الوقفة الأولى
أن كثرة قتل القادة والأمراء والخِيارِ من العلماء والصلحاء وغيرهم في الجهاد أمرٌ واقعٌ فيما مضى ومتوقّعٌ في كلِّ حينٍ وهو بمجرده لا يدلُ على انحرافِ الطريقِ التي يسلكونها، بل لو قيل بالعكس لما كان بعيدًا، فقوله ﷻ: ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيّٖ قَٰتَلَ مَعَهُۥ رِبِّيُّونَ كَثِيرٞ﴾ [آل عمران: 146]، ذكر فيه العلماء عدةَ معانٍ لا يخرج مجموعها عن الدلالة على كثرة وقوع القتل سواء في حق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أم في حق جيوشهم وأتباعهم، فإذا كان هذا في شأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وهم المؤيَّدون فَلأنْ يُتَوقع في غيرهم أولى وأحرى، فقوله ﷻ: ﴿وَكَأَيِّن﴾ [آل عمران: 146] يدل على أن هذا وقع كثيرًا متكرِّرًا، ولم يكن حادثةً نادرةً في موقعةٍ عابرة، أي كم من نبيٍّ قُتِلَ في المعركة أو في غيرها وقُتِلَ معه ربيِّون كثير فمن بقيَ منهم ثبت ولم يَهِن ولم يضعف واستمر على ما كان عليه إخوانه، أو كم من نبيٍّ قاتلَ بنفسه وقُتِلَ معه ربيون كثير، أو كم من نبيٍّ قُتِل وقاتل معه ربيون كثيرٌ فما أثر قتل النبي في أتباعه بحيث نكصوا على أعقابهم، فالمقصود أن الدلالة على كثرة حصول القتل بينهم بيِّنة في الآية.
قال الثعلبي النيسابوري رحمه الله: «ومن قرأ ﴿قُتِلَ﴾ فله ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون القتل واقعًا على النبي وحده؛ وحينئذٍ يكون تمام الكلام عند قراءة ﴿قُتِلَ﴾ فيكون في الآية إضمار معناه ومعه ﴿رِبِّيُّونَ كَثِيرٞ﴾ كما يقال: قتل الأمير معه جيش عظيم، أي ومعه، ويقول: خرجتُ معي تجارة، أي ومعي.
والوجه الثاني: أن يكون القتل نال النبي ومعه من الربيين، ويكون وجه الكلام: قتل بعض من كان معه، تقول العرب: قتلنا بني تميم وبني فلان، وإنما قتلوا بعضهم ويكون قوله: ﴿فَمَا وَهَنُواْ﴾ راجعًا إلى الباقين الذين لم يقتلوا.
والوجه الثالث: أن يكون القتل للربيين لا غير»١٬٧٢١الكشف والبيان: (3 / 181)..
وقال ابن الجوزي رحمه الله: «وفي معنى الربيين خمسة أقوال:
أحدها: أنهم الألوف، قاله ابن مسعود، وابن عباس في رواية، واختاره الفراء.
والثاني: الجماعات الكثيرة، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وعكرمة والضحاك، وقتادة، والسدي، والربيع، واختاره ابن قتيبة.
والثالث: أنهم الفقهاء والعلماء، رواه سعيد بن جبير، عن ابن عباس، وبه قال الحسن، واختاره اليزيدي، والزجاج.
والرابع: أنهم الأتباع، قاله ابن زيد.
والخامس: أنهم المتألهون العارفون بالله تعالى، قاله ابن فارس»١٬٧٢٢زاد المسير: (1 / 426)..
ولشيخ الإسلام رحمه الله كلامٌ طويل عن الآية يمكن مراجعته في مجموع الفتاوى: (1/58)، وما بعدها؛ بل قوله تعالى في الآية السابقة: ﴿أَفَإِيْن مَّاتَ أَوۡ قُتِلَ﴾ [آل عمران: 144] يشير إلى أن كلا الأمرين كان ممكنًا ومتوقّعًا في حق سيد الخلق ﷺ من موتٍ أو قتلٍ، كما قال شيخ الإسلام رحمه الله: «أي: ليس مخلدًا في الدنيا لا يموت ولا يقتل، بل يجوز عليه ما جاز على إخوانه المرسلين من الموت أو القتل»١٬٧٢٣مجموع الفتاوى: (18 /267)..
وقد جمع الله لنبيه ﷺ بين السعادة والشهادة إذ مات ﷺ بالسُّم الذي جعل له في الشاة يوم خيبر كما روى البخاري –تعليقًا- عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: «كان النبي ﷺ يقول في مرضه الذي مات فيه: (يا عائشة ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر فهذا أوان وجدت انقطاع أَبْهَري من ذلك السم)»١٬٧٢٤[صحيح البخاري: (٤٤٢٨)]..
وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «لأن أحلف بالله تسعًا: أن رسول الله ﷺ قتل قتلًا أحب إليَّ من أن أحلف واحدة، وذلك بأن الله ﷻ اتخذه نبيًا وجعله شهيدًا»١٬٧٢٥رواه أحمد [(٣٦١٧)، واللفظ له]، والحاكم [(٤٣٩٤)، وقال: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه»]، وغيرهما.، وقال الزهري رحمه الله: «مات رسول الله ﷺ شهيدًا»١٬٧٢٦[دلائل النبوة للبيهقي: (4/264)]..
قال بعض العلماء: «والأبهر بفتح الهمزة والهاء بينهما موحدة: عرق يتعلق به القلب فإذا انقطع مات صاحبها، والسر في ذلك أن ينضم له ﷺ مع النبوة درجة الشهادة»١٬٧٢٧شرح سنن ابن ماجه: (1 / 254)..
فإذا كان هذا في حق خير الخلق وأزكاهم وأحبهم إلى الله تعالى؛ فكيف بمن دونه من أتباعه؟ بل يُعَدُّ هذا زيادة في درجاتهم وعلوِّ منزلتهم كما قال شيخ الإسلام رحمه الله بعدما عدَّد شيئًا مما أكرم الله به الشهداء: «فإذا كان هذا قتلى المؤمنين فما الظن بقتلى الأنبياء ففيه لهم ولأتباعهم من سعادة الدنيا والآخرة ما هو من أعظم الفلاح»١٬٧٢٨الجواب الصحيح: (6 /415)..
ثم من المعلوم أن وقعة أحد حدثت في السنة الثالثة للهجرة؛ أي في أوائل تكوين الدولة الإسلامية فكانت إذ ذاك قليلة العدد، ومع ذلك قُتل فيها سبعون من الصحابة منهم سيد الشهداء وأسد الله ورسوله أحد قادة الإسلام حمزة بن عبد المطلب وغيره من الأخيار من المهاجرين والأنصار، وفقدان مثل هذا العدد في مثل هذه الحالة يُعدُّ كبيرًا جدًا، لا سيما وفيهم من الأبطال الذين كانت حاجة الإسلام إلى مثلهم أشد ما تكون بعدما نجم النفاق، وانتشى كَفرةُ المشركين بنصرهم الموهوم في هذه الغزوة، مع تربص اليهود بالمسلمين وتحينهم لاقتناص الفرص ضدهم، ولهذا كان وقع مقتلهم على النبي ﷺ وصحابته عظيمًا، ولم يزل رسول الله ﷺ يذكرهم ويتذكرهم ويدعو لهم إلى قُبيل موته.
ومع هذا كله فإن النبي ﷺ بادر في اليوم التالي للغزوة -والناس في مصابهم وجراحاتهم وقوة وقع الحدث عليهم- للخروج لملاحقة جيش أبي سفيان مُعلنًا بذلك أن جروح الأجساد ونقصان الأنفس وفقدان الأحبة وتراكم الهموم لا يوهن القلوب ولا يضعف العزائم ولا يُجلب الهزائم ولا يُزهِّدُ في الجهاد ولا يفت في الأعضاد أو يُبعِّد عن الجلاد، ومعلِّمًا أمته أن مسيرة الجهاد مستمرةٌ رغم الآلام كما سجَّل القرآن ذلك المشهد العظيم الذي تقف أقلام الأدباء عاجزةً عن توفيته حقَّه مهما بلغت من البراعة والبلاغة قال الله تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ ٱسۡتَجَابُواْ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ مِنۢ بَعۡدِمَآ أَصَابَهُمُ ٱلۡقَرۡحُۚ لِلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ مِنۡهُمۡ وَٱتَّقَوۡاْ أَجۡرٌ عَظِيمٌ ١٧٢ ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدۡ جَمَعُواْ لَكُمۡ فَٱخۡشَوۡهُمۡ فَزَادَهُمۡ إِيمَٰنٗا وَقَالُواْ حَسۡبُنَا ٱللَّهُ وَنِعۡمَ ٱلۡوَكِيلُ ١٧٣ فَٱنقَلَبُواْ بِنِعۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضۡلٖ لَّمۡ يَمۡسَسۡهُمۡ سُوٓءٞ وَٱتَّبَعُواْ رِضۡوَٰنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ ذُو فَضۡلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران: 172-174].
[البحر: الكامل]
[البحر: الكامل]
فَتَشَبَّهُوا إِنْ لَمْ تَكُونُوا مِثْلَهُمْ | إِنَّ التَّشَبُّهَ بِالكِرَامِ فَلَاحُ١٬٧٢٩[قاله: أبو الفتوح السهروردي. انظر: معجم الأدباء = إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب (6/ 2808)]. |
❖ ❖ ❖