعد مخالفًا لإجماعهم «القطعي»؟!
والذي يظهر أن محاولة التفريق بين الحالتين مجرد تحكم محض، فكل ما يمكن أن يقال في تكفيرهم ظاهرًا، يقابل بمثله في تكفيرهم باطنًا.
هذا وقد علل الشيخ عبد القادر عدم القطع بكفر أنصار الحكام المرتدين بقوله: «ولما كان الحكم بالكفر يقع على الممتنعين على التعيين بدون تبين الشروط والموانع؛ فحُكمُنا بكفرهم إنما هو على الظاهر..».؛ فجعل الامتناع بالشوكة هو السبب الحقيقي المانع من القطع بكفرهم، وذلك لأن الامتناع يمنع من تبيّن الشروط وانتفاء الموانع في حق الممتنعين، وهذه العلة نفسها قد ذكرها في الطوائف التي أكفرها الصحابة، فقال: «فهذا نقل صحيح، وإجماع صريح من ا لصحابة على تكفير أنصار أئمة الردة وجنودهم على التعيين دون تبين لتوفر الشروط وانتفاء الموانع في حقهم لما كانوا ممتنعين بالشوكة»١٣٨الجامع في طلب العلم الشريف: (2/ 598)..
بل الذي يظهر من هذه العبارة أن المقصود بها كل أنصار وجنود أئمة الردة، بما في ذلك أنصار الحكام المرتدين الذين توقف عن القطع بكفرهم، وليس الأمر خاصًا بأتباع طليحة الأسدي، فإذا كان امتناع «أنصار أئمة الردة» لم يمنع الصحابة رضي الله عنهم من الحكم عليهم بالكفر ظاهرًا «أحكام الدنيا»، وباطنًا «أحكام الآخرة»، بل قطعوا بكفرهم جميعًا رغم امتناعهم بالشوكة، وحكموا على كل قتيل منهم بأنه خالد مخلد في النار، فلماذا جعل الشيخ عبد القادر امتناع «أنصار الحكام المرتدين» -وهم بلا شك من أنصار أئمة الردة- مانعًا عنده من الحكم عليهم بالكفر باطنًا، فلم يشهد لكل قتيل فيهم بأنه خالد مخلد في النار؟ ولماذا كان لامتناع أنصار الحكام المرتدين أثر في الحكم ففرق في حقهم بين أحكام الدنيا والآخرة، ولم يكن لامتناع «أنصار أئمة الردة» أثر ولا تأثير فلهذا كانوا عند الصحابة كفارًا ظاهرًا وباطنًا؟!
ويمكن إجمال الاحتمالات التي تتصور في هذا الموضع مما يتعلق بهذه المسألة:
1- أن يحكم الشيخ عبد القادر على أنصار الحكام المرتدين بالكفر «باطنًا» كما حكم عليهم بالكفر «ظاهرًا»؛ ليوافق بذلك إجماع الصحابة «القطعي» الذي ذكره في تكفير «أنصار أئمة الردة» ظاهرًا وباطنًا، غير أن ذلك لا تحتمله طريقته ولا ألفاظه، فهو ينص على كفرهم ظاهرًا فحسب لاحتمال وجود مانع من موانع التكفير عند بعضهم، فلا يمكنه والحالة هذه أن يقطع بكفرهم؛ لأن السبب الذي منعه من ذلك لا يزال ثابتًا قائمًا، وهو تكفيره إياهم من غير تبيّن الشروط الموانع في حقهم لامتناعهم بالشوكة.
2- أن يتمسك بما ذكره في كتابه واستقر عليه بحثه، من أن أنصار الحكام المرتدين كفار في الظاهر فقط؛ فيكون بذلك مخالفًا لإجماع الصحابة «القطعي» في قطعهم بكفر «أنصار أئمة الردة»، وشهادتهم لأعيانهم بالنار، مع توقفه هو عن القطع بكفر «أنصار الحكام المرتدين» -وهم بلا شك من أنصار أئمة الردة-، وحكمه عليهم بالكفر ظاهرًا فقط، وعندها يلزمه أن يبيّن الفارق الحقيقي المؤثر الذي جعل الصحابة رضي الله عنهم يقطعون بكفر أنصار أئمة الردة، مع وجود عين الاحتمال الذي منعه من القطع بكفر أنصار الحكام المرتدين، وهو «أن الحكم عليهم جاء دون تبيّن الشروط والموانع لامتناعهم بالشوكة».
فلماذا أثر هذا في أنصار الحكام المرتدين، ولم يؤثر في أنصار أئمة الردة؟ بل ما دام الشيخ عبد القادر يجعل تكفير «أنصار الطواغيت» على التعيين -ومنهم أنصار الحكام المرتدين- ثابتًا بإجماع الصحابة وشاملًا لهم جميعًا، والصحابةُ أكفروا هؤلاء الأنصار ظاهرًا وباطنًا «وتكون قتلاكم في النار»، وقطعوا بكفر الأتباع -الذين منهم أنصار الحكام المرتدين- كما قطعوا بكفر الرؤوس، فلماذا يخالفهم في هذا القطع الذي حكاه هو نفسه عنهم، فيحكم على «بعض أنصار الطواغيت» الذين أكفرهم الصحابة ظاهرًا وباطنًا -وهم هنا أنصار الحكام المرتدين- بالكفر ظاهرًا فقط؟
وإذا كان اعتبار حال الطائفة التي أراد أن يبت في حكمها ومعر فته بملابساتها هو الذي دعاه وألجأه إلى هذا القول المخالف لإجماع الصحابة القطعي! فما فائدة دعوى الإجماع على تكفير الأعيان في حقهم، ما دام الأمر راجعًا إلى معرفة حال كل طائفة؟! وما دام للبحث والنظر والاجتهاد في تحري الأحوال واعتبارها مجال؟
فالمتبادر إلى الأذهان عند القول: بأن في المسألة إجماعًا، هو استقرار واستمرار وانسحاب ذلك الحكم الذي أثبته الإجماع، على كل الطوائف المناصرة مع اختلاف أحوالها في جميع الأزمنة والأمكنة؛ فلا اعتبار لوجود أو ظهور شيء من موانع التكفير عند هذه الطوائف، بل وجودها -ولو مع ظهورها وانتشارها- وانعدامها سواء؛ لأن أي اعتبار لتلك الموانع وإعمالها في حقهم، يعني بالضرورة مخالفة إجماع الصحابة القطعي على تكفير أعيانهم، أو خروج الصورة عن محل الإجماع، إذ إن إعمال الموانع المعلوم وجودها وفشوّها بينهم يقتضي عدم تكفيرهم، وعدم تكفيرهم يقتضي مخالفة إجماع الصحابة المزعوم.
فإن كانت دعوى الإجماع على تكفير الأعيان صحيحة؛ فالمفترض أن لا يكون لتغاير أحوال الطوائف أي تأثير في الحكم، وهذا يطابق تمامًا ما لو قيل: إن في مسألة كذا نصًا قاطعًا من الكتاب أو السنة، فيبقى مجال النظر إذ ذاك محصورًا في التحقق من شمول النص للنازلة أو المسألة الحادثة واندراجها فيه، فعندما يقال: إن الصحابة قد أجمعوا على تكفير أنصار أئمة الردة على التعيين، والشهادة على قتلاهم بالنار، فإن جهد الناظر ينبغي أن يقتصر على إدخال الطائفة التي يبحث حكمها في مسمى «أنصار أئمة الردة» فحسب، فحيث ثبت عنده هذا، أجرى عليهم حكم إجماع الصحابة كاملًا غير منقوص، من غير تصرف أو تفريق بين حال وأخرى أو ظاهر وباطن وما أشبه ذلك؛ وبمعنى آخر أن وجود موانع التكفير في حقهم وانعدامها سواء، ولا شك في بطلان هذا القول ولا محيص من رده.
فهو هنا بين أمرين:
- الأمر الأول: أن يجعل تكفير الصحابة لأعيان الطائفة التي شهدوا لقتلاها بأنهم في النار، راجعًا لمعرفتهم بحالها، وعليه فالحكم بالكفر على أعيان الطوائف التي طرأت بعدهم -ومنها أنصار الحكام المرتدين- متوقف على معرفة أحوال هذه الطوائف وذلك يكون بالنظر لموانع التكفير وشروطه وجودًا وعدمًا، وعليه فيختلف الحكم فيها من طائفة إلى طائفة، ومن مكان إلى مكان، ومن زمان إلى زمان تبعًا لتغاير أحوالها، وعندها لا معنى لذكر إجماع الصحابة على تكفير أعيان «أنصار أئمة الردة».
إذ إن إجماعهم في حقيقة الأمر إنما هو على كفر النوع لا على كفر العين؛ بمعنى أنهم أجمعوا على أن من ناصر إمامًا من أئمة الردة وعضده على المسلمين قد ارتكب كفرًا أكبر مخرجًا من الملة -وهذا لا شك فيه عند أحد- ثم أوكلوا تكفير أعيان هذه الطائفة المناصرة لما يعرف من حالها.
وعليه فلكل طائفة حالها الخاص الذي ينبني عليه معرفة حكمها، والمقصود بمعرفة حالها معرفة مدى وجود موانع التكفير من عدمها عند أفراد هذه الطائفة، ومدى انتشارها وشيوعها بينهم، وهذا لا يعني بالضرورة البحث والتنقيب عن هذه الموانع، بل اعتبار ذلك بما هو شائع ظاهر منتشر بينهم، وبما هو ومعلوم ومدرك من حالهم.
ونضرب لذلك -أي لتغير الحكم بتغير الأحوال- مثلًا يتضح به المراد:
فنحن نعلم أن بعض العلماء الذين لم يكفروا مانعي الزكاة الذين قاتلهم الصحابة كان بسبب اعتقادهم وجود موانع للتكفير في حقهم، من تأويلهم مع قرب عهدهم بالإسلام وغير ذلك، ثم هؤلاء العلماء نصوا على أنه لو خرجت طائفة في زمن من الأزمان المتأخرة، وامتنعت من الزكاة كامتناع أولئك الأولين، لكانوا كفارًا مرتدين خلافًا للذين قاتلهم الصحابة، وذلك لأن ما منع من تكفير أولئك لم يعد موجودًا في حق هؤلاء المتأخرين، وعليه فمدار الأمر ومرده إلى العلم بوجود تلك الموانع ونحوها في حقهم.
قال الخطابي رحمه الله: «فإن قيل كيف تأولت أمر الطائفة التي منعت الزكاة على الوجه الذي ذهبت إليه، وجعلتهم أهل بغى، وهل إذا أنكرت طائفة من المسلمين في زماننا فرض الزكاة، وامتنعوا من أدائها يكون حكمهم حكم أهل البغي؟ قلنا: لا فإن من أنكر فرض الزكاة في هذه الأزمان كان كافرًا بإجماع المسلمين، والفرق بين هؤلاء وأولئك أنهم إنما عذروا لأسباب وأمور لا يحدث مثلها في هذا الزمان، منها قرب العهد بزمان الشريعة الذي كان يقع فيه تبديل الأحكام بالنسخ، ومنها أن القوم كانوا جهالًا بأمور الدين، وكان عهدهم بالإسلام قريبًا، فدخلتهم الشبهة فعذروا، فأما اليوم وقد شاع دين الإسلام واستفاض في المسلمين علم وجوب الزكاة حتى عرفها الخاص والعام، واشترك فيه العالم والجاهل، فلا يعذر أحد بتأويل يتأوله في إنكارها، وكذلك الأمر في كل من أنكر شيئًا مما أجمعت الأمة عليه من أمور الدين، إذا كان علمه منتشرًا كالصلوات الخمس وصوم شهر رمضان والاغتسال من الجنابة وتحريم الزنا والخمر ونكاح ذوات المحارم ونحوها من الأحكام، إلا أن يكون رجلا حديث عهد بالإسلام، ولا يعرف حدوده، فإنه إذا أنكر شيئا منها جهلا به لم يكفر، وكان سبيله سبيل أولئك القوم في بقاء اسم الدين عليه»١٣٩شرح النووي لمسلم: (1/ 205)..
فأنت ترى هنا أن الخطابي رحمه الله لا ينازع في أن ما ارتكبه الممتنعون من أداء الزكاة على عهد الصحابة رضي الله عنهم كان كفرًا أكبر، ومع هذا لم يحكم عليهم بالكفر لاعتقاده وجود ما يمنع من تكفيرهم مما ذكره، أما وقد عُلِمَ أن هذا المانع لم يعد موجودًا بعدُ في حق غيرهم؛ فمن امتنع عن أداء الزكاة كامتناع أولئك فهو عنده كافر لا عذر له، فالذي يتحكم في تكفيرهم على التعيين من عدمه -بعد ارتكابهم للمكفر- هو العلم بوجود موانع التكفير من عدمها، وهذا صحيح لا غبار عليه.
الأمر الثاني: أن يكون الشيخ عبد القادر قد خالف إجماع الصحابة «القطعي» في قطعهم بكفر أنصار الطواغيت الممتنعين -ومنهم أنصار الحكام المرتدين- على التعيين، وشهادتهم لقتلاهم بأنهم في النار، بينما توقف هو عن هذا القطع؛ فيقع بذلك فيما أوقع فيه غيره وألزمه إياه من المخالفة لإجماع الصحابة «القطعي الذي يكفر مخالفه»، حيث قال: «إن الحكم بكفر أنصار الطواغيت الممتنعين على التعيين قد ثبت بإجماع الصحابة إجماعًا قطعيًا ليس فيه منازع، ومثل هذا الإجماع يكفر مخالفه، فمن خالف في هذا الحكم فقد كفر، واتبع غير سبيل المؤمنين وفارق جماعتهم»؛ فيقال في المقابل: إن القطع بكفر أنصار الطواغيت الممتنعين على التعيين، والشهادة لقتلاهم بالنار، قد ثبت بإجماع الصحابة... إلخ.
3- أن يقال إن قول أبي بكر: «وتكون قتلاكم في النار»: يدل على تكفير الصحابة لأعيانهم ظاهرًا فقط ومع ذلك شهدوا عليهم بالنار، فيكون الصحابة بذلك قد حكموا بالنار على من لم يقطعوا بكفره وحاشاهم فيتعارض إجماعان، إجماع الصحابة في حكمهم بالنار على غير المقطوع بكفره من المعينين، مع إجماع أهل السنة وعلى رأسهم الصحابة على عدم الشهادة بالنار لمعين إلا مع القطع بكفره، ولا يمكن أن يقع إجماعان متناقضان؛ لأن الأمة لا تجتمع على ضلالة، ومع ذلك فلو صح هذا التوجيه فرضًا؛ فيلزم الشيخ عبد القادر أن يتابع الصحابة عليه حتى يوافقهم على إجماعهم، وذلك بأن يشهد على قتلى أنصار الحكام المرتدين بالنار مع عدم قطعه بكفرهم وهو لا يقول أو يلتزم ذلك قطعًا.
ثم إن الشيخ عبد القادر قد قال فيما نقلناه سابقًا: «أما من مات كافرًا فإنه يشهد له بالنار وأنه من أهلها» وها هو يشهد على أعيان أنصار الحكام المرتدين بالكفر، وكثير منهم يموت أو يقتل وهو جندي من جنودهم ومناصر لهم، أي أنه يموت كافرًا -وهذا حسب اختيار الشيخ عبد القادر- فلماذا مع موتهم أو قتلهم كفارًا لا يشهد عليهم بالنار؟ أليس هذا تناقضًا بيّنًا، وإحداثًا لقول لا ملجئ إليه؟
فإن قال: إنَّا لم نشهد عليهم بالنار لعدم القطع بكفرهم، قيل: وهل هؤلاء ماتوا -حين ماتوا- كفارًا أم مسلمين، فهو سيقول: بلا شك إنهم ماتوا وهم كفار، قيل: فأنت قد قلت: «أما من مات كافرًا فإنه يشهد له بالنار وأنه من أهلها»؛ فهل تشهد لهؤلاء الذين هم عندك كفار بالنار وأنهم من أهلها، فسيقول بلا شك: لا؛ لأنه حكم عليهم بالكفر ظاهرًا فقط، فعليه إما أن تكون هذه الجملة والقاعدة التي ذكرها -من كون من مات كافرًا يشهد له بالنار- ليست صحيحة في أصلها، وإما أن تكون طريقة حكمه عليهم بالكفر ليست صحيحة؛ لأنه بطريقته هذه قد أوجد قسمًا ثالثًا وهو من يحكم عليه بالكفر ويموت على كفره ومع ذلك فلا يشهد له بالنار ولا أنه من أهلها.
ثم هل يُجعل من ثبت له عقد الإسلام بيقين كافرًا بمجرد الاحتمالات؟ فأحكام الآخرة حسب ارتباطها بأوصاف الناس -إيمانًا وكفرًا- في الدنيا، إما مسلم لا يشهد له بجنة ولا نار إلا بنص، مع القطع بأنه لو مات على إسلامه فإن عاقبته إلى الجنة ابتداءً أو مآلًا، وإما كافر يشهد له بالنار ويبشر أنه من أهلها إن مات على كفره.
فعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: (أن أعرابيًا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله: أين أبي؟ قال: في النار، قال: فأين أبوك؟ قال: حيثما مررت بقبر كافر فبشره بالنار)١٤٠قال الهيثمي: رواه البزار والطبراني في الكبير وزاد: فأسلم الأعرابي فقال: (لقد كلفني رسول الله ﷺ بعناء، ما مررت بقبر كافر إلا بشرته بالنار)، ورجاله رجال الصحيح، مجمع الزوائد: (1/118)، ورواه أيضًا ابن ماجة [1573] عن عبد الله بن عمر [وصححه الألباني]..
أما أن يُحكم على معين بالكفر، ثم يموت أو يقتل على تلك الصفة، ومع ذلك يُتَوقف في حقه، فلا يشهد عليه بالنار لاحتمال أن يكون مؤمنًا في الباطن فيؤول إلى الجنة؛ فهو قول مخالف لهذا الحديث الصحيح، والعجيب أن الشيخ عبد القادر قد جعل بهذا الحديث وحديث (إن أبي وأباك في النار) مثالًا على أن من مات كافرًا فإنه يشهد له بالنار وأنه من أهلها، ثم هو كما بينّا قد خالف هذه القاعدة في حق أنصار الحكام المرتدين، فالحقيقة أنه لا يوجد ما يلجئ إلى التكفير مع الاحتمالات التي توصل إلى هذا الحد من التناقضات.
4- أن يقال: إن الصحابة رضي الله عنهم إنما قطعوا بكفر أنصار المتنبئين لعلمهم بعدم وجود أي مانع من موانع التكفير في حقهم جميعًا، وذلك بما يظهر من حالهم، أو لأن الكفر الذي ارتكبوه -وهو اتِّباع المتنبئين- لا يحتمل معه وجود مانع من الموانع أصلًا، ومن ثم شهدوا عليهم بالنار تبعًا لذلك، والحقيقة أن هذا راجعٌ إلى القول: بأن الحكم على أعيانهم مبني على معرفة حالهم؛ فيلزم من خالفهم في القطع والشهادة بالنار لأعيان القتلى إثبات أن الصحابة يكفرون -ظاهرًا- من امتنع من الطوائف المحتمل وجود موانع التكفير عند بعض أفرادها، ثم ما الذي يمنع الغير ممن يخالف الشيخ عبد القادر في حكمه المذكور أن يُعمل موانع التكفير المحتمل وجودها في حق أنصار الحكام المرتدين؟! فيمتنع من تكفيرهم «ظاهرًا» لوجود موانع التكفير كما امتنع الشيخ عبد القادر من الحكم عليهم بالكفر «باطنًا» لعين السبب، حيث جعل تأثير الموانع في حق هؤلاء الممتنعين مقصورًا على أحكام الآخرة فقط!! بل هذا هو الأصل في موانع التكفير، أن تمنع من الحكم بالكفر على المعين مطلقًا «ظاهرًا وباطنًا»، وهو قول أهل السنة.
فكل من ثبت له عقد الإسلام وعُلِم وجود مانع من موانع التكفير المعتبرة في حقه؛ بقي حكم الإسلام ثابتًا له، حتى يُعلَم زوال المانع الذي تلبس به، وسواء في ذلك الممتنع والمقدور عليه، أما أن يُجعل تأثير موانع التكفير خاصًا بأحكام الآخرة، مع القول بكفر صاحبها في الدنيا فهذا قولٌ عجب!
فالخوارج مثلًا قد استحلوا دماء المسلمين وأموالهم، وحكموا بالكفر على أفاضل الصحابة وكبرائهم، ممن شهد الدليل القاطع بصحة إيمانهم، واستقامة دينهم، وحسن عاقبتهم، ومع هذا لم يكفرهم الصحابة لتلبسهم بالشبهة المانعة من ذلك، وقد كانوا ممتنعين بالشوكة، بل ناظرهم الصحابة وحاوروهم لكشف شبهاتهم، وعلى رأسهم على بن أبي طالب، وابن عباس الحبر فهلاَّ حكم الصحابة رضي الله عنهم بكفر الخوارج «ظاهرًا»، وامتنعوا من ذلك «باطنًا»، بحجة امتناعهم بالشوكة مع احتمال وجود موانع التكفير عند بعضهم؟
قال ابن قدامة رحمه الله: «وإن استحل قتل المعصومين وأخذ أموالهم بغير شبهة ولا تأويل فكذلك يعني يكون كافرًا وإن كان بتأويل كالخوارج، فقد ذكرنا أن أكثر الفقهاء لم يحكموا بكفرهم، مع استحلالهم دماء المسلمين وأموالهم، وفعلهم لذلك متقربين به إلى الله تعالى -إلى أن قال- وقد عرف من مذهب الخوارج تكفير كثير من الصحابة ومن بعدهم، واستحلال دماءهم وأموالهم، واعتقادهم التقرب بقتلهم إلى ربهم، ومع هذا لم يحكم الفقهاء بكفرهم لتأويلهم، وكذلك يُخرَّج في كل محرم استُحِل بتأويل مثل هذا»١٤١المغني: (12/276)..
وقال شيخ الإسلام رحمه الله: «والخوارج المارقون الذين أمر النبي ﷺ بقتالهم قاتلهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أحد الخلفاء الراشدين، واتفق على قتالهم أئمة الدين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، ولم يكفرهم علي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص وغيرهما من الصحابة، بل جعلوهم مسلمين مع قتالهم، ولم يقاتلهم علي حتى سفكوا الدم الحرام، وأغاروا على أموال المسلمين فقاتلهم لدفع ظلمهم وبغيهم، لا لأنهم كفار، ولهذا لم يسب حريمهم، ولم يغنم أموالهم»١٤٢مجموع الفتاوى: (3/ 282)..
فتأمل كيف امتنع الصحابة من تكفير هذه الطائفة الممتنعة ذات الشوكة -وهي الخوارج- ظاهرًا وباطنًا لِمَا علموا عندها من موانع التكفير، وهي تأويلهم في كل ما كانوا يرتكبونه من الفظائع العظيمة، وهذا يبيّن ما ذكرناه من أن الطائفة الممتنعة على مكفر من المكفرات، لا يحكم بتكفير أفرادها إلا حيث علم عدم وجود موانع التكفير عندهم، أما تكفيرهم مع العلم بوجودها، أو مع قوة الاحتمال الذي يمنع من تكفيرهم على الحقيقة فلا.
ولهذا قال شيخ الإسلام في تكفير الخوارج وغيرهم: «وأمَّا تكفيرهم وتخليدهم ففيه أيضًا للعلماء قولان مشهوران، وهما روايتان عن أحمد والقولان في الخوارج والمارقين من الحرورية والرافضة ونحوهم، والصحيح أن هذه الأقوال التي يقولونها التي يعلم أنها مخالفة لما جاء به الرسول كفر، وكذلك أفعالهم التي هي من جنس أفعال الكفار بالمسلمين هي كفر أيضًا، وقد ذكرت دلائل ذلك في غير هذا الموضع، لكن تكفير الواحد المعين منهم والحكم بتخليده في النار موقوف على ثبوت شروط التكفير وانتفاء موانعه»١٤٣مجموع الفتاوى: (28/ 500)..
وتأمَّل كيف جعل كلًا من التكفير والتخليد في النار متوقفًا على ثبوت شروط التكفير وانتفاء موانعه، ولم يفرق بين الأمرين.
فعلى مقتضى كلام الشيخ عبد القادر ونهج استدلاله، لو طرح سؤال حول زيد مثلًا من أنصار الطواغيت، فقيل: هل تحكم بكفره على التعيين؟ لأجاب: نعم، فلو سُئِل: وهل كفره -عندك- ظاهرًا فقط أم ظاهرًا وباطنًا؟ لأجاب: بل كفره ظاهرًا فقط، فإذا سُئل أيضًا: ولماذا لم تكفره على الحقيقة كذلك، فتشهد له بالنار إذا مات أو قتل على هذه الحال؟ لقال: لاحتمال أن يكون لديه مانع من الموانع المعتبرة حيث حكمت عليه بالكفر من غير أن أتبينها فيه بسبب امتناعه.
فيُسأل أيضًا: ولماذا أعملت الموانع «المحتمل وجودها» على الحقيقة، فامتنعت من القطع بتكفيره، ولم تعملها عند تكفيرك له ظاهرًا «أحكام الدنيا»؟ لقال: لأنه ممتنع بالشوكة، والصحابة قد أكفروا الممتنعين من أتباع أئمة الردة على التعيين.
فإذا سئل: وهل أكفروهم ظاهرًا فقط أم ظاهرًا وباطنًا؟ لقال: بل أكفروهم ظاهرًا وباطنًا، فيقال: إذن تفريقك في إعمال الموانع بين الظاهر والباطن ليس مأخوذًا عن الصحابة، بل هو مخالف لقولهم، ومناقض لإجماعهم «القطعي».
والخلاصة: أن الحق الحقيق بالاتباع، البعيد عن الإحداث والابتداع؛ أن كل طائفة ثبت عقد الإسلام لأفرادها بيقين، فلا يجوز أن يحكم عليهم بالكفر بمجرد الاحتمالات، وحيث عُلم بوجود موانع التكفير في حقهم وجب إعمالها ظاهرًا وباطنًا، فإن التفريق في إعمالها بين الظاهر والباطن قول محدث مبتدع، فكل من ثبت في حقه مانع من الموانع أو غلب على الظن وجوده؛ بقي له حكم الإسلام إلى أن يزول المانع، ولا فرق في هذا بين الفرد المقدور عليه والممتنع، وعدم وجوب تبيّن الشروط والموانع في حق الممتنع شيء، وعدم إعمالها مع العلم بوجودها شيء آخر، ولا ينبغي الخلط بين الأمرين، وأهل السنة كما أنهم لا يشهدون لمعين بالنار إلا لمقطوع بكفره، فكذلك لا يحكمون على معين بالكفر ثم يتوقفون عن الشهادة عليه بالنار مع الخالدين فيها، واليقين لا يرفع بالشك، وذلك لأن أصناف الناس من حيث وصفهم بالإيمان والكفر ثلاثة لا رابع لهم:
1- مؤمن السريرة والعلانية.
2- كافر السريرة والعلانية.
3- مؤمن العلانية كافر السريرة: وهو المنافق.
أما كافر العلانية مؤمن السريرة فهذا ما لا وجود له، قال الشيخ سفر الحوالي: «ولهذا لم يوجد في مذهب أهل السنة أبدًا استخدام عبارة «مؤمن باطنًا، كافر ظاهرًا»، ولا إمكان وجود ذلك»١٤٤ظاهرة الإرجاء: (2/530)..
وقال في موضع آخر: «روى الأمام أبو بكر بن أبي شيبة في كتاب الإيمان بسند صحيح إلى أبي قلابة التابعي أنه قال: حدثني الرسول الذي سأل عبد الله بن مسعود، فقال: أنشدك بالله أتعلم أن الناس كانوا على عهد رسول الله ﷺ على ثلاثة أصناف:
مؤمن السريرة مؤمن العلانية، وكافر السريرة كافر العلانية، ومؤمن العلانية كافر السريرة؟
فقال عبد الله: اللهم نعم، فلم يكن في واقع الجيل الأول ولا في تصوره وجود لمؤمن السريرة كافر العلانية، أي التارك للإيمان بجوارحه المؤمن بقلبه»١٤٥ظاهرة الإرجاء: (2/642)، وهذا الأثر أخرجه الطبراني في: مسند الشاميين (2/333)، وفيه أنَّ السائل هو أبو مسلم الخولاني: «... قال أبو مسلم: فقلت يا ابن مسعود ألم تعلم أن الناس كانوا على عهد رسول الله ﷺ على ثلاثة أصناف، مؤمن السريرة مؤمن العلانية كافر السرير كافر العلانية مؤمن العلانية كافر السريرة قال: نعم»..
تنبيه: من المعلوم أن الإجماع هو أحد الأدلة الشرعية، ومرتبته كما ذكرنا في المقدمة تأتي بعد الكتاب والسنة لأنه فرع عنهما، فإذا انعقد إجماع صحيح على مسألة أو نازلة؛ فيكون حكمها كما لو دل عليه الكتاب أو السنة من حيث صحته وقبوله، وذلك لأن الأمة لا تجتمع على ضلالة، وقد قال الشيخ عبد القادر: «أن كل من أتى كفرًا وانتفت الموانع في حقه، فلا بد أن يكون كافرًا ظاهرًا وباطنًا كما سبق بيانه تصديقًا لخبر الله الذي لا يكون إلا على الحقيقة»؛ وهذا يعني بلا شك أن من جاء نص شرعي من الكتاب أو السنة بالحكم عليه بالكفر؛ فإنه كافر ظاهرًا وباطنًا، كقوله تعالى في أبي لهب: ﴿تَبَّتۡ يَدَآ أَبِي لَهَبٖ وَتَبَّ ١ مَآ أَغۡنَىٰ عَنۡهُ مَالُهُۥ وَمَا كَسَبَ ٢ سَيَصۡلَىٰ نَارٗا ذَاتَ لَهَبٖ﴾ [المسد: 1-3]... السورة، وكقوله ﷻ في حق العاص بن وائل السهمي أبي عمرو بن العاص: ﴿أَفَرَءَيۡتَ ٱلَّذِي كَفَرَ بِـَٔايَٰتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالٗا وَوَلَدًا ٧٧ أَطَّلَعَ ٱلۡغَيۡبَ أَمِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحۡمَٰنِ عَهۡدٗا﴾ [مريم: 77-78].. الآيات.
كما أن الدليل الشرعي من الكتاب أو السنة لا يمكن أن يحكم على معين بالكفر إلا حيث يكون كافرًا حقيقةً، فحيث نص الدليل على كفر معين فإننا نقطع بأن ذلك المعين ليس لديه أي مانع من موانع التكفير، وأنه من أهل النار الخالدين فيها.
وبناءً على ذلك وبما أن الإجماع هو دليل شرعي صحيح، فإذا ما انعقد الإجماع على كفر شخص معين فنحن نقطع أن ذلك الشخص كافر ظاهرًا وباطنًا، وأن موانع التكفير منتفية في حقه، لأن ما دل عليه الإجماع الصحيح هو حكم الله بلا ريب، وحكم الله إنما يكون على الحقيقة، قال شيخ الإسلام رحمه الله «وما اتفق عليه المسلمون فهو حق جاء به الرسول، فإن أمته ولله الحمد لا تجتمع على ضلالة كما أخبر هو فقال: (إن الله أجاركم على لسان نبيكم أن تجتمعوا على ضلالة)»١٤٦مجموع الفتاوى: (27/373)، [والحديث في: سنن أبي داود (4253)، وهذه الجملة من الحديث صححها الألباني]..
فكما أنه لا يتصور أن ترد آية أو يأتي حديث في تكفير معين ويكون في حقيقته خلاف ما دل عليه الدليل، فكذلك الأمر بالنسبة للإجماع سواء بسواء، وإذ كان الأمر كذلك، فكون الشيخ عبد القادر يحكي الإجماع القطعي على تكفير أعيان أنصار الحكام المرتدين، ثم يقول: إن حكمه عليهم إنما هو على الظاهر فقط، فهو كما لو قال: إن النص من الكتاب أو السنة قد دل على كفرهم على التعيين إلا أن ذلك الحكم إنما هو في الظاهر دون الحقيقة، وإذا كان هذا غير مقبول، فكذلك المسألة في الإجماع غير مقبولة؛ لأن الكل يفترض أن تكون أحكام الله، وأحكام الله إنما هي الحقيقة لا على مجرد الظواهر.
فبقي أن يقال: إما أن يكون الإجماع في أصله ليس صحيحًا وغير منعقد ولذلك لم يكن حكم تكفيرهم على الحقيقة، وإما أن يكونوا كفارًا ظاهرًا وباطنًا؛ لأن القول: بأنهم كفار في الظاهر بالإجماع يفضي إلى أن يكون حكم الله الثابت بإجماع الصحابة «القطعي» على غير الحقيقة، كما أنه يعني أن الأمة قد اجتمعت على خطأ، وهو هنا تكفير من لم ليس كافرًا في حقيقة أمره، لأن من كان عنده مانع معتبر من التكفير فهو مؤمن، والإجماع المدعى قد دل على تكفيره وهذا وجه متناقض، ويشبه هذه المسألة ما ذكره شيخ الإسلام في شأن إجماع الأمة على قبول خبر منقول عن النبي ﷺ ويكون في حقيقته وفي نفس الأمر كذبًا عليه حيث يقول:
«والأمة لا تجتمع على خطأ، فلو كان الحديث كذبًا في نفس الأمر، والأمة مصدقة له قابلة له؛ لكانوا قد أجمعوا على تصديق ما هو في نفس الأمر كذب، وهذا إجماع على الخطأ وذلك ممتنع، وإن كنا نحن بدون الإجماع نجوز الخطأ أو الكذب على الخبر، فهو كتجويزنا قبل أن نعلم الإجماع على العلم الذي ثبت بظاهر أو قياس ظني أن يكون الحق في الباطن بخلاف ما اعتقدناه، فإذا أجمعوا على الحكم جزمنا بأن الحكم ثابتٌ باطنًا وظاهرًا»١٤٧مجموع الفتاوى: (13/351)..
الخطأ الثالث:
قال الشيخ عبد القادر في نهاية ما استخلصه من قصة وفد بزاخة التائبين: «فهذا نقل صحيح وإجماع صريح من الصحابة على تكفير أنصار أئمة الردة وجنودهم على التعيين دون تبيّن لتوفر الشروط وانتقاء الموانع في حقهم؛ لـمَّا كانوا ممتنعين بالشوكة».
أما قوله: «فهذا نقل صحيح»؛ فصحيح. وأما قوله: «وإجماع صريح من الصحابة..».؛ فليس بصريح، وذلك لأن قوله «صريح» يحتمل شيئين:
الأول: أن المقصود بالصريح؛ الإجماع الصريح المقابل للإجماع السكوتي، وقد ذكرنا حده من قبل، وبيّنا حقيقته عند الأصوليين بما يغني عن الإعادة، فلتراجع في المسائل الأصولية المذكورة أول البحث، يبيّن ذلك: أن راوي الحديث وهو طارق بن شهاب قال: «فعرض أبو بكر ما قال على القوم» ولا شك أن القوم الذين عرض عليهم أبو بكر ما قاله لوفد بزاخة كانوا هم الحاضرين في مجلسه الشاهدين لمحاورته، وهؤلاء القوم المذكورون هم الذين قصدهم راوي الحديث، ومن المعلوم قطعًا أن الصحابة رضي الله عنهم لم يكونوا كلهم حاضرين شاهدين لذلك المجلس، إذ إن كثيرًا منهم -إن لم يكن أكثرهم- كانوا منتشرين في الأرض شرقًا وغربًا، يقاتلون في سبيل الله، ويفتحون الأمصار، وينشرون دين الله ﷻ بين البرية.
فالقوم الذين تتابعوا على ما قال عمر هم أنفسهم القوم الذين عرض عليهم أبو بكر ما قاله أولًا، وهم الحاضرون الشاهدون لهذا الموقف، وهؤلاء هم بعض الصحابة لا كلهم، أما بقية الصحابة المنتشرين في أصقاع الأرض فيحتاج إثبات موافقتهم -قولًا أو فعلًا- إلى بيّنة واضحة، وحجة جلية يحكم معها على الإجماع بأنه صريح، وإلا فإن الأمر في هذه الجزئية أو الحادثة لا يعدوا أن يكون إجماعًا سكوتيًا، وذلك لعدم العلم بالمخالف، ولكن لا يستطيع أحد أن يجزم جزمًا لا ارتياب فيه أن وقائع هذه الحادثة وكل جزئياتها قد بلغت جميع الصحابة، ومن ثَمَّ وافقوا وأقروا كل ما جاء فيها من أحكام؛ قال الشيخ عبد الوهاب خلاف: «ومن رجع إلى الوقائع التي حكم فيها الصحابة واعتبر حكمهم فيها بالإجماع؛ يتبين أنه ما وقع إجماع بهذا المعنى، وأن ما وقع إنما كان اتفاقًا من الحاضرين من أولى العلم والرأي على حكم في الحادثة المعروضة، فهو في الحقيقة حكم صادر عن شورى الجماعة لا عن رأي الفرد، فقد روي أن أبا بكر كان إذا ورد عليه الخصوم ولم يجد في كتاب الله ولا في سنة رسوله ما يقضي بينهم، جمع رؤوس الناس وخيارهم فاستشارهم فإن أجمعوا على رأي أمضاه، وكذلك كان يفعل عمر، ومما لا ريب فيه أن رؤوسهم وخيارهم الذين كان يجمعهم أبو بكر وقت عرض الخصومة ما كانوا جميع رؤوس المسلمين وخيارهم، لأنه كان منهم عدد كثير في مكة والشام واليمن وفي ميادين الجهاد، وما ورد أن أبا بكر أجّل الفصل في خصومة حتى يقف على رأي جميع مجتهدي الصحابة في مختلف البلدان، بل كان يمضي ما اتفق عليه الحاضرون لأنهم جماعة، ورأي الجماعة أقرب إلى الحق من رأي الفرد وكذلك كان يفعل عمر، وهذا ما سماه الفقهاء الإجماع»١٤٨علم أصول الفقه: (50)..
ومن هنا فإن الانضباط بالقواعد الأصولية وإجراءها إجراءً دقيقًا في حادثة وفد بزاخة المذكورة، يجعل كل حكم وارد في هذه الحادثة هو من قسم الإجماع السكوتي، بما في ذلك الحكم على قتلى اتباع المتنبئين بأنهم في النار الناتج عن تكفيرهم، ومن ثَمَّ فهي أحكام ظنية، وهذا لا يقوله أحد بالنسبة لتكفير أتباع المتنبئين، لأن الحكم عليهم بالكفر والشهادة على قتلاهم بالنار ليست من المسائل الاجتهادية الجزئية التي يختلف فيها النظر، ويُعمَل فيها الفِكَر، بل هو أمر معلوم من الدين بالضرورة، قد تجاوز مرحلة الاستدلال عليه بالأدلة الجزئية كصورة الإجماع المذكورة هنا.
وهذا يؤكد ويثبت خصوصية هذه المسألة عن غيرها؛ فأنت ترى هنا أحكامًا متعددة اشتملت عليها واقعة واحدة -وهي حادثة وفد بزاخة- ومع ذلك حُكِم على بعض تلك الأحكام بأنها قطعية، والبعض الآخر بأنها أحكام ظنية قد اختلف فيها العلماء، مع أن الكل قد وقع في زمن واحد وبحالة وهيئة متساوية، ونقل بطريقة واحدة، فإذا لم يكن مرد هذا التفريق إلى خصوصية تعلقت بما قطع به من الأحكام لكان ذلك تفريقًا بين المتماثلات من غير موجب، وهذا لا يقبله أحد، مما يبيّن أن القطع بتكفير أتباع المتنبئين ليس مرجعه مثل هذه الأدلة الجزئية، بل إن تطرق الخلاف في هذه المسألة ونظيراتها ليس واردًا أصلًا لا من قريب أو بعيد؛ لأن ما ارتكبه المتبعون للمتنبئين يصادم قطعية من قطعيات الشريعة، وأصل من أصولها التي لا يثبت الإسلام لأحد إلا باعتقادها والإقرار بها، ولا يدخل إليه إلا من بابها، وهي شهادة «أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا ﷺ رسول الله»، وهذا ما يجعل أمر القطع والجزم في هذا الموضع مقصورًا عليها ومحصورًا فيها.
فما دامت هناك قرائن خارجية هي التي صيَّرَت إجماع الصحابة على تكفير أتباع المتنبئين إجماعًا قطعيًا، فهل يستطيع أحد أن يثبت وجود تلك القرائن في حق أنصار الحكام المرتدين فضلًا عن القطع بها؟ وهذا كله لو سلمنا أن دلالة الإجماع المذكور شاملة لكل من ناصر إمامًا من أئمة الردة، فكيف والحال على خلاف ذلك تمامًا.
الثاني: وهو الاحتمال الثاني في قوله: «وإجماع صريح»؛ أي أنه صريح الدلالة على تكفير أنصار الطواغيت الممتنعين على التعيين، وهذا أقرب الاحتمالين في مراده، وقد بينا مرارًا وتكرارًا أن الإجماع المنعقد على التسليم بصحة دلالته إنما هو على تكفير أتباع المتنبئين وهذا من البدهيات لدى كل مسلم، والله أعلم.
الخطأ الرابع:
قال الشيخ عبد القادر: «كيف يعرف الإجماع؟: قال الخطيب البغدادي رحمه الله: «اعلم أن الإجماع يعرف بقول وبفعل، وبقول وإقرار، وبفعل وإقرار، فأما القول: فهو أن يتفق قول الجميع على الحكم بأن يقولوا كلهم هذا حلال أو حرام، وأما الفعل: فهو أن يفعلوا كلهم الشيء وأما القول والإقرار: فهو أن يقول بعضهم قولًا وينتشر في الباقي فيسكت عن مخالفته، وأما الفعل والإقرار: فهو أن يفعل بعضهم شيئًا ويتصل بالباقين فيسكتوا عن إنكاره»١٤٩«الفقيه والمتفقه» للبغدادي [1/429].، من هنا تعلم أن إجماع الصحابة في مسألتنا هذه -حكم أنصار الطواغيت- هو إجماع صحيح إذ أجمع عليه جميعهم، وأنه قد ثبت بالقول وبالفعل وبالإقرار، أما القول: فهو قول أبي بكر «وتكون قتلاكم في النار» ووافقه عمر وتتابع القوم على قول عمر كما في حديث طارق بن شهاب، وأما الفعل: فهو أن الصحابة قاتلوهم جميعًا على صفة واحدة وهي صفة قتال أهل الردة -كما سبق بيانه في أكثر من موضع- ولم يفرقوا بين تابع ومتبوع، وأما الإقرار: فهو أنه لا يعرف مخالف أو منكر من الصحابة فيما ذكرناه، والخلاصة: أن إجماع الصحابة في هذه المسألة من أقوى الإجماعات صحة وثبوتًا»١٥٠الجامع في طلب العلم الشريف: (2/558)..
في كثير من الأحيان يكتسب الإجماع قوة دلالته وقطعيته من واقع المسألة التي انعقد حولها بأن يكون على مسألة من المسائل المعلومة من الدين بالضرورة، بحيث يكفر كل من خالف في ذلك الحكم المجمع عليه، وفي مثل هذه الحالة يُتساهل كثيرًا في عدم اعتبار توفر كل الشروط التي يحكم معها على الإجماع بأنه قطعي، وذلك لأنه استعاض عنها بقوة المسألة المجمع عليها، ولهذا تجد صورة معينة للإجماع عندما تتنزل على واقعة معينة ومسألة محددة يكون إجماعًا قطعيًا يكفر مخالفه، بينما لو أخذت عين الصورة ونفس الهيئة وأسقطتها على مسألة أخرى مغايرة للأولى لكان الإجماع ظنيًا تقدم عليه النصوص الأقوى ثبوتًا ودلالة، ومثل هذا يبين أن قوة الإجماع وقطعيته نابعة وصادرة من أصل المسألة التي انعقد الإجماع عليها، وليس مرجعه ومرده إلى مجرد صورة وهيئة الإجماع، مما يعطي تلك المسألة خصوصية تنفرد بها عن غيرها وتتميز بها عن سواها.
وفي مثل هذا النوع يقول الجصاص الحنفي: «وإجماع آخر: وهو ما تشترك فيه الخاصة والعامة؛ كإجماعهم على تحريم الزنى والربا ووجوب الاغتسال من الجنابة والصلوات الخمس ونحوها، فهذه أمور علم اتفاق المسلمين عليها وإن لم يحك عن كل واحد منهم بعينه اعتقاده والتدين به»١٥١أحكام القرآن: (1/ 264)..
وفيها يقول الشافعي أيضًا: «لست أقول ولا أحد من أهل العلم: هذا مجتمع عليه إلا لما لا تلقى عالِمًا أبدًا إلا قاله لك، وحكاه عمن قبله، كالظهر أربع، وكتحريم الخمر، وما أشبه هذا»١٥٢الرسالة: (534)..
[البحر: الرجز]
[البحر: الرجز]
وجَعْلُ مَنْ سَكَتْ مِثْلَ مَنْ | أَقَرْ فِيهِ خِلَافٌ بَيْنَهُمْ قَدِ اشْتَهَرْ | |
فَالِاحْتِجَاجُ بِالسُّكُوتِيِّ نَمَا | تَفْرِيعَهُ عَلَيْهِ مَنْ تَقَدَّمَا |
قال الشيخ الشنقيطي رحمه الله موضحًا معنى البيتين: «يعني أن العلماء اختلفوا في السكوت هل هو رضا وإقرار أم لا؟ ويجري على الخلاف في ذلك الاحتجاج بالإجماع السكوتي، وهو أن يقول بعض المجتهدين حكمًا ويسكت جميع الباقي منهم ولم ينكروا عليه، فعلى أن السكوت رضا وإقرار، فالسكوتي إجماع لدلالة السكوت على موافقة الساكتين، وعلى أن السكوت ليس برضا ولا إقرار، فالسكوتي ليس بإجماع..»١٥٣نثر الورود: (2/ 438)..
هذا وقد ذكرنا من قبل أن الصحيح أن الإجماع السكوتي حجة ظنية.
[البحر: الرجز]
[البحر: الرجز]
وَهْوَ بِفَقْدِ السُخْطِ والضِّد حَرِي | مَعَ مُضيِّ مُهْلةٍ للنَّظِر١٥٤[مراقي السعود (1/404)، البيت (626)]. |
هذا، ولماَّ علمنا علـمًا يقينيًا لا يداخله ارتياب، أنه لا يوجد أحد من المسلمين عامّهم وخاصّهم يتردد أو يتوقف في تكفير من ادعى النبوة أو اتبعه وصدقه في دعواه، وأن من خالف في هذا الحكم كفر، ظهر بذلك أن المسألة مما هي معلومة من الدين بالضرورة، ولا يتصور فيها الخلاف أصلًا فضلًا عن وجوده، لذلك لم يؤثر فيها كون صورة إجماع الصحابة -حسب ما يقتضيه كلام الشيخ عبد القادر- تطابق الإجماع السكوتي، وهذا يعطي المسألة -حكم المتنبئين وأتباعهم- خاصيةً تنفرد بها عن غيرها، وتلك الخصوصية أن ختم الرسالة بنبينا محمد ﷺ وأنه أرسل إلى الناس كافة، مما هو معلوم من الدين بالضرورة، وهو أصل من أصول الإسلام العظيمة، اتفق عليه كل أهل القبلة، ولم يشذ منهم أحد، فالمخالفة أو التردد في هذا الأمر يعني الخروج عن الإسلام.
وما كان كذلك فلا يتصور أن يختلف فيه الصحابة ولا غيرهم أبدًا، وإذ ذلك كذلك؛ فلو كان تعميم الشيخ عبد القادر للحكم الذي نسبه للصحابة صحيحًا، لكان الصواب أن يجعله قطعيًا في المتنبئين وأتباعهم، ظنيًا في الحكام المرتدين وأنصارهم، إذ إن صورة الإجماع الذي أثبت به الحكم هي صورة الإجماع السكوتي، وإذا أراد أن يجعله قطعيًا في حق الحكام المرتدين وأنصارهم؛ فعليه أن يثبت وجود الخاصية التي صيَّرته قطعيًا في حق المتنبئين وأتباعهم، وهي كون هذا الأمر مما هو معلوم من الدين بالضرورة، ولا يخفى ما في هذا من البعد، فمما لا شك فيه أن هذه المسألة -حكم أنصار الطواغيت- من المسائل الجزئية الفرعية الاجتهادية، وإلا فما احتاج الشيخ عبد القادر إلى كل هذا التطويل والإسهاب من أجل أن يثبت حكمًا مقطوعًا به، ولأغنته الإشارة كغيره من الأمور المعلومة علـمًا قطعيًا مما يستوي فيه الخاصة والعامة.
وقد قال شيخ الإسلام رحمه الله بعدما ذكر إجماع الصحابة في إحدى المسائل الجزئية: «وأما إجماع الصحابة، فلأن ذلك نقل عنهم في قضايا متعددة ينتشر مثلها ويستفيض، ولم ينكرها أحد منهم، فصارت إجماعًا واعلم أنه لا يمكن ادعاء إجماع الصحابة على مسألة فرعية بأبلغ من هذا الطريق»١٥٥الصارم المسلول: (200)..
ومن المعلوم أن شيخ الإسلام رحمه الله يقسم الإجماع إلى قطعي وظني، والظني عنده هو الإقراري أو الاستقرائي؛ «بأن يستقرئ أقوال العلماء فلا يجد في ذلك خلافًا، أو يشتهر القول في القرآن ولا يعلم أحدًا أنكره، فهذا الإجماع وإن جاز الاحتجاج به فلا يجوز أن تدفع النصوص الإسلام رحمه الله في تكفير مخالف الإجماع إنما يقصد به ما هو معلوم من الدين بالضرورة وليس كل المعلومة به، لأن هذا حجة ظنية لا يجزم الإنسان بصحتها، فإنه لا يجزم بانتفاء المخالف».
وكلام شيخ الإسلام إجماع، قال رحمه الله: «والتحقيق: أن الإجماع المعلوم يكفر مخالفه كما يكفر مخالف النص بتركه، لكن هذا لا يكون إلا فيما علم ثبوت النص به، وأما العلم بثبوت الإجماع في مسألة لا نص فيها فهذا لا يقع، وأما غير المعلوم فيمتنع تكفيره»١٥٦مجموع الفتاوى: (19/ 270)..
وعلى هذا ينبغي أن يحمل كلامه الذي ذكره في مواضع أخر من كتبه حول تكفير مخالف الإجماع حتى تتسق عباراته، وينسجم مذهبه، ولا ينسب إليه شيء لم يعتقده أو يذهب إليه، وقد قال شيخ الإسلام نفسه: «وأخذ مذاهب الفقهاء من الإطلاقات؛ من غير مراجعة لما فسروا به كلامهم وما تقتضيه أصولهم يجر إلى مذاهب قبيحة»١٥٧الصارم المسلول: (280)..
وهذا كله على التسليم بصحة تعميم حكم الإجماع الذي نسبه الشيخ عبد القادر للصحابة، ليشمل أنصار الحكام المرتدين المعاصرين، فكيف وأن هذا التعميم لا يصح ولا يتوجه كما أوضحنا ذلك مرارًا، لما بين الواقعتين من الأمور الفارقة التي لا تساعد على توحيد الحكم فيهما، ولا التسوية بينهما؟!
وإذا كان كثير من العلماء نازعوا في صحة دعوى الإجماع ما لم يكن في أمر معلوم من الدين بالضرورة، ولم يقل أحد بكفرهم ولا ادعى ضلالهم وزيغهم، بل هم أئمة كبار، وجهابذة أخيار، يقتدي الناس بعلمهم، ويهتدون بهديهم، فكيف يُدَّعى تكفير من خالف في حكمٍ لو صحت دعوى الإجماع فيه فإنها لا تبلغ بحال درجة ما هو معلوم من الدين بالضرورة، بل ولا تدانيها؟
وإذا كان من خالف في أصل الدليل لم يكفر، فكيف يكفر من خالف في مدلوله؟ وممن قال: بأنه لا إجماع إلا فيما هو معلوم من الدين بالضرورة أو الأمور التي يقطع فيها بوجوده، ويتيقن من أن جميع الصحابة قالوا به واعتقدوا صحته، الإمام أبو محمد ابن حزم رحمه الله حيث يقول: «والإجماع: هو ما تيقن أن جميع أصحاب رسول الله ﷺ عرفوه وقالوا به، ولم يختلف منهم أحد، كتيقننا أنهم كلهم رضي الله عنهم صلوا معه عليه السلام الصلوات الخمس، كما هي في عدد ركوعها وسجودها، أو علموا أنه صلاها مع الناس كذلك، وأنهم كلهم صاموا معه، أو علموا أنه صام مع الناس رمضان في الحضر، وكذلك سائر الشرائع التي تيقنت مثل هذا اليقين والتي من لم يقر بها لم يكن من المؤمنين، وهذا ما لا يختلف أحد في أنه إجماع وهم كانوا حينئذٍ جميع المؤمنين لا مؤمن في الأرض غيرهم، ومن ادعى أن غير هذا هو إجماع كلف البرهان على ما يدعي ولا سبيل إليه»١٥٨المحلى: (1/54)..
وقال أيضًا: «مسألة: وما صح فيه الخلاف من واحد منهم أو لم يتيقن أن كل واحد منهم رضي الله عنهم عرفه ودان به؛ فليس إجماعًا، لأن من ادعى الإجماع هاهنا فقد كذب، وقفا ما لا علم له به»١٥٩المحلى: (1/54)..
وقد أطال في تقرير مذهبه والرد على مخالفيه في كتابه الإحكام، فمن ذلك قوله رحمه الله: «إن الإجماع الذي هو الإجماع المتيقن ولا إجماع غيره لا يصح تفسيره ولا ادعاؤه بالدعوى، لكن ينقسم قسمين: أحدهما كل ما لا يشك فيه أحد من أهل الإسلام، في أن من لم يقل به فليس مسلما كشهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وكوجوب الصلوات الخمس، وكصوم شهر رمضان، وكتحريم الميتة والدم والخنزير، والإقرار بالقرآن، وجملة الزكاة، فهذه أمور من بلغته فلم يقر بها فليس مسلما، فإذ ذلك كذلك، فكل من قال بها فهو مسلم، فقد صح أنها إجماع من جميع أهل الإسلام. القسم الثاني: شيء شهده جميع الصحابة رضي الله عنهم من فعل رسول الله ﷺ، أو تيقن أنه عرفه كل من غاب عنه عليه السلام منهم، كفعله في خيبر إذ أعطاها يهود بنصف ما يخرج منها من زرع أو تمر، يخرجهم المسلمون إذا شاؤوا، فهذا لا شك عند كل أحد في أنه لم يبق مسلم في المدينة إلا شهد الأمر أو وصل إليه، يقع ذلك للجماعة من النساء والصبيان الضعفاء، ولم يبق بمكة والبلاد النائية مسلم إلا عرفه وسر به... فهذان قسمان للإجماع ولا سبيل إلى أن يكون الإجماع خارجًا عنهما، ولا أن يعرف إجماع بغير نقل صحيح إليهما، ولا يمكن أحدًا إنكارهما وما عداهما فدعوى كاذبة»١٦٠الإحكام: (4/149-150)..
وقال العلامة أحمد شاكر رحمه الله معلقًا على كلام لابن حزم مشابه لما ذكرناه هنا: «هذا الذي ذهب إليه المؤلف هو الحق في معنى الإجماع والاحتجاج به، وهو بعينه المعلوم من الدين بالضرورة، أما الإجماع الذي يدعيه الأصوليون فلا يتصور وقوعه ولا يكون أبدًا وما هو إلا خيال. وكثيرًا ما ترى الفقهاء إذا حزبهم الأمر وأعوزتهم الحجة ادعوا الإجماع، ونبزوا مخالفه بالكفر، وحاش لله، إنما الإجماع الذي يكفر مخالفه هو المتواتر المعلوم من الدين بالضرورة... ثم نقل عن العلامة ابن الوزير قوله في الإجماع: اعلم أن الإجماع نوعان: أحدهما تعلم صحته بالضرورة من الدين بحيث يكفر مخالفه، فهذا إجماع صحيح، ولكنه يستغنى عنه بالعلم الضروري من الدين، وثانيهما ما نزل عن هذه المرتبة ولا يكون إلا ظنيًا لأنه ليس بعد التواتر إلا الظن، وليس بينهما في النقل مرتبة قطعية بالإجماع. وهذا هو حجة من يمنع العلم بحصول الإجماعات بعد انتشار الإسلام»١٦١حاشية الإحكام: (4/142، 144)..
وما ذكرناه هو ظاهر كلام الشافعي وقد نقلناه سابقًا، وقال العلامة أحمد شاكر معلقًا على كلام الشافعي: «يعني أن الإجماع لا يكون إجماعًا إلا في الأمر المعلوم من الدين بالضرورة، كما أوضحنا ذلك وأقمنا الحجة عليه مرارًا في كثير من حواشينا على الكتب المختلفة»١٦٢الرسالة «حاشية»: (534).، ونظير هذا ما قاله الشافعي في «الأم»: «لم يدع الإجماع فيما سوى جمل الفرائض التي كلفتها العامة أحد من أصحاب رسول الله ﷺ، ولا التابعين ولا القرن الذين من بعدهم، ولا القرن الذين يلونهم، ولا عالم علمته على ظهر الأرض، ولا أحد نسبته العامة إلى علم إلا حديثًا من الزمان فإن قائلًا قال فيه بمعنى لم أعلم أحدًا من أهل العلم عرفه وقد حفظت عن عدد منهم إبطاله»١٦٣الأم: (1/153)..
[البحر: الرجز]
[البحر: الرجز]
وَلَا يُكَفَّرُ الَّذِي قَدْ اتَّبَعْ | إِنْكَارَ الاِجْمَاعِ وَبِئْسَ مَا ابْتَدَعْ | |
وَالْكَافِرُ الْجَاحِدُ مَا قَدْ | أُجْمِعَا عَلَيْهِ مما علمه قد وقع | |
عَنِ الضَّرُورِيِّ مِنَ الدِّينِيِّ | وَمِثْلُهُ الْمَشْهُورُ فِي الْقَوِيِّ | |
إِنْ كَانَ مَنْصُوصًا... |
وراجع ما ذكره الشيخ الشنقيطي في هذا الموضع١٦٤[نثر الورود (2/101)]..
❖ ❖ ❖