وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين
[مجلة طلائع خراسان: مقالان في العددين 16، 17 محرم، رمضان 1431 هـ / 9 - 2009م، 8-2010م]
بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد...
آية في كتاب الله تعالى لم تتجاوز حروفها خمسةً وعشرين حرفًا تُوقِف المرءَ على الحقيقة الكبرى التي جاءت بها الرسالة المحمدية في رسم بلاغي فريد، ونسق بياني لا نظير له، وبحر من المعاني لا يحاط به، لتكون هذه الأحرف المحدودة والكلمات المعدودة بابًا مشرعًا وبرهانًا مقنعًا لمن أراد الولوج من خلاله إلى ذلك الأفق الفسيح والفضاء الوسيع حيث سكنُ القلوب، وسكينةُ النفوس، وانشراح الصدور، واستقرار الفطرة، وتناسق الحياة، قال ﷻ: ﴿إِنَّ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ يَهۡدِي لِلَّتِي هِيَ أَقۡوَمُ وَيُبَشِّرُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمۡ أَجۡرٗا كَبِيرٗا﴾ [الإسراء: 9].
فالبشر كلهم يبحثون عن الرحمة ويتلمسون أسبابها التي تضم بين طياتها السكينة، والأمان، والاطمئنان، والاستقرار، والعدل، وصيانة الحقوق، وضربوا من أجل ذلك في كل واد هائمين على وجوههم، فكلما ظفروا بقطعة رحمة -ولو ظنًا أو وهمًا- في تجربة أو عرفٍ أو قانون أو سياسة احتضنوها وفخموها ولاذوا بها وعدّوها رأس النجاة وعنوان الفخر ويتيمة الدهر، وما أن يعيشوا في كنفها الموهوم شيئا من الوقت ويتهيؤوا لاستقبال هبات نسيمها حتى تكشف لهم عن حقيقتها ويكتشفوا هم مخبؤها فتلفحهم بجحيمها ويدركوا أن الوهم قد كان غشَّى أبصارهم وغطى قلوبهم فما زالوا في العذاب والضنك قائمين، فتراهم ينقبون عن غيرها وينتقلون إلى سواها راجين أن يسوقهم السبيل المضني إلى مستقر الرحمة وكنف الراحة ومأوى الأمن فمن أراد الله به خيرًا أدركها ومن كتبت عليه الشقاوة قضى عمره في الضنك والضيق والعذاب: ﴿وَلَعَذَابُ ٱلۡأٓخِرَةِ أَخۡزَىٰۖ وَهُمۡ لَا يُنصَرُونَ 16﴾ [فصلت: 16]، قال ﷻ: ﴿وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَهُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَلَٰكِن يُدۡخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحۡمَتِهِۦۚ وَٱلظَّٰلِمُونَ مَا لَهُم مِّن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [الشورى: 8].
ولا أدل على ذلك في عصرنا الحاضر - «المحتَضر» لا الْمُتَحَضِّر- من كثرة المنظمات والمؤسسات والهيئات التي تزعم أنها تعنى بحقوق الإنسان، والتي تحاول من خلالها توفير الحد الأدنى من «الرحمة» التي تنتظم بها حياتهم وسط موجات العذاب وخضخضات الزلزلة التي تعصف بهم وتنغص كل لحظة من لحظات حياتهم، وكل شعبة من شعبها.
إن الإنسان بفطرته وصفاته وسماته وتركيبته قد جبله الله خالقه ﷻ على حالات متداخلة جلية وخفية، ومشاعر وأحاسيس متنوعة ومتقلبة، وإدراكات متعددة ومتفاوتة، ورغبات متداخلة ومتعارضة، ويحتاج في حياته كلها أن يعيش مع كل هذه الأمور في توافق وتناسق يطابق أو يقارب الصورة المثلى التي تستقر معها فطرته وتسكن نفسه ويهدأ فؤاده ويهنأ باله، وتنضبط أفعاله وتتلاءم تصوراته مع الحقائق الكبرى التي غرست في أعماق قلبه مما لا يجد لها مدفعًا ولا منزعًا، وأي اضطراب أو اختلال يحصل في الفطرة أو الصفات أو الأفعال أو التصورات فإنه سيجر على صاحبه من الوبال والنكال والغرق في بحار الأكدار، والبعد عن «الرحمة» بحسب قربه أو بعده من حالة الكمال الإنساني الذي ينبغي لكل عاقل أن يسعى إليه، ذلك الكمال الذي لا يمكن تحصيله بل ولا إدراكه إدراكًا تامًا والتعرف عليه معرفةً وافيةً أصلًا إلا من خلال الوحي المنزل من عند خالق الخلق مالك الملك وهو الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، قال ﷻ: ﴿أَلَا يَعۡلَمُ مَنۡ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلۡخَبِيرُ﴾ [الملك: 14].
فهناك صورة مثلى وحالة اكتمال -سواء للأفراد أو للمجتمعات- يسعى الجميع لبلوغها والظفر بها ليصلوا عندها إلى المستقر الذي تصبو إليه كل نفسٍ تبعا لما جبلت عليه، فتحظى من خلاله بالسكينة الدائمة، والطمأنينة العميقة، والأمان الكامل، والرحمة الشاملة، والحياة الطيبة، والعيشة الهنية، وما تفاخر المجتمعات -قديما وحديثا- بعضها على بعض إلا بناء على نصيبها مما اقتنصته وأدركته وتوصلت إليه من أسباب الاستقرار، والتوسعة، والتراحم، والتوائم الذي يحصل بين أصحابها والعدل في تحصيل حقوقها، وهذه هي الغايات التي يحاول كل رئيس أو ملك أو أمير مهما بلغ من الطغيان أن يقنع شعبه وأتباعه أنه قائمٌ لتحقيقها، ساعٍ في تحصيلها، داعٍ إلى تكميلها، مجتهد في توصيلها حتى فرعون إمام العتو والظلم والتجبر قال لقومه: ﴿وَمَآ أَهۡدِيكُمۡ إِلَّا سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ﴾ [غافر: 29].
لقد أرسل الله رسوله ﷺ والبشرية آنذاك كأنها في حالة احتضار مما دهاها من أنواع الأمراض المزمنة التي تمكنت من جسدها، وتعفنت بسببها سائر أعضائها، وسرت سموم الفساد في أوصالها، وكادت تلفظ أنفاسها الأخيرة بعد أن أصبحت لا تتنفس إلا في جو «الجاهلية» الموبوء الخانق، فبلغت بها الأدواء والآلام والضيق مبلغًا لا مزيد عليه، فلما شمرت عن ساقيها وتهيأت للتردي في الهاوية التي لا نهاية لها، ودارت أعينها من هول سكرات الغي والأهواء والخرافة والسخف والشطح التي طوقتها وخنقتها بل وتغلغلت في شرايينها وعروقها؛ نادى منادي الفلاح والصلاح والإصلاح وصاح في وجهها صيحة النذير العريان: النجاء، النجاء، فأخذ بحُجزِها ليدفعها بقوةٍ ويبعدها عن حافة المهلكة التي أوشكت أن تتهاوى فيها، فأنقذها الله بالرحمة المهداة الذي قال عن نفسه ضاربًا المثل لحاله مع المتجاوزين لرحمته، الرادين لدعوته، الصادين -من الصد والصدود- عن سبيله، مع حرصه عليهم، وشفقته بهم، واجتهاده في نصحهم -بأبي هو وأمي-: (مثلي كمثل رجل استوقد نارا، فلما أضاءت ما حولها جعل الفراش وهذه الدواب التي يقعن في النار، يقعن فيها، وجعل يحجزهن ويغلبنه، فيتقحمن فيها، فذلك مثلي ومثلكم، أنا آخذ بحجزكم عن النار، هلم عن النار، هلم عن النار، فتغلبوني، تقحمون فيها)٢٬٨٤٢متفق عليه، [البخاري: (٦٤٨٣)، ومسلم: (٢٢٨٤)]..
ولن تجد لحقبة الجاهلية المظلمة الموبوءة أدق من وصف أحد الذين اكتووا بنارها واصطلوا بجحيمها وعاشوا وعايشوا أجواءها حينًا من الدهر كانت القلوب فيها غلفًا، والنفوس متوحشة، والعقول ضالة تائهةً حتى ذاقوا حلاوة الإيمان وتطهرت قلوبهم ببرده الصافي، وارتشفوا من معينه النقي، فصقلت قلوبهم، وزكيت نفوسهم، ورشدت عقولهم، وتهذبت أخلاقهم، واستقامت حياتهم فعرفوا عندها ما كانوا عليه وما صاروا إليه كما قال جعفر بن أبي طالب وهو واقفٌ بين يدي النجاشي ملك الحبشة: أيها الملك كنا قوما أهل جاهلية نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، يأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولًا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه فدعانا إلى الله لنوحده، ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة... إلخ٢٬٨٤٣[سيرة ابن هشام (1/290)، وهو صحيح، انظر: صحيح السيرة للعلي (ح 94)]..
[البحر: الطويل]
[البحر: الطويل]
وَمَا أَنَا إِلَّا مِنْ غَزِيَّةَ إِنْ غَوَتْ | غَوَيْتُ وإِن تَرْشُدْ غزِيَّةُ أَرْشُدِ٢٬٨٤٤[ديوان دريد بن الصمة: (1 / 62)، وقد تقدم في شرح السياسة الشرعية]. |
فالضنك والعذاب والشر الذي كان يعيشه أهل الجاهلية ويتقلبون وسط مرجله لم يكن مرده لخاصية تعلقت بتلك الفترة فلا يتعداها لغيرها ولا يغشى سواها، كما أنه من السخف والاستخفاف أن يجعل عوده لمجرد بدائية أسباب المعايش المادية التي كانت تقوم عليها حياتهم من قبيل أن وسائل تنقلاتهم ونقلهم هي الجمال والبغال والحمير، ومساكنهم الخيام والصوف والكهوف، وأسلحتهم السيوف والرماح والنبل وغير ذلك، فكل هذه وأمثالها إنما تستعمل وتسخر لتسيير الحياة وتيسير أسبابها وتتخذ سبيلًا للوصول إلى المقاصد الكبرى من الحياة، وما بها تُقوَّم القيم، وتصقل المجتمعات، وتبنى الأخلاق والآداب، فصبغة الحقب والأزمان بصبغة الجاهلية أو ما يضادها لا تعتمد على مثل هذه الأسباب العارضة والمتجددة والمتعددة والمتنوعة.
فأنت ترى أن الحقبة الواحدة تتفاوت المجتمعات فيها تفاوتًا كبيرًا في هذه الأمور المادية المحضة وتتفاضل أسباب الراحة والرفاهية والتسهيل وتحصيل المتع تفاضلًا كثيرًا، ومع ذلك فكل تلك المجتمعات تستحق اسمًا ينطبق عليها جميعها هو «الجاهلية»؛ مما يعني أن المرد في وضع أو رفع هذا الاسم ليس مجرد ما حصلته من أسباب الحياة المادية وإنما هو أمرٌ وراء ذلك، وفوق ما هنالك، فقطعًا لم يكن الروم والفرس في هذه الأمور سواء، وبينهم وبين قبائل العرب في ذلك بون شاسع، وهكذا سائر مَن كان في ذلك الزمن، ومع ذلك كله فمجتمعاتهم ودولهم كانت تعيش جاهلية جهلاء، وهمجية خرقاء، وعصبية هوجاء، قوامها الظلم، والطغيان، والتوحش، وقهر الضعفاء، والفساد في الأرض، والانسلاخ من كثير من القيم، وبالجملة لا تكاد تخرج عن نمط حياة الأنعام التي يستحقها كل من بعد عن الدين ونأى بنفسه عن هداه، واتخذ إلهه هواه، قال ﷻ: ﴿وَلَقَدۡ ذَرَأۡنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِۖ لَهُمۡ قُلُوبٞ لَّا يَفۡقَهُونَ بِهَا وَلَهُمۡ أَعۡيُنٞ لَّا يُبۡصِرُونَ بِهَا وَلَهُمۡ ءَاذَانٞ لَّا يَسۡمَعُونَ بِهَآۚ أُوْلَٰٓئِكَ كَٱلۡأَنۡعَٰمِ بَلۡ هُمۡ أَضَلُّۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡغَٰفِلُونَ﴾ [الأعراف: 179]، وقال ﷻ: ﴿أَمۡ تَحۡسَبُ أَنَّ أَكۡثَرَهُمۡ يَسۡمَعُونَ أَوۡ يَعۡقِلُونَۚ إِنۡ هُمۡ إِلَّا كَٱلۡأَنۡعَٰمِ بَلۡ هُمۡ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: 44].
هذا ولا تخرج الجاهلية المعاصرة عن هذا القانون، وليس ثمة ما يستثنيها ويشذ بها عنه، بل لن يكون المرء مبالغًا إن قال: إن عصرنا «المحتضر» قد غرق في أعماق بحر الجاهلية المظلم غرقًا لم يسبق إليه سابق، وتفننت في تقنين الانسلاخ من القيم، والتجرد من الرحمة، وركوب أنواع المهلكات، والتوسع في صور الفساد والإفساد، فكل ما ذكره جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه من الشرور والطوام قد بلغ في هذا العصر ذروته ونال منه النصيب الأوفر وزادوا عليه من مبتكرات الجرائم والعظائم وطرق الإفساد في الأرض ما لم يتخيله الجاهليون الأولون، وأُدخِلت المجتمعات والشعوب في مطحنة الضنك والعذاب والاضطراب فانتكست الفطر وشردت عن أصلها شرودًا بعيدًا، وضاقت الصدور ضيقًا قاتلًا، وسيطرت أنماط الحياة البهيمية سيطرة مطبقة، وهيمنت الشهوات والأهواء هيمنة تامة، وغابت عنها معاني الرحمة والرأفة والرفق فراحت تتلمسها وتتحسسها هنا وهناك، فلا تجد إلا نارًا تلظى، وجحيما مستعرًا، وضيقًا خانقًا قاتلًا، إذ غلبت على الطبائعِ الهمجيةُ والوحشية والسبعية، وتمكنت دوافع الطمع والجشع والأنانية و«المصالح» وصارت هي قواعد وأسس المعاملات والسياسات والحرب والسلم.
ومع ذلك فنرى بعض المبهورين المتهورين يغض الطرف عن كل هذه الآصار والأغلال التي تلفظ معها البشرية أنفاسها ويلتفت إلى تقنيات متقدمة، ووسائل عصرية، ليجعلها معيارًا للحكم على هذه المجتمعات المخدَّرة، ويتخذ تقنياته الفاتنة وسيلة يدفع بها في نحر مَن أراد رحمة العالمين وإنقاذهم من الجحيم العصري الملتهب، ويحاول جهده من خلال افتتانه بهذه الوسائل صدَّ كل من يراه يبحث بحثًا صادقًا عن منجاة له ومخرجٍ يجد فيه سكنه وراحته ورحمته ليرده ويرديه في هوة انتكاس الفطرة التي لا مستقرّ لها ولا سكون إلا في موطنٍ واحدٍ وهو الدين القيم الذي جاء به مَن بعث رحمة للعالمين: ﴿فَأَقِمۡ وَجۡهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفٗاۚ فِطۡرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيۡهَاۚ لَا تَبۡدِيلَ لِخَلۡقِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ﴾ [الروم: 30].
ومن هنا ندرك عظم الجريمة التي يقترفها الصادون عن سبيل الله الذين انطمست عندهم البصائر فلم يعودوا يفرقون بين حاجة فطرهم وحاجة أجسادهم، فراحوا يبحثون عن راحة أرواحهم واستقرار فطرهم وسكينة قلوبهم في المباني الراقية، والمراكب الفارهة، والتقنيات المتقدمة، فكانوا كحال من يسفك دم قتيله على طبق من ذهب، ولهذا استحق هؤلاء الصادون عن سبيل الله مضاعفة العذاب تبعًا لعظم جريمتهم وقبيح فسادهم ﴿ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ زِدۡنَٰهُمۡ عَذَابٗا فَوۡقَ ٱلۡعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يُفۡسِدُونَ﴾ [النحل: 88]، قال الإمام ابن كثير رحمه الله: «أي عذابا على كفرهم، وعذابًا على صدهم الناس عن اتباع الحق»٢٬٨٤٥تفسير ابن كثير: (ج4 / ص593)..
إذن فهذه الآية الكريمة تُعد عنوانًا جامعًا لهذه الشريعة العظيمة، فكلما كان المرء أكثر أخذًا بها وتمسكًا بأحكامها وفهمًا لمضمونها وسيرًا على طريقها كان حظه من الرحمة في نفسه وأهله ومجتمعه وعالمه كبيرًا وفيرًا، وما نَقَصه من ذلك أدى إلى نقصِ حظِّه من الرحمة بحسبه، ومِن هنا قامت قاعدة الإسلام على الاستسلام والاتباع مع تيقن المسلم المستسلم أن الخير كل الخير في تمسكه بدين الله تعالى واتّباعه لحكمه حتى ولو لم تظهر له الحِكمة، فلا يعترض عليه بِلـمَ ولا كيف؟ قال ﷻ: ﴿يُسۡـَٔلُ عَمَّا يَفۡعَلُ وَهُمۡ يُسۡـَٔلُونَ﴾ [الأنبياء: 23]، وقال ﷻ: ﴿وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمۡ عَنۡهُ فَٱنتَهُواْۚ﴾ [الحشر: 7]، ولا يرده بدعوى مناقضة عقلٍ ولا منازعة إلفٍ أو عرفٍ ولا مخالفة عصرٍ ولا معارضة سياسةٍ، ولا تكدير ذوق؛ لأنه قد استقر في أعماق قلبه أن ما يسير عليه ويهتدي به، إنما هو حُكم أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين، الذي حكَمَ فأحكم وشرع فرحم سبحانه.
ويكفي هذا لأن يكون المرء مستسلـمًا مطمئنًا راضيًا مستيقنًا بحسن العاقبة له في الدنيا والآخرة، أمَّا التوقّف عن الانقياد للحكم أو التلكؤ والتردد في ذلك حتى يظهر له ما يظنه خيرًا ويعاينه واضحًا جليًا في سائر الأحكام أو التربص حتى تعرض تلك الأحكام لما يظنه عقله الواهم من كونه ميزانًا مقوِّمًا فإن هذا مسلك رديٌّ مُردٍ، فأين علم المخلوق المحدود القاصر من عِلم الخالق الذي وسع كل شيء، فمن المعلوم قطعًا أن هذه «الضوابط» التي يريد بها بعض المتهوكين أن يجعلوها حاكمة على الشريعة غير منضبطة ولا هي قائمة على أساس ركين ثابت سواء كانت عقلية أو عرفية أو سياسية أو حضارية أو زمنية أو مكانية أو غير ذلك، فالتفاوت بين العقول ذكاءً وغباءً كما بين السماء والأرض، فبأي العقول تقوَّم الشريعة وتُحكَم أحكامها، وأعراف الناس وعاداتهم وما تواطأوا عليها واستحسنوه وألفوه منها لا يجادل مجادلٌ في اختلافها وتنوعها وتقاربها وتباعدها وتوافقها وتضادها؛ فأي الأعراف أحق بالاتباع لتكون هي القيِّمة على الشرع؟
وقل مثل ذلك فيما يسمى بالحضارة وتطور الأعصار، فإذا جعل شيء من ذلك هو الميزان الذي يرد إليه الشرع قبل قبوله والاستسلام إليه لصار دين الله شتاتًا تبعًا للأهواء المتنازعة، والعقول المتعارضة، والحضارات المتصارعة، والعادات المتدافعة، ولأصبح بذلك كغيره من الأفكار المتولدة من طول المراس والتجارب، أو المتفتقة عن توقد الأذهان وحذاقة الآراء، أو الناشئة تبعًا لتطور العصور ومثل ذلك لا يلبث أن يولد ثم يموت إن لم يولد ميتًا أصلًا، وبهذا ترجع البشرية إلى نقطة الصفر وهي البحث عن الرحمة المفقودة فتفنى الأجيال وتتبدل الدول وجحيم الأهواء هو الحاكم القائم وضنك العيش هو المتمكن.
بل كثيرًا ما يظهر للمرء أولَ الأمر أن ما سيقوم به لا خيرَ فيه أصلًا أو أن ضره أكبر من نفعه والعكس كذلك، فلو عُطِّلت الأحكام لمجرد ذلك وتوقف الأخذ بها على استيعاب العقل لها استيعابًا تامًا ومعرفة تفاصيل مداخلها ومخارجها، وإدراك دقائق حِكَمها، والاطلاع على تمام مآلاتها؛ لأدى هذا قطعًا إلى تعطيل الشرع وإبطال أحكامه، ولا يعني ذلك أنه ليس للمرء أن يعمل عقله باحثًا عن أسرار الشرع ومنقبًا عن حِكَمه التي يزداد بها إيمانًا، فهذا مجالٌ عظيمٌ يتسابق فيه المتسابقون المستسلمون للشرع المستيقنون بأحكامه وحِكَمه لا المعترضون عليه أو المتوقفون عن أخذ أحكامه إلا بعد الاعتراض عليها بعرضها على ما يشاؤون من الأوهام.
روى البخاري وغيره عن أبي جحيفة قال: «سألت عليًا رضي الله عنه هل عندكم شيء مما ليس في القرآن؟ فقال: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما عندنا إلا ما في القرآن إلا فهمًا يعطى رجل في كتابه...»٢٬٨٤٦[رواه البخاري: (٦٩١٥)]. الحديث، فالعالم المستنبط للأحكام الذي آتاه الله فهمًا لكتابه لا يتخذ عقله وفهمه ذريعةً لرد النصوص أو التوقف عن الأخذ بها أو إقامة العراقيل المتنوعة التي تصد عنها وإنما يقوم بمهمة الاستنباط المؤسس على الفهم بناءً على أن هذا الكتاب العظيم هو كلام الله ووحيه إلى نبيه ﷺ فلا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.
فتأمل قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡقِتَالُ وَهُوَ كُرۡهٞ لَّكُمۡۖ وَعَسَىٰٓ أَن تَكۡرَهُواْ شَيۡـٔٗا وَهُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۖ وَعَسَىٰٓ أَن تُحِبُّواْ شَيۡـٔٗا وَهُوَ شَرّٞ لَّكُمۡۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ﴾ [البقرة: 216].
فالنفوس -وبحسب ظاهر أمر القتال- تراه لا ينفك عن القتل، والجراح، والأسر، والتهجير، وتدمير البيوت، ومفارقة الأهل والأوطان، وإنفاق الأموال مع ما فيه من المشقة والنَّصَب والآلام وغير ذلك مما لا تكاد تحتمله، فيحصل بذلك نفرة لها من هذه العبادة وتستشعر بثقلها وتود أن لو أُريحت منها، فكشف الله لنا أمرًا وراء ما نظن بل بعكس ما قد يبدو! وهو أن الخير قد يكون فيما نكرهه، وأن الشر قد يقع من وراء ما نحبه ونألفه ونرغب فيه ونميل إليه، ثم قرر لنا أمرًا عامًا وهو الذي يبنى عليه أمر أحكام الشرع ألا وهو قصور علم المخلوق وشمول علم الخالق: ﴿يَعۡلَمُ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيۡءٖ مِّنۡ عِلۡمِهِۦٓ إِلَّا بِمَا شَآءَۚ وَسِعَ كُرۡسِيُّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَۖ وَلَا يَـُٔودُهُۥ حِفۡظُهُمَاۚ وَهُوَ ٱلۡعَلِيُّ ٱلۡعَظِيمُ﴾ [البقرة: 255]، وقال ﷻ: ﴿قُلۡ أَتُعَلِّمُونَ ٱللَّهَ بِدِينِكُمۡ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ﴾ [الحجرات: 16].
ولهذا قال الإمام ابن جرير في آية القتال السالفة: «والله يعلم ما هو خيرٌ لكم، مما هو شر لكم، فلا تكرهوا ما كتبتُ عليكم من جهاد عدوكم، وقتال من أمرتكم بقتاله، فإني أعلم أنَّ قتالكم إياهم، هو خيرٌ لكم في عاجلكم ومعادكم، وترككم قتالهم شر لكم، وأنتم لا تعلمون من ذلك ما أعلم، يحضُّهم جل ذكره بذلك على جهاد أعدائه، ويرغِّبهم في قتال من كفر به»٢٬٨٤٧[تفسير الطبري: (4/299)]..
ومثل ذلك قوله ﷻ: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ فَإِن كَرِهۡتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰٓ أَن تَكۡرَهُواْ شَيۡـٔٗا وَيَجۡعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيۡرٗا كَثِيرٗا﴾ [النساء: 19]، فالمرء قد لا يرجو من الخير إلا أن يعيش في آنه مع أهله بسعادةٍ يطلبها وراحةٍ يرنو إليها حتى إذا شابَهُ في حياته كدرٌ منها فكرهها قلبه بادر إلى طلاقها طلبًا للراحة وسعيًا وراء السعادة، فبين الله تعالى في هذه الآية أن الخير «الكثير» الذي يجعله الله تعالى قد يكون في الصبر عليها وتحمل أذاها وحسن معاشرتها، فكما ذكر العلماء قد يرزق منها بالولد الصالح فيكون عالـمًا مجاهدًا يبقى صدقة جارية لأبيه ولا خير فوق هذا الخير، فالمقصود أن نظر الإنسان قاصرٌ وعلمه محدودٌ ومعرفته بمآلات الأمور ضعيفة وهذا يستوجب منه الاستسلام لأحكام من أحاط بكل شيءٍ علـمًا ولا يخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، وخلق الإنسان ويعلم ما توسوس به نفسه وهو أقرب إليه من حبل الوريد.
ثم إن النفس مولعة بحب العاجل فميزانها في تقويم الأمور والحكم عليها بالخيرية غالبًا ما يكون قاصرًا على أمور الدنيا ومحصورًا فيما تدركه بالحواس، أما الميزان الشرعي فهو أوسع من ذلك وأعمق وأبعد لأنه يتعلق بخير الدينا والآخرة، وهذا أمرٌ لا يحصِّله إلا الذين يؤمنون بالغيب ومنه إيمانهم باليوم الآخر والذي له أعظم تأثير في كبح جماح النفس عن الشرور ودفعها إلى سبُل الخير المتنوعة، وتأمل قول النبي ﷺ: (عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له)٢٬٨٤٨[رواه مسلم: (٢٩٩٩)].، فهو بيِّنٌ فيما ذكرت.
وهذا المسلك في تقويم خيرية الأمور من أعظم الفوارق بين دين الرحمة الذي جاء من عند الله تعالى وبين ما سواه من النظم والسياسات والأديان التي لا يتعدى نظرها تحت قدميها، فعندما تقرأ قول الله تعالى: ﴿وَلَنَبۡلُوَنَّكُم بِشَيۡءٖ مِّنَ ٱلۡخَوۡفِ وَٱلۡجُوعِ وَنَقۡصٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَٰتِۗ﴾ [البقرة: 155]، ترى ما في ظاهر هذه الآية من الشدة والبلاء والضيق فهو خوفٌ وجوعٌ وقلة أموالٍ ورجال وثمرات، فبحسب الموازين الدنيوية القاصرة لا يُرى أيُّ خيرٍ في ذلك، وما الذي سيدعو الناس للصبر على مثل هذه الشدائد؟!
إلا أن أهل الإيمان بالله واليوم الآخر؛ المحتسبين فيما يصيبهم، الذين يعلمون أن المكافأة لا تتوقف عند هذه الحياة يوقنون أن هناك خيرًا عظيمًا وجزاء كريمًا قد ادُّخر لهم فتطمئن قلوبهم وتسكن نفوسهم فتنقلب شدتهم رخاءً وضيقهم سعةً ومحنتهم منحةً إذ قيل لهم ﴿وَبَشِّرِ ٱلصَّٰبِرِينَ ١٥٥ ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَٰبَتۡهُم مُّصِيبَةٞ قَالُوٓاْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيۡهِ رَٰجِعُونَ ١٥٦ أُوْلَٰٓئِكَ عَلَيۡهِمۡ صَلَوَٰتٞ مِّن رَّبِّهِمۡ وَرَحۡمَةٞۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُهۡتَدُونَ﴾ [البقرة: 155-157]، والله تعالى أعلم.
❖ ❖ ❖
لقد أتممت قراءة كتاب: وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين
يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.
تحميل الكتاب مفردًا