🎬المواد الصوتية والمرئية المصاحبة

ربح البيع (فضل الجهاد والشهادة)

ربح البيع (فضل الجهاد والشهادة)

ربح البيع (في فضل الجهاد والشهادة)

[شعبان 1430 هـ / 7 - 2009م]

۞

﴿۞إِنَّ ٱللَّهَ ٱشۡتَرَىٰ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَنفُسَهُمۡ وَأَمۡوَٰلَهُم بِأَنَّ لَهُمُ ٱلۡجَنَّةَۚ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيَقۡتُلُونَ وَيُقۡتَلُونَۖ وَعۡدًا عَلَيۡهِ حَقّٗا فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَٱلۡإِنجِيلِ وَٱلۡقُرۡءَانِۚ وَمَنۡ أَوۡفَىٰ بِعَهۡدِهِۦ مِنَ ٱللَّهِۚ فَٱسۡتَبۡشِرُواْ بِبَيۡعِكُمُ ٱلَّذِي بَايَعۡتُم بِهِۦۚ وَذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ﴾ [التوبة: 111].

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضل له ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله الله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره الكافرون صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين وعلى من اهتدى بهديه وسار على سنته إلى يوم الدين.

ثم أما بعد..

فيا من رضيتم بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمدٍ ﷺ نبيًا ورسولا اتقوا الله ﷻ؛ فإن تقوى الله ﷻ هي خير زادٍ كما قال الله ﷻ: ﴿وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيۡرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقۡوَىٰۖ وَٱتَّقُونِ يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ﴾ [البقرة: 197].

ص 2564

كما تعلمون أيها الإخوة الأحبة؛ فإن الله ﷻ قد شرع لنا دين الإسلام الذي هو خاتم الرسالات والذي لم يرض الله ﷻ لعباده دينًا سواه، فقال ﷻ: ﴿وَمَن يَبۡتَغِ غَيۡرَ ٱلۡإِسۡلَٰمِ دِينٗا فَلَن يُقۡبَلَ مِنۡهُ وَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ﴾ [آل عمران: 85]، وأكمل لنا النعمة وأتمها علينا بهذا الدين العظيم، فقال الله ﷻ: ﴿ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينٗاۚ﴾ [المائدة: 3]، وأخبرنا الله ﷻ أن الهدايةَ إلى صراطه المستقيم هي من نعمه التي يتفضل بها على من يشاء من عباده؛ ولذلك فنحن نقول في كل ركعة من صلواتنا ﴿ٱهـۡدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ ٦ صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمۡتَ عَلَيۡهِمۡ غَيۡرِ ٱلۡمَغۡضُوبِ عَلَيۡهِمۡ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ﴾ [الفاتحة: 6-7]، أولئك الذين قال الله ﷻ عنهم: ﴿وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُوْلَٰٓئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّٰلِحِينَۚ وَحَسُنَ أُوْلَٰٓئِكَ رَفِيقٗا﴾ [النساء: 69].

 فالإسلام نعمة من الله ﷻ، ورحمة من الله ﷻ لخلقه، والهداية إلى الإسلام نعمة من الله ﷻ؛ فمن شرح الله ﷻ صدره له ونوَّر قلبه بالهداية إليه فقد تفضل عليه بأعظم نعمة وأجل منة، فإن الهداية إلى الإسلام أيها الإخوة لا يمكن للمرء أن يتحصل عليها إلا بفضل خالص وعطاء من الله ﷻ، قال الله ﷻ: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفۡسٍ أَن تُؤۡمِنَ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ﴾ [يونس: 100]، وقال الله ﷻ: ﴿فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهۡدِيَهُۥ يَشۡرَحۡ صَدۡرَهُۥ لِلۡإِسۡلَٰمِۖ وَمَن يُرِدۡ أَن يُضِلَّهُۥ يَجۡعَلۡ صَدۡرَهُۥ ضَيِّقًا حَرَجٗا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي ٱلسَّمَآءِۚ﴾ [الأنعام: 125].

فالله ﷻ هو الذي هدانا إلى الصراط المستقيم، وهو الذي أكرمنا بأن نكون من أتباع سيد المرسلين ﷺ، وبحسب الانتساب إلى هذا الدين؛ افترق الناس إلى فريقين: إلى فريق الحق والهداية والصراط المستقيم وهم حزب الله المؤمنون، وإلى فريق الضلالة والشقاوة وهم حزب الشيطان اللعين، قال الله ﷻ: ﴿لَّا تَجِدُ قَوۡمٗا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ يُوَآدُّونَ مَنۡ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ﴾ [المجادلة: 22]... إلى أن يقول في آخر الآية: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ حِزۡبُ ٱللَّهِۚ أَلَآ إِنَّ حِزۡبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ﴾ [المجادلة: 22].

والله ﷻ يقول: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُمۡ رَٰكِعُونَ ٥٥ وَمَن يَتَوَلَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فَإِنَّ حِزۡبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلۡغَٰلِبُونَ﴾ [المائدة: 55-56]، وقال ﷻ في حق الشيطان: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ حِزۡبُ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ أَلَآ إِنَّ حِزۡبَ ٱلشَّيۡطَٰنِ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ﴾ [المجادلة: 19].

ص 2565

ففريق الهداية هو فريق أهل الحق وهم أتباع الرسل من لدن إنزال الله ﷻ كتبَه عليهم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وأتباع الشيطان هم الأذلون الأرذلون المكبوتون، قال الله ﷻ: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ كُبِتُواْ كَمَا كُبِتَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ﴾ [المجادلة: 5]، وقال الله ﷻ: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ أُوْلَٰٓئِكَ فِي ٱلۡأَذَلِّينَ﴾ [المجادلة: 20].

وهذا الانقسام إلى فريقين: إلى فريق الإيمان والهداية وهم حزب الرحمن، وفريق الضلالة والكفر والشقاوة وهم حزب الشيطان، هذا الانقسام أخبرنا الله ﷻ أنه يقود إلى التدافع بين هذين الفريقين والصراع الذي لا ينقطع أبدًا؛ قال الله ﷻ في حق الكفرة: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَٰتِلُونَكُمۡ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمۡ عَن دِينِكُمۡ إِنِ ٱسۡتَطَٰعُواْۚ﴾ [البقرة: 217]، وقال الله ﷻ: ﴿وَلَن تَرۡضَىٰ عَنكَ ٱلۡيَهُودُ وَلَا ٱلنَّصَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمۡۗ﴾ [البقرة: 120]، وأخبرنا الله ﷻ عمّا يكنّونه في صدروهم من الحسد والبغضاء، فقال الله ﷻ: ﴿وَدَّ كَثِيرٞ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ لَوۡ يَرُدُّونَكُم مِّنۢ بَعۡدِ إِيمَٰنِكُمۡ كُفَّارًا حَسَدٗا مِّنۡ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنۢ بَعۡدِمَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلۡحَقُّۖ﴾ [البقرة: 109]، وقال الله: ﴿مَّا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ وَلَا ٱلۡمُشۡرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيۡكُم مِّنۡ خَيۡرٖ مِّن رَّبِّكُمۡۚ وَٱللَّهُ يَخۡتَصُّ بِرَحۡمَتِهِۦ مَن يَشَآءُۚ﴾ [البقرة: 105]، إذن هذا الصراع لا ينقطع أبدًا.

فأما أهل الإيمان فهِمَّتهم ومقصدهم هو هداية الناس وإخراجهم من الظلمات إلى النور ومن الضنك إلى الرحمة ومن الضيق إلى السعة، قال الله ﷻ: ﴿قُلۡ هَٰذِهِۦ سَبِيلِيٓ أَدۡعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا۠ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِيۖ﴾ [يوسف: 108]، وقال الله ﷻ لنبيه: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]؛ فهو رحمة، ودين الإسلام دين الرحمة والهداية والسعة.

وأما حزب الشيطان فإنما يريدون من أهل الاستقامة والحق أن يميلوا عن الصراط المستقيم وأن يكونوا عُبّادًا لِشهواتهم، قال ﷻ: ﴿وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوَٰتِ أَن تَمِيلُواْ مَيۡلًا عَظِيمٗا﴾ [النساء: 27]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلۡفَٰحِشَةُ فِي ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۚ﴾ [النور: 19].

ص 2566

وهذا الصراع صوره متعددة، ومن بين صوره وهو أعلى درجاتها: الجهاد في سبيل الله، هذه العبادة التي شرعها الله ﷻ لتميز أهل الحق من أهل الضلال، ولتصفي صف المسلمين وتنقيه من شوائب الخَبَث؛ قال الله ﷻ: ﴿مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ عَلَىٰ مَآ أَنتُمۡ عَلَيۡهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلۡخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِۗ﴾ [آل عمران: 179]، وقال الله ﷻ: ﴿لِيَمِيزَ ٱللَّهُ ٱلۡخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ﴾ [الأنفال: 37].

فإذن الجهاد في سبيل الله يميز أهل الهداية والاستقامة عن غيرهم، لماذا؟

لأن الجهاد في سبيل الله هو أعلى وأوضح مراتب الولاء لحزب الله المؤمنين والبراءة من حزب الشيطان الكافرين، أنت عندما تقول: أنا مُحِب لله ﷻ، ومتَّبع للنبي ﷺ، وموالٍ لحزب الله المؤمنين؛ فبرهانك على ذلك ما هو؟ هو أن تُقدم نفسك التي خلقها الله ﷻ نُصرةً لدينه الذي شرعه، وطاعةً لأمره الذي أنزله في كتابه، وعندما تُقاتل حِزب الشيطان وأتباعه؛ فإن هذا إعلان للبراءة منهم ومن معبوداتهم ومن دينهم، وأعلى درجات البراءة وإعلان البغضاء والعداوة: أن تسعى في قتلهم وقِتالهم، ولذلك كان الجهاد عنوانًا حقيقيًا على الموالاة للمؤمنين والبراءة من الكافرين؛ فالإنسان حينما يكون في ساحة الجهاد وحينما يكون مؤديًا لهذه العبادة الجليلة؛ فهو بهذا يعلن ولاءه لله ولرسوله وللمؤمنين، ويعلن براءته من هؤلاء الكفرة المجرمين على جميع أصنافهم وبشتى نحلهم ومِللهم.

أيها الإخوة: أكرمنا الله ﷻ بأن نكون من هؤلاء المؤمنين المجاهدين، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، ولهذا جعل الله ﷻ الجهاد في سبيله عنوانًا على الصِدق معه، قال الله ﷻ: ﴿إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ثُمَّ لَمۡ يَرۡتَابُواْ وَجَٰهَدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلصَّٰدِقُونَ﴾ [الحجرات: 15]، وقال الله ﷻ: ﴿مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ رِجَالٞ صَدَقُواْ مَا عَٰهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيۡهِۖ فَمِنۡهُم مَّن قَضَىٰ نَحۡبَهُۥ وَمِنۡهُم مَّن يَنتَظِرُۖ﴾ [الأحزاب: 23]، فالجهاد هو عنوان الصِدق مع الله ﷻ، والمجاهدون هم الصادِقون؛ فعلى المسلم أن يكون مع الصادقين كما أمره الله ﷻ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّٰدِقِينَ﴾ [التوبة: 119].

لماذا صار الجهاد دليلًا على الصدق مع إخلاص المرء وتجرده لله ؟

ص 2567

لأن فيه توفية صفقة البيع بين العبد وبين الله ﷻ، كل مسلم دخل في دين الله ﷻ وأعلن بأنه رضي بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمدٍ ﷺ نبيًا؛ فإنه بهذا الإعلان قد وقَّع صفقة بيع بينه وبين الله ﷻ، وهي أعظم صفقة على الإطلاق، قال الله ﷻ: ﴿۞إِنَّ ٱللَّهَ ٱشۡتَرَىٰ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَنفُسَهُمۡ وَأَمۡوَٰلَهُم بِأَنَّ لَهُمُ ٱلۡجَنَّةَۚ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيَقۡتُلُونَ وَيُقۡتَلُونَۖ وَعۡدًا عَلَيۡهِ حَقّٗا فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَٱلۡإِنجِيلِ وَٱلۡقُرۡءَانِۚ وَمَنۡ أَوۡفَىٰ بِعَهۡدِهِۦ مِنَ ٱللَّهِۚ فَٱسۡتَبۡشِرُواْ بِبَيۡعِكُمُ ٱلَّذِي بَايَعۡتُم بِهِۦۚ وَذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ﴾ [التوبة: 111]، وهذه الآية هي آية المبايعة مع الله ﷻ، وقد تضمَّنت أركان البيع كاملة؛ فهذه الصفقة فيها: المشتري وهو الله ﷻ، وفيها البائِع وهو كل مؤمن صادق مع الله ﷻ، وفيها الثمن وهو الجنة، وفيها السلعة وهي النفوس والأموال، وفيها وثيقة العقد وهي القرآن والتوراة والإنجيل، إذن هي صفقة بيع كاملة بين العبد المؤمن وبين الله ﷻ.

قال الله ﷻ ﴿۞إِنَّ ٱللَّهَ ٱشۡتَرَىٰ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ [التوبة: 111]، ما قال في الآية إن الله سيشتري، ولا إن الله يشتري، وإنما قال: ﴿۞إِنَّ ٱللَّهَ ٱشۡتَرَىٰ﴾ يعني أن تلك الصفقة قد انعقدت وتمّت ومضت، فلا تراجع فيها وقع الاتفاق بين العبد وبين الله ﷻ بدخوله في دين الإسلام وعقد قلبه على أن يكون من أهل هذا الدين، فإذن نفسك التي بين جنبيك هذه قد بيعت، أنت لا تملكها، أنت الآن مطالب بأن تُسلمها للمشتري وهو الله ﷻ.

قال تعالى: ﴿۞إِنَّ ٱللَّهَ ٱشۡتَرَىٰ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ قنفوس المؤمنين نفوسٌ زكيةٌ طيبة، ولهذا ارتضاها الله ﷻ أن تكون سلعة في مقابل الجنة، لماذا؟ لأنها نفوسٌ زكية بالإخلاص لله ﷻ وبتوحيد الله ﷻ، ولم تتدنس ولم تتنجس بالشرك كما هو حال المشركين؛ قال ﷻ: ﴿إِنَّمَا ٱلۡمُشۡرِكُونَ نَجَسٞ﴾ [التوبة: 28]؛ فلذلك هؤلاء لا يستحقون أن يكونوا من أهل الجنة، كيف يدخل الجنة نجسٌ؟! قال الله ﷻ: ﴿لَئِنۡ أَشۡرَكۡتَ لَيَحۡبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: 65]، وقال الله ﷻ: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَٰتِلُونَكُمۡ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمۡ عَن دِينِكُمۡ إِنِ ٱسۡتَطَٰعُواْۚ وَمَن يَرۡتَدِدۡ مِنكُمۡ عَن دِينِهِۦ فَيَمُتۡ وَهُوَ كَافِرٞ فَأُوْلَٰٓئِكَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ﴾ [البقرة: 217]؛ فإذن الجنة لا يدخلها إلا مؤمن كما قال النبي ﷺ.

ص 2568

والمؤمنون درجات بحسب إيمانهم في الدنيا؛ فالإيمان بِضعٌ وسبعون شعبة أعلاها لا إله إلا الله وهو توحيد الله ﷻ وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والناس في هذا يتفاوتون تفاوتًا لا يعلم قدره إلا الله ﷻ.

قال سبحانه تعالى: ﴿۞إِنَّ ٱللَّهَ ٱشۡتَرَىٰ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾؛ فالإنسان إذن عندما يعد نفسه من حزب الله المؤمنين فقد صارت نفسه مبيعة إلى الله ﷻ؛ فعليك أن تسعى في البحث عن السوق الذي تُسلِم فيه هذه السلعة، ما هي هذه السلعة؟

قال ﷻ: ﴿۞إِنَّ ٱللَّهَ ٱشۡتَرَىٰ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَنفُسَهُمۡ وَأَمۡوَٰلَهُم﴾ وكما نعلم فإن كل الآيات التي جاءت في كتاب الله ﷻ وذُكِر فيها جهاد المال والنفس قدِّم فيها الجهاد بالمال على الجهاد في النفس إلا في هذه الآية، قال الله ﷻ: ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ [الأنفال: 72]، قدّم الأموال على الأنفس، وقال الله ﷻ: ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ﴾ [التوبة: 20]، قال الله ﷻ: ﴿ٱنفِرُواْ خِفَافٗا وَثِقَالٗا وَجَٰهِدُواْ بِأَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡ﴾ [التوبة: 41]، وقال الله ﷻ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ هَلۡ أَدُلُّكُمۡ عَلَىٰ تِجَٰرَةٖ تُنجِيكُم مِّنۡ عَذَابٍ أَلِيمٖ ١٠ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَتُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡۚ﴾ [الصف: 10-11]، يُقدَّم ذكر المال على ذكر النفس؛ وذلك لأن الجهاد لا يمكن أن يُقام ولا أن تسير عجلته إلا بوجود المال.

ومن هنا فإنَّنا رأينا الله ﷻ أعذر الفقراء الذين لا يجدون ما ينفقون في الجهاد لا يجدون الراحلة ولا الزّاد ولا المال الذي يجاهدون به، قال الله ﷻ: ﴿لَّيۡسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ وَلَا عَلَى ٱلۡمَرۡضَىٰ وَلَا عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِۦۚ مَا عَلَى ٱلۡمُحۡسِنِينَ مِن سَبِيلٖۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٩١ وَلَا عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوۡكَ لِتَحۡمِلَهُمۡ قُلۡتَ لَآ أَجِدُ مَآ أَحۡمِلُكُمۡ عَلَيۡهِ تَوَلَّواْ وَّأَعۡيُنُهُمۡ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمۡعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ﴾ [التوبة: 91-92]، ليس عندهم شيء ينفقونه ليجاهدوا في سبيل الله، إلا في هذه الآية فقد قدّم الله ﷻ النفس على المال؛ لماذا؟

ص 2569

[البحر: البسيط]

[البحر: البسيط]

الْجُودُ بِالْمَالِ جُودٌ فِيهِ مَكْرُمُةٌ

وَالْجُودُ بِالنَّفْسِ أَقْصَى غَايَةِ الْجُودِ٣٬٣١٥[قاله: مسلم بن الوليد. انظر: الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري (2/156)].

فالإنسان عندما يجود بنفسه في سبيل قضية من القضايا أو عقيدة من العقائِد؛ فلا شك أنه يدل على أنه يقدم تلك العقيدة أو تلك القضية على نفسه التي بين جنبيه؛ فقال الله ﷻ: ﴿۞إِنَّ ٱللَّهَ ٱشۡتَرَىٰ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَنفُسَهُمۡ وَأَمۡوَٰلَهُم﴾، في مقابل ماذا؟ قال ﷻ: ﴿بِأَنَّ لَهُمُ ٱلۡجَنَّةَۚ﴾ بأن يكون لهم في مقابل نفوسهم الجنة، وتأملوا -يا إخوة- هذه الصفقة؛ هذه النفوس التي يشتريها منا الله ﷻ هو الذي خلقها وسيردُّها عليك ومعها جنة عرضها السماوات والأرض، يريد منك فقط أن تُثبت صِدق محبتك لله ﷻ، يريد منك فقط أن تُثبت صِدقك في تسليم السلعة التي طالبك بها، أما السلعة فالله غني عنها ﷻ، قال ﷻ: ﴿۞يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلۡفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِۖ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلۡغَنِيُّ ٱلۡحَمِيدُ﴾ [فاطر: 15]، وهذه النفس ستخرج منك شئت أم أبيت، كل إنسان سيموت، قال ﷻ: ﴿كُلُّ نَفۡسٖ ذَآئِقَةُ ٱلۡمَوۡتِۗ﴾ [آل عمران: 185]، وقال تعالى: ﴿أَيۡنَمَا تَكُونُواْ يُدۡرِككُّمُ ٱلۡمَوۡتُ وَلَوۡ كُنتُمۡ فِي بُرُوجٖ مُّشَيَّدَةٖۗ﴾ [النساء: 78]، وقال ﷻ: ﴿قُلۡ إِنَّ ٱلۡمَوۡتَ ٱلَّذِي تَفِرُّونَ مِنۡهُ فَإِنَّهُۥ مُلَٰقِيكُمۡۖ﴾ [الجمعة: 8].

إذن هذه النفس ستخرج شئت أم أبيت فما عليك إلا أن تجتهد لتخرجها في الموطن الذي يحبه الله ﷻ لتكون صادقًا موفّيًا في الصفقة التي بينك وبينه ﷻ.

إذن فالله ﷻ يشتري منَّا شيئًا هو أعطاه لنا وسيرده علينا إكرامًا منه ﷻ ومعه جنة عرضها السماوات والأرض، فقال الله ﷻ: ﴿بِأَنَّ لَهُمُ ٱلۡجَنَّةَۚ﴾ وانظر أنه ما قال: اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بالجنة، وإنما قال: ﴿بِأَنَّ لَهُمُ ٱلۡجَنَّةَۚ﴾ فأولًا ﴿إِنَّ﴾ حرف التوكيد حتى لا يبقى هناك شك أو تردد عند البائِع وهو المؤمن، ثم بعد ذلك قدَّم الله ﷻ في هذه الآية الجار والمجرور ﴿لَهُمُ﴾ قبل ﴿ٱلۡجَنَّةَۚ﴾؛ لأنه يدل على الاختصاص -تقديم الخبر على المبتدأ- في مثل هذه المواطن كأن الله ﷻ قال: بأن الجنة لهم وليست لغيرهم، كأنه يقول: بأن الجنة صارت مختصة بهم يعني تأكيد من الله ﷻ باستحقاقهم لهذه الجنة وبأنهم سيستلمونها يقينًا إن هم صدقوا في السعي لتسليم هذه السلعة؛ فقال جل في علاه: ﴿بِأَنَّ لَهُمُ ٱلۡجَنَّةَۚ﴾.

ص 2570

تأمل أن ثمن نفسك -التي ستفقدها حتمًا يومًا من الأيام- جنة عرضها السماوات والأرض، جنة فيها رضوان الله ﷻ، جنة فيها رؤية الله ﷻ، جنة فيها رفقة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، جنة فيها النعيم المقيم الذي لا ينقطع أبدًا، جنة لا حزن فيها ولا نصب ولا وصب، نعيم الجنة أيها الإخوة، كل هذا تأخذه، جنة فيها ما لا عين رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشر، كل هذا تأخذه بمقابل أن تسلم هذه النفس التي ستفقدها يومًا من الأيام شئت أم أبيت.

قال الله سبحانه وتعال ﴿بِأَنَّ لَهُمُ ٱلۡجَنَّةَۚ﴾ ما هو المطلوب منا؟ ما هو البرهان على أننا جادون في تسليم هذه السلعة؟ أو أين هي السوق التي نسعى لنسلم السلعة فيها لله ﷻ؟

كل إنسان قد يدعي أنه يريد تسليم هذه السلعة ويريد أن يوفي بصفقة البيع التي بينه وبين الله ﷻ، إلا أن الله ﷻ ما ترك للدعاوى مجالًا، بل طالب بالبينة والبرهان والحجة الصريحة في ذلك، قال ﴿يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾، من كان صادقًا جادًا في طلب الجنة في مقابل تسليم النفس فعليه بالقتال في سبيل الله، وما قال يجاهدون في سبيل الله، وإنما قال: ﴿يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۖ﴾؛ حتى لا يبقى للتأويلات مجال، حتى لا يأتي أحد ويقول: إنَّ المقصود بذلك هو جهاد النفس، أو هو جهاد الشيطان، أو هو جهاد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو هو جهاد الدعوة إلى الله ﷻ، أو غير ذلك... لا إنما قال الله ﷻ: ﴿يُقَٰتِلُونَ﴾، وكلمة ﴿يُقَٰتِلُونَ﴾ كلمة عربية لها معنى محدد واضح: قاتل يقاتل قتالًا فهو مقاتل أو مقتول، كل إنسان يفهم ما هو معنى هذه الكلمة.

ص 2571

إذن فالله ﷻ يطالب كل مؤمن أن يكون مجاهدًا مقاتلًا؛ يعني رجلًا عسكريًا وهذه هي سيرة النبي ﷺ، النبي ﷺ كان هو المعلم لأصحابه وكان هو الداعي إلى الخير، وكان المصلح بين الناس، وكان خطيب الجمعة ﷺ، وكان الزوج في البيت، وكان قائِد المعارك، كان يخوض المعارك بنفسه ﷺ، لا يرسل الجيوش ويبقى في المدينة، وإنما يكون في أول الصف؛ حتى قال الصحابة رضي الله عنهم: «كنَّا إذا حمي الوطيس نحتمي برسول الله ﷺ وأشجعنا من يحاذيه»٣٬٣١٦[رواه أحمد: (1347)، عن عليّ بلفظ: «كنا إذا ‌احمر ‌البأس، ولقي القوم القوم، اتقينا برسول الله ﷺ، فما يكون منا أحد أدنى من القوم منه»، وصحح إسناده الأرنؤوط]؛ فإذا اشتد البأس وبدأت الرؤوس تتطاير وتقابل الأبطال مع الأبطال كان النبي ﷺ في أول الصف والصحابة يحتمون به، فالشجاع فيهم من يكون بجانبه، هذه سيرة النبي ﷺ؛ أي أن النبي ﷺ كان يقبض السيف بيده ويضرب به الأعناق، لم يقل أنا رسول الله ﷺ فلا جهاد عليَّ، ولم يقل: إنني سأبقى مشتغلًا بتعليم الناس، بل هذا من العلم الذي يجب أن يُعلم للناس بالقول والفعل.

والله ﷻ علَّمنا في الجهاد كيف نقاتل ونقتل أعداءنا، قال الله ﷻ: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرۡبَ ٱلرِّقَابِ﴾ [محمد: 4]، الله ﷻ يعلمنا هذا، وقال الله ﷻ: ﴿إِذۡ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمۡ فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۚ سَأُلۡقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعۡبَ فَٱضۡرِبُواْ فَوۡقَ ٱلۡأَعۡنَاقِ وَٱضۡرِبُواْ مِنۡهُمۡ كُلَّ بَنَانٖ﴾ [الأنفال: 12].

إذن من أراد أن يكون مؤتسيًا بالنبي ﷺ سواء كان عالِمًا أو مُتعلـمًا أو تاجرًا أو داعية أو خطيبًا أو طبيبًا أو غير ذلك؛ فعليه أن يجتهد ليأتسي بالنبي ﷺ في كل شيء، ومن ذلك القتال في سبيل الله، أما أن يعيش الإنسان حياته كلها لا يعرف من السلاح شيئًا، ولم تغبر قدماه في سبيل الله يومًا واحدًا، فهذا كيف يكون مُؤتسيًا أو مُتبعًا للنبي ﷺ؟ إذن لا بد علينا -أيها الإخوة- أن نجتهد لأن نقتدي بالنبي ﷺ في كل باب من أبواب الطاعة والسنن والخير.

ثمَّ قال الله ﷻ: ﴿يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۖ﴾ وتعرفون فضل الجهاد في سبيل الله والآيات والأحاديث الكثيرة التي أنزلها الله ﷻ أمرًا بالجهاد ونهيًا عن تركه، وتحذيرًا من التفريط فيه، ومدحًا لأهله، وإخبارًا بما أعده الله ﷻ لهم، قال الله ﷻ: ﴿لَّا يَسۡتَوِي ٱلۡقَٰعِدُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ غَيۡرُ أُوْلِي ٱلضَّرَرِ وَٱلۡمُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡۚ فَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلۡمُجَٰهِدِينَ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ عَلَى ٱلۡقَٰعِدِينَ دَرَجَةٗۚ وَكُلّٗا وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ وَفَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلۡمُجَٰهِدِينَ عَلَى ٱلۡقَٰعِدِينَ أَجۡرًا عَظِيمٗا﴾ [النساء: 95]، والله ﷻ يقول ﴿وَقَٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَكُمۡ﴾ [البقرة: 190]، وقال الله ﷻ: ﴿وَمَا لَكُمۡ لَا تُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلۡمُسۡتَضۡعَفِينَ﴾ [النساء: 75]؛ يعني: وفي سبيل إنقاذ المستضعفين من الرجال والنساء والولدان إلى آخر الآية، والله ﷻ يقول: ﴿۞فَلۡيُقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يَشۡرُونَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا بِٱلۡأٓخِرَةِۚ﴾ [النساء: 74]، فالدنيا عندهم لا قيمة لها؛ لأنهم يطلبون ما عند الله ﷻ: ﴿وَمَن يُقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيُقۡتَلۡ أَوۡ يَغۡلِبۡ فَسَوۡفَ نُؤۡتِيهِ أَجۡرًا عَظِيمٗا﴾ [النساء: 74]، وقال لنبيه ﷺ: ﴿فَقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفۡسَكَۚ وَحَرِّضِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ﴾ [النساء: 84].

والأحاديث في فضل الجهاد كثيرة، وقد ذكرنا منها أحاديث في مواطن متعددة، ويكفينا قول النبي ﷺ في هذا الموطن: (والذي نفسي بيده لولا رجالٌ من أمتي لا تطيب أنفسهم أن يتخلفوا عني ما قعدت خلاف سرية تغزو في سبيل الله أبدًا)٣٬٣١٧[رواه -بألفاظ قريبة- أحمد: (٨٩٨٢)، والنسائي: (٣١٣٢)، وصححه الألباني]، هذا كلام رسول الله ﷺ؛ يعني: لِمَا في الخروج في السرايا من الفضل والأجر لولا أن هناك رجالًا من المؤمنين الفقراء والضعفاء الذين لا يتحملون مفارقتي في كل حين فأقعد تطييبًا لنفوسهم: (والله ما قعدت خلف سرية)؛ يعني ما أرسلت سرية وقعدت وراءها، بل كنت في هذه السرية، فكيف بمن يقضي عمره كله ولا يخرج ولا في سرية واحدة في زمن؟! وهو زمن الجهاد والقتال حيث تسلط الكفرة من كل نِحلة على المسلمين، وينكلون بهم على رؤوس الأشهاد جهارًا نهارًا، كل أحد يرى ما يصيب المسلمين والإنسان جالسٌ إما في مدرسته، وإما في مسجده، وإما في عيادته، وإما في وظيفته أو في دكَّانه وكأن هذا لا يعنيه، وكأنه ليس جزءًا من هذه الأمة لا يصيبه ما يصيب إخوانه المسلمين، النبي ﷺ يقول: (مثل المسلمين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائِر الجسد بالحمى والسهر)٣٬٣١٨[تقدم في: (ص 2908)]..

فإذن كل مسلم ينبغي أن يكون مجاهدًا مقاتلًا في سبيل الله، وأعداء الله ﷻ من اليهود والنصارى والمرتدين ما تسلطوا على هذه الأمة وما أذلوها وما أذلوا شبابها وشيوخها إلا عندما فقدت هذه الصفة صفة الجهاد، وصفة القتال في سبيل الله؛ ولذلك ففي كل الدول الآن يعتبر اقتناء السلاح تهمة يعاقب عليها القانون، والأصل في المسلم أن يكون صاحب سلاح وأن يكون مقاتلًا مجاهدًا، والآن يقول لك: هذا حُكِم عليه عشر سنوات، لماذا؟ لأنه وجدوا عنده سكين بدون ترخيص! أو وجدوا عنده مسدس، أو وجدوا عنده «كلاشن»، أو غير ذلك من الأسلحة التي بها أذل أعداء الله أمة الإسلام.

ص 2572

وأما الصحابة رضي الله عنهم فكانوا جميعًا مقاتلين، فعلي بن أبي طالب رضي الله عنه عندما خلَّفه رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، خلَّفه على المدينة، قال له: تبقى على المدينة؛ لأن فيها نساء وأطفال لا بد أن يبقى من يقوم عليهم، خرج علي بن أبي طالب عندما خرج الجيش، فبدأ المنافقون يتكلمون على علي رضي الله عنه، إنما قعد خوفًا، ومع أنهم لم يخرجوا إلا أنهم يلمزون عليًّا! ولا يلمزون أنفسهم! فخرج علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى النبي ﷺ؛ فقال: «تركتني مع النساء والأطفال»؛ أراد أن يخرج مع النبي ﷺ فقال له النبي ﷺ: (ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي)٣٬٣١٩[متفق عليه، البخاري: (٤٤١٦)، ومسلم: (٢٤٠٤)]..

إذن أيها الإخوة؛ المسلم عزيز بدينه والمسلم رجل مجاهد، والآن تأملوا -يا إخوة- كيف انقلبت الموازين، فالآن من التهم التي توجه للمسلم أنه مجاهد!! صحيح أم لا؟ فيقول لك: هذا رجل مجاهد، ومتى كان الجهاد تهمة أو جريمة يعاقب عليها الإنسان؟!

هذا هو الأصل، كما قال النبي ﷺ: (ما ترك قومٌ الجهاد في سبيل الله إلا عمّهم الله بعذاب)٣٬٣٢٠[تقدم في: (ص 670)].، ولا يُلتفت لما ينعق به هؤلاء من التسفيه والتحقير وغير ذلك.

وقول الله ﷻ: ﴿يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ لا يستطيع أحد أن يحك هذه الآية وأن يمحوها، فهي آية محكمة في كتاب الله ﷻ، وهذا القتال في سبيل الله ليس في سبيل الأهواء، لا يقاتل الإنسان انتصارًا لقبيلة، ولا لحمية جاهلية، ولا يقاتل انتصارًا لجماعته ولا لوطنه ولا لغير ذلك، وإنما قتاله في سبيل الله يعني في سبيل إعلاء كلمة الله ﷻ؛ فلا بد أن نستحضر هذا المعنى -أيها الإخوة-، نحن إنما نقاتل لتكون كلمة الله ﷻ هي العليا، وإنما نقاتل لتكون شريعة الله ﷻ فوق كل شريعة، وإنما نقاتل ليكون حكم الله ﷻ فوق كل حكم، لتكون شريعة الله ﷻ فوق الشرعية الدولية، ليكون حكم الله ﷻ فوق أحكام مجلس الأمن، بل ليزيل أحكام مجلس الأمن، لا ليبقيها، هذه الأحكام الجاهلية أُمِرنا بإزالتها؛ قال ﷻ: ﴿وَقَٰتِلُوهُمۡ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتۡنَةٞ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ كُلُّهُۥ لِلَّهِۚ﴾ [الأنفال: 39].

ص 2573

فإذن ﴿يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ نيتنا ومقصدنا إنما هو إرضاء الله ﷻ؛ فلذلك لا نلتفت إلى ما يقول هؤلاء؛ فإذا رضي الله عنك فماذا يضرك سخط الناس؟! إذا مدحك الله ﷻ فماذا يعنيك أن يذمك الناس؟! إذا رفعك الله ﷻ في الدرجات؛ فهل يضرك أن يسعى أعداؤك إلى أن ينزلوك في الدركات؟

لا، أنت في طريقك إلى الله ﷻ فلا تبالي، كما قال الله ﷻ: ﴿يُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوۡمَةَ لَآئِمٖۚ﴾ [المائدة: 54]، تتكلم الإذاعات، تتكلم الفضائيات، تُعقد الندوات، يتكلم المفكرون، يتكلم المحللون، يأتي السفهاء، كل هذا لا يعنينا؛ لأننا نسلك طريقًا توصلنا إلى الله ﷻ، فقال الله ﷻ: ﴿يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ ليبين أنَّ السوق التي يقدم فيها الإنسان سلعته ليستلمها منه الله ﷻ في ساحة الجهاد؛ ولذلك الله ﷻ جعل الجهاد تجارة، فقال جل في علاه: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ هَلۡ أَدُلُّكُمۡ عَلَىٰ تِجَٰرَةٖ تُنجِيكُم مِّنۡ عَذَابٍ أَلِيمٖ﴾ [الصف: 10]، بيع وشراء ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشۡرِي نَفۡسَهُ ٱبۡتِغَآءَ مَرۡضَاتِ ٱللَّهِۚ﴾ [البقرة: 207]، ﴿۞فَلۡيُقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يَشۡرُونَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا بِٱلۡأٓخِرَةِۚ﴾ [النساء: 74]؛ فإذن الإنسان لا يكفيه أن يدعي أنه صادق مع الله ﷻ وتتهيأ له سبل الجهاد ولا يحدث بذلك نفسه، قال النبي ﷺ: (من لم يغزُ فأنت أيها المسلم سل نفسك: قد يكون الواحد انطبق عليه هذا الحديث فكيف يلاقي الله ﷻ؟!

قال ﷺ: (من لم يغزُ ولم يحدث به نفسه مات على شعبة من النفاق)٣٬٣٢١[صحيح مسلم، وقد تقدم في: (ص 691)].، الحديث في صحيح مسلم، ولا يكفي أن يحدث الإنسان نفسه بالأماني: والله أتمنى أن أغزو... والطريق مفتوح، والسبيل ميسر، والزاد موجود، والمال عندك، وساحة الجهاد موجودة، وسوق الجهاد قائمة، ومع ذلك يقول: أنا أتمنى أن أجاهد في سبيل الله! ما الذي يمنعك؟! ما الذي يحول بينك وبين الجهاد في سبيل الله؟! فلا بد أن يحتاط المرء لنفسه.

ص 2574

قال الله ﷻ: ﴿يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ فيحصل من وراء قتالهم: ﴿فَيَقۡتُلُونَ وَيُقۡتَلُونَۖ﴾ يقتلون أعداء الله ﷻ الذين شاقوا الله ورسوله؛ يعني كانوا هم في شق والله ورسوله في الشق الآخر، ويحادون الله ورسوله ويفتنون الذين آمنوا عن دينهم ويشركون بالله ﷻ، يقاتلون هؤلاء الكفرة؛ لأنهم نجس يطهرون الأرض منهم.

قال الله ﷻ: ﴿فَيَقۡتُلُونَ﴾ إذن قتال الكفار وقتلهم بالأحكام الشرعية المعروفة في أبواب الجهاد هذا شيء ممدوح شرعًا يحبه الله ﷻ، قال النبي ﷺ: (لا يجتمع كافرٌ وقاتله في النار أبدًا)٣٬٣٢٢[صحيح مسلم: (١٨٩١)].؛ إذا قتل مسلمٌ كافرًا فلا يجتمع معه في نار جهنم أبدًا، إذا مات على الإيمان والتوحيد؛ فقال الله ﷻ: ﴿يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيَقۡتُلُونَ﴾ أعداء الله ﷻ الكفرة، ﴿وَيُقۡتَلُونَۖ﴾ يعني: وينالون الشهادة في سبيل الله ﷻ، وليس معنى هذا أن الإنسان لا ينال الجنة التي وعد الله ﷻ أن يعطيها لمن أسلم نفسه إلا إذا قُتِل الإنسان مجاهدًا في سبيل الله، لا، الذي أراده الله ﷻ منا هو أن نسعى للجهاد، أن نسعى للقتال، أن نسعى لطلب الشهادة، ثم إذا قُتِل الإنسان فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وإن مات على فراشه وكان صادقًا في طلب الشهادة في سبيل الله؛ فقد مات وهو شهيد، قال النبي ﷺ: (من سأل الله الشهادة بصدق بلّغه الله منازل الشهداء ولو مات على فراشه)٣٬٣٢٣[تقدم في: (ص 1137)]..

وفي حديث آخر صححه بعض أهل العلم أن النبي ﷺ قال: (من فصل في سبيل الله -أي من خرج في سبيل الله- فمات أو قُتِل أو وقصته دابته -أي سقط من دابته فمات- أو لدغته هامّة -أي لدغته عقرب أو حية- أو مات على فراشه أو مات بأي حتفٍ مات -بأي شيءٍ مات- فإنه شهيد وإن له الجنة)٣٬٣٢٤[رواه أبو داود: (٢٤٩٩)، والحاكم: (٢٤١٦)، وقال: «حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه»].، والله ﷻ يقول في كتابه: ﴿وَلَئِن قُتِلۡتُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوۡ مُتُّمۡ لَمَغۡفِرَةٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَحۡمَةٌ خَيۡرٞ مِّمَّا يَجۡمَعُونَ﴾ [آل عمران: 157]، والله ﷻ يقول: ﴿وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوٓاْ أَوۡ مَاتُواْ لَيَرۡزُقَنَّهُمُ ٱللَّهُ رِزۡقًا حَسَنٗاۚ﴾ [الحج: 58].

ص 2575

إذن أيها الأخ المجاهد أنت في طريق الجنة إلى الله ﷻ، بل أنت في طريق الشهادة إن كنت صادقًا في طلبها، وأنت في ساحة الجهاد تقف عند باب الجنة، قال النبي ﷺ: (إن أبواب الجنة تحت ظلال السيوف)٣٬٣٢٥[تقدم في: (ص 1076)].، وقال النبي ﷺ: (الجهاد في سبيل الله بابٌ من أبواب الجنة ينجي به الله من الهم والغم)٣٬٣٢٦[رواه أحمد: (٢٢٦٨٠)، وصححه الألباني لغيره في صحيح الترغيب والترهيب: (١٣١٩)].؛ فمالك وللدنيا أنت واقف عند باب الجنة تنتظر أن يُفتح لك في كل لحظة -لا أقول في كل يوم- في كل لحظة تنتظر أن يُفتح لك باب الجنة؛ لتخرج من دار الهم والغم والنصب والتعب وغير ذلك، الشهادة في سبيل الله.

والنبي ﷺ يقول: (ما من أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا وله ما على الأرض من شيء، إلا الشهيد فإنه يتمنى أن يرجع إلى الدنيا ليُقتل عشر مرات لما يرى من الكرامة)٣٬٣٢٧[متفق عليه، البخاري: (٢٨١٧)، ومسلم: (١٨٧٧)].، هذا شيء عظيم أيها الإخوة؛ يعني: لا يوجد أحد يدخل الجنة ويرى ما فيها من النعيم المقيم والإكرام من الله ﷻ فيُقال له: ما رأيك أن ترجع إلى الدنيا ونعطيك كل ما على الأرض؟ يقول: لا، أنا لا أريد أن أرجع إلى الدنيا، إلا الشهيد، فالشهيد يتمنى أن يرجع إلى الدنيا ليس مرة واحدة، بل عشر مرات، ولكن يرجع إلى الدنيا لينال ما عليها من شيء؟! لا، فقط يريد أن يرجع ليكرر الشهادة مرة أخرى حتى يُقتل مرة أخرى عشر مرات، يريد أن تأتيه الطلقة مرة أخرى، والشظية مرة خرى، والقصف المرة الرابعة، اللغم.. وهكذا لِمَا يرى من الكرامة عند الله ﷻ، لا يتمنى أن يرجع إلى الدنيا ليزور والده، ولا ليجلس مع أمه، ولا ليرى أبناءه ولا زوجته، ولا ليجلس مع إخوانه المجاهدين الذين أحبهم وأحبوه، لا، لا، لا.. هذا لا يريده، إنما يريد أن يرجع إلى الدنيا ليذوق حلاوة الشهادة هذه الحلاوة التي يريدها لا تنقطع عنه أبدًا إكرامًا من الله ﷻ.

إذن ليحرص أحدنا لأن يكون من هؤلاء أيها الإخوة: (من سأل اللهالشهادة بصدق بلّغه الله منازل الشهداء ولو مات على فراشه).

ص 2576

فقال الله ﷻ ﴿يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيَقۡتُلُونَ وَيُقۡتَلُونَۖ﴾ [التوبة: 111]، ويا أيها الإخوة: كما أن المجاهدين متفاوتون في الدرجات في الجنة؛ فكذلك الشهداء ليسوا على مرتبة واحدة، والنبي ﷺ يقول: (إن في الجنة مئة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض)٣٬٣٢٨[رواه البخاري: (٢٧٩٠)].، هذه للمجاهدين، يدخل فيهم الشهداء وغيرهم، وقال ﷺ عن الشهداء: (القتلى ثلاثة: رجل مؤمن يجاهد بنفسه وماله في سبيل الله حتى إذا لقي العدو قاتل حتى يُقتل قال النبي ﷺ: (فذلك في خيمة الله وفي رواية: (في جنة الله لا يفضله النبيون إلا بدرجة النبوة).

المرتبة الثانية: قال ﷺ: (رجلٌ مؤمن يجاهد بنفسه وماله في سبيل الله خلط عملًا صالحًا وآخر سيئًا ارتكب من السيئات، قال النبي ﷺ في حق هذا: (ممصمِصةٌ محت ذنوبه وخطاياه يعني الشهادة غسلت ما عنده من الذنوب والخطايا: (فإن السيف محاء الخطايا يدخل من أي أبواب الجنة الثمانية شاء) هذا الثاني.

وأما الثالثة: فقال النبي ﷺ: (رجلٌ منافقٌ يجاهد بنفسه وماله حتى إذا لقي العدو قاتل حتى يُقتل، قال: فذلك في النار فإن السيف لا يمحو النفاق)٣٬٣٢٩[تقدم في: (ص 1113)].؛ نسأل الله العافية.

وقال الله ﷻ: ﴿يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيَقۡتُلُونَ وَيُقۡتَلُونَۖ﴾ حتى لا يبقى هناك أدنى تردد أو شك في قلب المؤمن وهو مقدم على الله ﷻ، قال الله ﷻ: ﴿وَعۡدًا عَلَيۡهِ حَقّٗا﴾ يعني هذا البيع وعد الله ﷻ عليه وعدًا أوجبه على نفسه فهو محقق لا محالة، وهذا الوعد الحق قد دوّنه الله ﷻ وذكره في أشرف كتبه: ﴿وَعۡدًا عَلَيۡهِ حَقّٗا فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَٱلۡإِنجِيلِ وَٱلۡقُرۡءَانِۚ﴾ التوراة التي أنزلها الله على موسى، والإنجيل الذي أنزله الله على عيسى، والقرآن الذي أنزله الله على محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

ص 2577

وحتى لا يبقى هناك أدنى تردد بعد هذا التأكيد قال الله ﷻ: ﴿وَعۡدًا عَلَيۡهِ حَقّٗا فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَٱلۡإِنجِيلِ وَٱلۡقُرۡءَانِۚ وَمَنۡ أَوۡفَىٰ بِعَهۡدِهِۦ مِنَ ٱللَّهِۚ﴾ أيوجد أحد أوفى بالعهد من الله ﷻ؟! يعني: لا أحد؛ فإذن لا ترتابوا ولا تترددوا ولا تشكوا؛ فأنتم في طريقكم إلى الله ﷻ، في طريقكم إلى الجنة فما عليكم إلا أن تصدقوا وتخلصوا لله ﷻ حينما تقدمون هذه السلعة لله ﷻ، بعدها ينتهي كل شيء من الهموم والغموم والضيق والكدر والمطاردات وغير ذلك، انتهى كل شيء، في لحظة تخرج من هذه الدنيا تجد نفسك في نعيم لا ينقطع أبدًا.

والنبي ﷺ وصف الجنة وصفًا كثيرًا، ثم قال بعد ذلك: (وفيها ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشر)٣٬٣٣٠[صحح البخاري: 3072].، نعيم لا يتصوره أحد، ولم تسمع به أذن، ولم تره عينٌ.

ولذلك فالنبي ﷺ حينما سُئِل: من أفضل الشهداء؟ قال: (الذين يلقون في الصف الأول)؛ لأنهم مُقبِلون على الله ﷻ وهم على يقين أنهم قادمون على ما وعدهم الله ﷻ به، لا يلتفتون إلى الدنيا، ولا ينظرون وراءهم، ولا يفكرون في شيء من شهواتها، ولا من مصائبها، هم مقبلون على الله ﷻ، ثمَّ قال النبي ﷺ: (لا يلفتون وجوههم أولئك يتلبطون في الغرف العلا من الجنة -يتقلبون في الغرف العالية في الجنة- ويضحك إليهم ربك، وإذا ضحك ربك إلى عبدٍ فلا حساب عليه)٣٬٣٣١[تقدم في: (ص 1079)]..

فقال الله ﷻ: ﴿وَعۡدًا عَلَيۡهِ حَقّٗا فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَٱلۡإِنجِيلِ وَٱلۡقُرۡءَانِۚ وَمَنۡ أَوۡفَىٰ بِعَهۡدِهِۦ مِنَ ٱللَّهِۚ﴾ [التوبة: 111]، ما زال حتى يتأكد هذا المعنى ويصبح في قلب كل مؤمن أمرًا قطعيًا لا تردد فيه؛ قال الله ﷻ: ﴿وَمَنۡ أَوۡفَىٰ بِعَهۡدِهِۦ مِنَ ٱللَّهِۚ فَٱسۡتَبۡشِرُواْ بِبَيۡعِكُمُ ٱلَّذِي بَايَعۡتُم بِهِۦۚ﴾ [التوبة: 111]، كونوا مستبشرين بهذا البيع، قال ﷻ: ﴿فَٱسۡتَبۡشِرُواْ بِبَيۡعِكُمُ ٱلَّذِي بَايَعۡتُم بِهِۦۚ وَذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ﴾ [التوبة: 111]، نسأل الله ﷻ أن يجعلنا من هؤلاء المؤمنين المتقين الصادقين المخلصين الذين يختم لهم بشهادة في سبيله ﷻ إنه سميعٌ قريب.

وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين

❖ ❖ ❖

ص 2578

📚
نهاية هذا المبحث

لقد أتممت قراءة كتاب:

يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.

تحميل الكتاب مفردًا