القضية السابعة: في الأحوال والشروط التي أجاز الفقهاء عند توافرها رمي الترس
وربما لا يتنبه البعض للفرق بين هذه النقطة والتي قبلها، فيدمجهما معًا ويحسب أنهما شيء واحد.
فالمسألة السالفة؛ هي فقط في بيان العلة أو السبب الذي يجوز لأجله رمي الترس، لا سيما موطن الاتفاق الذي ذكره شيخ الإسلام، وهو ما إذا خيف على المسلمين الضرر من الكفار إن لم يُرم الترس.
وأما هذه المسألة؛ فتتعلق ببيان الشروط والقيود التي يجب أن توجد -حسب كلام الفقهاء- لإجازة رمي الترس، فعندها لا يكفي أن يُقال؛ إذا خيف على المسلمين الضرر جاز رمي الترس هكذا بإطلاق، بل لا بد من انضمام قيود وضوابط بتوافرها وقيامها يكون «خوف الضرر» مؤثرًا في الحكم.
وتلك الشروط والضوابط ذكرها الفقهاء متناثرة -كلٌ حسب مذهبه- وليست أمرًا متفقًا عليه بينهم، ولا هي منصوصة ومجموعة عند جميعهم، بل هي مستخلصة ومأخوذة من كلامهم المتعدد في هذه المسألة، إلا أنه يمكن إدراجها بشيء من التوسع في التسمية تحت عنوان؛ «الضرورة» أو «الحاجة»٢٢٤[أي: الحاجة المنزلة منزلة الضرورة؛ كما هي القاعدة الفقهية المعروفة].؛ بمعنى أن الخوف من الضرر الذي يُعد كالعلة لإثبات جواز الرمي؛ لا بد أن يكون مقيدًا بحال الضرورة أو الحاجة، وفي تحديد حقيقة الضرورة والحاجة تختلف عبارات الفقهاء كما أشرنا.
فمن ذلك:
- الأول: أن يكون رمي الترس حال التحام القتال؛ وهي صورة من صور الضرورة التي ذكرها الفقهاء، وإنما ذكروها لأنها من الحالات الشائعة، ولهذا فهي حكاية حال وبيان ظرف أقرب من كونها شرطًا مقيِّدًا، ومع ذلك فلا بأس من ذكره لظهور احتمال الشرطية في عباراتهم الآتية.
وتعبيرهم بعبارة؛ «التحام الحرب»، أو «التحام القتال»، هو أعم من حصره في التحام الصفوف؛ لأن القتال قد يكون بالرمي البعيد -كما هو الحال في المنجنيق عندهم وبالمدفعية الثقيلة في زمننا-ولهذا فإن من صور التحام القتال أو الحرب هو: تبادل القصف الثقيل بين المجاهدين والكفار، مما قد يلجئ الكفار أثناء القصف لجمع عدد من المسلمين الأسارى أو غيرهم في مراكزهم، ووضعهم بينهم، ليكف المجاهدون عن قصفهم.
قال الإمام النووي رحمه الله: «فرع؛ لو تترس الكفار بمسلمين من الأسارى وغيرهم نظر... وإن دعت ضرورة إلى رميهم بأن تترسوا بهم في حال التحام القتال، وكانوا بحيث لو كففنا عنهم ظفروا بنا وكثرت نكايتهم؛ فوجهان..»٢٢٥روضة الطالبين: (10/246)..
وقال الإمام الشافعي رحمه الله: «ولو تترسوا بمسلم؛ رأيت أن يكف عمن تترسوا به، إلا أن يكون المسلمون ملتحمين فلا يكف عن المتترس، ويضرب المشرك، ويتوقى المسلم جهده»٢٢٦الأم: (4/244)..
وقال ابن قدامة رحمه الله: «وإن تترسوا بأسارى المسلمين أو أهل الذمة؛ لم يجز رميهم إلا في حال التحام الحرب والخوف على المسلمين، لأنهم معصومون لأنفسهم، فلم يبح التعرض لإتلافهم ضرورة، وفي حال الضرورة؛ يباح رميهم، لأن حفظ الجيش أهم»٢٢٧الكافي: (4/268)..
- الثاني: ومنها ألا يمكن التوصل إلى الكفار إلا برمي الترس؛ بمعنى أنه لا طريق لقتال الكفار وكفهم إلا عبر مَن تترسوا بهم من الأسارى المسلمين، أو لا يمكن فتح هذا الحصن إلا برميهم بما يعم به الهلاك -من منجنيق أو نحوه- وكل ذلك مضبوط؛ باتقاء إصابة الترس قدر الإمكان.
وقد مر بنا قول الإمام القرطبي رحمه الله: «قلت: قد يجوز قتل الترس، ولا يكون فيه اختلاف إن شاء الله، وذلك إذا كانت المصلحة ضرورية كلية قطعية، فمعنى كونها ضرورية؛ أنها لا يحصل الوصول إلى الكفار إلا بقتل الترس»٢٢٨[تفسير القرطبي: (16/287)]..
وقال ابن مفلح رحمه الله: «وإن تترسوا بالمسلمين؛ لم يجز رميهم كأن تكون الحرب غير قائمة، أو لإمكان القدرة عليهم بدونه، أو من أمن من شرهم، إلا أن يُخاف على المسلمين، مثل كون الحرب قائمة، أو لم يُقدر عليهم إلا بالرمي فيرميهم، نص عليه للضرورة»٢٢٩المبدع: (3/323)..
وقال شيخ الإسلام رحمه الله -وقد مر-: «ولهذا اتفق الفقهاء على أنه متى لم يمكن دفع الضرر عن المسلمين إلا بما يُفضي إلى قتل أولئك الْمُتترس بهم؛ جاز ذلك، وإن لم يُخف الضرر، لكن لم يُمكن الجهاد إلا بما يُفضي إلى قتلهم؛ ففيه قولان»٢٣٠[مجموع الفتاوى: (20/52)]..
وقال أيضًا: «فإذا كان الرجل يفعل ما يعتقد أنه يقتل به لأجل مصلحة الجهاد؛ مع أن قتله نفسه أعظم من قتله لغيره؛ كان ما يفضي إلى قتل غيره لأجل مصلحة الدين التي لا تحصل إلا بذلك، ودفع ضرر العدو المفسد للدين والدنيا الذي لا يندفع إلا بذلك؛ أولى»٢٣١مجموع الفتاوى: (28/ 540)..
- الثالث: ومنها أن يتحاشى الرامي ضربَ الترس قدر الإمكان ويبذل لأجل ذلك قصارى وسعه وغاية جهده؛ كما قال الإمام الشافعي رحمه الله: «ولو تترسوا بمسلم رأيت أن يكف عمن تترسوا به إلا أن يكون المسلمون ملتحمين، فلا يكف عن المتترِس، ويضرب المشرك ويتوقى المسلـمَ جهده»٢٣٢[الأم للشافعي: (4/258)]..
وقال الإمام النووي رحمه الله: «... والثاني -وهو الصحيح المنصوص وبه قطع العراقيون-؛ جواز الرمي على قصد قتال المشركين، ويتوقى المسلمين بحسب الإمكان»٢٣٣[روضة الطالبين: (10/246)]..
وقال الشربيني الشافعي رحمه الله: «... وإلا بأن دعت ضرورة إلى رميهم؛ بأن تترسوا بهم حال التحام القتال، بحيث لو كففنا عنهم ظفروا بنا وكثرت نكايتهم؛ جاز رميهم حينئذٍ في الأصح المنصوص، ويقصد بذلك قتال المشركين، ونتوقى في المسلمين وأهل الذمة بحسب الإمكان»٢٣٤مغني المحتاج: (4/224)..
- الرابع: ومنها أن يقصد الرامي برميه الكفار؛ بمعنى أن تكون نيته متوجهة لرمي الكفار دون المسلمين، لأنه إن لم يمكن تحاشي ضرب الترس -عملًا وفعلًا- فقد أمكن ذلك قصدًا ونية، والميسور لا يسقط بالمعسور.
قال الإمام السرخسي رحمه الله: «... إلا أن على المسلم الرامي أن يقصد به الحربي، لأنه لو قدر على التمييز بين الحربي والمسلم فعلا؛ كان ذلك مستحقا عليه، فإذا عجز عن ذلك كان عليه أن يميز بقصده، لأنه وسع مثله»٢٣٥المبسوط: (10/65)..
وفي «البحر الرائق»٢٣٦(5/82).: «... لكن نقصد الكفار بالرمي دون المسلمين، لأنه إن تعذر التمييز فعلا فقد أمكن قصدا، والطاعة بحسب الطاقة».
وقال الإمام ابن قدامة رحمه الله: «وإن دعت الحاجة إلى رميهم للخوف على المسلمين؛ جاز رميهم لأنها حال ضرورة، ويقصد الكفار»٢٣٧المغني: (9/321)..
وقال البهوتي رحمه الله: «... إلا أن يخاف علينا من ترك رميهم فقط؛ فيرميهم، نص عليه للضرورة، ويقصد الكفار بالرمي، لأنهم هم المقصودون بالذات»٢٣٨كشاف القناع: (3/51)..
وقال شيخ الإسلام رحمه الله: «فإن الأئمة متفقون؛ على أن الكفار لو تترسوا بمسلمين وخيف على المسلمين إذا لم يقاتلوا فإنه يجوز أن نرميهم ونقصد الكفار»٢٣٩مجموع الفتاوى: (28/537)..
- الخامس: ومنها أن يقطع أو يغلب على الظن حصول المصلحة المرجوة برمي الكفار، وإن أدى إلى قتل الترس، وهي دفع ضررهم وكف أذاهم عن المسلمين ومنع استيلائهم على بلادهم؛ بمعنى أن قتال الكفار مع إفضائه إلى قتل من تترسوا بهم من المسلمين يقود ويؤدي إلى حصول تلك المصلحة.
كما قال الإمام القرطبي: «ومعنى كونها قطعية: أن تلك المصلحة حاصلة من قتل الترس قطعًا»٢٤٠[تفسير القرطبي: (16/288)]..
وإنما قلنا: «أو بغلبة الظن»؛ لأن تقدير ذلك راجع إلى الاجتهاد والنظر والتحري، وكل ذلك موجبٌ لحصول الظن الغالب، وسائر المسائل الاجتهادية إنما تكون كذلك.
- السادس: ومنها أن تكون المصلحة المرجوة آنية حالية، وهو أمر زائد على أصل حصول المصلحة؛ بمعنى أن الأمر لا يحتمل تأخير رميهم والتأني في ضربهم لفوات المقصود بذلك.
فأما مع إمكان التأجيل والقدرة على التريث في رميهم بما يحصل به الغرض ويتأتى معه المطلوب؛ فينبغي الكف عنهم، حقنًا لدماء المسلمين، وجمعًا بين الأمرين -وهما دفع ضرر الكفار ورفع أذاهم، والحفاظ على من بأيديهم من الأسارى أو من كان بينهم من التجار-.
قال الإمام النووي رحمه الله: «لو تترس الكفار بمسلمين من الأسارى وغيرهم؛ نظر إن لم تدع ضرورة إلى رميهم واحتمل الحال الإعراض عنهم؛ لم يجز رميهم»٢٤١روضة الطالبين: (10/246)..
- السابع: وهو ألا يمكن التوصل لفتح الحصن أو كسر شوكة الكفار المتترسين إلا بما يعم به القتل -كالتحريق والتغريق والرمي بالمجانيق ونحوها مما قد يشمل استعماله مَن معهم من المسلمين-:
قال ابن قدامة رحمه الله: «فإن كان فيهم مسلمون، فأمكن الفتح بدون ذلك، لم يجز رميهم، لأنه تعريض لقتلهم من غير حاجة، وإن لم يمكن بدونه جاز؛ لأن تحريمه يفضي إلى تعطيل الجهاد»٢٤٢الكافي: (4/193)..
هذا والذي يجمع كل هذه الشروط والضوابط التي ذكرها الفقهاء متفرقة في مواطن شتى؛ هو قول الله تعالى: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُمۡ﴾ [التغابن: 16].
فالجهاد وإن كان مأمورًا به أمرًا مؤكدًا -سواء في حالة الحاجة أو الضرورة- فإنه لا يلزم منه عدم مراعاة حرمات الدماء قدر الإمكان، ولا يزيل وجوبَ الموازنة الشرعية الصائبة بين حالة الضرورة الحقيقية القائمة، وبين سفك دمٍ للمجاهد ِمندوحةٌ عن الإقدام عليه، فالجهاد لا يمنع التحري والحيطة واختيار الأوقات والأماكن والأحوال التي يحصل بها المقصود ويتوصل بها إلى المطلوب مع صيانة الدماء المحرمة شرعًا.
وحالة التترس التي ذكرها الفقهاء؛ إنما هي حالة استثنائية خارجة عن الأصل؛ فيُضيَّق فيها زمانًا ومكانًا وصفة -قدر الإمكان- ويُستمسك بالأصل حسب القدرة، وهذا ما يُستنتج من القيود المستخلصة من كلام الفقهاء، وهو أمر لا ينبغي أن يُختلف فيه أصالة؛ كقاعدة عامة كلية مُسلَّمة، وإن وقع الاختلاف في كيفية التطبيق ومدى توافر هذه الشروط أو انعدامها في الحالة المعينة التي يُراد إنزال الحكم عليها، وهو ما تتفاوت فيه التقديرات وتختلف الأنظار.
ومِلاك ذلك كله: التقوى وبذل الجهد في التحري والاحتياط والدقة في النظر والتدقيق في كل حالة بحسبها، والتأمل في تفاصيلها، وعدم الاعتماد على الحكم الكلي العام ليكون مسوِّغا لكل عملية.
❖ ❖ ❖