كلمة للشيخ في إصدار: «شهداء العيد وعيد الشهداء»
[شوال 1427 هـ / 11 – 2006م]
۞
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، بلَّغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمَّة وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين.. ثم أما بعد..
فإنَّ الموطن -أيها الإخوة- ليس موطنَ كلام، فالعبارات تعجز عن أن تُسطر شيئًا مما سطره هؤلاء الرجال الأبطال الجبال بدمائهم، فأنَّى للكلمات أو العِبارات أن تؤدي ما في نفسي وما أجده في قلبي، وأنا أجلس بين جبلين عظيمين من جبال الإسلام الذين ما وجدوا شيئًا أغلى من نفوسهم ليقدموه فِداءً لدين الله ﷻ، إننا نجلس في هذه الجلسة مع من -أيها الإخوة-؟
نجلس مع شهداء، هذه الصفة وهذا الاسم العظيم الذي اختاره الله ﷻ لمن تكون نهايته كنهاية هؤلاء، فالله ﷻ هو الذي سمَّاهم شهداء، والله ﷻ هو الذي أخبرنا خبرًا يقينيًا لا ريب فيه أنهم أحياء، ولو تكلموا أمامنا والله لقالوا: إنا قد لقينا ربنا فرضي الله عنا ورضينا عنه.
فيا أيها الإخوة: لا شك أن قلوبنا مليئة بالحزن وبالأسى؛ فهؤلاء هم إخواننا وأحبابنا ورفقاؤنا، والواحد منا يتمنى أن يفديهم بدمه والله، وبفضل الله وبمنة الله ﷻ، لا يجمعنا معهم رابطة قومية مقيتة ولا وطنية خبيثة مُنتنة، إنما ربطنا بهم شيء واحد، هو الذي قدموا دماءهم من أجله، ما هو؟
«لا إله إلا الله محمد رسول الله».
فيا أيها الإخوة: هؤلاء أحياء كما أخبرنا الله ﷻ: ﴿وَلَا تَقُولُواْ لِمَن يُقۡتَلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمۡوَٰتُۢۚ﴾ [البقرة: 154]، والله ﷻ لم يرضَ لهؤلاء أن يُوصفوا بصفة الموت؛ بأن يقال لهم أموات، بل هم أحياء عند الله ﷻ يُرزقون، وفرحين بما آتاهم الله ﷻ من فضله.
عن مسروق رضي الله عنه قال: سألنا عبد الله بن مسعود عن هذه الآية: ﴿وَلَا تَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمۡوَٰتَۢاۚ﴾ [آل عمران: 169]، والحديث في صحيح مسلم، قال: إنا قد سألنا عنها رسول الله ﷺ فقال: (إن أرواحهم في أجواف طيرٍ خضرٍ تسرح من الجنة حيث شاءت، فاطلع عليهم ربهم اطلاعة؛ فقال: هل تشتهون شيئًا؟ قالوا: وأي شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا؟ فكرر الله ﷻ عليهم ذلك ثلاثًا، فلما رأوا أنهم لن يُتركوا من أن يسألوا أو من أن يُسألوا قالوا -ماذا تمنوا؟ ما الذي تمنوه أيها الإخوة؟- قالوا: يا رب نتمنى أن تردنا إلى الدنيا فنُقتل فيك مرة أخرى، فلما رأى أن لا حاجة لهم تُرِكوا)٣٬٠٤١[سبق بألفاظ قريبة: (ص 1099)]..
هؤلاء تركوا ديارهم، وتركوا أوطانهم، وتركوا أهليهم، وتركوا آباءهم، وأُمهاتهم وإخوانهم وجاؤوا إلى هذه الأرض البعيدة النائية ما الذي يريدونه من مجيئهم؟! هل جاؤوا يركضون وراء دنيا فانية، كما يركض وراءها الآلاف من الناس من المسلمين وغيرهم؟ هل جاؤوا يطلبون شهرة أو سمعة أو جاهًا؟ هل جاؤوا ليُفسِدوا في الأرض كما يصفهم المجرمون؟
أيها الإخوة: إنما جاؤوا لأمرٍ واحد، جاؤوا لأجل هذا الأمر الذي نراه أمامنا، من أجل أن يُقتلوا في سبيل الله، ولِئَن تحيا عقيدتهم ويحيا دينهم وتحيا شريعة ربهم بهذه الدماء التي تفوح الآن، بهذا المسك الذي يشمه كل هؤلاء الإخوة، هذه الدماء أخبرنا النبي ﷺ فقال بأنها: (ستأتي يوم القيامة وهي تفوح بالمسك)٣٬٠٤٢[صحيح البخاري (2649) وسيذكره الشيخ كاملًا بعد أسطر].؛ فها نحن نشمها في الدنيا: آية من آيات الله ﷻ، وكرامة لهؤلاء وتثبيتًا لمن وراءهم مِن المجاهدين؛ حتى يعلم الجميع أن هؤلاء الذين يُوصفون بأنهم مُتطرفون! متشددون! مُفسدون! متهورون! هؤلاء هم أطهر الناس، وأزكى الناس، وأصدق الناس، وأحب الناس إلى الله ﷻ، نحسبهم كذلك ولا نزكيهم على الله ﷻ.
قال النبي ﷺ: (ما من مكلومٍ -يعني ما من مجروح- ما من مكلومٍ يُكلم في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة وجرحه يثعب دمًا -يعني ينزف دمًا- اللون لون الدم والريح ريح المسك)، هذا حديث في الصحيحين٣٬٠٤٣[البخاري: (٥٥٣٣)، ومسلم: (١٨٧٦)].، فها نحن -أيها الإخوة- نشم المسك والذي نتحدى جميع مصانع العطور أن تستخرج لنا مثل هذه الرائحة التي نشمها الآن، هذا مسك أهداه الله ﷻ لهم.
فيا أيها الإخوة: هؤلاء إخوانكم كانوا يعيشون بينكم، ولعل أحدهم كان ينام في هذا المكان الذي هو فيه الآن وأخوه بجانبه، هؤلاء إخوانكم قدموا وأدوا ما عليهم، فما عليكم إلا أن تستلموا الراية وأن تأخذوا الأمانة بقوة، وأن لا تُفرطوا فيها، وأن تقولوا بقُلوبكم ومنهجكم وألسنتكم: إننا لن نستسلم ولن نتراجع ولن نتهاون حتى نأخذ بثأر هؤلاء أو أن يكون مصيرنا كمصيرهم.
قال الله ﷻ: ﴿وَلَا تَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمۡوَٰتَۢاۚ بَلۡ أَحۡيَآءٌ﴾ [آل عمران: 169]، هم أحياء لماذا؟ لأنهم قدموا كل ما يملكون وأغلى ما يملكون من أجل أن يحيا دينهم، هم أحياء لماذا؟ لأنهم استجابوا لله وللرسول لما دعاهم لما يحييهم، لما دعاهم للجهاد وللتضحية وللبذل، ولإقامة دين الله ﷻ قدموا نفوسهم.
أين قُتِل هؤلاء؟ هل قُتِلوا بجانب بيوتهم؟ هل قُتِلوا وهم يدافعون عن شيء من لُعاع الدنيا؟
قُتِلوا على قمة جبل؛ لأنهم جبال لا يرضون أن يموتوا في الحضيض وفي الدركات، لأن هممهم عالية شامخة شاهقة كالجبال التي قُتِلوا عليها، ولأن عقيدتهم راسخة كالجبال التي قاتلوا عليها.
أيها الإخوة: ما عليكم إلا أن تثبتوا على هذا الطريق، وها هو الله ﷻ يُريكم معيته لكم ويُريكم آياته ومعجزاته وكراماته؛ حتى تعلموا أنكم على الحق، وأنكم على الهدى والصراط المستقيم، ثم لا تعبؤون بعد ذلك بما يقول مرجف أو مُثبّط أو مُخذِّل ألهته دنياه وألهاه هواه، وطمس الله على قلبه وعلى بصيرته؛ نسأل الله العلي العظيم الكبير الجليل أن يرفع درجاتهم في جنات النعيم.. نسأل الله ﷻ أن يجعلهم من سكان الفردوس الأعلى.. نسأل الله ﷻ أن يكونوا في هذه اللحظة يتقلبون في النعيم.. نسأل الله ﷻ أن يكونوا ممن قال الله ﷻ فيهم: ﴿وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُوْلَٰٓئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّٰلِحِينَۚ وَحَسُنَ أُوْلَٰٓئِكَ رَفِيقٗا﴾ [النساء: 69].
نسأل الله ﷻ أن يُثبِّتنا على الحق والهدى الذي قُتِلوا من أجله.
نسأل الله ﷻ أن يُثبِّتنا حتى ننتقم من هؤلاء المجرمين النصارى وأعوانهم الْمُفسدين الذين وصفهم الله ﷻ بأنهم أنعام، وإننا نقول لهؤلاء المجرمين: والله، الله أعلى وأجل، الله مولانا ولا مولى لكم، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار، إننا لا نبكي على إخواننا دموعًا، إننا لن نبكي عنهم إلا دماء كما قدموا هم دماءهم تضحية من أجل إخوانهم الذين قُتِلوا من قبلهم.
نسأل الله ﷻ ألا يحرمنا أجرهم وألا يفتننا بعدهم وأن يُثيبهم خير ثواب، وإننا نُشهد الله وملائكته وحملة عرشه وخلائقه أجمعين أنهم كانوا من خيرة المسلمين ومن خيرة الْمُضحين ومن خيرة الباذلين لنفوسهم المؤثرين لكل ما يملكون، الذين يُقدمون ما يحب إخوانهم على ما يحبون هم.
نسأل الله ﷻ أن يرفع قدرهم، ونسأل الله العلي العظيم أن يُسكنهم الفردوس الأعلى، وجزاكم الله خيرًا وبارك الله فيكم.
هذا من ليبيا: الزبير الليبي «أحمد العوكلي» من ليبيا، وهذا من باكستان.. ما الذي جمعهما على جبلٍ واحد؟ ما الذي جمعهما في هذا المكان؟ ما الذي جمعهما بهذه الهيئة وبهذه الصورة؟
ما الذي جعل طائرة واحدة تواجه هؤلاء الأبطال؟ هذا من ليبيا وهذا من باكستان؟ حتى يعلم هؤلاء المجرمون أننا لسنا حلف الناتو حتى نتحالف من أجل مصالح دنيوية تافهة ولا هذه الأحلاف الأرضية الساقطة الوضيعة، إننا تحالفنا وتعاقدنا واجتمعنا على أمرٍ واحد هو: «لا إله إلا الله محمد رسول الله»؛ الذي يستوي فيه العربي والعجمي والأحمر والأسود والأمريكي والسعودي والليبي وغيرهم؛ ما دام الجميع يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، هذا هو ديننا وهذه هي عقيدتنا وهذا هو الذي يجمعنا بإخواننا، عليها نوالي ومن أجلها نعادي أحب ذلك من أحب، وكره ذلك من كره.
وجزاكم الله خيرًا وبارك الله فيكم
❖ ❖ ❖
لقد أتممت قراءة كتاب:
يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.
تحميل الكتاب مفردًا