أما الأدلة على وجوب قتال هذا النظام المرتد، فهي كثيرة، منها:

الأول: إجماع العلماء على أن بلاد المسلمين متى دهمها العدو وجب على أهلها قتالهم..

فإن عجزوا؛ اتسعت دائرة الوجوب لتشمل من يجاورهم، وهكذا، حتى يتم طردهم وتطهير الأرض من رجسهم، أو يتعين الجهاد على المسلمين جميعًا.

وكل من أعان هؤلاء المحتلين وظاهرهم على المسلمين؛ فحكمه حكمهم في وجوب القتال، بل قتاله أوكد وأولى، لا سيما في مثل حال أفغانستان، حيث لا بقاء للنصارى من الأمريكان وأتباعهم من الدول الأخرى إلا بمساندة المرتدين الأفغان من قوات الجيش والشرطة والاستخبارات الذين يحمونهم ويدافعون عنهم ويمهدون الطرق لهم ويدلونهم على مواطن وطرق المجاهدين، وقد قال الله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ ٱلۡكُفَّارِ وَلۡيَجِدُواْ فِيكُمۡ غِلۡظَةٗۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: 123].

ص 2811

والأمر الذي لا مراء فيه؛ أن أفغانستان اليوم هي أرض مغتصبة تحت سلطان الصليبيين وقوتهم، فحكمهم فيها هو النافذ وجيشهم هو الغالب وسياساتهم هي الجارية وإرادتهم هي السارية، وعرى الإسلام في ظل حكمهم تنتقض يومًا بعد يومًا، وأصحاب الحق القائمون عليه والداعون إليه؛ مطاردون مشردون محاربون، قد امتلأت بهم سجون الكفرة، ومزقتهم سياط جلاديهم، وهذه الحقيقة لا يمكن لمن يحترم عقله ونفسه أن ينكرها إلا بمكابرة سافرة.

فهل لقائل -بعد هذا كله- أن يقول: إن على المسلمين أن يضعوا أسلحتهم ويكفوا أيديهم ويستسلموا لعدوهم تحت أية دعوى كانت؟! وهل يمكن كف شر هؤلاء المعتدين الغاصبين بالمفاوضات والمعارضات السياسية والدعوات السلمية، من غير جهاد مسلح يكسر شوكتهم ويُذهب قوتهم، وهذا النوع من الجهاد هو الذي يسميه الفقهاء بـ «جهاد الدفع»، وهو أشد أنواعه، إذ يكون متعينًا باتفاق الفقهاء.

قال العلامة ابن عابدين الحنفي رحمه الله: «ونقل صاحب النهاية عن الذخيرة؛ أن الجهاد إذا جاء النفير إنما يصير فرض عين على من يقرب من العدو، فأما مَن وراءهم ببعد من العدو؛ فهو فرض كفاية عليهم حتى يسعهم تركه إذا لم يحتج إليهم، فإن احتيج إليهم بأن عجز من كان يقرب من العدو عن المقاومة مع العدو، أو لم يعجزوا عنها لكنهم تكاسلوا ولم يجاهدوا، فإنه يفترض على من يليهم فرض عين، كالصلاة والصوم، لا يسعهم تركه، ثم، وثم، إلى أن يفترض على جميع أهل الإسلام شرقًا وغربًا على هذا التدريج»٣٬٤٩٠الدر المختار: (4/124)..

وهذه الحالة تسمى بـ«النفير العام»، ودليلها قول الله تعالى: ﴿ٱنفِرُواْ خِفَافٗا وَثِقَالٗا وَجَٰهِدُواْ بِأَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ﴾ [التوبة: 41].

وقول النبي ﷺ: (لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا)٣٬٤٩١متفق عليه [البخاري: (١٨٣٤)، ومسلم: (١٣٥٣)]، عن ابن عباس..

ص 2812

وقال الإمام أبو بكر الجصاص الحنفي رحمه الله: «ومعلوم في اعتقاد جميع المسلمين؛ أنه إذا خاف أهل الثغور من العدو ولم تكن فيهم مقاومة لهم، فخافوا على بلادهم وأنفسهم وذراريهم، أن الفرض على كافة الأمة أن ينفر إليهم من يكف عاديتهم عن المسلمين، وهذا لا خلاف فيه بين الأمة، إذ ليس من قول أحد من المسلمين إباحة القعود عنهم حتى يستبيحوا دماء المسلمين وسبي ذراريهم»٣٬٤٩٢أحكام القرآن: (4/312)..

وقال إمام الحرمين الجويني الشافعي: «فأما إذا وطئ الكفار ديار الإسلام؛ فقد اتفق حملة الشريعة قاطبة على أنه يتعين على المسلمين أن يَخِفُّوا ويطيروا إلى مدافعتهم، زرافات ووحدانًا، حتى انتهوا إلى أن العبيد؛ ينسلّون عن ربقة طاعة السادة، ويبادرون الجهاد على الاستبداد»٣٬٤٩٣غياث الأمم: (ص258 – 259)..

وقال شيخ الإسلام أبو العباس الحنبلي رحمه الله: «فأما إذا أراد العدو الهجوم على المسلمين؛ فإنه يصير دفعه واجبًا على المقصودين كلهم، وعلى غير المقصودين لإعانتهم، كما قال تعالى: ﴿وَإِنِ ٱسۡتَنصَرُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ فَعَلَيۡكُمُ ٱلنَّصۡرُ﴾ [الأنفال: 72]، وكما أمر النبي ﷺ بنصر المسلم، وسواء أكان الرجل من المرتزقة للقتال أو لم يكن، وهذا يجب بحسب الإمكان على كل أحد بنفسه وماله، مع القلة والكثرة، والمشي والركوب، كما كان المسلمون لـمّا قصدهم العدو عام الخندق لم يأذن الله في تركه أحدًا كما أذن في ترك الجهاد ابتداءً لطلب العدو، والذي قسمهم فيه إلى قاعد وخارج، بل ذم الذين يستأذنون النبي، يقولون؛ إن بيوتنا عورة، فهذا دفع عن الدين والحرمة والأنفس، وهو قتال اضطرار»٣٬٤٩٤السياسة الشرعية: (ص136 – 137)..

ص 2813

وقال أيضًا: «وأما قتال الدفع؛ فهو أشد أنواع دفع الصائل عن الحرمة والدين فواجب إجماعًا، فالعدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا لا شيء أوجب -بعد الإيمان- من دفعه، فلا يشترط له شرط بل يُدفع بحسب الإمكان، وقد نص على ذلك العلماء من أصحابنا وغيرهم، فيجب التفريق بين دفع الصائل الظالم الكافر، وبين طلبه في بلاده»٣٬٤٩٥الفتاوى الكبرى: (1/236)..

الثاني: إجماع العلماء على أن الحاكم متى طرأ عليه الكفر وجب خلعه وتنصيب إمام مسلم مكانه، ويجب القتال، إذا لم يتم ذلك إلا به.

ولا شك أن إمارة أفغانستان الإسلامية كانت تحكم بالشرع الإسلامي، ويقوم عليها إمامٌ مسلمٌ، مبايَعٌ من جملة أهل الحل والعقد فيها، وبعد سقوطها في أيدي النصارى المحتلين؛ تم تنصيب عميل لهم، يسوس البلاد بشرائع الشيطان وسياسات الطواغيت، ويحكم العباد بقوانين البشر، ويُلزمهم بها ويوجبها عليهم، ويعلن صراحة أن نظامه هو النظام الديمقراطي الغربي، وبُعدُ ما بين الإسلام والديمقراطية كبعد المشرقين.

فيجب على المسلمين في أفغانستان؛ خلع هذا الحاكم المرتد وإزالة نظامه الكافر، وقتال أعوانه وأنصاره المرتدين الذين يُقيمون نظامه ويحمون قوانينه ويدافعون عن سادتهم وقادتهم وأوليائهم النصارى، حتى ترجع دولة الإسلام ويُنصب إمامٌ للمسلمين يحكمهم بكتاب الله وسنة نبيه ﷺ، وذلك لقول الله تعالى: ﴿وَلَن يَجۡعَلَ ٱللَّهُ لِلۡكَٰفِرِينَ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: 141].

وقد استدل الفقهاء بهذه الآية على أحكام فقهية كثيرة، تنهى عن ولاية الكافر على المسلم في صغير الأمور وكبيرها، فكيف إذا كان ذلك في أعظم الولايات والتي بصلاحها صلاح الخلق وبفسادها فسادهم.

ص 2814

ومن الأدلة كذلك؛ الحديث المتفق عليه عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: (دعانا رسول الله فبايعناه، فكان فيما أخذ علينا؛ أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأَثرة علينا، وألا ننازع الأمر أهله، قال: إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان، وعلى أن نقول بالحق أينما كنا، لا نخاف في الله لومة لائم)٣٬٤٩٦[رواه البخاري: (٧٠٥٥)، ومسلم: (١٧٠٩)].؛ فالحديث نصٌّ صريح؛ على أن الحاكم متى ظهر منه كفر بواح ثبت بالكتاب أو السنة أو الإجماع، فإنه يُنازع في أمره ويخلع من منصبه ويُقام عليه.

ولا فرق بين حاكم كافر كفرًا أصليًا تغلّب على بلاد المسلمين وقهر أهلها، وبين حاكم ارتد عن الإسلام، بأي ناقض من نواقضه، فإن الجميع يصح فيه قول النبي ﷺ أننا رأينا في حقه «كفرًا بواحًا» عندنا من الله فيه برهان، وهو أمر -كما ذكرنا- متفق عليه بين العلماء قاطبة. فمن يمنع من قتال هذا الحاكم المرتد بأية حجة كانت؛ فإنه بذلك يخالف إجماع العلماء في هذا الحكم، ولازم قوله -بل صريحه- هو الدعوة إلى استمرار ولاية الكافر على المسلمين.

قال الإمام ابن حجر رحمه الله: «وملخصه: أنه ينعزل بالكفر إجماعا، فيجب على كل مسلم القيام في ذلك، فمن قوي على ذلك فله الثواب، ومن داهن فعليه الإثم، ومن عجز وجبت عليه الهجرة من تلك الأرض»٣٬٤٩٧فتح الباري: (13/123)..

وقال الإمام النووي رحمه الله: «قال القاضي عياض: أجمع العلماء على أن الإمامة لا تنعقد لكافر، وعلى أنه لو طرأ عليه الكفر انعزل، وقال: وكذا لو ترك إقامة الصلاة والدعاء إليها»٣٬٤٩٨شرح النووي لمسلم: (12/229)..

ولا يحل لمسلم -كائنًا من كان- أن يكون عضُدًا وعونًا لهذا النظام المرتد، فإن ذلك يعد من أعظم الإعانة على المنكر، وأكبر سُبُل نشره بين الناس.

ص 2815

فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ: (ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب، يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره، ثم إنها تَخلُف من بعدهم خلوف، يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، ليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل)٣٬٤٩٩رواه مسلم [٥٠].، والحواري؛ هو الناصر للرجل، والمختص به، والمعين.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: (ليأتين عليكم أمراء يقربون شرار الناس ويؤخرون الصلاة عن مواقيتها، فمن أدرك ذلك منكم؛ فلا يكونن عريفا ولا شرطيا ولا جابيا ولا خازنا)٣٬٥٠٠رواه ابن حبان في صحيحه [٤٨٦٢].، وإذا كان هذا في حق الأمراء المسلمين الظلمة، فكيف بمن يكون عريفًا أو شرطيًا أو جابيًا أو خازنًا للكفار من المرتدين واليهود والنصارى؟! -والعريف هو الأمير أو المسؤول على الجماعة أو الناحية والذي يعرف الحاكم بأحوالهم-.

الثالث: ظهور أتباع وأنصار هذا النظام المرتد على هيئة طائفة ممتنعة بالقوة عن إقامة أكثر شرائع الإسلام الظاهرة..

بل زادت على ذلك بحمايتها ودفاعها عن الكفر الصراح وأهله، ومحاربة من أراد تغييره أو إزالته باللسان والسنان.

وقد اتفق العلماء جميعًا؛ على أن الطائفة الممتنعة عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة، فإنه يجب قتالها حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله.

والدليل على ذلك؛ اتفاق الصحابة رضوان الله عليهم على قتال مانعي الزكاة، مع أنهم كانوا يصلون ويصومون ويُقرون بنبوة محمد ﷺ، وإنما منعوا أداء الزكاة لأبي بكر رضي الله عنه، فقاتلهم الصحابة جميعًا، حتى أذعنوا للحق وأدوا فريضة الله.

ص 2816

فحال أولئك كان خيرًا مما هو عليه أتباع «كرزاي» وأمثالهم، ممن أبطلوا وعطَّلوا شريعة الله كاملة، وحكَّموا شرائع الكفر في البلاد والعباد، ومكَّنوا لليهود والنصارى وسائر نحل الكفر، ومهَّدوا لهم السبل ليُجروا على الخلق ما شاؤوا من قوانينهم، وملأوا السجون بالمؤمنين الصادقين، فهم مع الكفرة قلبًا وقالبًا ظاهرًا وباطنًا، وضد المجاهدين بأسلحتهم وقوانينهم وإعلامهم واقتصادهم، فهم لم يمتنعوا عن شريعة واحدة من شَرائع الإسلام الظاهرة المتواترة، بل عن أكثر شرائع الإسلام المحكمة، وزادوا على ذلك ابتداء القتال لمن عارضهم أو حارب النصارى المحتلين، فمثل هؤلاء لا يشك في وجوب قتالهم إلا من طمس الله على بصيرته أو اتبع هواه ورضي بالدنية.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (لما توفي رسول الله ، وكان أبو بكر رضي الله عنه، وكفر من كفر من العرب، فقال عمر رضي الله عنه: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه، إلا بحقه، وحسابه على الله؟! فقال: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقًا كانوا يؤدونها إلى رسول الله لقاتلتهم على منعها، قال عمر رضي الله عنه: فوالله ما هو إلا أن قد شرح الله صدر أبي بكر رضي الله عنه، فعرفت أنه الحق)٣٬٥٠١متفق عليه [البخاري: (١٣٩٩)، ومسلم: (٢٠)]..

قال شيخ الإسلام أبو العباس رحمه الله: «كل طائفة ممتنعة عن التزام شرائع الإسلام الظاهرة من هؤلاء القوم -أي التتار- أو غيرهم؛ فإنه يجب قتالهم حتى يلتزموا شرائعه، وإن كانوا مع ذلك ناطقين بالشهادتين وملتزمين ببعض شرائعه، كما قاتل أبو بكر والصحابة رضي الله عنهم مانعي الزكاة، وعلى هذا اتفق الفقهاء بعدهم»٣٬٥٠٢مجموع الفتاوى: (28/502)..

ص 2817

فهؤلاء المرتدون قد امتنعوا، بل منعوا الناس، عن القيام بسائر أحكام الإسلام الظاهرة المتواترة، كإقامة الحدود على أصحابها، كحد الزنى وحد الخمر وقطع الطريق، بل زادوا على ذلك الترويج لها والتسهيل لِمن أرادها، بل ومحاربة من حاول إنكارها بلسانه فضلًا عن يده.

فكيف يقال -بعد هذا كله-: إنه ينبغي الكف عن هؤلاء المجرمين، بمجرد أنهم ينطقون بالشهادتين أو أنهم يصلون أو يدعون أنهم مسلمون؟! وما هذا الإسلام الذين ينتسبون إليه وهو يبيح الزنا والفجور والخمور ويأمر بالمنكر وينهى عن المعروف ويحارب أولياء الله ويعظم ويوقِّر أعداءه، وينشر مبادئ الكفر ويربي أبناء المسلمين عليه، ويجعل قدوتهم هم الكفرة المغضوب عليهم من اليهود والنصارى؟!

الرابع: وجوب القتال لأجل فك أسرى المسلمين، سواء في سجون المرتدين الأفغان أو سجون أوليائهم النصارى:

فقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمۡ لَا تُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلۡمُسۡتَضۡعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلۡوِلۡدَٰنِ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخۡرِجۡنَا مِنۡ هَٰذِهِ ٱلۡقَرۡيَةِ ٱلظَّالِمِ أَهۡلُهَا وَٱجۡعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيّٗا وَٱجۡعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا﴾ [النساء: 75].

قال الإمام ابن العربي رحمه الله: «قال علماؤنا: أوجب الله سبحانه في هذه الآية القتال لاستنقاذ الأسرى من يد العدو، مع ما في القتال من تلف النفوس، وكان بذل المال في فدائهم أوجب، لكونه دون النفس وأهون منها، وقد روى الأئمة أن النبي ﷺ قال: (أطعموا الجائع، وعودوا المريض، وفكوا العاني)، وقد قال مالك: على الناس أن يفدوا الأسارى بجميع أموالهم، ولذلك قال: عليهم أن يواسوهم، فإن المواساة دون المفاداة»٣٬٥٠٣أحكام القرآن لابن العربي: (1/582)، [والحديث رواه البخاري: (٥٣٧٣)]..

بل قد انعقد الإجماع على وجوب فكاك الأسير.

ص 2818

كما قال الإمام القرطبي رحمه الله في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِن يَأۡتُوكُمۡ أُسَٰرَىٰ تُفَٰدُوهُمۡ﴾ [البقرة: 85]: «قال علماؤنا: فداء الأُسارى واجب وإن لم يبق درهم واحد، قال ابن خويز منداد: «تضمنت الآية وجوب فك الأسرى، وبذلك وردت الآثار عن النبي ﷺ؛ أنه فك الأسارى وأمر بفكهم، وجرى بذلك عمل المسلمين وانعقد به الإجماع»..»٣٬٥٠٤الجامع لأحكام القرآن: (2/22 – 23)..

فإذا كان الله قد أوجب الجهاد على المسلمين لأجل تخليص إخوانهم المستضعفين الذين هم في ديار الكفَّار ممن لم يقدروا على الهجرة لعجزهم وضعفهم، فكيف إذا كان هؤلاء المسلمون في سجون الكفار يذوقونهم سوء العذاب وينكلون بهم أشد التنكيل، لا لشيء إلا أن يقولوا ربنا الله؟! فكيف إذا كان هؤلاء الكفار قد هجموا على المسلمين في عقر دارهم وتخطفوهم من بيوتهم وبين أهليهم، وقعدوا لهم كل مرصد، وبثوا عيونهم وجواسيسهم لتتبعهم والقبض عليهم، ومن ثَم إدخالهم ظلمات سجونهم؟! وما من مسلم إلا وهو يعلم أن السجون في أفغانستان قد امتلأت بالمئات من عباد الله الصالحين، وبل ولم يسلم من ذلك حتى النساء، وما ذنبهن إلا كون أحد أقاربهن من المجاهدين أو المطلوبين لدى النصارى؟!

جاء في حاشية ابن عابدين رحمه الله: «وفي البزازية: مسلمة سُبيت بالمشرق، وجب على أهل المغرب تخليصها من الأسر، ما لم تدخل دار الحرب»٣٬٥٠٥حاشية ابن عابدين: (6/205)..

والذي يتولى كِبَر هذه الاعتقالات والمطاردات والسجن والتعذيب خارج السجون وداخلها؛ هم المرتدون الأفغان، بمساعدة أسيادهم النصارى، فالواجب على المسلمين جميعًا في أفغانستان، ومن يستطيع عونهم من غيرهم؛ أن يهبوا وينهضوا لفكاك هؤلاء الأسرى، استجابة لأمر الله وأمر رسوله ﷺ، وقتال من يمنع من ذلك، كائنًا من كان، وزاعمًا ما زعم.

ص 2819

فعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: (المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه، من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة)٣٬٥٠٦متفق عليه [البخاري: (٢٤٤٢)، ومسلم: (٢٥٨٠)]..

وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ: (فكوا العاني، وأطعموا الجائع، وعودوا المريض)٣٬٥٠٧رواه البخاري [٥٣٧٣]، والعاني؛ هو الأسير..

قال ابن بطال رحمه الله: «فكاك الأسير؛ واجب على الكفاية، وبه قال الجمهور»٣٬٥٠٨فتح الباري: (6/167)..

❖ ❖ ❖