مناقشة بعض المسائل الشرعية التي أثيرت في الوثيقة.

قال المرشِّد في وثيقته: «ومع ضعف دولة الخلافة العثمانية في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي استولت الدول الأوروبية على معظم بلاد العالم الإسلامي؛ فقاموا بتقسيمه وإضعافه ونهب ثرواته وحرمانه من التقدم الصناعي، وإبقاء أهله في حالة من التفرق والفقر والتخلف، وفرضت ثقافتها وقوانينها على بلاد المسلمين بقوة الاحتلال العسكري؛ ثم قامت هذه الدول الأوروبية بإنشاء دولة لليهود «إسرائيل» في قلب العالم الإسلامي لإنهاكه وإذلاله.

ولا شك في أن هذا كله إنما وقع على المسلمين بذنوبهم كما قال تعالى: ﴿وَمَآ أَصَٰبَكُم مِّن مُّصِيبَةٖ فَبِمَا كَسَبَتۡ أَيۡدِيكُمۡ﴾ [الشورى: 30]، وما زال هذا التحالف المعادي يفرض وصايته على بلاد المسلمين، ويطلب منهم المزيد من التنازلات مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَلَن تَرۡضَىٰ عَنكَ ٱلۡيَهُودُ وَلَا ٱلنَّصَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمۡۗ﴾ [البقرة: 120].

... وفي التصدي للدول العظمى التي لا ترضى إلا بإذلال المسلمين وإضعافهم، ولجأت بعض الجماعات الإسلامية إلى الصدام مع السلطات الحاكمة في بلادها، أو مع الدول العظمى ورعاياها باسم الجهاد في سبيل الله تعالى من أجل رفعة شأن الإسلام.

وانتشرت الصدامات في مختلف البلدان من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، وقد خالطت هذه الصدامات كثير من المخالفات الشرعية».

ص 667

لا شك أن هذا توصيف مختصر ودقيق للواقع الذي تعيشه الأمة الإسلامية، فهو ينص على أن الدول الكبرى قد احتلت بلاد المسلمين وكانت الوارثة للدولة العثمانية، وفرضت على البلاد الإسلامية قوانينها وفرقتها على دويلات، وامتصت خيراتها ونهبت ثرواتها، وأقامت دولة اليهود ولا زالت تدعمها وتحميها عسكريًا واقتصاديًا وسياسيًا، ولا ننسى أيضًا أن هذه الدول هي التي تدعم «السلطات الحاكمة» وتحميها وتقويها وتتسلل من خلالها لتمرير مخططاتها، فحال البلاد الإسلامية اليوم يمكن وصفه بأنه «احتلال مقنن»، وربما «احتلال مقنع»؛ فظاهره هذه الحكومات العميلة الذليلة التي لا تساوي قشة، وباطنه هو الدول الكبرى الأوربية التي غلغلت أيديها وعززت مصالحها ومكنت لسياساتها في هذه البلدان.

فمختصر هذا التوصيف إذن أن بلادنا احتلت احتلالًا عسكريًا ظاهرًا قاومه المسلمون وتصدى له المجاهدون قديمًا، ثم انتقل الاحتلال إلى احتلال مبطن يؤدي نفس المهمة التي أرادوها ابتداءً، وربما اليوم بطريقة أزيد وأقوى، فهو انتقال من احتلال إلى احتلال، ومن سيطرة إلى سيطرة، ومن تغلب إلى تغلب، ومن «مداهمة» إلى «مداهمة»، ونحن لسنا بالأغرار حتى ننخدع بالأسماء كدعوات «الاستقلال» أو ننساق وراء المظاهر؛ فنزعم أننا في «حرية» بعد أن استطاع أعداؤنا وعملاؤهم المجرمون أن يفعلوا ببلداننا وشعوبنا وديننا ما لم يستطيعوا أن يصلوا إلى عشر معشاره طوال حملاتهم العسكرية المكشوفة، فماذا نستفيد أن يكون الفساد الذي يبث في بلداننا وينشر بين أجيالنا يتولاه نصراني غربي أزرق العينين، أو يوكله إلى علماني وطني خبيث تسمى باسم «حسني» أو «الحسين» أو «الحسن» أو «عبد الله» أو حتى «زين العابدين»؟!!

ص 668

إذن أيها القارئ الكريم عليك أن تحفظ وتحتفظ بهذه المقدمة المسلمة -عندنا على الأقل- وهي أن بلادنا اليوم محتلة احتلالًا حقيقيًا، وتجري عليها مشاريع الاستعمار التي داهم البلاد أصلًا لتمريرها والتمكين لها، وربما كانت تلك المشاريع في حالتها الراهنة أنشط وأقوى وأوسع وأشنع مما كان يأمل فيه، فالدين يستأصل بسياساتهم، والعقائد تجتث بمخططاتهم، والأخلاق تدمر بإعلامهم وعملائهم، والثروات تسلب وتنهب بقوانينهم ومنظماتهم، وأئمة الكفر يحمون ويصانون بحرياتهم وديمقراطياتهم، والعائدون إلى الله ينكل بهم على أيدي أنصارهم وأعوانهم، والمعتقلات امتلأت بالرافضين لسياساتهم الكاشفين لدسائسهم، وأبناء المسلمين ينشأون جيلًا بعد جيل على التبعية لهم والإعجاب بحضاراتهم وغرس الاقتداء بهم، ودساتير الكفر الصراح هي التي تحكم العباد وتسوس البلاد، وأئمة الردة وأعوانهم ينفذون ما يطلب منهم طلبًا، طلبًا، ويؤدون ما يؤمرون به أمرًا، أمرًا، غير عابئين بموافقة شرع أو مخالفته، ولو أدى ذلك إلى استئصال شعب بكامله، فقولوا لي بربكم هل كان الاستعمار الغربي وهو يشق عباب البحر بسفنه ويخرق الجو بطائراته، ويقطع الصحارى بدباباته ومدرعاته يطمح أو يطمع في أكثر مما يرى اليوم من حال أمتنا الإسلامية؟

ومع ذلك فلا يتوقف طرفة عين عن الكيد لها والمكر بها وتضعيف إذلالها، وتقوية أعدائها، وعلى رأسهم دولة اليهود التي صارت في عرف «السلطات الحاكمة» واقعًا معترفًا به ويجب التعامل معه على هذا الأساس وويل ثم ويل لمن نازع أو خالف فهذا هو الواقع إذن بكل أبعاده فما هو العلاج إذن؟!

نحن لا نشك أبدًا أن ما وقع للمسلمين من تسلط أعدائهم عليهم، وتفريقهم لبلدانهم، وحرمانهم من شريعة ربهم، إنما هو بذنوبهم وبما كسبت أيديهم، ولكن كثيرًا ما يقف الموصِّفون للداء عند هذا الحد ولا يتجاوزونه فتضرب الأوهام في كل مهمه، ويخلى بين الأمة وبين تخمينها وظنونها من غير أن يُبيَّن المرض بيانًا شافيًا محددًا، فتحسب أن تلك الذنوب التي كانت سببًا في حصول ما حصل مقصورة على المعاصي المعروفة كالربا والزنا والسفور والخمور والغناء ونحو ذلك.

ولا يكاد يخطر ببالها أن من أعظم وأهم الذنوب التي ساقتهم إلى هذا الواقع المرير هو تركهم الجهاد في سبيل الله تعالى، بل ولا يستشعر الكثيرون أن ترك الجهاد هو معصية تجر الويلات في الدنيا قبل الآخرة، ولهذا فتجد كثيرًا ممن يسعى لوصف الدواء لإخراج أمة الإسلام من محنتها يحوم حول ذكر الجهاد حومًا ويتفادى التصريح بتوصيفه كدواء رباني وشفاء نبوي نصت عليه الآيات القرآنية والسنن النبوية.

قال الله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَا لَكُمۡ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱثَّاقَلۡتُمۡ إِلَى ٱلۡأَرۡضِۚ أَرَضِيتُم بِٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا مِنَ ٱلۡأٓخِرَةِۚ فَمَا مَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا فِي ٱلۡأٓخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ٣٨ إِلَّا تَنفِرُواْ يُعَذِّبۡكُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا وَيَسۡتَبۡدِلۡ قَوۡمًا غَيۡرَكُمۡ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيۡـٔٗاۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ﴾ [التوبة: 38-39].

قال الإمام ابن العربي المالكي رحمه الله في هذه الآية: «فيها مسألتان:

ص 669

المسألة الأولى: هذا تهديد شديد، ووعيد مؤكد، في ترك النفير: ومن محققات مسائل الأصول أن الأمر إذا ورد فليس في وروده أكثر من اقتضاء الفعل؛ فأما العقاب عند الترك فلا يؤخذ من نفس الأمر، ولا يقتضيه الاقتضاء؛ وإنما يكون العقاب بالخبر عنه، كقوله: إن لم تفعل كذا عذبتك بكذا، كما ورد في هذه الآية؛ فوجب بمقتضاها النفير للجهاد، والخروج إلى الكفار لمقابلتهم على أن تكون كلمة الله هي العليا.

المسألة الثانية: في نوع العذاب: قال ابن عباس: هو حبس المطر عنهم.

فإن صح ذلك فهو أعلم من أين قاله، وإلا فالعذاب الأليم هو الذي في الدنيا باستيلاء العدو على من لم يستول عليه، وبالنار في الآخرة، وزيادة على ذلك استبدال غيركم، كما قال الله سبحانه: ﴿وَإِن تَتَوَلَّوۡاْ يَسۡتَبۡدِلۡ قَوۡمًا غَيۡرَكُمۡ﴾ [محمد: 38]»١٬٢٥٠أحكام القرآن (4/301)..

وقال العلامة الطاهر بن عاشور رحمه الله: «والعقوبات الدنيوية مصائب تترتّب على إهمال أسباب النجاح، وبخاصّة ترك الانتصاح بنصائح الرسول ﷺ، كما أصابهم يوم أُحد، فالمقصود تهديدهم بأنّهم إن تقاعدوا عن النفير هاجمهم العدوّ في ديارهم فاستأصلوهم وأتى الله بقوم غيرهم»١٬٢٥١التحرير والتنوير (6/286)..

ومن العذاب الأليم الذي ذكره الله ﷻ في هذه الآية ما جاء في حديث النبي ﷺ من تكالب الأمم علينا وتداعيها كما تتداعى الأكلة على قصعتها وهو حال الأمة اليوم عندما تركت الجهاد وهجرت الإعداد وجنحت إلى الدعة والكسل، وقنعت بالخمول والراحة، واشتغلت بالدنيا وجعلتها أكبر همها وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون.

قال النبي ﷺ: (إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم)١٬٢٥٢رواه أبو داد وغيره عن ابن عمر رضي الله عنهما، [وسبق في: (ص 664)]..

ص 670

وعن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: (يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير، ولكن غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن، قال قائل: يا رسول الله وما الوهن؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت)١٬٢٥٣رواه أبو داود [4297] والبيهقي في شعب الإيمان [٩٨٨٧]، [ورواه أحمد: (٢٢٣٩٧)، وصححه الألباني]..

وعن أبي بكر رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: (ما ترك قوم الجهاد إلا عمهم الله بالعذاب)١٬٢٥٤رواه الطبراني [في الأوسط: (٣٨٣٩)] وحسنه الشيخ الألباني [في صحيح الترغيب والترهيب: (1392)]..

والأمة حينما ترجح الدنيا وتفخمها أمام الدين وتجعلها أولى عناية، وأكثر رعاية، وأعظم اهتمامًا، فإنها تهون على الله تعالى وتعرض نفسها لسخطه، ومن أوضح الأدلة على صدق ولائها للدين، وجدها في نصرته، وحرصها على تقديمه هو إيثارها للجهاد على سائر الدنيا، الذي يعد أنصع دليلٍ على صدق محبتها لله تعالى ولرسوله ولشريعته، ومن هنا فكثيرًا ما تجد الأمر بالنفير للجهاد يقابله التحذير من التثاقل إلى الأرض، والاشتغال بعرض الدنيا الزائل، فإما جهادٌ وإيثارٌ للتضحية والاجتهاد في توفية البيعة من الله فيُنَال بذلك النصر والحفظ، وإما تخاذلٌ وشحٌ وجبنٌ فيحل العذاب ويتنزل الذل وتعم النقمة كما قال الله تعالى: ﴿قُلۡ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمۡ وَأَبۡنَآؤُكُمۡ وَإِخۡوَٰنُكُمۡ وَأَزۡوَٰجُكُمۡ وَعَشِيرَتُكُمۡ وَأَمۡوَٰلٌ ٱقۡتَرَفۡتُمُوهَا وَتِجَٰرَةٞ تَخۡشَوۡنَ كَسَادَهَا وَمَسَٰكِنُ تَرۡضَوۡنَهَآ أَحَبَّ إِلَيۡكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَجِهَادٖ فِي سَبِيلِهِۦ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّىٰ يَأۡتِيَ ٱللَّهُ بِأَمۡرِهِۦۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَٰسِقِينَ﴾ [التوبة: 24].

قال العلامة الخازن في تفسير هذه الآية: «فبيّن الله ﷻ أنه يجب تحمل جميع المضار في الدنيا ليبقى الدين سليمًا وأخبر أنه كانت رعاية هذه المصالح الدنيوية عندكم أولى من طاعة الله وطاعة رسوله ومن المجاهدة في سبيل الله ﴿فَتَرَبَّصُواْ﴾ [التوبة: 24]؛ أي فانتظروا، ﴿حَتَّىٰ يَأۡتِيَ ٱللَّهُ بِأَمۡرِهِۦۗ﴾ [التوبة: 24]؛ يعني بقضائه وهذا أمر تهديد وتخويف... وفي هذا دليل على أنه إذا وقع تعارض بين مصالح الدين ومصالح الدنيا وجب على المسلمين ترجيح مصالح الدين على مصالح الدنيا»١٬٢٥٥لباب التأويل في معاني التنزيل: (3 / 242)..

ص 671

ومثل من يصف الداء والدواء للأمة متجاوزًا الجهاد أو مقللًا من شأنه كمثل رجلٍ عطشان يلفحه حر الشمس وما بينه وبين الماء إلا خطوات يخطوها مع شيء من الجهد ثم يذهب عنه ما يجد فيقول له قائل -وهو يرى الماء بعيني رأسه-: كل هذا بسبب بقائك في الشمس وتركك للاستظلال لتتقي وهجها وارتمائك فوق هذه الأرض اللاحبة، فما يذكره هذا «الناصح» كله صحيح من جهة أنه أحد أسباب العطش وازدياده، ولكن هل يقول قائل: إنه إن اتقى الشمس وتزحزح إلى أشد الأماكن برودة، وافترش الحرير، هل يقول قائل إنه بذلك سيُزال عطشه وتبرد كبده؟! أم أن كل عاقل يرى إنسانًا في هذه الحال يرشده إلى الماء ويدله على الطريق الموصل ليشرب منه حتى يرتوي ثم يزيده نصحًا بأن يبتعد عن أسباب العطش الأخرى؟!

هذا هو حال الأمة مع الجهاد، وهو السبيل الوحيد لإنقاذها من وضعها المزري، ومهما بذلنا من جهد واستفرغنا من وسع في غير هذا الطريق فإننا بيقين سنبقى بعيدين كل البعد عن الوصول إلى الغاية المرجوة وعلى رأسها إقامة الدين والتمكين لشريعة رب العالمين وتحطيم كل الآلهة -بشرية كانت أم رمزية- التي تحول بيننا وبين عبادة ربنا كما يحب ويرضى.

وقد أخبرنا الله تعالى أن كل مصيبة حلت بنا سواء في أنفسنا أو أهلينا أو أموالنا فمرجعها إلى المعاصي وما كسبت الأيدي كما قال ﷻ: ﴿وَمَآ أَصَٰبَكُم مِّن مُّصِيبَةٖ فَبِمَا كَسَبَتۡ أَيۡدِيكُمۡ وَيَعۡفُواْ عَن كَثِيرٖ﴾ [الشورى: 30].

قال الإمام ابن جرير رحمه الله: «وما يصيبكم أيها الناس من مصيبة في الدنيا في أنفسكم وأهليكم وأموالكم ﴿فَبِمَا كَسَبَتۡ أَيۡدِيكُمۡ﴾ [الشورى: 30]، يقول: فإنما يصيبكم ذلك عقوبة من الله لكم بما اجترمتم من الآثام فيما بينكم وبين ربكم ويعفو لكم ربكم عن كثير من إجرامكم، فلا يعاقبكم بها»١٬٢٥٦تفسير الطبري: (21 / 538)..

ص 672

وهذه كما أنها قضية عامة، وأصل كلي دلت عليه أدلة أخرى، إلا أن الجهاد بخصوصه قد جاءت آيات وأحاديث تدل على أن من المصائب ما يترتب على تركه مباشرة كما في الآيات التي ذكرتها أعلاه، فمن الخطأ إذن حينما نقرر هذه المسألة وندعو الناس إلى التوبة والاستغفار وترك المعاصي والإقلاع عن الذنوب من الخطأ أن نحصر أفهامهم في خطايا محددة ونصرفهم إليها ونحول بينهم وبين تعريفهم بالسبب الخاص والمباشر في بعض ما نزل عليهم من العقاب والمصائب، والذي لا يمكن التوصل إلى رفعها وإزالتها أو تخفيفها إلا بالتوبة منه، كما قال ﷻ: ﴿إِلَّا تَنفِرُواْ يُعَذِّبۡكُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا وَيَسۡتَبۡدِلۡ قَوۡمًا غَيۡرَكُمۡ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيۡـٔٗاۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ﴾ [التوبة: 39].

ولا يعني هذا أننا نهون من شأن باقي المعاصي والموبقات، فإننا نعلم أن شريعة الله يرتبط بعضها ببعض، وهي كالجسد الواحد يزداد قوة باكتماله ويضعف بذهاب شيء من أعضائه، وأنه بقدر حسن علاقتنا بالله ﷻ وبحسب استجابتنا لأمره وأمر رسوله ﷺ -ومنه الجهاد- يتنزل علينا نصر الله، ويدافع عنا، كما قال ﷻ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرۡكُمۡ وَيُثَبِّتۡ أَقۡدَامَكُمۡ﴾ [محمد: 7]، وقال سبحانه: ﴿۞إِنَّ ٱللَّهَ يُدَٰفِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٖ كَفُورٍ﴾ [الحج: 38]،.

ولعله من الحكمة -والله تعالى أعلم- جاء الإذن بالقتال عقب هذه الآية حتى لا يفهم بعض الناس أن مدافعة الله -وهو القوي العزيز- عن المؤمنين يُسقط عنهم تبعة الجهاد ويعفيهم من تكاليفه ومعاناته، فأذن الله سبحانه لهم بالقتال ليأخذوا له أهبته، ويحصلوا أسبابه، ويدافعوا به عدوهم، ويردوا عاديته مع علمهم أن الله ناصرهم ومؤيدهم ومدافعٌ عنهم، ففي الآيتين جمعٌ بين تمام التوكل وكمال الثقة بالله ﷻ مع الأخذ بالأسباب الممكنة ولهذا قال الله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَٰتَلُونَ بِأَنَّهُمۡ ظُلِمُواْۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصۡرِهِمۡ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: 39].

ص 673

ثم اطلعت على كلامٍ للأستاذ سيد قطب رحمه الله عند هذه الآية يصب في نفس المعنى، فكان مما قاله طيب الله ثراه: «فقد ضمن للمؤمنين إذن أنه هو تعالى يدافع عنهم. ومن يدافع الله عنه فهو ممنوع حتمًا من عدوه، ظاهر حتمًا على عدوه... ففيم إذن يأذن لهم بالقتال؟ وفيم إذن يكتب عليهم الجهاد؟ وفيم إذن يقاتلون فيصيبهم القتل والجرح، والجهد والمشقة، والتضحية والآلام... والعاقبة معروفة، والله قادر على تحقيق العاقبة لهم بلا جهد ولا مشقة، ولا تضحية ولا ألم، ولا قتل ولا قتال؟

والجواب: أن حكمة الله في هذا هي العليا، وأن لله الحجة البالغة... والذي ندركه نحن البشر من تلك الحكمة ويظهر لعقولنا ومداركنا من تجاربنا ومعارفنا أن الله ﷻ لم يرد أن يكون حملة دعوته وحماتها من «التنابلة» الكسالى، الذين يجلسون في استرخاء، ثم يتنزل عليهم نصره سهلًا هينًا بلا عناء، لمجرد أنهم يقيمون الصلاة ويرتلون القرآن ويتوجهون إلى الله بالدعاء، كلما مسهم الأذى ووقع عليهم الاعتداء!

نعم إنهم يجب أن يقيموا الصلاة، وأن يرتلوا القرآن، وأن يتوجهوا إلى الله بالدعاء في السراء والضراء، ولكن هذه العبادة وحدها لا تؤهلهم لحمل دعوة الله وحمايتها؛ إنما هي الزاد الذي يتزودونه للمعركة، والذخيرة التي يدخرونها للموقعة، والسلاح الذي يطمئنون إليه وهم يواجهون الباطل بمثل سلاحه ويزيدون عنه سلاح التقوى والإيمان والاتصال بالله.

لقد شاء الله تعالى أن يجعل دفاعه عن الذين آمنوا يتم عن طريقهم هم أنفسهم كي يتم نضجهم هم في أثناء المعركة..»١٬٢٥٧في ظلال القرآن: (5 / 199)..

وأنا أنصح كل مجاهد بل كل مسلم أن يرجع إلى ما كتبه الأستاذ سيد رحمه الله في هذا الموطن ففيه من الكنوز والدرر ما لا يستغني عنه مستغنٍ.

ص 674

ونظير هذا ما جاء في سورة الأنفال من أمر الله تعالى للمؤمنين بإعداد ما استطاعوا من القوة عقب قوله: ﴿وَلَا يَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُوٓاْۚ إِنَّهُمۡ لَا يُعۡجِزُونَ﴾ [الأنفال: 59]، لئلا يفرطوا في الأخذ بما يمكن أخذه من الأسباب التي أمر الله ﷻ بتحصيلها وتكميلها وحتى لا يتكلوا على مجرد علمهم بقدرة الله تعالى على الانتقام من الكفرة وإنزال عقوبته بهم، قال العلامة الطاهر بن عاشور رحمه الله: «لأنّ قوله: ﴿وَلَا يَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُوٓاْۚ﴾ [الأنفال: 59]، يُفيد توهينًا لشأن المشركين، فتعقيبه بالأمر بالاستعداد لهم؛ لئلا يحسب المسلمون أنّ المشركين قد صاروا في مكنتهم، ويلزم من ذلك الاحتِراسِ أنّ الاستعداد لهم هو سبب جعْل اللَّهِ إيّاهم لا يُعجزون اللَّهَ ورسوله، لأنّ الله هيّأ أسباب استئصالهم ظاهرها وباطنها»١٬٢٥٨التحرير والتنوير: (6 / 183)..

وتأمل كيف حاد المرشِّد عن تسمية الخروج على هؤلاء الحكام المجرمين بالجهاد واستبدل به عبارة «الصدام مع السلطات الحاكمة»، أو أن كل ما يحصل إنما هو «باسم الجهاد»، فقال: «ولجأت بعض الجماعات الإسلامية إلى الصدام مع السلطات الحاكمة في بلادها، أو مع الدول العظمى ورعاياها باسم الجهاد في سبيل الله تعالى من أجل رفعة شأن الإسلام، وانتشرت الصدامات..».، فلماذا يتهرب الكاتب من تسمية ما كان يقرره في كتبه ويؤصله في أبحاثه بالجهاد، أم أن هذا هو أحد تدوينات أو تعديلات أو إملاءات «السلطات الحاكمة» و«الجهات المختصة» التي زينت بها وثيقة الترشيد، فكان من ترشيدها للمجاهدين هو نزع المصطلحات الشرعية ذات الوقع الخاص في القلوب والتأثير البالغ في النفوس كالجهاد وإحلال عبارات التنفير محله فكان لفظ «الصدام» هو أنسبها وأَلْيَقها.

❖ ❖ ❖

صدام السلطات أم جهادها؟

قال المرشِّد في وثيقته: «وانتشرت الصدامات في مختلف البلدان من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، وقد خالطت هذه الصدامات كثير من المخالفات الشرعية مثل: القتل على الجنسية، والقتل بسبب لون البشرة، أو الشعر والقتل على المذهب، وقتل من لا يجوز قتله من المسلمين

ومن غير المسلمين، والإسراف في الاحتجاج بمسألة التترس لتوسيع دائرة القتل، واستحلال أموال المعصومين وتخريب الممتلكات، ولا شيء يجلب سخط الرب ونقمته كسفك الدماء وإتلاف الأموال بغير حق، وهذا من موجبات الخذلان في الدنيا، والحرج والمؤاخذة في الآخرة..»..

ص 675

من يقرأ هذا المقطع من الوثيقة وينظر فيما تضمنه من قائمة التهم السوداء، ثم يُلصق تلك التهم بأية طائفة من الطوائف لن يخرج بحقيقة أوعى من كون هذه الطائفة وأصحابها إنما هم عصابة من المجرمين القتلة السراق المفسدين في الأرض الذين لا يتحاشون عن حرمة، ولا يقفون عند حد، ولا ينكفون بوازع، ولا يرعوون بمانع، فما أحراهم -وفق هذه الأوصاف- بقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَٰٓؤُاْ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَسۡعَوۡنَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوٓاْ أَوۡ يُصَلَّبُوٓاْ أَوۡ تُقَطَّعَ أَيۡدِيهِمۡ وَأَرۡجُلُهُم مِّنۡ خِلَٰفٍ أَوۡ يُنفَوۡاْ مِنَ ٱلۡأَرۡضِۚ ذَٰلِكَ لَهُمۡ خِزۡيٞ فِي ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: 33].

فالمرشِّد يقول: «وانتشرت الصدامات»، وكما نبهنا سابقًا فهو يتحاشى إطلاق كلمة الجهاد على مواجهة «السلطات الحاكمة»، مع أنه هنا قال: «وقد خالطت هذه الصدامات..».، وهذا يُفهِم أن مؤاخذاته ليست على نفس «الصدامات»، وإنما فقط على ما صاحبها من المخالفات الشرعية التي ادعاها، فإذا كان نفس «الصدام» مع السلطات الحاكمة، ليس انحرافًا شرعيًا فهلا سماه لنا باسمه الشرعي ليعرفه الناس ويثبتوا عليه ويجتهدوا في تدعيمه وتقويته؟ أم أن القلم الذي أجرى هذه الكلمات لم يَعتَد كتابة المصطلحات الشرعية ولا يطاوعه الجريان بها، فوجد نفسه ينساق تلقائيًا وراء ما ألِفه وشب وشاب عليه، وكل إناء بالذي فيه ينضح؟

أما قائمة التهم السوداء ذات البنود الثمانية التي سوِّدت بها الوثيقة، فأولى الناس بها هم المشرفون على إعداد وإخراج ونشر هذه الوثيقة، وإثبات ذلك في حقهم لا يحتاج إلى إجهاد وكثرة تدقيق؟ فليس يصح في الأذهان شيء متى احتاج النهار إلى دليل، ومع ذلك نقول: هلا قال لنا المرشِّد أو المرشدون، ماذا يقصدون بالقتل على الجنسية؟ فصلوا لنا القول وبيّنوه، فالمزاعم يتقنها كل أحد وهي يسيرة على من أراد امتهانها، فهل المقصود به أن المجاهدين الذين أشعلوا نار «الصدامات» من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب يستحلون قتل الناس بمجرد انتمائهم إلى دولة من الدول، بغض النظر عن دينهم؟ فيقتلون الأوربي بمجرد أنه أوربي، أو الأمريكي لمجرد أنه أمريكي، أو الأفريقي لمجرد أنه أفريقي؟

ص 676

وإذا كان الأمر كما يزعمون فما بال ساحات الجهاد في مشارق الأرض ومغاربها تكتظ بالنافرين إليها من كل دولة ومن كل «جنسية»؟ ولماذا لم يستهدف أهل «الصدامات» أصحاب الجنسيات لأجل «جنسيتهم» وهم بجوارهم وفي صفهم ولا يحوجهم ابتغاء قتلهم إلى كلفة ولا عنت؟ فالحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، فإذا كانوا يستهدفون الأمريكي لمجرد أنه يحمل «الجنسية الأمريكية» أو الفرنسي أو البريطاني أو الإيطالي أو الأسترالي كذلك، فلماذا يبقونهم بينهم ويرضون بهم جنودًا في جماعاتهم، ويخاطرون ويغامرون ويقطعون البحار والأقطار ليصلوا إليهم في عقر دارهم؟!

ومفهوم الجنسية -عند أهلها- هو، هو، سواء حمله المسلم، أم النصراني، أم اليهودي، أم المجوسي، أم الشيوعي، والقتل عليها؛ يعني أن تكون دماء هؤلاء كلهم مستباحة عند «أصحاب الصدامات» على حدٍ سواء، وإنما يفرق بينها تجويزًا وتحريمًا انتماؤهم لهذه الجنسية أم تلك، هذا هو مقتضى كلام المرشد الذي يقرر فيه أن المجاهدين يقتلون على الجنسية، وما نقول إلا سبحانك هذا بهتان عظيم.

وهل رأيتم -معاشر العقلاء- طائفة من الطوائف قد ضمت في صفوفها من مختلف «الجنسيات» كما ضمت طوائف المجاهدين في سائر الساحات التي يخوضون فيها معاركهم مع أعدائهم من مختلف «الجنسيات» أيضًا، أم أن التحذير من القتل على الجنسية اكتشفه «المرشِّد» خلال سنوات التغييب في السجن وكان غافلًا أو ساكتًا عنه أو مشاركًا فيه طوال السنين التي قضاها مع المجاهدين وبينهم؟

وأقبح من هذا القول زعمهم أن المجاهدين يقتلون على لون البشرة والشعر، فهلا زادوا القائمة سوادًا على سوادها وأضافوا إليها القتل على اللغة، والطول، والقصر، والسمنة، والضعف، والعرج، والاستواء حتى تكتمل المهزلة!!

ومثل ذلك قول المرشد: «والقتل على المذهب».

ص 677

ولا ندري ماذا يقصد بالضبط بقوله: «القتل على المذهب»، ولعله أو لعلهم يعنون به قتال المجاهدين للروافض في العراق، وهذه نقلة نوعية ضمن النقلات التي تضمنتها الوثيقة، حيث يعد ما عليه أهل الرفض مجرد «مذهب»، وهو إيحاء مقصود وليست زلة قلم مغزاها أحد أمرين:

- إما تقريب الرافضة بهذا الوصف حتى يشعر الجميع بأنهم كغيرهم من «أهل المذاهب» الإسلامية التي ينبغي أن تحترم وتوقر وتحرَّم دماء أهلها تحريما تامًا.

- وإما أن يكون المقصود هو إيهام القارئ بأن المجاهدين يستحلون دماء أهل المذاهب الإسلامية المعروفة: الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنبلية.

فمؤدى العبارة على كل حال، إما تحسين صورة الروافض المجرمين بإعطائهم هذا الوصف، وإما تقبيح صورة المجاهدين لكونهم يستهدفون أهل مذاهب الإسلام، وكلاهما خطتا خسف نعوذ بالله منهما.

وإلا فليقل لنا الكاتب أو الكُتَّاب ما المقصود بالقتل على المذهب وأين وقع ومتى وكيف اكتشفتم أن علة القتل عند المجاهدين هي «التمذهب» وهل يمكن إخراج مدلول العبارة عن أحد المعنيين الَّذيْنِ أشرنا إليهما؟!

ونحوه قوله: «وقتل من لا يجوز قتله من المسلمين ومن غير المسلمين، والإسراف في الاحتجاج بمسألة التترس لتوسيع دائرة القتل، واستحلال أموال المعصومين، وتخريب الممتلكات».

وفي كل هذه التهم الباطلة نقول: قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين، وما أيسر إلقاءها وتسويد الصفحات بها حينما لا تستند على بينة ولا تعتمد على برهان، ولعله يأتي شيء من التفصيل في تفنيد هذه الدعاوى أثناء المناقشات المختلفة لهذه الوثيقة والله المستعان.

ص 678

قال المرشد: «والموقعون على هذه الوثيقة إذ يعلنون عدم رضاهم عن هذه المخالفات الشرعية وما أدت إليه من مفاسد، فإنهم يذكرون أنفسهم وعموم المسلمين ببعض الضوابط الشرعية المتصلة بفقه الجهاد، ويعلنون التزامهم بهذه الضوابط الواردة بهذه الوثيقة، ويدعون غيرهم من المسلمين وبصفة خاصة الأجيال الناشئة من شباب الإسلام إلى الالتزام بها وألا يقعوا فيما وقع فيه من سبقهم من مخالفات شرعية عن جهل بالدين أو عن تعمد، فلا هم أقاموا الدين ولا أبقوا على الدنيا».

نقول: قبل الخوض في عدم الرضا عن هذه «المخالفات الشرعية»؛ فيلزم تحقيق وجودها في المجاهدين بهذه الكيفية التي ذكرها المرشد ووقع عليها الموقعون -إن كان هناك موقعون-، فكما يقال: ثبت العرش ثم انقش، أما اختلاق مخالفات واستخراج انحرافات، أو تضخيم بعض الأخطاء التي لا يسلم منها عاملٌ لدين الله تعالى ثم الخروج بهذه النتيجة المقيتة التي توصلت إليها الوثيقة من أن المجاهدين «لا هم أقاموا الدين ولا أبقوا على الدنيا»، فهذا تضليلٌ للأجيال الناشئة من شباب الإسلام وليس بتذكير ولا ترشيد، وما الضوابط الواردة في هذه الوثيقة والتي أعلن الموقعون عليها التزامهم بها ويدعون غيرهم من المسلمين لذلك، ما هي إلا آصارٌ وأغلال يراد منها تكبيل الجهاد وتصفيد المجاهدين ليبقى الطغاة المجرمون الذين «لا هم أقاموا الدين ولا أبقوا على الدنيا» يتنعمون بطغيانهم، ويتمادون في فسادهم وإفسادهم، وقد وجدوا لأنفسهم سياجًا شرعيًا من الترشيد الذي يصون عروشهم، ويدرأ عن جيوشهم، ويفسح لهم المجال في أن يفعلوا ما شاؤوا وقد أمنوا تخريب «أهل الصدامات» الذين كانوا ينكدون الحياة وينغصون متعة العيش على «السلطات الحاكمة» وصدق الله ﷻ إذ يقول: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ لَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ قَالُوٓاْ إِنَّمَا نَحۡنُ مُصۡلِحُونَ ١١ أَلَآ إِنَّهُمۡ هُمُ ٱلۡمُفۡسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشۡعُرُونَ﴾ [البقرة: 11-12].

ووالله ثم والله لولا الجهاد والمجاهدون، وما سُفك من دمائهم، وتطاير من أشلائهم، وما لاقوه من البلاء والعناء، والشدة واللأواء، وما صاحب ذلك من صبر ومصابرة، لما وجد المرشِّد ولا الموقعون، فرصتهم بأن يبلِّغوا «إرشاداتهم وضوابطهم ونصائحهم» لتخرج من وسط مقابر الأحياء، وتتلقفها وسائل الإعلام، وتطير بها في الآفاق نشرًا وتحليلًا حتى يسمع بها القاصي والداني.

ص 679

تلك «المقابر الجماعية» التي سُدت أبواب الولوج والخروج على أصحابها السنوات الطوال، والتي وضع كثير منهم في توابيت من الغرف الصماء، وقطعت صلاتهم بالحياة والأحياء، ها هي اليوم تنفذ من خلالها كلمات «التوجيه» ووثائق «الترشيد» كوسيلة جديدة لتخفيف وطأة المجاهدين بعد أن شعر فرعون وجنده بالخطر الذي بدأ يداهم ملكهم وعروشهم، وأدركوا أن سياسة البطش والتنكيل والتقتيل لا تجدي نفعًا ولا تحدث ردعًا فقذفوا لنا من وسط مقابرهم الجماعية بهذه الوثيقة.

فلو لم يكن من مكاسب المجاهدين الذين تصفهم الوثيقة بأنهم «لا هم أقاموا الدين» إلا التوسعة التي حصلت لأسرى المسلمين، لكفى، فكيف والأمر أكبر من ذلك بكثير، وجاءت نتائج جهادهم وصبرهم -بفضل الله- أعظم وأجل مما يرسمه خيال كل متخيل، وقد نطق بهذه الحقيقة أعداؤهم -وهم مرغمون كارهون- قبل غيرهم، ولا يغيب ذلك إلا عن تائه لا يفقه من معاني «إقامة الدين» شيئًا، أو جاحد معاند يطمر الحقائق ويلبس على الناس أمر دينهم.

وليس هذا الموطن بمحل بيان وحصر ما «أقامه» المجاهدون من دين الله ﷻ، وأحيوه مصداقًا لقول الله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱسۡتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمۡ لِمَا يُحۡيِيكُمۡۖ﴾ [الأنفال: 24]، كما قال بعض السلف: «للحرب التي أعزكم الله بها بعد الذل، وقوّاكم بعد الضعف، ومنعكم بها من عدوكم بعد القهر منهم لكم»١٬٢٥٩تفسير الطبري: (13 / 465)..

ولكن لا بأس من ذكر بعض تلك الأمور العظيمة من دين الله تعالى التي «أقاموها» وأعادوها حية غضة نضرة بعد أن كاد الطغاة من أهل الشرق والغرب أن يجتثوها من قلوب الناس كما أقصوها من واقعهم إلا من رحم الله فمن ذلك:

الأول: إحياء فريضة الجهاد قولًا وعملًا، ونشرِ فقهها بين الناس، وإعلام المسلمين من جهة الشرع أولًا والواقع ثانيًا أن مخرجهم الوحيد مما هم فيه من ظلم الطغاة، والخضوع لأحكامهم، والتشرذم الواقع بينهم إنما هو بطريق الجهاد في سبيل الله.

ص 680

وإيصال هذه الحقيقة للناس -ولو بصورة ناقصة- لم يكن بالأمر اليسير، بل كان دونها من البلاء والتمحيص والمحن ما لا يعلم قدره إلا الله وحده، أما اليوم وبفضل الله أولًا، ثم بما أنعم به على المجاهدين من الصبر في ميدان القتال والمحاجة على حد سواء، فقد أصبحت أحكام الجهاد التي دفنت عقودًا ترجع إلى موضعها، وتأخذ حقها من البحث والتقرير، والمناظرة، والفتاوى، ولا أدل على ذلك من خروج هذه الوثيقة، لتحريف سير الجهاد العلمي والعملي بعد أن أخذ موضعه الذي كان ينبغي أن يكون عليه منذ أمد بعيد.

الثاني: فضح الطغاة المجرمين، وكشف زيوفهم للناس، وإظهارهم على حقيقتهم، وما هم عليه من العداء السافر للإسلام، والولاء المطلق للكفار من اليهود والنصارى، وإدخالهم في دائرة من يجب جهادهم تمامًا كما يجب جهاد غيرهم، وأن وطنيتهم وقوميتهم وقربهم وأسماءهم وألسنتهم لا تشفع لهم ولا تمنع من منابذتهم، فكل منصف متجرد يدرك البون الشاسع بين ما كان عليه هؤلاء الحكام المرتدون من تبجيل شعوبهم لهم، وهتافها ليلًا ونهارًا ببطولاتهم وشعاراتهم، وتمجيدها لهزائمهم ونكباتهم التي كسوها ثوب «الانتصارات والفتوحات» وبين ما آل إليه أمرهم من كراهية تلك الشعوب لهم، ونقمتها عليهم، بل واستخفافها بهم، ومعرفتها بعمالتهم وخيانتهم، وتيقنها بكذبهم ودجلهم، وإدراكها عداوتهم لدين الإسلام وتنكرهم له.

وهذه النقلة في حياة الشعوب وإن كانت على مستويات متفاوتة بين الدول، بل وربما في الدولة الواحدة، إلا أنها في الجملة هي الغالبة والشائعة حتى بدأ الطغاة يشعرون بالخطر الحقيقي الذي يتهددهم، وأنهم أصبحوا ينتقلون شيئًا فشيئًا إلى دائرة العزلة والتقوقع، ومن هنا أصبح أسيادهم من الأمريكان وغيرهم يبحثون عن بديل حقيقي يمكنه أن يجمع بين أمرين: إرضاء الشعوب وإعطائها شيئا من مطالبها وحقوقها، وتلبية رغبات الغرب الكافر والاستمرار في تدفق خيرات بلدان المسلمين من نفط وغيره عليهم.

ص 681

الثالث: تعزيز عقيدة الولاء والبراء في قلوب المسلمين، وهذا من أعظم ما أحيته فريضة الجهاد بعد انتشار صيتها، وهو أوثق عرى الإيمان، بل هو الطريق لاستكماله والذي به يتم التمكين في الأرض كما قال النبي ﷺ: (من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان)١٬٢٦٠رواه أبو داود [(٤٦٨١) وصححه الألباني]، والطبراني [٧٦١٣] وغيرهما عن أبي أمامة رضي الله عنه..

الرابع: كشف ما تدعيه الدول الغربية الكافرة، من حريات مزيفة، ومساواة مزعومة، وتسامح مقنع، فانفضحت على رؤوس الأشهاد، وظهر للعيان، الحقيقة القرآنية الأصيلة التي بينها لنا الله ﷻ بقوله: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ بِطَانَةٗ مِّن دُونِكُمۡ لَا يَأۡلُونَكُمۡ خَبَالٗا وَدُّواْ مَا عَنِتُّمۡ قَدۡ بَدَتِ ٱلۡبَغۡضَآءُ مِنۡ أَفۡوَٰهِهِمۡ وَمَا تُخۡفِي صُدُورُهُمۡ أَكۡبَرُۚ قَدۡ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِۖ إِن كُنتُمۡ تَعۡقِلُونَ ١١٨ هَٰٓأَنتُمۡ أُوْلَآءِ تُحِبُّونَهُمۡ وَلَا يُحِبُّونَكُمۡ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱلۡكِتَٰبِ كُلِّهِۦ وَإِذَا لَقُوكُمۡ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوۡاْ عَضُّواْ عَلَيۡكُمُ ٱلۡأَنَامِلَ مِنَ ٱلۡغَيۡظِۚ قُلۡ مُوتُواْ بِغَيۡظِكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ١١٩ إِن تَمۡسَسۡكُمۡ حَسَنَةٞ تَسُؤۡهُمۡ وَإِن تُصِبۡكُمۡ سَيِّئَةٞ يَفۡرَحُواْ بِهَاۖ وَإِن تَصۡبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لَا يَضُرُّكُمۡ كَيۡدُهُمۡ شَيۡـًٔاۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعۡمَلُونَ مُحِيطٞ﴾ [آل عمران: 118-120]، فبسطوا أيديهم وألسنتهم بالسوء وساندت حكوماتهم سفهاءهم وأغرتهم بالاستهزاء الصريح بدين الإسلام والنيل من أصوله المقدسة وثلبها، وصعرت خدها فلم ترتض حتى بمجرد الاعتذار عما ارتكبه سفلتها، وأبت الأخذ على أيديهم وعدت أفعالهم الشنيعة لا تخرج عن دائرة «حرية التعبير» المقدسة، ولو أدت قداستها إلى نسف كل شيء مقدس عند المسلمين، وهذه الحقائق المذهلة لم تكن لتظهر للعيان، وتتميز بها سبيل المؤمنين عن سبيل المجرمين لولا الجهاد في سبيل الله والإصرار عليه والتمسك به.

ص 682

وفي هذا الإطار أيضًا اكتشف الناس أن العداوة التي يكنها أعداء الإسلام لم تكن عداوة على مجرد أرض، ولا مال، ولا سياسات، ولا غير ذلك، وإنما هي عداوة دينية عقدية غلفها أولئك المجرمون بهذه الأغلفة التي بقيت زمنًا طويلًا وهي مخدِّرة للمسلمين لا يشعرون معها بحقيقتهم، بل بقوا مخدوعين بشعاراتهم وديمقراطيتهم، حتى إذا اشتدت الوطأة عليهم، وشعروا بالخطر على بهيميتهم راحوا ينقضون عرى تلك الديمقراطية عروة، عروة، ويبدلون قوانينهم قانونًا، قانونًا، ويتخلون عن حرياتهم خطوةً خطوة، فأعلنوا عداوتهم الصريحة للإسلام، وشرَّعوا من القوانين ما يقيد أهله ويكبل دعاته ويجرمهم، فلم يعد أمرهم يلتبس إلا على الأبله أو من أصر على أن يكون أبله.

الخامس: تحطم تبجح ما يسمى بالدول «العظمى»، على جبال العقيدة الراسخة، وظهور غثائيتها للعالم، وأنها لم تكن سوى ورم عده الناس شحمًا، فهذه أمريكا التي كانت إلى أمد قريب جدًا يلهث لإرضائها أهل الشرق والغرب، حتى كأن ترسانتها وتقنياتها وقواتها لا يعجزها شيء، صارت وفي فترة وجيزة بالنسبة لأعمار الدول لا سيما الإمبراطوريات، سخرية للدنيا بأجمعها، وتجرأ عليها الضعيف قبل القوي، وغدا جيشها الذي لا يقهر مقهورًا مكسورًا لا هم له إلا البحث عن المخارج والتنقيب عن أسباب النجاة، فأين أمريكا الأمس بالنسبة لأمريكا اليوم، والجواب لن تأخذه من أفواه المجاهدين فقد يكونون –عندك- مبالغين، وإنما خذه من وسائل إعلامهم، بل من ساستهم، بل من رئيسهم الذي قادهم إلى مهلكة وجرهم بحماقاته إلى مقابر الدول التي لن يخرجوا منها حتى يلج الجمل في سم الخياط.

السادس: إشعار المسلمين أن عندهم من القوة الكامنة، والعزيمة الصارمة، ما لا يقف أمامها شيء من القوى مهما عظمت وبطرت، ألا وهي قوة الإيمان واليقين بالنصر، والتيقن بمعية الله تعالى، وأن الفئة القليلة الصابرة يمكنها أن تغلب الفئة الكثيرة الكافرة، وهذه المعاني بدأت تترسخ في قلوب عموم الأمة حتى أصبحت المعارك الشرسة التي يخوضها المجاهدون القلة مع أعدائهم في ساحات الجهاد المختلفة تشابه ما جرى في غزوة بدر التي جعلها الله ﷻ فرقانًا وآية وبيّنة على أن هذا الدين دين الله تعالى، وأن أمر انتصاره وراء مجرد الأسباب المادية المحضة، قال ﷻ: ﴿وَلَقَدۡ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدۡرٖ وَأَنتُمۡ أَذِلَّةٞۖ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ﴾ [آل عمران: 123]، فغدا أعداء الله تعالى قبل غيرهم يبحثون عن مصدر القوة الغيبي الذي جعل المجاهدين يصبرون هذا الصبر، وينجزون هذا الإنجاز، ويحققون هذه الانتصارات التي عجزت عن عشر معشارها الدول الكبرى حينما تتناطح بعضها مع بعض، وكل ذلك جرى بتقدير الله ﷻ وتدبيره، وتوفيقه وتسديده، قال ﷻ: ﴿لِيُحِقَّ ٱلۡحَقَّ وَيُبۡطِلَ ٱلۡبَٰطِلَ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡمُجۡرِمُونَ﴾ [الأنفال: 8].

ص 683

السابع: انفضاح المنافقين والذين في قلوبهم مرض، وظهورهم بصفاتهم المختلفة التي ذكرها القرآن، وانكشف قناع الشك عن رؤوس الزنادقة الذين كانوا ينسجون حبائلهم بخفية ومكر للإيقاع بأمتنا، وظهر أيضًا السماعون لهؤلاء، الذين هزتهم الشبهات، وضعضعتهم الأراجيف، وبان من بكى ممن تباكى، وهذا هو دأب الجهاد في كل حين، فلا تكاد تظهر الأعذار، وتبرز الأكدار، وتنجلي الأوضار، إلا حينما ترفع رايته، وينادي داعيه، وتشتد وطأته، وتعظم زلزلته، فعندها ستلجأ كل طائفةٍ لجنسها وتلوذ بوصفها، فتسمع مَن يقول ما قاله قدماؤهم وإن بلحن جديد، وكساء عصري، قال ﷻ: ﴿وَإِذۡ يَقُولُ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ إِلَّا غُرُورٗا ١٢ وَإِذۡ قَالَت طَّآئِفَةٞ مِّنۡهُمۡ يَٰٓأَهۡلَ يَثۡرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمۡ فَٱرۡجِعُواْۚ وَيَسۡتَـٔۡذِنُ فَرِيقٞ مِّنۡهُمُ ٱلنَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوۡرَةٞ وَمَا هِيَ بِعَوۡرَةٍۖ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارٗا﴾ [الأحزاب: 12-13].

وستجد الناصحين الذين لا يكتفون بقعودهم بل يجتهدون لتثبيط أولي الهمم من غيرهم فيقولون لهم: ﴿لَا تَنفِرُواْ فِي ٱلۡحَرِّۗ﴾ [التوبة: 81]، وتكاد ترى ما حكاه لنا القرآن عيانًا بيانًا لا يخفى منه شيء: ﴿أَشِحَّةً عَلَيۡكُمۡۖ فَإِذَا جَآءَ ٱلۡخَوۡفُ رَأَيۡتَهُمۡ يَنظُرُونَ إِلَيۡكَ تَدُورُ أَعۡيُنُهُمۡ كَٱلَّذِي يُغۡشَىٰ عَلَيۡهِ مِنَ ٱلۡمَوۡتِۖ فَإِذَا ذَهَبَ ٱلۡخَوۡفُ سَلَقُوكُم بِأَلۡسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى ٱلۡخَيۡرِۚ أُوْلَٰٓئِكَ لَمۡ يُؤۡمِنُواْ فَأَحۡبَطَ ٱللَّهُ أَعۡمَٰلَهُمۡۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٗا﴾ [الأحزاب: 19]، وقد ظهرت هذه الأصناف في أمتنا، وعرف الناس أكثرها، وأدركوا خطرها، ونعوذ بالله من حالهم وشرهم وضلالهم وإضلالهم.

فكل هذه الأمور وغيرها كثير، كثير، وهي من قوام الدين وإقامته، ما كانت لتقع وتحصل وبهذه السرعة وعلى هذا المستوى، لولا السعي والاجتهاد لإحياء فريضة الجهاد، ولو أن المسلمين أخذوا «بضوابط» وثيقة الترشيد، و«التزموا» بما فيها، وقيدوا أنفسهم بها، وبقوا يبحثون عن المخارج والأغيار التي خطتها لهم كبديل عن الجهاد، وارتضوا بثقافة الاستضعاف بمفهومه الجديد، لكانت محنة الإسلام فوق ما يتصوره عقل، أو يدركه خيال، ولما كانت لهذه الوثيقة حاجة، ولما سعى الطغاة وأجهزة أمنهم لتنشيطها، والحرص على إخراجها، وتوسيع دائرة نشرها، لأنهم إذ ذاك يعيشون آمنين سالمين لا يوجد ما يكدر عليهم عيشهم أو يهدد سلطانهم؛ فما الحاجة إذن إلى المسكنات والمهدئات بل والمخدِّرات من نحو «وثيقة الترشيد»؟!

ص 684

إن المفهوم الشامل لإقامة الدين ليس مقصورًا فقط على إقامة دولة للإسلام والتمكين له، وإن كان هذا تمام الإقامة وهو الغاية القصوى التي يرنو إليها كل مسلم مخلصٍ، بل كل سعي وجهد وعمل يؤدي إلى هذا المقصد هو جزء من إقامة الدين، وهو داخل في حقيقته، بل الاجتهاد في إحياء أي عمل من أعمال الشرع التي أمر بها وأدائها على الوجه الذي يحبه الله ﷻ ويرضاه يعد داخلًا في مفهوم إقامة الدين، وقوة دخوله في المعنى بحسب منزلته في الشرع، ولهذا كان أعظمها وأكملها توحيد الله ﷻ الذي جاءت به ودعت إليه الرسل كافة، كما قال الله ﷻ: ﴿۞شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِۦ نُوحٗا وَٱلَّذِيٓ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ وَمَا وَصَّيۡنَا بِهِۦٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰٓۖ أَنۡ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُواْ فِيهِۚ كَبُرَ عَلَى ٱلۡمُشۡرِكِينَ مَا تَدۡعُوهُمۡ إِلَيۡهِۚ ٱللَّهُ يَجۡتَبِيٓ إِلَيۡهِ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِيٓ إِلَيۡهِ مَن يُنِيبُ﴾ [الشورى: 13].

قال العلامة السعدي رحمه الله: «﴿أَنۡ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ﴾ [الشورى: 13]؛ أي أمركم أن تقيموا جميع شرائع الدين أصوله وفروعه، تقيمونه بأنفسكم، وتجتهدون في إقامته على غيركم، وتعاونون على البر والتقوى ولا تعاونون على الإثم والعدوان.

﴿وَلَا تَتَفَرَّقُواْ فِيهِۚ﴾ [الشورى: 13]؛ أي ليحصل منكم الاتفاق على أصول الدين وفروعه، واحرصوا على ألا تفرقكم المسائل وتحزبكم أحزابًا، وتكونون شيعًا يعادي بعضكم بعضًا مع اتفاقكم على أصل دينكم.

ومن أنواع الاجتماع على الدين وعدم التفرق فيه، ما أمر به الشارع من الاجتماعات العامة، كاجتماع الحج والأعياد، والجمع والصلوات الخمس والجهاد، وغير ذلك من العبادات التي لا تتم ولا تكمل إلا بالاجتماع لها وعدم التفرق»١٬٢٦١تفسير السعدي: (1 / 754)..

قال المرشد: «والمخالفة درجات: فمن قدم مُراد نفسه على مراد ربه في أشياء يسيرة، فهذا مرتكب الصغائر -وهي العصيان-.

ص 685

ومن قدم مُراد نفسه على مراد ربه في أشياء كبيرة، فهذا مرتكب الكبائر -وهي الفسوق-.

- ومن قدم مُراد نفسه على مراد ربه في أشياء عظيمة، فهذا قد وقع في الكفر».

ومع ما في هذا الكلام من الإجمال الذي يرجع في تفصيله إلى الأدلة الشرعية التفصيلية الجزئية إلا أننا نقول: نعم هذه هي مراتب مخالفة أمر الله تعالى، ففي أي المراتب تدخل هذه الحكومات المجرمة التي أقصت شريعة الله تعالى جملة وتفصيلًا، والتي منها «السلطات الحاكمة» التي أشرفت واجتهدت في إخراج وثيقة الترشيد لترد المجاهدين المرابطين إلى الحق الذي شردت هي منه!! ونقضت أصوله وفروعه، ونكلت بدعاته وأنصاره، وأوصدت كل الأبواب المؤدية إليه، وعقدت الاتفاقات مع القريب والبعيد لمطاردتهم وتسليمهم واستلامهم، وقدمت مراداتها وأهواءها وآراءها وسياساتها وشهواتها وسخافاتها على مراد ربها في «أشياء صغيرة وكبيرة وعظيمة» أفلا يوقعها هذا «التقديم» في «الكفر»؛ لتصبح «السلطات الحاكمة» بعدها سلطات كافرة مرتدة.

لا سيما وقد سوغت لنفسها وللناس اتباع شريعة غير شريعة الله ﷻ، ودعتهم إلى دين سوى دين الإسلام وهو دين الديمقراطية والوطنية والقومية والعلمانية اللادينية وحاربت كل من خالفها، وطاردت من لم يستجب لدعوتها ويخضع لها، وخاصة الحكومة المصرية التي ورثت الفرعنة وأتقنتها وطورتها حتى كانت من أعرق الحكومات في الكفر ومحاربة الدين والتنكيل بالمؤمنين وتقديم مراداتها على مراد رب العالمين، وتسويغها اتباع كل شريعة ونحلة إلا شريعة خاتم الأنبياء والمرسلين فهي أحق من يقال فيه ما استشهد به المرشد من كلام شيخ الإسلام رحمه الله: «ومعلوم بالاضطرار من دين المسلمين وباتفاق جميع المسلمين أن من سوغ اتباع غير دين الإسلام، أو اتباع شريعة غير شريعة محمد ﷺ فهو كافر، وهو ككفر من آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض الكتاب»١٬٢٦٢مجموع الفتاوى: (28 / 524)..

ص 686

فهذه الحكومة وغيرها من الحكومات لم تقتصر على ترك التحاكم إلى شريعة الله تعالى حتى «يختل» إيمانها وتأثم فحسب كما قال المرشد من قبل: «فضلًا عن أن تحكيم الشريعة هو واجب على كل مسلم بمقتضى إيمانه بربه، يأثم ويختل إيمانه بتركه»، وإن كان قد قرر في كتابه «الجامع في طلب العلم الشريف» أن مجرد ترك القاضي للحكم بما أنزل الله في قضية واحدة يكون كفرًا، وإنما استبدلت هذه الحكومات بشريعة الله ﷻ كاملة شرائع الأهواء والآراء والسخافات وألزمت بها الناس إلزامًا تامًا وأعدت لتحكيمها وفرضها جيوشها وسخرت لتحسينها والدعوة إليها إعلامها، وأنشأت للحفاظ عليها ومطاردة مخالفيها أجهزة أمنها، وأقامت لتسهيل تطبيقها وإدارتها مؤسساتها، فلا يستطيع المسلم اليوم وهو يعيش في بلدان تزعم الإسلام وتدعي الانتساب إليه أن يستخلص لنفسه حقًا أو يدفع عنه ظلـمًا وفقًا لشريعة الإسلام، بل لا بد أن يسلك سكة القوانين الوضعية الوضيعة حتى يصل إلى بعض حقه شاء أم أبى، فهذا هو الشر المستطير، والفساد العريض، والمصيبة الكبرى، وضرر هؤلاء الطغاة وجيوشهم وقوانينهم وإعلامهم على دين الناس ودنياهم، وإفسادها لعقائدهم وأخلاقهم لا يكاد يعدله شيء من المفاسد.

ولهذا قرر الشيخ عبد القادر نفسه -والذي تنسب وثيقة الترشيد إليه- أن الطواغيت الأحياء أخطر من الطواغيت الأموات فقال: «أما الأهمية التي أردت التنبيه عليها: فهي أن إفساد الطواغيت الأحياء لدين الناس يكاد يهدد الجم الغفير من المسلمين بالردة الشاملة تارة بالإرهاب وتارة بالمكر والخديعة، وهذا الإفساد لا يدانيه خطر الطواغيت الميتة.

ص 687

فالعجب من أناسٍ ينتسبون إلى العلم والدين ومذهب السلف فَرَّغوا أقلامهم في هذا الزمان لمهاجمة الطواغيت الميتة ونسوا أو تناسوا الطواغيت الحية، وترى أحدهم يعيش في بلد يستظل بالقوانين الوضعية الكافرة والديمقراطية الكافرة، وهو متجاهل لها تماما ويغض الطرف عنها وهو -مع هذا- يشهر حسامه وسيفه -على صفحات الكتب- على الطواغيت الميتة وعلى عابديها من العُزَّل من السلاح، قال تعالى: ﴿وَإِذۡ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحۡدَى ٱلطَّآئِفَتَيۡنِ أَنَّهَا لَكُمۡ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيۡرَ ذَاتِ ٱلشَّوۡكَةِ تَكُونُ لَكُمۡ وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ ٱلۡحَقَّ بِكَلِمَٰتِهِۦ وَيَقۡطَعَ دَابِرَ ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ [الأنفال: 7]، فتأمل هذا تدرك بعض أسباب ما نحن فيه من محن وبلاء، وهو أن المستَأمَنِين على العلم والدين لم يؤدوا دورهم في البلاغ والتحذير، فكيف بمن رضي وتابع؟ وكيف بمن أسبغ الشرعية على هؤلاء الطواغيت؟ وإذا تكلم أحدهم عن الجهاد تجده يذكر الجهاد في فلسطين وأفغانستان فقط لأن هذا هو القدر المسموح به في بعض البلدان، مع أن جهاد الحكام المرتدين أوجب من جهاد اليهود فكلاهما عدو كافر حل ببلد المسلمين ويفوق الحكام المرتدون اليهودَ بأمرين: القرب والرِّدة وكلاهما يستوجب البدء بهؤلاء الحكام. كما لا يخفى أن من يجاهد في فلسطين أو أفغانستان يسمى بطلا وشهيدا وتغدق عليه الأموال والإعانات أما في غيرهما فهو مجرم إرهابي خارج على الشرعية، شرعية الكفر، فتأمل هذا»١٬٢٦٣العمدة في إعداد العدة (354)..

قلتُ: بل حتى من يقتل اليوم في أفغانستان وبعض فلسطين لم يعد ينال شرف لقب الشهيد فهو ملحق بزمرة المجرمين الإرهابيين الخارجين عن الشرعية شرعية الكفر التي تتزعمها وتفرضها وتدعو إليها أمريكا ويقف وراءها لدعمها طواغيت العرب ومن بينهم «السلطات الحاكمة والمختصة»!

❖ ❖ ❖

العجز والتعاجز

قال المرشد: «في هذا المقام الجليل مقام الجهاد إنما تتحقق عبودية المسلم لربه سبحانه بتقديم مراد ربه منه على مراد نفسه، وذلك بأن يعرف المسلم ما أوجبه الله عليه في وقته هذا وبحسب استطاعته، وله ثواب ما قام به ويسقط عنه إثم ما عجز عنه».

ص 688

لا شك أن المسلم اليوم مطالب بأن يعرف ما أوجبه الله ﷻ عليه في وقته هذا، فمعرفة حكم الجهاد وأحكامه ليست من نوافل الأقوال ولا من مكملات الأعمال، وإنما هي اليوم من أوجب الواجبات لتعين الجهاد في عصرنا كما أفتى بذلك علماء الأمة كافة، ومعرفة حكم الجهاد وبيانه ونشره والتأكيد عليه هو أول الخطوات التي تسوق إلى إحيائه علـمًا وعملًا، وهو مهمة أولي الألباب والنهى من العلماء الصادقين الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدًا إلا الله، وليس هذا بالأمر اليسير ولا بالوظيفة الهينة، لأن أول من سيصطدم بهم هؤلاء المحرّضون أئمةُ الكفر من الحكام المرتدين وأعوانهم الذين لا ترتعد فرائصهم من شيء كما ترتعد من عبادة الجهاد التي يعلمون هم قبل غيرهم أنها الكفيلة بإزالة ملكهم وانتزاع سلطانهم الجاهلي، ومن هنا قال النبي ﷺ: (أفضل الجهاد من قال كلمة حق عند سلطان جائر)١٬٢٦٤رواه [بألفاظ قريبة] أبو داود [٤٣٤٤]، والترمذي [٢١٧٤]، وابن ماجه [٤٠١٢] عن أبي سعيد، [وصححه الألباني]..

بل حتى الذين عذرهم الله عذرًا صريحًا ونفى عنهم الحرج في تركهم الجهاد اشترط عليهم أن ينصحوا لله ولرسوله حال قعودهم وتخلفهم، فمن سقط عنه الجهاد بالنفس أو المال أو كليهما لا يلزم منه سقوط الجهاد باللسان عنه كما قال الله تعالى: ﴿لَّيۡسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ وَلَا عَلَى ٱلۡمَرۡضَىٰ وَلَا عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِۦۚ مَا عَلَى ٱلۡمُحۡسِنِينَ مِن سَبِيلٖۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ﴾ [التوبة: 91].

قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله: «وإنما شُرط النصح، لأن من تخلف بقصد السعي بالفساد فهو مذموم؛ ومن النصح لله: حث المسلمين على الجهاد، والسعي في إصلاح ذات بينهم، وسائر ما يعود باستقامة الدين»١٬٢٦٥زاد المسير: (3 / 218)..

ص 689

وقال العلامة السعدي رحمه الله: «فهؤلاء ليس عليهم حرج، بشرط أن ينصحوا للّه ورسوله، بأن يكونوا صادقي الإيمان، وأن يكون من نيتهم وعزمهم أنهم لو قدروا لجاهدوا، وأن يفعلوا ما يقدرون عليه من الحث والترغيب والتشجيع على الجهاد»١٬٢٦٦تفسير السعدي: (1 / 347)..

وعن أنس رضي الله عنه قال: قال النبي ﷺ: (جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم)١٬٢٦٧رواه أحمد [١٢٢٤٦]، وأبو داود [(٢٥٠٤)، وصححه الألباني]، والنسائي [3096]، والحاكم [٢٤٢٧]..

[البحر: الرجز]

[البحر: الرجز]

هَذَا ‌وَنَصْرُ ‌الدِّينِ ‌فَرْضٌ لَازِمٌ

لَا لِلْكِفَايَة بَلْ عَلَى الأَعْيَانِ

بِيَدٍ وإمَّا بِاللِّسَانِ فَإنْ عَجَزْ

ـتَ فَبِالتَّوَجُّهِ والدُّعَا بِجَنَانِ١٬٢٦٨رواه أحمد [١٢٢٤٦]، وأبو داود [(٢٥٠٤)، وصححه الألباني]، والنسائي [3096]، والحاكم [٢٤٢٧].

وقد ذكر الشيخ عبد القادر بن عبد العزيز نفسه في كتابه العمدة سبع صور من صور الجهاد التي يمكن أن يقوم بها أصحاب الأعذار ثم قال في نهاية ذلك: «وبهذا ترى أن صور المشاركة في الجهاد المتاحة لذوي الأعذار وغيرهم كثيرة وفيها نفع عظيم لقضية الجهاد، كالدعاء، والنفقة، والدعاية، وتحريض المؤمنين على القتال، والنصح للمسلمين، وهي واجبة على ذوي الأعذار كل حسب طاقته لرفع الحرج عنهم المشروط بقوله تعالى: ﴿إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِۦۚ مَا عَلَى ٱلۡمُحۡسِنِينَ مِن سَبِيلٖۚ﴾ [التوبة: 91]».

فمما يجب أن يقدم فيه المسلم اليوم مراد ربه على مراده التحريض على الجهاد، والدعوة إليه والدعاء للقائمين عليه، وأداؤه بالنفس والمال واللسان كلٌ بحسب طاقته ووسعه، ومن كان الجهاد ساقطًا في حقه لسبب من الأسباب الشرعية التي ذكرها الله تعالى ثم تكلف ذلك وعالج نفسه وحمَّلها أعباءه حتى نفر إلى ساحاته فهو مأجورٌ إن أخلص نيته لله ما لم يكن كلًا على المجاهدين، فالذي ينتفي عن العاجز إنما هو الإثم والحرج ويبقى باب السعي للمراتب والجد في نيل الفضائل مفتوحًا.

ص 690

وهذه الوثيقة تحاول جهدها إقناع المسلمين بعجزهم عن أداء فريضة الجهاد وانعدام الاستطاعة التي يحصل بها التكليف وتلمح إلى ترغيبهم في تركه لذلك، بل تكاد تشير إلى تأثيمهم إن هم قفزوا فوق عجزهم وليس هذا بالنصح وإنما هو التثبيط والتخذيل وتلبيس الحق بالباطل، فهذا عبد الله ابن أم مكتوم مؤذن رسول الله ﷺ والذي استخلفه على المدينة مرارًا كان رجلًا ضريرًا وهو من أصحاب الأعذار قطعًا ينفر إلى الجهاد بنفسه ويحمل الراية بين الصفين يوم القادسية وليس له غرضٌ في ذلك إلا طلب الشهادة، ويستفيد بعذره الشرعي في الثبات وعدم الفرار، ولم ينكر عليه أحدٌ من الصحابة رضوان الله عليهم، ولم يؤثموه، بل عُدَّ ذلك من عظيم مناقبه تذكر كلما تُرجم له، والجهاد إذ ذاك كان فرض كفاية، وفي جيوش المسلمين من الأبطال ما يغني، ومع ذلك أبى إلا أن يشارك بنفسه ويتجاوز التعلق بعذره الذي عذره الله به وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.

عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: «نزلت ﴿لَّا يَسۡتَوِي ٱلۡقَٰعِدُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ غَيۡرُ أُوْلِي ٱلضَّرَرِ وَٱلۡمُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ [النساء: 95]، فقال عبد الله بن أم مكتوم: أي رب أنزل عذري أنزل عذري، فأنزل الله: ﴿غَيۡرُ أُوْلِي ٱلضَّرَرِ﴾ [النساء: 95]، فجعلت بينهما. وكان بعد ذلك يغزو فيقول: ادفعوا إليَّ اللواء فإني أعمى لا أستطيع أن أفر وأقيموني بين الصفين»١٬٢٦٩الطبقات الكبرى: (4 / 210)..

قال الرازي في تفسير الآية المذكورة: «والمراد أنه يجوز لهم أن يتخلفوا عن الغزو، وليس في الآية بيان أنه يحرم عليهم الخروج، لأن الواحد من هؤلاء لو خرج ليعين المجاهدين بمقدار القدرة. إما بحفظ متاعهم أو بتكثير سوادهم، بشرط ألا يجعل نفسه كلًا ووبالًا عليهم، كان ذلك طاعة مقبولة»١٬٢٧٠تفسير الرازي: (8 / 119)..

وأما قول المرشد: «فله ثواب ما قام به ويسقط عنه إثم ما عجز عنه».

ص 691

فسقوط الإثم عن العاجز ليس على إطلاقه لا سيما في شأن الجهاد، فقد يكون هذا العجز ناتجًا عن تقصير وتفريط وتهاون، فلا يسقط عنه آنذاك إثم ما عجز عنه، كما أن الوثيقة لم تُشر إلى البديل الذي يُنتقَل إليه عند العجز عن أداء فريضة الجهاد، وتجاوزته تجاوزًا مقصودًا، وهو الإعداد الذي يزول به ذلك العجز، فالصحيح أن يقال ويسقط عنه إثم ما عجز عنه ما دام ساعيًا في رفعه وإزالته أو ما لم يكن ذلك ناتجًا عن تفريط وتضييع، أما أن يرى المسلم ديار الإسلام مُغتصبة، وأحكام الشريعة مُعطلة، وسجون الكفرة تكتظ بإخوانه الأسرى، وأعراض المسلمات تنتهك جهارًا نهارًا، وأموال المسلمين تنهب ويتقوى بها أعداؤهم، ثم ينهمك في أمور الدنيا وكأن أمر الإسلام لا يعنيه، وبعد ذلك يتكئ على أريكته ويقول: إننا عاجزون مستضعفون فلا إثم علينا ولا حرج، ولا يسعى سعيًا حقيقيًا ويجتهد اجتهادًا صادقًا لإزالة عجزه والخروج من استضعافه؛ فهذا من علامات النفاق وليس من أسباب سقوط الإثم كما قال الله تعالى: ﴿۞وَلَوۡ أَرَادُواْ ٱلۡخُرُوجَ لَأَعَدُّواْ لَهُۥ عُدَّةٗ وَلَٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنۢبِعَاثَهُمۡ فَثَبَّطَهُمۡ وَقِيلَ ٱقۡعُدُواْ مَعَ ٱلۡقَٰعِدِينَ﴾ [التوبة: 46].

قال العلامة السعدي رحمه الله: «يقول تعالى مبينًا أن المتخلفين من المنافقين قد ظهر منهم من القرائن ما يبين أنهم ما قصدوا الخروج للجهاد بالكلية، وأن أعذارهم التي اعتذروها باطلة، فإن العذر هو المانع الذي يمنع إذا بذل العبد وسعه، وسعى في أسباب الخروج، ثم منعه مانع شرعي، فهذا الذي يعذر.

أما هؤلاء المنافقون ﴿۞وَلَوۡ أَرَادُواْ ٱلۡخُرُوجَ لَأَعَدُّواْ لَهُۥ عُدَّةٗ﴾؛ أي: لاستعدوا وعملوا ما يمكنهم من الأسباب، ولكن لما لم يعدوا له عدة، علم أنهم ما أرادوا الخروج»١٬٢٧١[تفسير السعدي: (ص 339)]..

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي ﷺ: (من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بغزو مات على شعبة من نفاق)١٬٢٧٢رواه أحمد [8865]، ومسلم [1910]، وأبو داود [٢٥٠٢]، والنسائي [3097]..

ص 692

وليس المقصود بتحديث النفس بالجهاد، هو دغدغتها بالأماني، وإرسال أعنة الخيال تسرح هنا وهناك، بل لا بد من ظهور آثار ذلك التحديث، من الأخذ بالأسباب المؤدية إلى تحقيقه، والمعينة على القيام به، وإعداد العدة وأخذ الأهبة التي يتحصل بها، فعندها يسلم المسلم من هذا الوعيد الغليظ وينجو من الالتصاق بشعبة من شعب النفاق.

قال الملا علي القاري رحمه الله: «والمعنى لم يعزم على الجهاد، ولم يقل: يا ليتني كنت مجاهدًا، وقيل معناه: ولم يرد الخروج وعلامته في الظاهر إعداد آلته قال تعالى: ﴿۞وَلَوۡ أَرَادُواْ ٱلۡخُرُوجَ لَأَعَدُّواْ لَهُۥ عُدَّةٗ﴾ [التوبة: 46]، ويؤيده قوله: (مات على شعبة من نفاق)؛ أي: نوع من أنواع النفاق، أي: من مات على هذا فقد أشبه المنافقين المتخلفين عن الجهاد ومن تشبه بقوم فهو منهم»١٬٢٧٣مرقاة المفاتيح: (7/346)..‌

فالإعداد واجبٌ على كل حال، ويتأكد وجوبه عند سقوط الجهاد للعجز، فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وقد أمر الله تعالى به أمرًا مستقلًا فقال ﷻ: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةٖ وَمِن رِّبَاطِ ٱلۡخَيۡلِ تُرۡهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمۡ وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمۡ لَا تَعۡلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعۡلَمُهُمۡۚ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيۡءٖ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ يُوَفَّ إِلَيۡكُمۡ وَأَنتُمۡ لَا تُظۡلَمُونَ﴾ [الأنفال: 60]، وما أصاب المسلمين من تسلط أعدائهم، وازدياد هوانهم، إلا بعد أن ضيعوا هذه العبادة، وغفلوا عن هذا الواجب، فذهبت بذلك هيبتهم وتبددت قوتهم، وقنعوا بعجزهم وركنوا لضعفهم، وشعر كثيرٌ منهم أن الحرج مرفوع عنهم، وراح بعضهم -ومنهم أصحاب الوثيقة- يؤصل لثقافة الاستسلام للاستضعاف، وحادوا عن مواجهة الأمة بمكمن دائها، وخلَّطوا عند وصف دوائها الذي لا يكاد يضل عنه من أراد الحق وحرص عليه.

ص 693

قال شيخ الإسلام رحمه الله: «ومع أنه يجوز تولية غير الأهل للضرورة إذا كان أصلح الموجود فيجب مع ذلك السعي في إصلاح الأحوال حتى يكمل في الناس مالا بد لهم منه من أمور الولايات والإمارات ونحوها، كما يجب على المعسر السعي في وفاء دينه، وإن كان في الحال لا يطلب منه إلا ما يقدر عليه، وكما يجب الاستعداد للجهاد بإعداد القوة ورباط الخيل في وقت سقوطه للعجز، فإن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، بخلاف الاستطاعة في الحج ونحوها فإنه لا يجب تحصيلها لأن الوجوب هنا لا يتم الا بها»١٬٢٧٤مجموع الفتاوى: (28 / 259)..

وقال العلامة السعدي رحمه الله: «أي ﴿وَأَعِدُّواْ﴾ [الأنفال: 60] لأعدائكم الكفار الساعين في هلاككم وإبطال دينكم، ﴿مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةٖ﴾ [الأنفال: 60]؛ أي: كل ما تقدرون عليه من القوة العقلية والبدنية وأنواع الأسلحة ونحو ذلك مما يعين على قتالهم، فدخل في ذلك أنواع الصناعات التي تعمل فيها أصناف الأسلحة والآلات من المدافع والرشاشات، والبنادق، والطيارات الجوية، والمراكب البرية والبحرية، والحصون والقلاع والخنادق، وآلات الدفاع، والرأْي، والسياسة التي بها يتقدم المسلمون ويندفع عنهم به شر أعدائهم، وتَعَلُّم الرَّمْيِ، والشجاعة والتدبير.

ولهذا قال النبي ﷺ: (ألا إن القوة الرَّمْيُ)١٬٢٧٥[رواه مسلم: (١٩١٧)، وغيره].، ومن ذلك: الاستعداد بالمراكب المحتاج إليها عند القتال، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمِن رِّبَاطِ ٱلۡخَيۡلِ تُرۡهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمۡ﴾ [الأنفال: 60] وهذه العلة موجودة فيها في ذلك الزمان، وهي إرهاب الأعداء، والحكم يدور مع علته.

فإذا كان شيء موجود أكثر إرهابا منها، كالسيارات البرية والهوائية، المعدة للقتال التي تكون النكاية فيها أشد، كانت مأمورًا بالاستعداد بها، والسعي لتحصيلها، حتى إنها إذا لم توجد إلا بتعلُّم الصناعة، وجب ذلك، لأن ما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب»١٬٢٧٦تفسير السعدي: (1/324)..

ص 694

بل قال الشيخ عبد القادر بن عبد العزيز نفسه: «وهنا لا بُدَّ أن يبرز لكل منا السؤال التالي: كيف يتأتى لنا القيام بواجب الجهاد ونحن في هذا الحال من الضعف والتفرق وقِلَّة الحيلة؟ والجواب هو قوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَنَٰزَعُواْ فَتَفۡشَلُواْ وَتَذۡهَبَ رِيحُكُمۡۖ وَٱصۡبِرُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ﴾ [الأنفال: 46]، وقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةٖ﴾ [الأنفال: 60]، وقال ابن تيمية رحمه الله: «كما يجب الاستعداد للجهاد بإعداد القوة ورباط الخيل في وقت سقوطه للعجز، فإنه ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب»، فجواب السؤالِ السابقِ هو أن القيام بواجب الجهاد يتأتى بالإعداد، ذلك الإعداد الذي جعله الله تعالى فرقانا بين المؤمن والمنافق في قوله تعالى: ﴿۞وَلَوۡ أَرَادُواْ ٱلۡخُرُوجَ لَأَعَدُّواْ لَهُۥ عُدَّةٗ وَلَٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنۢبِعَاثَهُمۡ فَثَبَّطَهُمۡ وَقِيلَ ٱقۡعُدُواْ مَعَ ٱلۡقَٰعِدِينَ﴾ [التوبة: 46]»١٬٢٧٧العمدة في إعداد العدة: (5)..

والمقصود من هذا كله، أن كل عاجزٍ عن القيام بعبادة الجهاد اليوم، إما أن يكون ذلك لعذر شرعي واضح مما جاء مصرحًا به في آيات عدة من كتاب الله تعالى؛ فيلزم من اتصف بشيء من هذه الأعذار أن ينصح لله ولرسوله، حتى تسقط عنه التبعة سقوطًا كليًا، وإما أن يكون عجزه بسبب تقصير منه وتفريط؛ فعليه أن يجتهد في إزالة ذلك العجز ودفعه عن نفسه وعن أمته حتى يرفع عنه وعنهم الإثم، ولو أن كل واحد من آحاد المسلمين قام بما يجب عليه وبما هو في طوقه مما يتعلق بالجهاد تحريضًا، وإعدادًا، وإمدادًا، وقتالًا، ودعاءً، وحفظًا لأسر المجاهدين والأسرى والمهاجرين، وتخذيلًا للكافرين، لما كانت أمة الإسلام على ما هي عليه اليوم من «العجز» الذي يحتج به مَن يحتج لإسقاط فريضة الجهاد، فانظر يا عبد الله من أي الفريقين أنت، وما الذي قمت به وأديته حتى تُسقط عنك الإثم، وابحث لنفسك عن جواب صريح ينفعك بين يدي الله تعالى ولا تتكئ على قول من قال: «فله ثواب ما قام به ويسقط عنه إثم ما عجز عنه».

❖ ❖ ❖

العلم والجهاد

من الأمور التي كثر فيها الخلط واللغط في هذا العصر علاقة العلم بالجهاد، حتى خُيل للبعض -ومن كثرة ما أثير حولهما من الشغب- أنهما متنافران تنافرًا تامًا بحيث لا يمكن الجمع بينهما بحال، فلا العالم يمكنه أن يجاهد، ولا المجاهد يمكنه أن يطلب العلم، ولا مكان للعلم في مواطن الجهاد، ولا مجال للجهاد مع وجود العلم.

ص 695

وللأسف فإن هذا الوهم والفصام النكد إنما أنتجه وعززه نأي كثير من العلماء بأنفسهم عن ساحات الجهاد، وبعدهم عن خوض غماره، والتعفر بغباره، وإلا فإن عَلَم الجهاد لم يزل مشرعًا منذ زمن النبوة، وتصرفت أحكامه في ذاك العصر بين فرض الكفاية تارة وفرض العين تارة، وكان النبي ﷺ يخرج إليه بنفسه الشريفة ووراءه سادات العلماء من الصحابة الأجلاء وهم يجاهدون معه ويتفقهون على يديه، ويأخذون عنه أحكام الدين لحظةً، لحظة، وما منعهم ضرب الهام من تلقي الأحكام، وهكذا استمر الأمر زمن الخلفاء الراشدين، فكان القراء هم قادة الجيوش ووقود المعارك، يقاتلون ويحرضون ويعلمون، وما شعروا طرفة عين أن هناك تعارضًا ولا تناقضًا ولا تدافعًا بين نشر العلم باللسان والقتال من أجله بالسنان؛ ولهذا فلا تكاد تجد أحدهم يحتج لقعوده عن النفير بتفرغه لطلب العلم.

ومع أن الجهاد في تلك العصور كان فرض كفاية في الجملة إلا أن علماء الأمة وسادتها كانوا يحرصون أشد الحرص على النفير خشية أن يلحقهم الوعيد الشديد الذي جاء في حق تاركه، فهذا أبو طلحة رضي الله عنه: «قرأ سورة براءة، فأتى على هذه الآية: ﴿ٱنفِرُواْ خِفَافٗا وَثِقَالٗا وَجَٰهِدُواْ بِأَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ﴾ [التوبة: 41]؛ فقال: أرى ربنا يستنفرنا شيوخًا وشَبَابًا، جهزوني يا بَنِيَّ؛ فقال بنوه: يرحمك الله، قد غزوت مع رسول الله ﷺ حتى مات، ومع أبي بكر حتى مات، ومع عمر حتى مات، فنحن نغزو عنك؛ فأبى، فركب البحر فمات، فلم يجدوا له جزيرة يدفنوه فيها إلا بعد تسعة أيام، فلم يتغير؛ فدفنوه بها»١٬٢٧٨تفسير ابن كثير: (4/156)..

وهذا أبو حذيفة الصحابي الجليل رضي الله عنه ينادي يوم اليمامة وقد استحر القتل واستعر لهيب الحرب: «يا أهل القرآن زينوا القرآن بالفعال»١٬٢٧٩[تاريخ الطبري: (3/291)].، وقصص التاريخ مليئة بتلاحم العلم بالجهاد، واندماج العلماء بالمجاهدين، فكان أمرهما في كل حين كجناجي الطائر، وهي الصفة التي جاء بها هذا الدين كما قال الله تعالى: ﴿لَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا رُسُلَنَا بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَأَنزَلۡنَا مَعَهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلۡقِسۡطِۖ وَأَنزَلۡنَا ٱلۡحَدِيدَ فِيهِ بَأۡسٞ شَدِيدٞ وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعۡلَمَ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥ وَرُسُلَهُۥ بِٱلۡغَيۡبِۚ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٞ﴾ [الحديد: 25].

ص 696

قال شيخ الإسلام رحمه الله: «ودين الإسلام أن يكون السيف تابعا للكتاب، فإذا ظهر العلم بالكتاب والسنة، وكان السيف تابعًا لذلك كان أمر الإسلام قائمًا»١٬٢٨٠مجموع الفتاوى: (20 / 393)..

وقال أيضًا: «ولن يقوم الدين إلا بالكتاب، والميزان، والحديد، كتابٌ يهدى به، وحديد ينصره... فالكتاب به يقوم العلم والدين، والميزان به تقوم الحقوق في العقود المالية والقبوض، والحديد به تقوم الحدود على الكافرين والمنافقين»١٬٢٨١مجموع الفتاوى: (35 / 36)..

وقال العلامة السعدي رحمه الله: «وقرن تعالى في هذا الموضع بين الكتاب والحديد، لأن بهذين الأمرين ينصر الله دينه، ويعلي كلمته بالكتاب الذي فيه الحجة والبرهان والسيف الناصر بإذن الله، وكلاهما قيامه بالعدل والقسط، الذي يستدل به على حكمة الباري وكماله، وكمال شريعته التي شرعها على ألسنة رسله»١٬٢٨٢تفسير السعدي: (1 / 842)..

وما وقع لأمة الإسلام اليوم قد وقع شبيهه مرات ومرات عبر العصور الغابرة، وداهمها من العدو ما أكل أخضرها ويابسها وخلصوا إلى عقر دارهم ومركز خلافتهم ومع ذلك فما سمعنا أن أحدًا من العلماء ولا غيرهم أحدث هذه النابتة المفتعلة وهي تصادم العلم والجهاد، وتعسر أو تعذر الجمع بينهما، بل قام العلماء في تلك النوازل المحدقة والمعامع المطبقة بدورهم وخاضوا غمار الحرب دون تهيّب، وكانوا في أوائل الصفوف وعند ملتقى الزحوف، وتحت ظلال السيوف، وامتزجت أحبارهم بدمائهم، فما ارتاب أحدٌ في صدقهم، ولا تردد في قبول نصحهم، ومَن لم يكن منهم قائدًا للجموع كان رائدًا لمن يقودهم ينصحه ويقوي عزمه ويحرض جيشه ويشاطرهم الحسنةَ والمصيبة، فرأى فيهم الناس قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ثُمَّ لَمۡ يَرۡتَابُواْ وَجَٰهَدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلصَّٰدِقُونَ﴾ [الحجرات: 15].

ص 697

ولكن لا شك أن زماننا قد عظم فيه الخطب، وتفاقمت معه الدواهي، واستطارت فيه الشرور، وأقبلت جموع الفتن ينسي آخرها أولها، وهو ما يزيد العلماء عبئًا على عبئهم، وأمانة فوق أمانتهم، ويحتم عليهم أن يكونوا وسط تلك البحار المتلاطمة، والنوازل المتزاحمة، يرشدون ويعلمون ويفقهون ويأمرون وينهون بل ويقودون، وليس هذا موطن النأي، ولا الانكفاف والاستنكاف، ولا العزلة وسكنى الشِعَب.

ومع ذلك فما زالت الجماعات الجهادية -وهي جزء من الأمة التي تعين عليها الجهاد- تجتهد قدر وسعها في إيجاد طلبة العلم والعلماء الذين يمكنهم أن يسدوا هذا الثغر، ويقوموا بهذا الواجب، ولا تترك فرصة للتواصل مع أهل العلم «المؤتمنين» إلا واغتنمتها، كما أن فتاوى العلماء وأبحاثهم ونصائحهم التي يقدمونها للمجاهدين ويسدونها إليهم تجد في قلوبهم ونفوسهم أعظم موقع، وما تنكر المجاهدون يومًا للعلم ولا العلماء، ولا استشعروا أدنى استشعار أن هاتين العبادتين متضادتان، مع التنبيه دائمًا أن هذا الواجب «سد الحاجة العلمية» ليس مقصورًا على من شمله اسم «الجماعات الجهادية» بحيث يؤاخذون هم بتقصيرهم -إن قصروا- ويرفع الإثم واللوم عن غيرهم من المسلمين، فهذا تقسيم للواجبات وتجزئة للمهمات بغير دليل، بل الكل في أصل شمول الخطاب لهم سواء، فما الجماعات الجهادية إلا مجموعة من أبناء الأمة يسر الله لهم إحياء فريضة الجهاد وتحريض الأمة عليها، وليس مقصودها إقصاء باقي الأمة عنها، أو احتكارها لأدائها، كيف؟ وهي تحض المسلمين وتستنفرهم ليلًا ونهارًا لأن يكونوا مجاهدين لأعدائهم بأموالهم وأنفسهم وألسنتهم.

ص 698

بل أقول مستيقنًا إنه لا يكاد توجد طائفة تسعى لإقامة الدين ونشره تدرك أهمية العلم وحقيقة الحاجة إليه ومحاولة سد ثغرته كما تدرك ذلك طوائف المجاهدين، ولهذا تجد قادتهم يحثون العلماء على النفير في كل حين، ليعيشوا واقع أمتهم عن قرب ومخالطة ومشاركة، لا عن بعدٍ وتصوّر حتى تكون فتاواهم مطابقة لما يحتاجه الجهاد والمجاهدون، فإن المرء مهما حاول أن يتصور المسائل بذهنه ويتأملها بفكره فسيعتريها بعض النقص الذي قد يؤثر في صواب الحكم الذي سيقرره، ولهذا جاء في الحديث: (ليس الخبر كالمعاينة، إن الله تعالى أخبر موسى بما صنع قومه في العجل فلم يلق الألواح فلما عاين ما صنعوا ألقى الألواح فانكسرت)١٬٢٨٣رواه أحمد [2447]، والحاكم [(3250)، وقال: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه»]، وغيرهما عن ابن عباس..

وكما قال شيخ الإسلام رحمه الله عن علمٍ وتجربة وخبرة: «والواجب أن يعتبر في أمور الجهاد أهل الدين الصحيح الذين لهم خبرة بما عليه أهل الدنيا، دون أهل الدنيا الذين يغلب عليهم النظر في ظاهر الدين، فلا يؤخذ برأيهم، ولا برأي أهل الدين الذين لا خبرة لهم في الدنيا»١٬٢٨٤الفتاوى الكبرى: (4/609)..

وقد بين القرآن أن من أهم واجبات العلماء هو تسخير علمهم لتفقيه المجاهدين وتعليمهم، وأن أصل تفرغهم ينبغي أن يكون لذلك، ولكن لا يوقف الجهاد ولا يعطل العلم، بل يقوم هذا بواجبه من الدفاع عن الدين ونشره في ربوع الأرض وحماية بلدان المسلمين ويقوم هؤلاء بتفقيه المجاهدين وإمدادهم بما يحتاجونه من الفتاوى والفقه، فكل من يحاول أن يصادم العلم بالجهاد فيعطل أحدهما بسبب الآخر ففعله مناقض للإرشاد الرباني الذي جاء في قوله تعالى: ﴿۞وَمَا كَانَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةٗۚ فَلَوۡلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرۡقَةٖ مِّنۡهُمۡ طَآئِفَةٞ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوۡمَهُمۡ إِذَا رَجَعُوٓاْ إِلَيۡهِمۡ لَعَلَّهُمۡ يَحۡذَرُونَ﴾ [التوبة: 122].

قال الإمام ابن القيم رحمه الله: «أن الآية تكون قد اشتملت على بيان حكم النافرين والقاعدين، وعلى بيان اشتراكهم في الجهاد والعلم، فالنافرون أهل الجهاد والقاعدون أهل التفقه، والدين إنما يتم بالجهاد والعلم، فإذا اشتغلت طائفة بالجهاد، وطائفة بالتفقه في الدين، ثم يعلم أهل الفقه للمجاهدين إذا رجعوا إليهم حصلت المصلحة بالعلم والجهاد وهذا الأليق بالآية والأكمل لمعناها»١٬٢٨٥بدائع الفوائد: (4 / 995)..

ص 699

وقال العلامة الطاهر بن عاشور رحمه الله: «وإذ قد كان من مقاصد الإسلام بث علومه وآدابه بين الأمة وتكوين جماعات قائمة بعلم الدين وتثقيف أذهان المسلمين كي تصلح سياسة الأمة على ما قصده الدين منها، من أجل ذلك عَقُب التحريض على الجهاد بما يبين أن ليس من المصلحة تمحض المسلمين كلهم لأن يكونوا غزاةً أو جُندًا، وأن ليس حظ القائم بواجب التعليم دون حظ الغازي في سبيل الله من حيث إن كليهما يقوم بعمل لتأييد الدين، فهذا يؤيده بتوسع سلطانه وتكثير أتباعه، والآخَرُ يؤيده بتثبيت ذلك السلطان وإعداده لأن يصدر عنه ما يضمن انتظام أمره وطول دوامه، فإن اتساع الفتوح وبسالة الأمة لا يكفيان لاستبقاء سلطانها إذا هي خلت من جماعة صالحة من العلماء والسَّاسَة وأولي الرأي المهْتمين بتدبير ذلك السلطان»١٬٢٨٦التحرير والتنوير: (6 / 404)..

وحينما يكون الجهاد فرض عين -كما هو اليوم- يجب أن تكون من أولى مهام أولي العلم، تحريض المسلمين عليه، واستنفارهم إليه، وتأييدهم للمجاهدين، وحض المسلمين على إعانتهم والدعاء لهم ونشر محاسنهم، ورفع همم المنكسرين، وتثبيط عزائم الكافرين، وبيان خبثهم ومكرهم، وفضح دسائسهم، والتحذير من كيدهم، حتى تكون حلقة الجهاد والعلم متصلة، وجهودهما متكاملة، وهذه هي علاقة العلم بالجهاد، وليس كما يريد البعض ويدندن -جهلًا أو عمدًا - من إحداث فجوة لا يمكن معها التواصل بينهما، بل وتصوير المجاهدين على أنهم أعداء العلم والعلماء، وأن صفوفهم خالية منهم، وتجمعاتهم بعيدة عنهم، كما تحاول أن ترسمه «وثيقة الترشيد»، ولا يجب على المجاهدين كلما استفتوا عالـمًا وراسلوه أو واصلوه أن ينشروا اسمه وفتاواه على رؤوس الأشهاد ويشيعوها في الآفاق حتى تطمئن قلوب «كُتّاب» الوثيقة وتقر أعين «المشرفين عليها» ويعلموا أن المجاهدين يعتمدون في سيرهم وسيرتهم على فتاوى مؤصلة من أهل العلم المؤتمنين وأنهم لا يقتصرون فقط على «الرؤوس الجهال» الذين يفتون بغير علم فيضلون ويُضلون كما تحاول وثيقة الترشيد إفهامه للناس.

ونشير هنا إلى أن «كُتّاب» الوثيقة قد دلسوا تدليسًا دقيقًا، ومزجوا حقًا بباطلٍ لا يكاد يُتفطن له إلا مع طول التأمل والتدقيق حيث خلطوا بين أمرين من غير أن يبينوا تباينهما.

ص 700

فقال المرشد أولًا: «التكليف منوط بالعقل والعلم والقدرة... ولا تكليف قبل العلم وبلوغ الخطاب... ومنه القاعدة الفقهية: لا حكم لأفعال العقلاء قبل ورود النص»، فالعلم الذي لا يقع التكليف إلا به هو بلوغ الخطاب الشرعي، وهو ما تقوم به الحجة الشرعية، فالصحيح أن يقول: ولا تكليف قبل العلم «ببلوغ» الخطاب، وليس «وبلوغ الخطاب» فهذا الكلام يوهم أن العلم -في هذا الموطن- مغاير لبلوغ الخطاب ويشعر بأن العلم الذي يتوقف عليه التكليف إنما هو العلم التفصيلي، مع أن العلم التفصيلي إنما هو من آثار التكليف بمعنى أنه وجب لوجود التكليف، وهذا الأمر كان واضحًا في كلام الشيخ عبد القادر بن عبد العزيز في كتابه «الجامع في طلب العلم الشريف»، حينما قال: «أهلية الأداء: وهي أهلية التكليف؛ وتعني صلاحية الفرد لأن تعتبر أقواله وأفعاله شرعًا، أي صلاحيته لأن يكون مكلفًا يؤاخذ بأقواله وأفعاله.

وشروط صحة هذه الأهلية:

... الإدراك -بالبلوغ والعقل والعلم بخطاب التكليف-»

فالتكليف بالصلاة مثلًا يكفي فيه بلوغ خطاب وجوبها ليكون المرء مطالبًا بأدائها ومؤاخذًا بتركها، ويترتب على «بلوغ الخطاب» وحصول التكليف به وجوب تعلم ما تصح به مما يدخل في «الفرض العيني» من أقسام العلم.

فالمؤاخذة -التي هي أثر التكليف وفرعه- في كل أمرٍ من أمور الشرع إنما تحصل بعد بلوغ الخطاب الشرعي وقيام الحجة، وهو المقصود «بالعلم» الذي يحصل به التكليف، ويقابله «الجهل» الذي ينتفي معه، وهذا كله ما لم يكن هذا الجهل ناتجًا عن تقصير مع إمكان إزالته، ومن هذا الباب حرُم قتال الكفار الذين لم تبلغهم دعوة الإسلام التي تمثل «خطاب الشرع»؛ لأن الحجة لم تقم عليهم، ومجرد بلوغ الدعوة كافٍ في استباحة دمائهم وأموالهم، ولهذا قال النبي ﷺ: (والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة لا يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار)١٬٢٨٧رواه أحمد [٨٦٠٩]، ومسلم [١٥٣] عن أبي هريرة رضي الله عنه..

ص 701

وفي مقام الجهاد يكفي أن يعلم المسلم أن الله ﷻ فرض عليه عبادة الجهاد ليكون بعد ذلك مطالبًا بها، وبما يؤدي إلى أدائها، وملومًا بتركها، ومن آثار هذا التكليف في حق المجاهد انقسام العلم المتعلق به في أمور الجهاد إلى علمٍ عيني وعلمٍ كفائي، ولا تعلق لهذا العلم بأصل التكليف بعبادة الجهاد، وهذا أمرٌ واضحٌ والحمد لله.

ومن هنا فإن القفزة التي قفزها كاتب أو كتاب «وثيقة الترشيد» بعد ذلك بقولهم: «أما العلم بالشرع: فهو الطريق إلى معرفة ما يريده الله منا، ولا سبيل إلى ذلك إلا بتعلم علم الشريعة... فلا يجوز أن يفعل شيئا حتى يعلم حكمه في شرع الله، كما قال سبحانه: ﴿فَسۡـَٔلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلذِّكۡرِ إِن كُنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ﴾ [النحل: 43]، وفي الحديث الصحيح قال النبي ﷺ: (طلب العلم فريضة على كل مسلم)١٬٢٨٨[رواه ابن ماجه: (٢٢٤) وصححه الألباني].».

هذا القفزة من العلم الذي يحصل به «التكليف» إلى العلم التفصيلي للشريعة وتعلم أحكامها يوهم أن الإنسان المسلم لا يكون «مكلفًا» بالجهاد ولا مؤاخذًا بتركه إلا بعد علمه «التفصيلي» بأحكامه، مما يشعر أن ذلك العلم التفصيلي الواجب عليه هو الذي يتوقف عليه حصول التكليف، وهذا ضربٌ من التلبيس، وهي في الجملة نفس الشبهة التي أثيرت قديمًا وردها الشيخ عبد القادر نفسه في كتابه «العمدة» والتي تقول إنه «لا جهاد إلا بعد طلب العلم»، مع أن هذه العبارة فيها حقٌ وباطلٌ، ولم يقل أحدٌ من السلف ولا من العلماء إن فرضية الجهاد وحصول التكليف به متوقفٌ على تحصيل العلم بتفاصيل أداء هذه العبادة من جميع المجاهدين، بل كان النبي ﷺ يبايع من يريد الإسلام على الصدقة والجهاد، وكم من الصحابة الذين أسلموا وجاهدوا إثر ذلك مباشرةً، بل بعضهم قتل بعدها بوقت يسير ولم يكلفهم النبي ﷺ تعلم أحكام الجهاد مفصلةً قبل ذلك و(ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مئة شرط فقضاء الله أحق وشرط الله أوثق)١٬٢٨٩متفق عليه عن عائشة رضي الله عنها، [البخاري: (2168)، ومسلم: (1504)]..

ص 702

ومما يؤكد وقوع الإيهام أو إرادته في هذه الفقرة والقفزة، هو تسلسل الكلام عن العلم الذي يحصل به التكليف، إلى كيفية طلب العلم، إلى إيجابه في مقام الجهاد وذلك بقوله: «ويترتب على وجوب طلب العلم في مقام الجهاد الذي هو موضوع هذه الوثيقة أمور منها... إلخ».

فإذا ربط القارئ حلقات هذه السلسلة بعضها ببعض فإنه يخرج بنتيجة أن شرط التكليف هو العلم، ثم يفهم من خلال بقية العبارات أن المقصود بالعلم الذي هو شرط التكليف هو ما يجب عليه تعلمه من تفاصيل الأحكام، فرجع الأمر إلى أن الإنسان غير «مكلف» بالجهاد وعليه فهو غير مؤاخذ بتركه إلا بعد طلبه للعلم، ومعلومٌ أن العلماء قد ذكروا شروط وجوب الجهاد وقد امتلأت بها كتب الفقهاء ولم نرَ -فيما اطلعنا- عالِمًا واحدًا «مأمونًا» اشترط هذا الشرط، فهذا الإمام ابن قدامة رحمه الله يقول: «ويشترط لوجوب الجهاد سبعة شروط؛ الإسلام، والبلوغ، والعقل، والحرية، والذكورية، والسلامة من الضرر، ووجود النفقة»١٬٢٩٠المغني: (20 / 412)..

وقد قال الشيخ عبد القادر نفسه: «مما سبق تعلم أن العلم ليس من شروط وجوب الجهاد، حتى لو قَصَّر أحد في طلب العلم الواجب المتعين عليه فلا يكون تقصيره هذا مانعا له من الجهاد... وكما يرى كل مبتغ للحق غير مكابر ولا معاند أن العلم الشرعي ليس ضمن الشروط المذكورة أعلاه، وهذا ليس قول ابن قدامة وحده، بل لم أعثر على من اشترط هذا في أي من كتب الفقه فيما اطلعت»١٬٢٩١العمدة: (385)..

وأؤكد هنا على أن المقصود ليس التهوين من شأن العلم، ولا محاولة فصله عن الجهاد، ولا تزهيد المجاهدين فيه، ولا الدعوة إلى الجهاد على عِماية وجهل وتخبط، وليست هذه بفكرة لأحدٍ من المجاهدين إطلاقًا لا من الأمراء ولا الجنود وإن نسب ذلك لهم زورًا وبهتانًا، فعند الله تجتمع الخصوم.

ص 703

ولقد افتتحت هذه الفقرة ببيان علاقة العلم بالجهاد، والعلماء بالمجاهدين، لدفع هذا التوهم، فالواجب إذن هو وضع كل حكم موضعه الصحيح، وألا نحدث في دين الله ما ليس منه كاشتراط ما ليس بشرط، لا سيما إذا علمنا أن مثل هذا الشرط مؤداه قطعًا إلى تعطيل الجهاد وإماتة فريضته، ووضع العقبات أمام إحيائه، والإبقاء على «السلطات الحاكمة» حاكمة والله المستعان.

❖ ❖ ❖

لِمَ تقولون ما لا تفعلون؟

قال المرشِّد: «لا يجوز لغير المؤهلين شرعيا من أفراد الجماعات الجهادية تنزيل ما في بطون كتب السلف من أحكام مطلقة على واقعنا الحاضر، فالنصوص الشرعية «الكتاب والسنة» وإن كانت ثابتة لا تتغير، إلا أن فيها خيارات تناسب كل واقع وحال، وهذا لا يدركه إلا خبير بالشرع».

مع أن سياق كلامه كما نبه أولًا متعلق بالجهاد، إلا أن ما ذكره هنا ليس خاصًا بالمجاهدين ولا أفراد الجماعات الجهادية، بل هي قاعدة يجب أن يتقيد بها كل مسلم حتى لا يقول في دين الله بغير علم.

ولكن لنا هنا أن نسأل سؤالًا إذ إن ناشري الوثيقة قد ذكروا أن المرشد يشهد على نفسه بأنه ليس «عالِمًا ولا مفتيًا ولا مجتهدًا في الشريعة»: فهل من لم يحز شيئًا من هذه الأوصاف يعد «مؤهلًا»؟ فإن كان مؤهلًا فتحت أي وصفٍ يمكن إدخاله؟ وإن لم يكن كذلك فكيف جوَّز لنفسه أن ينزل ما في بطون كتب السلف من أحكام مطلقة على واقعنا الحاضر، وكيف استطاع أن يدرك الخيارات التي ناسبت هذا الواقع مع أنه ليس «خبيرًا بالشرع»؟!

فلو نظرنا إلى هذه الوثيقة فقط لرأينا كم من نصوص السلف المطلقة التي أنزلها المرشد على واقعنا المعاصر واعتضد بها في إصدار أحكام شرعية و«فتاوى» جزئية متعلقة به، أما إذا راجعنا كتبه السابقة فإننا سنجد فيها عشرات المسائل الشرعية المعاصرة التي حكم فيها بأن هذا يجوز وهذا لا يجوز، وهذا كفرٌ وهذا ليس كذلك، ودعم أقواله وما توصل إليه من أحكام بعشرات -إن لم تكن مئات- النصوص التي استخرجها من بطون كتب السلف وغيرهم، وقد قال الله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفۡعَلُونَ ٢ كَبُرَ مَقۡتًا عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لَا تَفۡعَلُونَ﴾ [الصف: 2-3].

ص 704

أفلم يكتب الشيخ عبد القادر من قبل بحوثًا مطولة في حكم من لم يحكم بما أنزل الله، وصرح بأنه يعني بذلك الحكام المعاصرين الذين يحكمون بالقوانين الوضعية، وقرر هذه المسألة بنصوص كثيرة من الكتاب والسنة وحشد لها عشرات النقولات من أقوال علماء السلف فمن بعدهم؟

أولم يكتب الشيخ عبد القادر عن حكم أنصار الطواغيت المعاصرين وبين مَن هم هؤلاء الأنصار الذين يعنيهم فقال: «والمقصود بهم: أنصار الحكام المرتدين الذين يحكمون بغير ما أنزل الله في شتى بلدان المسلمين اليوم، وأنصارهم هم الذين يحمونهم ويمنعونهم وينصرونهم على من يريد خلعهم من المسلمين المجاهدين، وأنصارهم هم الذين يذبون عنهم بالقول ويقاتلون دونهم بالسلاح، وهم سبب دوام أحكام الكفر بهذه البلاد... وحكم أنصار هؤلاء الطواغيت هو فرع عن الحكم على الطواغيت، وحكم هؤلاء الحكام بغير ما أنزل الله أنهم مرتدون»١٬٢٩٢الجامع في طلب العلم الشريف (673).، وقد ضمن تقريره لهذا الحكم في هذه المسألة المعاصرة كمًّا هائلًا من النصوص المأخوذة من بطون كتب علماء السلف الذين كتبوا «كتبهم لزمان غير زماننا»؟

أولم يكتب الشيخ عبد القادر عن حكم الديمقراطية، وهي قطعًا مسألة عصرية خالصة، مبيّنًا حكمها: «فالديمقراطية كفر أكبر حكمها في ذلك حكم مثلها من القوانين الوضعية، بل هي دين مخالف لدين الإسلام لما تمثله من شرك صريح في الربوبية... ووسائل تطبيق الديمقراطية لها نفس الحكم، كإنشاء الأحزاب السياسية وإنشاء المجالس النيابية «البرلمانات»، والمشاركة في هذه الأحزاب أو في انتخابات المجالس النيابية بالترشيح أو الانتخاب، كل هذا كفر أكبر ممن فعله أو دعا إليه وزيَّنه للناس أو رضي به وإن لم يفعله؛ لأن هذه هي وسائل تطبيق الديمقراطية التي هي دين الكفار، ولا تغتر بكثرة الهالكين في هذا الذين فارقوا دين الإسلام ودخلوا في دين الكفار ما داموا قد ارتضوا بالديمقراطية ووسائلها، وإن كان أحدهم يركع في اليوم ألف ركعة أو يختم في اليوم مئة ختمة هو كافر»، وقد استدل لهذا الحكم الذي توصل إليه بأدلة شرعية، ونقل في ذلك أيضًا نصوصًا «مطلقة» من كلام علماء السلف وأنزله على هذه الواقعة العصرية؟

ص 705

بل قال في مقدمة كتابه: «وقد تكلمت في هذا الكتاب في كثير من الموضوعات التي تشغل بال المسلمين في هذا الزمان مبيّنا الراجح والصواب في كل منها بإذن الله تعالى، وذلك مثل موضوع الاتباع والتقليد، وموضوع الجهل والعذر به، وموضوع التكفير وضوابطه، وموضوع حكم الديمقراطية وأساليبها، وموضوع حكم الحكام الحاكمين بغير ما أنزل الله وحكم أعوانهم وأنصارهم، وموضوع أحكام الديار وحكم عوام الناس بها، وموضوع السياسة الشرعية وما دخله من تحريفات المعاصرين، وموضوع الحجاب والنقاب، وغيرها من الموضوعات التي يمكن معرفة مواضعها بمراجعة الفهرس المثبت في آخر الكتاب»١٬٢٩٣الجامع: (6)..

وقال أيضًا: «وقد التزمت بهذا المنهج في كتاباتي ولله تعالى الفضل والمنة، فلا أذكر قولا إلا واتبعه بدليله من الكتاب والسنة وقول السلف ما أمكن ذلك»١٬٢٩٤الجامع: (185)..

فانظر إلى هذا الكم الكبير من المسائل العصرية التي تناولها في كتابه الجامع -ومثل ذلك في كتابه العمدة- مع ترجيحه فيها، وتدعيمه ما يذهب إليه بعشرات الأقوال لعلماء السلف وغيرهم مع أنه يكتب في مسائل عصرية تحتاج إلى ترجيح وخبرة بالشرع، هذا مع التأكيد على أن ما في كتب السلف يعد أحكامًا مطلقة، وكتبت لزمان غير زماننا، أضف إلى ذلك أن الشيخ -كما نقل عنه الناشرون- «ليس مفتيًا ولا عالِمًا ولا مجتهدًا في الشريعة»؛ فكيف تحل هذه المعضلة؟!!

إلا أن يكون «كتَّاب» الوثيقة و«المرشِّدون» هم من «السلطات المختصة» التي اعتادت أن تضرب بالشريعة و«العقول» عرض الحائط ولا تبالي، وتتصرف وفق ما تريده «السلطات الحاكمة» وسواء عندها انفضح أمرها أم لا.

ص 706

والذي نعتقده أن الشيخ عبد القادر -فرج الله عنه- كان عالِمًا مفتيًا خبيرًا بكثير من مسائل الشرع والواقع، وقد أفاد المجاهدون وغيرهم من كتبه وأبحاثه، وهو ليس بمعصوم، ولذلك يؤخذ من قوله ما وافق الحق ويرد ما سوى ذلك ونسأل الله أن يعجل بفك أسره وإخراجه من ظلمات سجون الظلمة المجرمين وإلى الله المشتكى.

قال المرشِّد: «وقد كتب علماء السلف كتبهم لزمان غير زماننا: كان للمسلمين فيه دار إسلام وخلافة وخليفة وتميز بين الصفوف وبين الناس بعضهم بعضا، المسلمون في دار الإسلام والكفار في دار الحرب، وفي دار الإسلام يتميز الذمي عن المسلم في المظهر، كل هذا لا وجود له الآن واختلط الناس، وهذا من الواقع المتغير المختلف الذي يوجب الاحتياط عند الاطلاع على كتب السلف وعند الحكم على الناس».

القول: بأن السلف رحمهم الله قد كتبوا كتبهم لزمان غير زماننا غير صحيح على إطلاقه، فليس كل ما كتبه السلف كان لزمان غير زماننا، بل أخشى أن يكون المقصود من هذه الفقرة هو شق الخطوات نحو عزل الجيل عن سلفه وبدأ قطع صلته به تحت هذه الذريعة وما يتبعها بعدُ من ذرائع محدثة، فأكثر أصول مسائل الجهاد التي ذكرها السلف تعد مسائل مستقرة ذات أحكامٍ ثابتة، مع أن نوازله في هذا العصر كثيرة ومعقدة بلا شك، إلا أن هذا لا يعني أن السلف رضي الله عنهم لم يتعرضوا لنظائرها ويقرروا أحكام أشباهها، والأمة لم تعدم العلماء المجاهدين الراسخين في العلم، المستبصرين بما كتبه السلف والمطلعين على ما يحتاجه الواقع، وما أكثر الذين تكلموا في نوازل العصر الكبرى والصغرى وبينوا أحوالها وفصلوا أحكامها.

قال المرشِّد: «ولا يجوز لغير المؤهل أن يقود مثله في عدم الأهلية لخوض صدامات باسم الجهاد، فإن الاحتياط في أمور الدماء والأموال في غاية الوجوب».

ص 707

أما كون الاحتياط في أمور الدماء والأموال في غاية الوجوب فكلامٌ لا غبار عليه، ولم يزل المجاهدون يؤكدون على هذا المعنى في أبحاثهم وفتاواهم ودروسهم، وما تحاول الوثيقة رسمه من خلال عباراتها المتكررة والتي توحي باستسهال المجاهدين مسألة سفك الدماء ونهب الأموال وأنهم يتوسعون فيها «باسم التترس» وأنهم يقتلون من يجوز قتله ومن لا يجوز من المسلمين وغيرهم، فهذه كلها افتراءات وأكاذيب اعتدنا سماعها من وسائل الإعلام الصليبي ومن يدور في فلكه ويتبع خطواته.

[البحر: البسيط]

[البحر: البسيط]

إِن يَعْلَمُوا الْخَيْرَ أَخْفُوهُ وَإنْ عَلِمُوا

شَرًّا أَذَاعُوا وَإِنْ لَمْ يَعْلَمُوا كَذَبُوا١٬٢٩٥[قاله: طُرَيح بن إِسْمَاعِيل الثقفى، انظر: الحماسة البصرية (2/21)].

[البحر: البسيط]

[البحر: البسيط]

إنْ يَسْمَعُوا رِيبَةً طَارُوا بهَا فَرَحًا

مِنِّي ومَا سمِعُوا مِنْ صَالِحٍ دَفَنُوا

صُمٌّ إذَا سَمِعُوا خَيرًا ذُكِرْتُ بِه

وإنْ ذُكِرْتُ بِشَرٍّ عِنْدَهُمْ أذِنُوا١٬٢٩٦التحرير والتنوير: (6 / 300) [والبيت نسبه في لسان العرب (16/148) لقعنب ابن أم صاحب].

ص 708

[البحر: الوافر]

[البحر: الوافر]

إَذَا قَالَتْ حَذَامِ فَصَدِّقُوهَا

فإنَّ القَولَ مَا قَالَتْ حَذَامِ١٬٢٩٧[هذا البيت من الشواهد الشعرية المعروفة، ونسبه في لسان العرب (2/99) لـ: «وُشَيْمِ بْنِ طارقٍ، ويُقال: لِلُحَيْمِ بْنِ صَعْبٍ»].

وإذا كان الله ﷻ قد قال للصحابة -وهم من هم في الإيمان والثبات عليه- حينما حذرهم من المنافقين وأراجيفهم وأن تثبيطه إياهم كان لمصلحتهم لئلا يغتروا بأقاويلهم وتؤثر فيهم أكاذيبهم مع أن ذلك كان في أوقات عابرة وسفر منقطع فقال سبحانه: ﴿لَوۡ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمۡ إِلَّا خَبَالٗا وَلَأَوۡضَعُواْ خِلَٰلَكُمۡ يَبۡغُونَكُمُ ٱلۡفِتۡنَةَ وَفِيكُمۡ سَمَّٰعُونَ لَهُمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [التوبة: 47]، فكيف بمن هو دونهم، مع هذه الآلة الإعلامية الضخمة، والدهاة الذين تخصصوا في غسيل العقول والخلوص إلى النفوس؟ أفيأمن الرجل بعدها -مهما أوتي من العلم والإيمان- أن تؤثر فيه، ويكون سماعًا لها مستجيبًا لأخبارها متأثرًا بآرائها ومتبعًا لتوجيهاتها؟!

ص 709

قال العلامة ابن عاشور رحمه الله: «﴿وَفِيكُمۡ سَمَّٰعُونَ لَهُمۡۗ﴾ [التوبة: 47]؛ أي في جماعة المسلمين، أي من بين المسلمين ﴿سَمَّٰعُونَ لَهُمۡۗ﴾ [التوبة: 47] فيجوز أن يكون هؤلاء السماعون مسلمين يصدقون ما يسمعونه من المنافقين، ويجوز أن يكون السماعون منافقين مبثوثين بين المسلمين، وهذه الجملة اعتراض للتنبيه على أنّ بغيهم الفتنةَ أشدّ خطرًا على المسلمين لأنّ في المسلمين فريقًا تنطلي عليهم حيلهم، وهؤلاء هم سذج المسلمين الذين يعجبون من أخبارهم ويتأثّرون ولا يبلُغون إلى تمييز التمويهات والمكائد عن الصدق والحقّ»١٬٢٩٨التحرير والتنوير: (6 / 300)..

وكما قال الإمام ابن القيم رحمه الله: «فإذا كان جيل القرآن كان بينهم منافقون وفيهم سماعون لهم فما الظن بمن بعدهم فلا يزال المنافقون في الأرض ولا يزال في المؤمنين سماعون لهم لجهلهم بحقيقة أمرهم وعدم معرفتهم بغور كلامهم»١٬٢٩٩الصواعق المرسلة: (4/1404)..

وأما قول المرشد: «ولا يجوز لغير المؤهل أن يقود مثله في عدم الأهلية لخوض صدامات باسم الجهاد».

فنقول: ما هو المقصود بغير المؤهل، ففقدان الأهلية له عدة أوجه، ولا بد من تحديدها وبيانها ونفي الإجمال عنها لا سيما في هذا الموطن الذي تُصدِر فيه هذا الحكم الشرعي «لا يجوز» مع أنك لست «مفتيًا ولا عالِمًا ولا مجتهدًا في الشريعة» -حسب قول الناشرين- فقد يكون المرء غير مؤهل علميًا، أو عسكريًا، أو خُلُقيًا، أو من جهة فقدانه للخبرة والتجربة أو غير ذلك.

إلا أن قوله عقب هذه الجملة: «فإن الاحتياط في أمور الدماء والأموال في غاية الوجوب»، وما جاء بعدها؛ يشير إلى أن المقصود بالأهلية المفقودة هي الأهلية العلمية لأن تمييز الدماء والأموال المحرمة من غيرها إنما يتم بالعلم الشرعي وبه يُحتاط في سفكها.

ومن هنا فإن إطلاق القول بعدم جواز أن يقود غير المؤهل مثيله غير صحيح لأمرين:

الأول: أن المرء قد تكون بضاعته في العلم الشرعي مزجاة، إلا أنه صاحب خبرة عسكرية ودراية بأمور الحروب، ومقدرة على حسن إدارتها، وتعاملٍ مع مكائدها؛ فهذا يجوز له أن يكون قائدًا للسرايا والجيوش وإن لم تكن عنده الأهلية العلمية، ولكن يجب عليه أن يراجع أهل العلم ويسألهم فيما يُشكل عليه ويستفتيهم فيما لا علم له به وهو بذلك داخل في قول الله تعالى: ﴿فَسۡـَٔلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلذِّكۡرِ إِن كُنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ﴾ [النحل: 43].

ص 710

قال ابن خويز منداد: «واجب على الولاة مشاورة العلماء فيما لا يعلمون، وفيما أشكل عليهم من أمور الدين، ووجوه الجيش فيما يتعلق بالحرب، ووجوه الناس فيما يتعلق بالمصالح، ووجوه الكتاب والوزراء والعمال فيما يتعلق بمصالح البلاد وعمارتها»١٬٣٠٠تفسير القرطبي: (4 / 250)..

وقال ابن عطية رحمه الله: «والشورى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام، ومن لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب، هذا ما لا خلاف فيه»١٬٣٠١المحرر الوجيز: (2 / 35)..

وإذا كان هذا في الإمام العام؛ فكيف بمن دونه من الأمراء والقادة؟ وكيف إذا قل علمهم أو انعدمت أهليتهم؟ فلا شك أن مشاورتهم لأهل العلم والدين أوجب وأوكد، مع التأكيد على أنه يجوز في الاضطرار ما لا يجوز في الاختيار، ويُجتَهد في إصلاح الخطأ وتقويم العوج وإكمال النقص بحسب الإمكان، كما قال شيخ الإسلام رحمه الله: «ومع أنه يجوز تولية غير الأهل للضرورة، إذا كان أصلح الموجود فيجب مع ذلك السعي في إصلاح الأحوال، حتى يكمل في الناس ما لا بد لهم منه، من أمور الولايات والإِمارات ونحوها»١٬٣٠٢السياسة الشرعية: (14)..

بل حتى في الإمامة العظمى -ومحلها من الدين ما عُلِم- عند فقد مرتبة الاجتهاد لم يقل العلماء بإبقاء هذا المنصب شاغرًا تفاديًا لاختلال النظام واضطراب المهام الذي يحصل بانعدام الإمام وارتضوا بقبوله مع نقصه لتحصيل ما يمكن وحفظ ما يستطاع من أمور الدين والدنيا، ومع هذا فيلزمه مراجعة العلماء كي لا يشذ عن أحكام الشرع كما قال إمام الحرمين رحمه الله: «فقد مضى أن استجماع صفات المجتهدين شرط الإمامة، فلو لم نجد من يتصدى للإمامة في الدين، ولكن صادفنا شهما ذا نجدة وكفاية واستقلال بعظائم الأمور -على ما تقدم وصف الكفاية- فيتعين نصبه في أمور الدين والدنيا، وينفذ أحكامه كما ينفذ الإمام الموصوف بخلال الكمال المرعي في منصب الإمام، وأئمة الدين وراء إرشاده وتسديده، وتبين ما يشكل في الواقعات من أحكام الشرع.

ص 711

والعلم وإن كان شرطه في منصب الإمامة معقولا ولكن إذا لم نجد عالما فجَمْعُ الناس على كاف، ويستفتي فيما يسنح ويعن له من المشكلات أولى من تركهم سدى متهاوين على الورطات متعرضين للتغالب والتواثب وضروب الآفات»١٬٣٠٣غياث الأمم (276)..

وفي هذا الكتاب الكثير من الصور التي تكاد تكون مطابقة لأحوال الأمة في هذا العصر، والتي ينبغي مراجعتها والتعمق في فهمها ودراستها، ولولا خشية الإطالة لنقلت شيئًا كثيرًا مما يتعلق بهذه المسألة التي نحن بصددها «تولية أو تولي غير الأهل في بعض الحالات».

الثاني: ألا يكون ضرر مَن خرج عليهم غيرُ المؤهل أعظم من ضرره، وهذا داخل ضمن القاعدة العامة التي تنص على أن الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف، ولأن «الشريعة جاءت بتقرير المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، فإذا تعارض مفسدتان إحداهما أكبر من الأخرى فلنا معها حالتان:

الأولى: أن نحاول القضاء عليهما جميعًا وهذا هو الواجب عند القدرة عليه؛ لأنه تعطيل للمفاسد، وإذا لم نستطع تعطيلها بالكلية فإننا نحاول تقليلها ولا يكون ذلك إلا بارتكاب المفسدة الصغرى، واجتناب المفسدة الكبرى، وهذا من تقليل المفاسد»١٬٣٠٤تلقيح الأفهام العلية بشرح القواعد الفقهية: (3 / 17)..

ص 712

ولهذا فمع أن الولايات في الأصل إنما يقوم عليها شخصٌ واحدٌ، إلا أنه عند الاضطرار وإذا لم يكن هناك كفؤٌ جامعٌ للصفات التي تؤهله للقيام بها؛ فيجوز أن يُضم له من الناس من يُكمل نقصه ويجبر خلله، وهذا خروجٌ عن النسق المعهود في شؤون الإمارات لئلا تضيع المصالح بترقبنا للمؤهل الصالح، كما قال شيخ الإسلام رحمه الله: «وكذلك في إمارة الحرب، إذا أمر الأمير بمشاورة أهل العلم والدين جمع بين المصلحتين، وهكذا في سائر الولايات إذا لم تتم المصلحة برجل واحد جمع بين عدد؛ فلا بد من ترجيح الأصلح، أو تعدد المولى، إذا لم تقع الكفاية بواحد تام»١٬٣٠٥السياسة الشرعية: (13)..

وقال إمام الحرمين رحمه الله: «ولو فرض إلمامُ مُهمٍ يتعين مبادرته في حكم الدين قبل أن يطأ الكفار طرفًا من بلاد الإسلام، ولم نجد بدًا من جر عسكر، وصادفنا فاسقا نقلده الإمارة وعسر انجرار العسكر دون مرموق مطاع، ولم نتمكن من تقي ديِّن وإن بذلنا كنه المستطاع، فقد نضطر إذا استفزتنا داهية يتعين المسارعة إلى دفعها إلى تقليد الفاسق جر العسكر.

ولو فرض فاسقٌ يشرب الخمر أو غيره من الموبقات، وكنا نراه حريصا -مع ما يخامره من الزلات وضروب المخالفات- على الذب عن حوزة الإسلام، مشمرًا في الدين لانتصاب أسباب الصلاح العام العائد إلى الإسلام، وكان ذا كفاية ولم نجد غيره فالظاهر عندي نصبه مع القيام بتقويم أوده على أقصى الإمكان؛ فإن تعطيل الممالك عن راعٍ يرعاها ووالٍ يتولاها عظيم الأثر والموقع في انحلال الأمور وتعطيل الثغور»١٬٣٠٦غياث الأمم: (277)..

قلت: فإذا كان تعطيل الممالك عن راع يرعاها ووال يتولاها عظيم الأثر في انحلال الأمور واختلالها، فكيف إذا أُسلمت تلك الممالك إلى الكفرة الفجرة، والطغاة الظلمة، وفتحت أبواب المداهمة والاحتلال ليلجها من شاء من يهود ونصارى وملحدين، فيجلبون على ديار الإسلام بخيلهم ورجلهم فلا يبقون للدين أثرًا من عقيدة، أو خلق، أو شريعة، أو حكم، ولا من الدنيا شيئًا من مالٍ أو متاعٍ؛ فيهلكون بطغيانهم الحرث والنسل، ويظهرون فسادهم في البر والبحر والجو أوَ ليس الحال هنا أولى بارتضاء تولية ناقص الأهلية أو حتى معدومها عند عدم غيره لتقليل الفساد والتصدي لأهل البغي والعناد وتأمين البلاد والعباد مع السعي والاجتهاد لتكميله وترشيده ونصحه وتأهيله؟

ص 713

ومثل ذلك تولية القضاء -ومنصبه في غاية الخطورة- اختلف العلماء فيمن يكون الأولى بالتقديم والتنصيب: العالم الفاسق أم الجاهل الديِّن؟ عند دوران الحكم على تعيين أحدهما، وأكثرهم على تقديم الثاني كما قال شيخ الإسلام رحمه الله: «وسئل بعض العلماء: إذا لم يوجد من يولى القضاء؛ إلا عالم فاسق، أو جاهل ديّن؛ فأيهما يقدم؟ فقال: إن كانت الحاجة إلى الدين أكثر لغلبة الفساد، قدم الدين، وإن كانت الحاجة إلى العلم أكثر لخفاء الحكومات قدم العالم، وأكثر العلماء يقدمون ذا الدين»١٬٣٠٧السياسة الشرعية: (13)..

وقال الإمام ابن القيم رحمه الله: «ونظير مثل هذه المسألة إذا لم يجد السلطان من يوليه القضاء إلا قاضيًا عاريًا من شروط القضاء لم يعطل البلد عن قاض وولى الأمثل»١٬٣٠٨إعلام الموقعين: (4/196)..

فإطلاق القول بأنه: «لا يجوز لغير المؤهل أن يقود مثله في عدم الأهلية لخوض صدامات باسم الجهاد»؛ غير صحيح، بل لا بد من التفصيل والتوضيح ووضع الأحكام موضعها ومراعاة أحوالها، خاصة وأن أضرار تسلط الحكام المرتدين وإطلاق أيدي أتباعهم المجرمين ليعيثوا في الأرض فسادًا لا يكاد يعدله شيء من الأضرار والشرور، والواقع خير شاهد على ذلك، والله المستعان.

وقد أطال شيخ الإسلام في بيان هذه المسألة وفصل الكلام تفصيلًا وافيًا نقلته من قبل وأعيده هنا لأهميته فقال رحمه الله: «فإن اتفق من يقاتلهم على الوجه الكامل فهو الغاية في رضوان الله وإعزاز كلمته وإقامة دينه، وطاعة رسوله، وإن كان فيهم من فيه فجور وفساد نية بأن يكون يقاتل على الرياسة أو يتعدى عليهم في بعض الأمور، وكانت مفسدة ترك قتالهم أعظم على الدين من مفسدة قتالهم على هذا الوجه: كان الواجب أيضا قتالهم دفعا لأعظم المفسدتين بالتزام أدناهما، فإن هذا من أصول الإسلام التي ينبغي مراعتها.

ص 714

ولهذا كان من أصول أهل السنة والجماعة الغزو مع كل بر وفاجر، فإن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر، وبأقوام لا خلاق لهم، كما أخبر بذلك النبي ﷺ، لأنه إذا لم يتفق الغزو إلا مع الأمراء الفجار، أو مع عسكر كثير الفجور، فإنه لا بُدَّ من أحد أمرين: إما ترك الغزو معهم فيلزم من ذلك استيلاء الآخرين الذين هم أعظم ضررا في الدين والدنيا، وإما الغزو مع الأمير الفاجر فيحصل بذلك دفع الأفجرين، وإقامة أكثر شرائع الإسلام، وإن لم يمكن إقامة جميعها، فهذا هو الواجب في هذه الصورة، وكل ما أشبهها، بل كثير من الغزو الحاصل بعد الخلفاء الراشدين لم يقع إلا على هذا الوجه... فإذا أحاط المرء علما بما أمر به النبي ﷺ من الجهاد الذي يقوم به الأمراء إلى يوم القيامة، وبما نهى عنه من إعانة الظلمة على ظلمهم: عَلِمَ أن الطريقة الوسطى التي هي دين الإسلام المحض جهاد من يستحق الجهاد، كهؤلاء القوم المسؤول عنهم، مع كل أمير وطائفة هي أولى بالإسلام منهم، إذا لم يمكن جهادهم إلا كذلك، واجتناب إعانة الطائفة التي يغزو معها على شيء من معاصي الله، بل يطيعهم في طاعة الله، ولا يطيعهم في معصية الله، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

وهذه طريقة خيار هذه الأمة قديما وحديثا. وهي واجبة على كل مكلف. وهي متوسطة بين طريق الحرورية وأمثالهم ممن يسلك مسلك الورع الفاسد الناشئ عن قلة العلم، وبين طريق المرجئة وأمثالهم ممن يسلك مسلك طاعة الأمراء مطلقا وإن لم يكونوا أبرارًا»١٬٣٠٩مجموع الفتاوى (28/506-507)..

وقريب منه قوله رحمه الله تعالى: «والجهاد لا يقوم به إلا ولاة الأمور، فإن لم يغز معهم لزم أن أهل الخير الأبرار لا يجاهدون، فتفتر عزمات أهل الدين عن الجهاد، فإما أن يتعطل وإما أن ينفرد به الفجار فيلزم من ذلك استيلاء الكفار أو ظهور الفجار لأن الدين لمن قاتل عليه، وهذا الرأي من أفسد الآراء... وصاحب هذا القول تورع فيما يظنه ظلـمًا فوقع في أضعاف ما تورع عنه بهذا الورع الفاسد، وأين ظلم بعض ولاة الأمور من استيلاء الكفار؟! بل من استيلاء من هو أظلم منه، فالأقل ظلـمًا ينبغي أن يعاون على الأكثر ظلـمًا فإن الشريعة مبناها على تحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها بحسب الإمكان ومعرفة خير الخيرين وشر الشرين حتى يقدم عند التزاحم خير الخيرين ويدفع شر الشرين.

ص 715

ومعلوم أن شر الكفار والمرتدين والخوارج أعظم من شر الظالم وأما إذا لم يكونوا يظلمون المسلمين والمقاتل لهم يريد أن يظلمهم فهذا عدوان منه فلا يعاون على العدوان»١٬٣١٠منهاج السنة النبوية: (6 / 118)..

ومَن يطلع على كلام أهل العلم حينما يتحدثون عن تسلط الكفار على بلد من بلدان المسلمين، أو حتى خشية مداهمتهم لها يدرك مدى استشعارهم لخطورة هذا الأمر، وإحاطتهم بهوله، وأنهم يعدونه أم المصائب وبوابة الشرور وخاتمة الدواهي؛ ولهذا يستسهلون دون كفها ودفعها سائر من يُتخيل من المفاسد ويُتوقع من المضار، كما هو الحال عند حديثهم على مسألة التترس وما شابهها، واستمع إلى إمام الحرمين الجويني رحمه الله وهو يشير إلى حادثة تاريخية انتصر فيها الإسلام فانكف شر أعدائه اللئام، وهي الوقعة التي كانت بين ألب أرسلان وبين ملك الروم وانتصر فيها المسلمون انتصارًا عظيمًا، وما تراه في أسطرها من عظيم خطر تسلط الكفار على المسلمين حتى تدرك أن الأمر ليس هينًا وأن المصيبة ليس تخيلًا، فقال: «فمن استمسك بالحق ولم يمل به مهوى الهوى عن الصدق، تبين على البدار والسبق أن خزائن العالمين وذخائر الأمم الماضين وكنوز المنقرضين لو قوبلت بوطأة من الكفار لأطراف ديار الإسلام لكانت مستحقرة مستنزرة.

فكيف لو تملكوا البلاد، وقتلوا العباد، وقرعوا الحصون والأسداد، وخرقوا عن ذوات الخدور حجب الرشاد، ومال إليهم من لا خلاق له من حثالة الناس بالارتداد، وتخلل الحرائر العلوج، وهتك حجالهن التبذل والبروج، وهدمت المساجد، ورفعت الشعائر والمشاهد، وانقطعت الجماعات والأذان، وشهرت النواقيس والصلبان، وتفاقمت دواعي الاختزاء والافتضاح، وصارت خطة الإسلام بحرًا طافحًا بالكفر الصراح؟!

ص 716

فما القول في أقوام بلوا في الذب عن دين الله حشاشات الأرواح، وركبوا نهايات الغرر متجردين لله تعالى في الكفاح، وواصلوا المساء بالصباح، والغدو بالرواح، وركبوا إلى الموت أجنحة الرياح، متشوفين إلى منهل المنايا على هزة وارتياح، حتى وافوا بحرا من جمع الكفار لا ينزفه إدمان الانتزاح، وركنوا للموت وتنادوا: لا براح، وألموا بهم إلمام القدر المتاح، وما وهنوا وما استكانوا وإن عضهم السلاح، وفشا فيهم الجراح، حتى أهب الله رياح النصر من مهابها، ورد شعائر الحق إلى نصابها، وقيض من ألطافه بدائع أسبابها أيثقل هؤلاء على أهل الإسلام بنزر من الحطام وهم القوام والنظام؟!»١٬٣١١غياث الأمم: (254-255)..

ولهذا فإننا نقول: إن تغلب الكفار -مرتدين كانوا أم أصليين- على ديار المسلمين يجب أن يوضع على رأس قائمة الفساد الذي يتحتم على أهل الإسلام السعي لإزالته مهما كلفهم من بذل النفوس وإنفاق الأموال وتحمل البلاء، فكلُ جهودهم وطاقاتهم وإمكاناتهم لا بد أن تتوجه إلى هذا الهدف أولًا، بل حتى بالغ الشيخ عبد القادر بن عبد العزيز في هذا الأمر فقال: «كما أننا نرى أن شَغْل المسلمين بأي أمر سوى الجهاد في سبيل الله في هذا الزمان، كما تفعله كثير من الجماعات الإسلامية، هو خيانة لله ولرسوله ﷺ، وخيانة لهذا الدين وتضييع له»١٬٣١٢العمدة: (355)..

وما يحصل من بعض الأخطاء أو حتى التجاوزات التي تنسب إلى بعض المجاهدين -إن صحت- فإنها لا تذكر بالنسبة لمحنة الإسلام العظمى ونوائبه الكبرى المتمثلة في تسلط أعدائهم الكفرة عليهم وما نتج وينتج عن ذلك من المفاسد التي لا يحصيها إلا الله تعالى، والتي وصلت في هذه الأيام ذروتها، من إقصاء شريعة الإسلام، والتنكيل بأولياء الله، وتربية الأجيال على الإلحاد وإغراقهم في أنواع الفساد، والاستهزاء الصريح المعلن بالله ورسوله وآياته، وفتح أبواب المجون والخلاعة وسوق الناس إليه زرافات ووحدانا، وغير ذلك مما لا يحصيه إلا الله وحده.

ص 717

إلا أن الناس ولبعد عهدهم بالشرع ودولة الإسلام، ولنشوء أكثرهم وتربيتهم في غيابها، لم يستشعروا فداحة ما هم فيه، ولم يدركون البون الشاسع بين ما يجب أن يكونوا عليه أصالة، وبين ما يعيشونه اليوم مما ألفوه واعتادوه واطمئنوا إليه، ولهذا ترى المستمسكين بالإسلام الحق والداعين إليه غرباء في أوطانهم وبين أقوامهم، وأغرب منهم المجاهدون في سبيل الله، الذين يحاولون جهدهم إحياء هذه الفريضة التي يجدُّ أعداء الإسلام بكل وسيلة وحيلة لوأدها وإبعاد الأمة عنها لأنهم يعلمون أنها الترس الذي يقي الأمة من تمرير مخططاتهم ويحول بينهم وبين طعنها في مقاتلها.

قال المرشِّد: «ولقد رأيت بعض من لا يحسن الإجابة عن سؤال في فقه الصلاة أو الطهارة في حين أنه يفتى ويأمر بإهدار الدماء والأموال بالجملة، فهل يسوغ هذا في دين الإسلام؟».

لا شك أن الكلام في دين الله تعالى بغير علم من أعظم المنكرات، وأشد المحرمات كما قال ﷻ: ﴿قُلۡ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ ٱلۡفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنۡهَا وَمَا بَطَنَ وَٱلۡإِثۡمَ وَٱلۡبَغۡيَ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَأَن تُشۡرِكُواْ بِٱللَّهِ مَا لَمۡ يُنَزِّلۡ بِهِۦ سُلۡطَٰنٗا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ﴾ [الأعراف: 33]، وهو من سبل الشيطان التي يأمر بها كما قال ﷻ: ﴿إِنَّمَا يَأۡمُرُكُم بِٱلسُّوٓءِ وَٱلۡفَحۡشَآءِ وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ﴾ [البقرة: 169].

وهذا لا يماري فيه أحد، ولكن ما وجه ذكر ما ذكره المرشد في وثيقته تشنيعًا على المجاهدين، فإن كان يقصد بذلك تعميم الحكم عليهم، وأنهم جميعًا على تلك الصفة، فهذا من الافتراء المحض والتخرص الخالص، وقد قضى الشيخ عبد القادر سنوات من عمره بين المجاهدين وفي صفوفهم يفتي ويؤلف ويصنف ويعلم، فإن كان في تلك الفترة «ليس مفتيًا ولا عالِمًا ولا خبيرًا بالشرع» فالأولى أن ينكر على نفسه، وإن كان مؤهلًا لتلك الأمور؛ فكيف ينفي عنه الآن أهليته للفتيا والعلم والخبرة بالشرع؟!

ص 718

وأما إن قصد بذلك ذكر أن مثل هذه الأمور وقعت وقد تقع في صفوف المجاهدين؛ فنقول: فلينكر الأمر على مرتكبه وينصح ويذكّر، مع أن نظير هذه المسائل قد تحصل في كل زمان ومكان فلا تخرم شرعية الجهاد أولًا، ولا يُسكتُ عنها ولا تقر ثانيًا، وينكر عليها بالكيفية المناسبة والطريقة الملائمة ثالثًا، فعن جابر رضي الله عنه قال: (خرجنا في سفر فأصاب رجلًا منا حجر فشجه في رأسه ثم احتلم، فسأل أصحابه فقال: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء فاغتسل فمات، فلما قدمنا على النبي ﷺ أخبر بذلك؛ فقال: قتلوه قتلهم الله ألا سألوا إذ لم يعلموا فإنما شفاء العي السؤال)١٬٣١٣رواه أبو داود [(٣٣٦) وحسنه الألباني]..

فهذا قد وقع زمن النبوة والوحي يتنزل فما بالك اليوم، مع أننا نؤكد على أن المجاهدين هم من أبعد الناس عن هذه الوصمة، وأكثرهم حرصًا على معرفة الحق وبذل الجهد لبلوغه واستفتاء المؤتمنين من أهل العلم لمعرفته، ولهذا فلا تكاد تجد جزئية من جزئيات فقه الجهاد إلا وكتب فيها بحثٌ، أو صدرت في شأنها فتوى، أو طرحت للنقاش والمدارسة.

وطائفة الحق -والتي منها المجاهدون- لا تخلو ولن تخلو من أهل العلم الذين ينبهون الغافل، ويعلمون الجاهل، مصداقًا لقول النبي ﷺ: (لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناوأهم حتى يقاتل آخرهم المسيح الدجال)١٬٣١٤رواه أحمد [١٩٩٢٠]، ومسلم [(٢٣٩٢)، بألفاظ أخرى]، والحاكم [٢٣٩٢] عن عمران بن حصين.؛ فهل تكون الطائفة على الحق إن لم يكن معها الحق الذي تظهر به؟ وهل يكون الحق بغير علم وفهم وبصيرة؟!

والذي نشهد به أن قيادات الجهاد وأمراءه في الجملة أهل ورعٍ وتحرٍّ وليسوا ممن يتصدّر للكلام في المسائل بغير فقه ولا ممن يقول على الله بغير علمٍ، وأنهم أهل مشاورة ويرجعون في سائر ما يعروهم من مسائل إلى أهل العلم ولجانهم العلمية المتخصصة ويعتمدون على فتاوى أهل العلم المؤهلين سواء كانوا في التنظيمات المجاهدة أو من خارجها، وأمثلة هذا بالغة حد الاستفاضة والشهرة البالغة، وهو الذي رأيناه من جملتهم وعايشناه منهم، والحمد لله.

قال المرشِّد: «وقد كثر في هذا الزمان أن يستحسن إنسان أمرًا ما أو يرتكب حماقة ثم يبحث لها بعد ذلك عن دليل من كتاب أو سنة يبرر به حماقته ويدفع به اللوم عن نفسه، وهذا موجود في الأفراد والجماعات، ولن يعدم أحدهم أن يجد شبهة من دليل، ولكنه فهمه وحمله على غير مراد الشارع».

ص 719

وكم من المسائل التي طرحها المرشد في وثيقته ينطبق عليها هذا الوصف، خاصةً منها التي قررها في كتبه السابقة تقريرًا واضحًا، ورجح فيها ترجيحًا صريحًا، ثم جاء هنا ونقض غزلها، لا بدليل ولا شبهة أصلًا، وضرب صفحًا عن الأدلة التي اعتمدها في كتبه السالفة ولم يلتفت إليها، ومن أوضح هذه المسائل: مسألة استئذان الوالدين في الجهاد التي سيأتي الكلام عنها في موضعها إن شاء الله تعالى.

❖ ❖ ❖

لا ولاية لأسير

قال المرشد: «بداية أقول: إن عبارة «لا ولاية لأسير» ليست على إطلاقها، فقد ذكر أصحاب كتابَي «الأحكام السلطانية» الماوردي وأبو يعلي رحمه الله أن إمام المسلمين إذا وقع في أسر العدو باق على إمامته لا ينخلع منها ما دام غير ميؤوس من خلاصه».

أولًا: من ذا الذي قال إن عبارة «لا ولاية لأسير» على إطلاقها حتى يبادر الكاتب إلى التدليل على بطلان ذلك من كتابي الإمامين الماوردي وأبي يعلى رحمه الله، ولماذا يعد قول هذه العبارة شبهة، ثم يسعى لردها قبل خروج الوثيقة استباقًا لكف كل ما يمكن أن يمنع من قبول ما فيها وتبني أفكارها؟ ولهذا قال المرشد عقب ما ذكرته: «ولكن من رفعوا هذه العبارة لهم شبهة في أن إقرار المكره والمضطهد غير صحيح ولا يترتب عليه أثر».

فنقول: أما كون هذه الوثيقة جاءت لتكون مكملة للحملة الصليبية التي تُشن على الإسلام والمسلمين، وتمهد الطريق أمامها لتذليل كل عقبة تعترضها، فلو جاءنا المرشد -وهو في أسره- بالأيمان المغلظة لتبرئة «السلطات الحاكمة» من تهمة التهيئة لإخراج هذه الوثيقة ونشرها والاستفادة منها؛ لأنها توافق مطالبها وتلائم أهواءها لما صدقناه في تبرئته إياها لعدة أمورٍ منها:

ص 720

أولًا: لقد عاش الشيخ عبد القادر بين المجاهدين زمنًا طويلًا، وكان القلم والقرطاس طوع يده، وليس هناك ما يمنعه آنذاك من الانتقاد الصريح، والنصح الواضح، و«الترشيد المؤصل»، وما سطره الآن في وثيقة ترشيده مما ينتقد فيه المجاهدين كلها أو جلها أمور قديمة وقعت وهو لا يزال في حريته وتمام اختياره، فما بال هذه الإرشادات لم تخرج إلا من ظلمات سجون الأمن المصرية أعدى أعداء الإسلام، وأشدها فتكًا وتنكيلًا بالمجاهدين؟!

نعم نحن لا ننكر أن هناك بعض المسائل التي أثارها في وثيقة الترشيد كان قد ذكرها في بعض كتبه، كمسألة «التأشيرة»، إلا أن الأمر هنا قفز إلى ما وراء ذلك، حيث قرر مسائل على طريقة مناقضة لما عهد عنه أصلًا من التأصيل والاستدلال، ثم إن بعضها اختار فيها أقوالًا مخالفة تمامًا لما كان يقول به ويطيل في تقريره وإثباته والرد على من خالفه فيه، فإذا ضممت هذه إلى كون تلك الآراء خرجت من مدرسة «الأمن المصرية» التي تراقب ما كُتب ويكتب حرفًا، حرفًا؛ انحلت عنك المعضلة وعرفت حقيقة الوثيقة وحقيقة «ترشيدها»، ومن المستفيد منها أولًا وآخرًا، وأدركت أن الأسير هنا «لا ولاية له».

ثانيًا: من المعلوم قطعًا أن الحكومة المصرية خصوصًا والحكومات العربية عمومًا تحارب الإسلام جهارًا وتنكل بالدعاة إليه والمجاهدين في سبيله تنكيلًا قل نظيره، وأن تلك الحكومات العميلة قد سخرت كل ما في يدها من إمكانات وطاقات ومؤسسات للحفاظ على عروشها، وتمرير مخططات أوليائها، وأن كل عقبة تحول بينها وبين هذين الأمرين فإنها ستسحقها سحقًا حتى ولو كان الشعب كله، والأمثلة والشواهد على ذلك كثيرة، والواقع اليومي يكشف هذه الحقيقة ويؤكدها لحظة بلحظة.

فإذا كان هذا هو الواقع المجزوم به في حق هذه الحكومات، وعلِمنا أن موضوع وثيقة الترشيد هو كما جاء في عنوانها «ترشيد العمل الجهادي في «مصر» والعالم»، وحاولنا جهدنا -ولن نستطيع- الجمع بين هذين المتناقضين أدركنا ما هو هذا «الترشيد» و«الجهاد» الذي تسعى الوثيقة لإيصال فكرته إلى المجاهدين في «مصر» والعالم.

ص 721

فمن المعلوم أن الجهاد له معنى محدد واضح لا سيما في ذهن كاتب الوثيقة وفي كتبه أيضًا، ذلك المعنى هو قتال الكفار حتى تكون كلمة الله هي العليا، ومن هؤلاء الذي يجب قتالهم الحكام المرتدون ومن بينهم -أو على رأسهم- الحكومة المصرية، فيكون خلاصة عنوان وثيقة الترشيد التي رضيت الحكومة المصرية بكتابتها وإخراجها وتسخير الإمكانات لنشرها: ترشيد المجاهدين إلى الكيفية الصحيحة التي يتم بها قتال «السلطات الحاكمة» في مصر وباقي الكفرة في العالم!!!

وبمعنى أوضح وأصرح أن الحكومة المصرية -التي لا ترضى أن يخرج شيء من سجونها إلا بإذنها وعلمها- تدل المجاهدين وترشدهم إلى الطريقة الصحيحة التي يقاتلونها بها، حتى يجمعوا بين أمرين: نيل الثواب من الله تعالى على جهادهم لها؛ لأنه -بوثيقة الترشيد- موافق لما جاء به النبي ﷺ.

والثاني: ضمان بلوغ الغاية من وراء هذا القتال ألا وهو إسقاط «السلطات الحاكمة» وإقامة دولة إسلامية محلها.

إذن وما دامت السلطات الحاكمة تريد من المجاهدين الوصول إلى الحكم وترشدهم -أو تعين من يرشدهم- للسبيل الصحيح لبلوغ هذه الغاية وتحقيقها، فلِمَ لا تختصر عليهم الجهد والوقت وتحافظ على دماء جنودها وقواتها وتُسلِم الأمر للمجاهدين -أو حتى إسلامييّ القنوات الشرعية!!- ليحققوا المقصود الذي تريده تلك السلطات وتحرص عليه من خلال «وثيقة ترشيدها» التي كتبها أسيرٌ في سجونها يريد أن يشغلهم بالحواشي ويلهيهم عن اللب بإثارة مسألة «لا ولاية لأسير» والتي لا محل لها من الإعراب هنا.

ثالثًا: إذا كان الأمر مقتصرًا على مجرد نفي أن يكون كلام الشيخ عبد القادر كلام وليٍّ آمر ناهٍ، لأغناه عن ذلك ما ذكره في رده على هذه «الشبهة» بقوله: «إنني لم أدع الولاية على أحد، ولا ألزم أحدًا بقولي باسم السمع والطاعة للقيادة، فهذا شيء لا وجود له، وإنما أنا مجرد ناصح وناقل علم»، فما الحاجة بعد ذلك إلى الإطالة في دفع هذه «الشبهة»؟

ص 722

لا سيما وأن كل المجاهدين تقريبًا يعلمون أن الشيخ عبد القادر لم يعد أميرًا لأي جماعة من الجماعات الجهادية منذ زمن بعيد، فالتأكيد على هذا الأمر في حقه إنما هو تحصيل حاصل، ولهذا فالذي أراه أن المقصود بإثارة هذه المسألة «لا ولاية لأسير» وطرحها في هذا الموطن والاجتهاد في دفعها كشبهة يمكن أن يتعلق بها مَن لا يقبل وثائق السجون؛ هو تهيئة الأمر وتعبيد الطريق أمام «تراجعات» يمكن أن تصدر من أشخاص أسرى لهم ولاية على أتباعهم، سواء في مصر أو في غيرها من العالم، خاصة إذا علمنا أن عددًا من الدول قد بدأت تحذو حذو السلطات المصرية في الاستفادة من منهج التراجعات الجديد الذي يُطوّر شيئًا فشيئًا.

فكأن وثيقة الترشيد تقول للمجاهدين بما أن عبارة «لا ولاية لأسير» ليست على إطلاقها، بل يمكن أن يبقى الأسير على ولايته وأمره ونهيه؛ فعلى جنوده وأتباعه حينها أن يلتزموا له بالسمع والطاعة، ومن ذلك الأخذ بتراجعاته التي قد تصدر من وراء القضبان.

رابعًا: إذا كانت ولاية الأسير لا تنفى على إطلاقها، فهذا لا يعني أن يُقبل كل ما يأتي من طرفه، بل لا بد من استثناء الأمور التي تؤدي قطعًا إلى مصلحة آسريه وتنفيذ أغراضهم وتحصيل مقاصدهم، كما هو الحال في وثيقة الترشيد؛ لأنها إن لم يكن سبب صدورها تيقن قهر آسريه له؛ فهي في مدار الشبهة والتردد ومثل هذا لا يوثق به ولا يلتفت إليه، خاصة إذا عُرِف عنه بالشواهد القاطعة، أن ما يقوله ويقرره حالة أسره يخالف تمامًا ما كان عليه حالة استقلاله وحريته، فكيف إذا كان ما يقرره ويأمر به مناقضًا للشرع ومخالفًا لسبيل الهدى؟!

ولهذا قال عمر رضي الله عنه: «ليس الرجل بأمين على نفسه إذا سجن، أو أوثق، أو عذب»١٬٣١٥[فتح الباري: (12/314)]..

وكلامنا هنا منصب على ما يأتي من قبل الأسير باعتباره «واليًا» يأمر وينهى، ويعقد وينبذ، ويسمع له ويطاع، لا بالنظر إليه كآحاد أسرى المسلمين الذين ينقل كلامهم نقلًا مجردًا لا على سبيل الأمر والنهي ولزوم السمع والطاعة، فإن هذا لا تعلق له بالولاية أصلًا ولا دخول له تحت عبارة «لا ولاية لأسير».

❖ ❖ ❖

نعم لدعوة يوسف عليه السلام لا لعبث الوثيقة

ص 723

وأما ما ذكره المُرَشِّد من الاستدلال بقصة نبي الله يوسف عليه السلام من أنه: «وعظ... وهو في السجن، فهل كان سجنه حجة لرفض ما قاله من الحق؟» وكذلك الشأن فيما كتبه شيخ الإسلام ابن تيمية والإمام السرخسي وهما في السجن فهذا من التلبيس والتمويه الذي يراد به تمرير الوثيقة بأية حال.

فليس هناك أحدٌ قال: بأن كل ما يأتي من السجون فهو مردود، بل كنت قد قلتُ قبل صدور هذه الوثيقة بأشهر في لقاء «نقاط على الحروف» مع مؤسسة السحاب ما نصه: «يمكن أن ألخص لك الطريقة الصحيحة -حسب نظري- في التعامل مع هذه القضية الخطرة في نقاط:

الأولى: أن الظروف التي يعيشها هؤلاء الإخوة الأسرى الذين ينسب إليهم التراجع هي ظروف إكراه وقهر، وانتزاع للأقوال بالإرغام والجبر، والضغط على هؤلاء الأسرى وابتزازهم بوسائل قذرة لتأصيل أفكار ومناهج يدرك كل من له أدنى فهم أنها أبعد ما تكون صلة بالدليل الشرعي والتأصيل العلمي، ولهذا فالإنصاف يوجب علينا التوقف في اعتبار هذه الأفكار والمناهج الجديدة المطروحة مطابقة لقناعات أصحابها، حتى يتكلموا بها ويتبنوها وهم في كامل حريتهم وتمام اختيارهم.

وإذا كان الشرع قد جوز للمسلم أن يتكلم بكلمة الكفر -وهي أعظم ما يمكن قوله- في حالة الإكراه مع اطمئنان القلب بالإيمان فكيف بما دونه قال الله ﷻ: ﴿مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ إِيمَٰنِهِۦٓ إِلَّا مَنۡ أُكۡرِهَ وَقَلۡبُهُۥ مُطۡمَئِنُّۢ بِٱلۡإِيمَٰنِ وَلَٰكِن مَّن شَرَحَ بِٱلۡكُفۡرِ صَدۡرٗا فَعَلَيۡهِمۡ غَضَبٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ﴾ [النحل: 106].

الثانية: للذين يريدون أن يجعلوا قضية التراجعات عنوانًا بارزًا قد خُط عليه ها هم إخوانكم فكونوا مثلهم؛ نقول لهؤلاء: يجب التفريق بين الاستفادة من التجارب واستخلاص الدروس منها والاعتبار بأحداثها وبين جعل تلك التجارب حَكَمًا عدلًا وقولًا فصلًا عند موارد النزاع ومواطن الاختلاف، فالحكم والفصل ورفع الخلاف إنما هو لكتاب الله ﷻ وسنة نبيه ﷺ، وبهما فقط توزن أقوال العباد وأعمالهم ويرفع نزاعهم قال الله ﷻ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ فَإِن تَنَٰزَعۡتُمۡ فِي شَيۡءٖ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ وَأَحۡسَنُ تَأۡوِيلًا﴾ [النساء: 59].

ص 724

ومن هنا فليس صحيحًا بأي وجه من الوجوه أن نجعل تراجعات المتراجعين وتجارب المجربين مهما كانت مرتبتهم حجة شرعية نرجع إليها عند الخلاف.

فلا يأتي أحدٌ ويقول لنا: أنتم ما زلتم مصرين على طريقتكم ومنهجكم ومستمسكين بأفكاركم وقد تراجع عنها فلان وفلان وهو مَن هو في العلم والسابقة، فنقول: نعم هم من أهل العلم والسابقة، ولكن هذا لا يضفي على أقوالهم قدسية تجعلها مُسلَّمة لا مجال فيها للنقد والنقض والاعتراض؛ فالواجب علينا شرعًا وديانة أن نقيس أقوال كل متراجع بالميزان الشرعي الدقيق الذي لا يظلم فتيلًا، ونضع تلك الأفكار الطارئة على محك الأدلة لنرى مدى قربها أو بعدها عن الحق، وحينها -وحينها فقط- نحكم بتخطئة أو تصويب أية فكرة تصدر من هنا وهناك، أما القبول المطلق، والتسليم الكامل، والتحاكم العشوائي للتجارب والمراجعات من غير عرض لها على كتاب الله ﷻ وسنة نبيه ﷺ؛ فهذا مدحضة ومزلة لا يسلم معها دين المرء ولا يمكن أن يكون سبيل من طلب الحق وتوخى معرفته واتباعه.

وهذا هو عين ما نفعله في مناقشتنا لـ«وثيقة الترشيد»، مع اعتقادنا الجازم أنها ما أخرجت ونشرت وحازت هذا الاهتمام من وسائل الإعلام، إلا لضرب المجاهدين وتحريف الجهاد والإبقاء على الأنظمة الحاكمة متسلطة على البلاد ومتمتعة بربوبيتها التي تفرضها على العباد، وهذا ما نؤكد عليه ونكرره بين حين وحين في هذه المناقشة حتى لا يغيب عن الأذهان، ولا ينسينا طول المناقشات حقيقة أمرها، فأين ما تحدثه هذه الوثيقة من تحريف للدين، ونصرة لأعدائه المجرمين، وتثبيت لعروشهم التي بدأت تتصدع بفضل الله ﷻ، ثم بما منَّ الله ﷻ به على عباده المجاهدين؛ أين هذا من نصح نبي الله يوسف عليه السلام؟ أو مما قرره ابن تيمية والسرخسي في كتبهما التي ألفوهما في السجن؟

ص 725

فيوسف عليه السلام الذي نصح في سجنه لم يقدم كلمة واحدة تدل على جنوحه إلى حماية وحفظ «دين الملك» الذي كان في سجنه، بل قال ما يصادم ذلك ويعارضه معارضة تامة حينما قال لمن ينصحهم ويرشدهم: ﴿يَٰصَٰحِبَيِ ٱلسِّجۡنِ ءَأَرۡبَابٞ مُّتَفَرِّقُونَ خَيۡرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلۡوَٰحِدُ ٱلۡقَهَّارُ ٣٩ مَا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِهِۦٓ إِلَّآ أَسۡمَآءٗ سَمَّيۡتُمُوهَآ أَنتُمۡ وَءَابَآؤُكُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلۡطَٰنٍۚ إِنِ ٱلۡحُكۡمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ﴾ [يوسف: 39-40].

فدعوة يوسف عليه السلام -وهو في السجن- كانت إلى التوحيد الخالص والدين القيم، لا انتفاعَ للأرباب واتباعهم بها، ولا تقاربَ بينه وبينهم فيها، كما قال الإمام ابن جرير رحمه الله: «وقوله: ﴿ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُ﴾ [يوسف: 40]، يقول: هذا الذي دعوتكما إليه من البراءة من عبادة ما سوى الله من الأوثان، وأن تخلصا العبادة لله الواحد القهار، هو الدِّين القويم الذي لا اعوجاج فيه، والحقُّ الذي لا شك فيه»١٬٣١٦تفسير الطبري: (16 / 106)..

وقال الأستاذ سيد قطب رحمه الله: «لقد رسم يوسف عليه السلام بهذه الكلمات القليلة الناصعة الحاسمة المنيرة كل معالم هذا الدين، وكل مقومات هذه العقيدة؛ كما هز بها كل قوائم الشرك والطاغوت والجاهلية هزًا شديدًا»١٬٣١٧في ظلال القرآن: (4 / 311)..

ولم تكن دعوة نبي الله يوسف عليه السلام تحت إشراف «السلطات الحاكمة» ولا بترويجها وتخريجها ودعمها والنفخ فيها، بل كان يناقض مصلحتها، ويعارض رغبتها، فأين الثرى من الثريا؟!

بل حتى حينما جاءت البشائر بإطلاق سراحه أبى أن يخرج إلا وقد علم الجميع أنه بريء من كل تهمة؛ فكان كما قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ ٱلۡمَلِكُ ٱئۡتُونِي بِهِۦۖ فَلَمَّا جَآءَهُ ٱلرَّسُولُ قَالَ ٱرۡجِعۡ إِلَىٰ رَبِّكَ فَسۡـَٔلۡهُ مَا بَالُ ٱلنِّسۡوَةِ ٱلَّٰتِي قَطَّعۡنَ أَيۡدِيَهُنَّۚ إِنَّ رَبِّي بِكَيۡدِهِنَّ عَلِيمٞ﴾ [يوسف: 50].

قال العلامة السعدي رحمه الله: «يقول تعالى: ﴿وَقَالَ ٱلۡمَلِكُ﴾ لمن عنده، ﴿ٱئۡتُونِي بِهِۦۖ﴾ [يوسف: 54] أي: بيوسف عليه السلام، بأن يخرجوه من السجن ويحضروه إليه، فلما جاء يوسف الرسول وأمره بالحضور عند الملك، امتنع عن المبادرة إلى الخروج، حتى تتبين براءته التامة، وهذا من صبره وعقله ورأيه التام»١٬٣١٨تفسير السعدي: (1 / 400)..

ص 726

وعدَّ النبي ﷺ ذلك من مناقبه كما جاء في الحديث: (ولو لبثتُ في السجنِ طولَ ما لَبِثَ يوسفُ لأجَبْتُ الداعي)١٬٣١٩متفق عليه، [البخاري: (٣٣٧٢) واللفظ له، ومسلم: (151)]..

قال الإمام ابن كثير رحمه الله: «وقد وردت السنة بمدحه على ذلك، والتنبيه على فضله وشرفه، وعُلُوّ قدره وصبره، صلوات الله وسلامه عليه»١٬٣٢٠تفسير ابن كثير: (4 / 393).، ثم ذكر الحديث.

قال الإمام ابن حجر رحمه الله: «قوله: (ولو لبثت في السجن طول ما لبث يوسف لأجبت الداعي)؛ أي لأسرعتُ الإجابة في الخروج من السجن، ولما قدمت طلب البراءة؛ فوصَفَه بشدة الصبر حيث لم يبادر بالخروج، وإنما قاله ﷺ تواضعًا والتواضع لا يحط مرتبة الكبير، بل يزيده رفعة وجلالًا، وقيل: هو من جنس قوله: «لا تفضلوني على يونس»، وقد قيل: إنه قاله قبل أن يعلم أنه أفضل من الجميع»١٬٣٢١فتح الباري: (6/413)..

فليس الشأنُ في ردِّ كل ما يأتي من السجن، وإبطال كل ما يأتي من المسجونين، فهذه قضية كلية لا يغني ذكرها هنا، وإنما الشأن في خصوص وثيقة الترشيد، التي جاءت في مجملها موافقة لمطالب السلطات الحاكمة وأوليائها قادة الحملة الصليبية، إذ يدرك كل مطالع لها مطالعة عابرة أن الأخذ بكل بنودها والالتزام بضوابطها لا يعني إلا الاستسلام لتلك الأنظمة الطاغوتية، وإعطاء الفرصة لها لتلتقط أنفاسها وتستعيد شيئا من عافيتها، كما أنه تعطيل للجهاد تعطيلًا كليًا وسد أبوابه سدًا مانعًا وزحزحة المجاهدين إلى الخيارات الأخرى التي رسمتها الوثيقة والتي ترجع إلى العزلة والانزواء والشعور العميق بالاستضعاف والعجز ليبقى «قيصر» ينعم بالأمن والأمان أبد الدهر.

ص 727

قال المُرَشِّد: «وفي مقام الجهاد وهو موضوع هذه الوثيقة، فهو كغيره من أمور الدين القدرة عليه من شروط وجوبه، إلا أن القدرة في الجهاد لا تنحصر في ذات المسلم كالقدرة البدنية والمالية وإنما تتعداه إلى واقع الظروف المحيطة به من الموافقين والمخالفين، ولهذا فقد أثنى الله سبحانه على المجاهدين في سبيله، كما أثنى على أصحاب الكهف لما اعتزلوا قومهم، وكذلك أثنى على مؤمن آل فرعون الذي كتم إيمانه، وبالرغم من أن هؤلاء الثلاثة قد واجهوا نفس الواقع «وهو حشد من المخالفين في الدين» فإن ردود أفعالهم التي واجهوا بها هذا الواقع قد اختلفت: فهذا جاهد، وهذا اعتزل، وهذا تخفى بدينه، ومع ذلك فالكل محمود؛ لأن كلًا منهم قد عمل بما وجب عليه شرعًا في وقته ومكانه وفي حدود استطاعته».

لا يشك أحدٌ كلما توغل في قراءة هذه الوثيقة ورصد بنودها، أن الغرض الأول منها هو أن تكون حائلًا بين المجاهدين وبين «السلطات الحاكمة» وأوليائها الصليبيين، وأنها تحاول بكل ما أوتيت من شبهات وتمويه وتلفيق إشعار المجاهدين بأن أبواب الجهاد أمامهم مُوصدة، والطرق المؤدية إلى إقامته مغلقة، وأنه لا إثم عليهم ولا حرج في تركه والتخلي عنه لأنهم عاجزون مستضعفون ومن شروط التكليف -كما هو معلومٌ ومسلَّمٌ- الاستطاعة والقدرة، تمامًا كما ذكرتْ الوثيقة من قبل أن من شروط التكليف «العلم»، ثم تسلسلت في تدليس خفي لتخلط بين العلم الذي يتوقف التكليف عليه، وبين العلم الذي يتوجب تحصيله نتيجة حصول التكليف كما مر بيانه، فإذا فُقد «العلم» وانعدمت «القدرة» التي يحصل بها التكليف فما بقي إلا أن تقول الوثيقة، إن «البلوغ» أيضًا مفقود ليتم إسقاط الجهاد كليًا عن الأمة، لأن شروط الجهاد كلها معدومة، وليهنأ المسلمون بعدها برفع التكليف والإثم عنهم ولينعم طغاة الحكم وأولياؤهم بسلامة عروشهم وبقاء سلطانهم فلا تكدير، ولا تنغيص، ولا إزعاج سيصل إليهم.

فهنا أمورٌ يلزم التنبيه عليها:

الأول: إن سقوط الجهاد بسبب عدم القدرة وفقدان الاستطاعة، لا يعني سقوط وجوب التحريض عليه وحث الأمة على إحيائه، وتعريفها بحقيقة أعدائها، وشدة كيدهم وعظيم مكرهم بها، وأن مخرجها من عجزها وضعفها إنما يكون ببذل كل الوسع لإقامة علمه، وهو الاتجاه الصحيح الذي يجب على مجموع الأمة أن تسير إليه سيرًا حثيثًا.

ص 728

أما تعليم الأمة فقه الاستضعاف، ومفاهيم العجز، والخضوع للأمر الواقع، واستلال أي حرج يمكن أن يقع في نفوسها من جراء تقصيرها، فهذا مخالفٌ للأمر الشرعي الذي جاء في قول الله ﷻ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَرِّضِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ عَلَى ٱلۡقِتَالِۚ﴾ [الأنفال: 65]، وقوله ﷻ: ﴿فَقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفۡسَكَۚ وَحَرِّضِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأۡسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ وَٱللَّهُ أَشَدُّ بَأۡسٗا وَأَشَدُّ تَنكِيلٗا﴾ [النساء: 84].

قال الرازي رحمه الله: «﴿وَحَرِّضِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ﴾ [النساء: 84]؛ والمعنى أن الواجب على الرسول ﷺ إنما هو الجهاد وتحريض الناس في الجهاد، فإن أتى بهذين الأمرين فقد خرج عن عهدة التكليف وليس عليه من كون غيره تاركا للجهاد شيء»١٬٣٢٢تفسير الرازي: (5/ 308)..

وقال الإمام السعدي رحمه الله: «﴿وَحَرِّضِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ﴾ [النساء: 84] على القتال، وهذا يشمل كل أمر يحصل به نشاط المؤمنين وقوة قلوبهم، من تقويتهم والإخبار بضعف الأعداء وفشلهم، وبما أُعد للمقاتلين من الثواب، وما على المتخلفين من العقاب، فهذا وأمثاله كله يدخل في التحريض على القتال»١٬٣٢٣تفسير السعدي: (1/190)..

بل قال الشيخ عبد القادر نفسه: «العاجز عن الجهاد، عليه أن يُحَرِّض غيره لقوله تعالى: ﴿فَقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفۡسَكَۚ وَحَرِّضِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ﴾ [النساء: 84]، ولقوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَرِّضِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ عَلَى ٱلۡقِتَالِۚ﴾ [الأنفال: 65]، وهذا واجب على القادر والعاجز وعلى كل مسلم أن يحرض إخوانه على قتال المشركين، ونحن في زماننا هذا أحوج ما نكون للعمل بهذه الآيات وفي هذا أجر عظيم، فقد قال رسول الله ﷺ: (مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ)، رواه مسلم عن أبي مسعود البدري»١٬٣٢٤العمدة: (40)، [والحديث في صحيح مسلم: (١٨٩٣)]..

ص 729

وما تقوم به وثيقة الترشيد بترشيدها مخالفٌ لهذا الأمر الرباني مخالفة تامة، فهي تهول شأن أعداء الأمة، وتفخم أمرهم في أعينها، وتشنع على المجاهدين غاية التشنيع، وتظهرهم في صورة المفسدين الذين لا يكادون يتورعون عن شيء، وتدعو الأمة إلى الاستسلام للواقع والرضا بالعجز والقنوع بالاستضعاف، فأين هذا من ذاك؟

الثاني: حينما نقول إن القدرة شرط وجوب الجهاد، فلا بد من أن يكون هناك حدٌّ لهذه القدرة بحيث لو بلغناها وجب علينا أداء الجهاد، وإن تقاصرنا عنها سقط عنا ذاك الوجوب، فما هو هذا الحد، وبِمَ يثبت، بالشرع أم بالعرف؟

فمن المعلوم أن الشرع لم يضع حدًا ثابتًا مقدرًا يكون فاصلًا بين الوجوب وإسقاطه، كما قال النبي ﷺ في الصلاة مثلًا: (صل قائمًا فإن لم تستطع فقاعدًا فإن لم تستطع فعلى جنب)١٬٣٢٥رواه أحمد [١٩٨١9]، والبخاري [١١١٧] عن عمران بن حصين..

وإنما وكل ذلك إلى السعي بقدر الاستطاعة، وليست هذه الاستطاعة هي التي يتوقف عليها الوجوب وإنما هو أمرٌ بأن لا يتوقف المسلمون في إعدادهم عند حدٍّ ولا يكتفون بمقدار، بل عليهم أن يكونوا دائمًا في سعي للتحصيل والازدياد والارتقاء بقدراتهم، فكل سلاح أو صناعة، أو تجهيز، أو خبرة يستطيع المسلمون إيجادها فهم مأمورون شرعًا بذلك كما قال الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةٖ وَمِن رِّبَاطِ ٱلۡخَيۡلِ تُرۡهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمۡ وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمۡ لَا تَعۡلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعۡلَمُهُمۡۚ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيۡءٖ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ يُوَفَّ إِلَيۡكُمۡ وَأَنتُمۡ لَا تُظۡلَمُونَ﴾ [الأنفال: 60].

قال الإمام ابن كثير رحمه الله: «ثم أمر تعالى بإعداد آلات الحرب لمقاتلتهم حسب الطاقة والإمكان والاستطاعة، فقال: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم﴾ [الأنفال: 60]؛ أي: مهما أمكنكم»١٬٣٢٦تفسير ابن كثير: (4 / 80)..

فلما عَلمنا أن الشرع لم يضع حدًا معينًا مقدرًا تقديرًا ثابتًا في حقيقة الاستطاعة التي يقع معها التكليف بالجهاد، ويسقط مع نقصانها أو انعدامها، وعلمنا أيضًا أن الشرع لم يكلف الناس بما لا طاقة لهم به، فلا بد إذن من وجود جهة يُرجع إليها لمعرفة إن كانت الأمة بمجموعها مطيقة للقتال وقادرة على أدائه، أم أنها عاجزة عجزًا حقيقيًا يسقط معه التكليف والمؤاخذة، فما هي هذه الجهة؟

ص 730

الثالث: وهو متعلق بما سبق وجواب عن السؤال الماضي، حيث إن فقدان الاستطاعة قد يدعيها كل من أراد أن يتفلت من الجهاد، ويتسلل لواذًا من ساحاته، فلو كان تقدير استطاعة المرء من عدمها راجعًا في كل حين إلى نفسه ونظره لما أمكن أن يؤاخذ أحدٌ على ترك الجهاد بتاتًا؛ لأن المؤاخذة فرع التكليف، ولا تكليف مع عدم القدرة والاستطاعة، والاستطاعة مفقودة بحسب تقويم الشخص لحاله؛ فَلِمَ المؤاخذة إذن؟!

ومن المعلوم أن الشريعة لا تأتي بمثل هذا، وقد احتج بعض المنافقين من قبل في عدم نفيرهم بفقدانهم الاستطاعة على ذلك كما قال الله تعالى: ﴿وَسَيَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ لَوِ ٱسۡتَطَعۡنَا لَخَرَجۡنَا مَعَكُمۡ يُهۡلِكُونَ أَنفُسَهُمۡ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ إِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ﴾ [التوبة: 42].

قال الإمام ابن جرير رحمه الله: «يقول تعالى ذكره: وسيحلف لك، يا محمد، هؤلاء مستأذنوك في ترك الخروج معك، اعتذارًا منهم إليك بالباطل، لتقبل منهم عذرهم، وتأذن لهم في التخلُّف عنك، بالله كاذبين ﴿لَوِ ٱسۡتَطَعۡنَا لَخَرَجۡنَا مَعَكُمۡ﴾ [التوبة: 42]، يقول: لو أطقنا الخروجَ معكم بوجود السَّعة والمراكب والظهور وما لا بُدَّ للمسافر والغازي منه، وصحة البدن والقوى، لخرجنا معكم إلى عدوّكم ﴿يُهۡلِكُونَ أَنفُسَهُمۡ﴾ [التوبة: 42]، يقول: يوجبون لأنفسهم، بحلفهم بالله كاذبين، الهلاك والعطب، لأنهم يورثونها سَخَط الله، ويكسبونها أليم عقابه ﴿وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ إِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ﴾ [التوبة: 42]، في حلفهم بالله: ﴿لَوِ ٱسۡتَطَعۡنَا لَخَرَجۡنَا مَعَكُمۡ﴾ [التوبة: 42]؛ لأنهم كانوا للخروج مطيقين، بوجود السبيل إلى ذلك بالذي كان عندهم من الأموال، مما يحتاج إليه الغازي في غزوه، والمسافر في سفره، وصحة الأبدان وقوَى الأجسام»١٬٣٢٧تفسير الطبري: (14 / 271)..

وقال العلامة ابن عاشور رحمه الله: «والاستطاعة القدرة؛ أي لسنا مستطيعين الخروج، وهذا اعتذار منهم وتأكيد لاعتذارهم»١٬٣٢٨التحرير والتنوير: (6 / 293)..

ص 731

فعلمنا من هذا أن الاحتجاج بعدم الاستطاعة على الخروج والجهاد ليس وليد اليوم، بل هو موجودٌ من زمن النبوة، كما أن الآية أشارت إلى أن الاحتجاج بذلك ليس مقبولًا على إطلاقه، بل قد يكون مدعي العجز كاذبًا في دعواه ﴿وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ إِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ﴾ [التوبة: 42] ولو أتى بالأيمان المغلظة.

وعليه فإن تقدير استطاعة الأمة على الجهاد من عدمها إنما يكون مرجعَه المجاهدون الصادقون، والعلماء الربانيون المؤتمنون، وأصحاب الخبرة المجربون، الذين جمعوا بين الفقه في الدين ومعرفة حقيقية بالواقع واحتياجاته، وممارسة عملية لهذه العبادة، ومن خلال تجربتهم وإدراكهم لقوة عدوهم، يمكنهم أن يقولوا لِمن يدعي العجز: إنهم لصادقون، أو إنهم لكاذبون؛ لأن واقع الجهاد يكذب دعواهم، وينفي مزاعم عجزهم.

ومن خلال الحرب الصليبية المعاصرة التي تحالف فيها الكفر تحالفًا لا نظير له، واجتمع لهم من القدرات والإمكانات، والتقنيات، وجموع الجيوش، ودقة التخطيط، وخفايا المكر والكيد ما لم يُسمع بمثله، ومع ذلك أثبتت الأمة -بفضل الله تعالى- أن لديها من الطاقة والقدرة والاستطاعة على كسر شوكة أعدائها ما يقرب من الخيال، وذلك بفضل توكلها على ربها، وعدم استسلامها لدعاوى عجزها وضعفها، وتضافر جهود أبنائها، وإقدامهم على صور من التضحيات النادرة التي جعلت عدوها يقف مشدوهًا حائرًا مرتبكًا، بل يولي هاربًا خائبًا لا يلوي علي شيء، وقد كانوا بالأمس: ﴿خَرَجُواْ مِن دِيَٰرِهِم بَطَرٗا وَرِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ﴾ [الأنفال: 47].

فإذا كانت الأمة -مع تفرقها وتشتتها وتسلط المجرمين عليها- استطاعت أن توقف السيل الصليبي الجارف وتحبط مخططاته -وقوتهم أضعاف أضعاف قوة السلطات الحاكمة بعشرات المرات- فكيف تكون الأمة عاجزة عن اقتلاع جذور هذه الأنظمة الطاغوتية التي لا تستمد قواها إلا من وُجُود وَجودِ هؤلاء الصليبيين الذين أظهرت الأمة «العاجزة المستضعفة» عجزهم وضعفهم وخورهم فصاروا بفضل الله تعالى مسخرة الدنيا؟

ص 732

فلو أن المجاهدين والعلماء الصادقين انتظروا توجيهات السجون، ووثائق ترشيدها، وترقبوا ما يقولون في حق الأمة حينما زحفت جموع الصلبان على الديار والأقطار، وراحوا يستشيرونهم هل الأمة عاجزة أم قادرة على مواجهة هذه الجيوش كلها؟ لكانت النتيجة اليوم أسوأ ما يمكن لعقل أن يتصوره، ولكانت خارطة دول المنطقة على غير وجهها الذي نراه اليوم، بل ولما كانت هذه الوثائق لتخرج من السجون لأن الحاجة إليها منتفية، إذ القوة والسلطان والغلبة لهم، وليس هناك من يناؤوهم ويصاولهم حتى يُحتاج إلى تثبيط عزائمه وترويض صورامه بمثل هذه الوثائق المسمومة المشؤومة.

ولنا هنا سؤال ضروري؛ فحينما زحف الجيش الأحمر الشيوعي -وكان إذ ذاك أعتى الجيوش وأشرسها وأخبثها- على أفغانستان وهي دولة صغيرة فقيرة لا تقارن قوة شعبها المادية بأي شعب من الشعوب التي تتحكم فيها «السلطات الحاكمة»، ودهمها ذلك العدو بعدده وعُدده، وحده وحديده تدعمه «السلطات الحاكمة» في تلك البلاد؛ فتعاضدت قوى الداخل بقوى الخارج فازدادوا قوة على قوتهم، وأطبق الخطب على ذلك الشعب المسكين، ومع ذلك كله لم نسمع أحدًا من علماء الأمة -لا في أفغانستان ولا غيرها- يحتج على إسقاط مقاتلة الغزاة بالعجز والاستضعاف، بل نادى منادي النفير، وطار لساحات الجهاد الصغير قبل الكبير، وأنفقت الأمة كنوز أموالها، وقدمت خيار رجالها، ولا زالت تصبر وتصابر، وتألم وتُؤلم، وتصيب وتصاب، حتى انكشفت الغمة، وأزيلت الظلمة، واندحر جيش الإلحاد وانكسرت شوكة أهل الفساد والعناد.

فلو أن المجاهدين في ذلك الوقت -وهم عصابة مطاردون، وشرذمة قليلون، قد ازدحمت بهم السجون- رفعوا راية الاستضعاف، واثّاقلوا إلى الأرض بحجة العجز، ولم يواجهوا دبابات الإلحاد المتطورة ببنادقهم وأسلحتهم المتواضعة؛ أكانت الأمة تستيقظ من سباتها، وتنتفض من غفلتها، وتهب لنصرتهم ودعمهم؟

وأي الاستضعافين أحق بالاحتجاج به، أذلك الذي كان يهيمن على شعب أفغانستان النائي الفقير المقهور، أم شعوب المنطقة التي عندها من الخبرات المخزنة والخيرات المكدسة، والطاقات المبددة، والإمكانات المنتشرة ما لا يعلمه إلا الله؟!

ص 733

[البحر: الكامل]

[البحر: الكامل]

أَسَدٌ عَلَيَّ وَفِي الحُرُوبِ نَعَامَةٌ

رَبْدَاءَ تَجْفلُ مِن صَفِيرِ الصَّافِرِ١٬٣٢٩[قاله رأس الخوارج: عمرَان بْن حطَّان السدُوسِي؛ مؤنبًا الحجاج الثقفي حين فر أمام غزالة. تاريخ خليفة بن خياط (ص 274)، قلتُ: وصدر البيت لا يستقيم وزنه إلا بعدم تشديد عين «نعامة» فإذا شُدِّدَت كُسر؛ فلزم التنبيه لأني سمعتُ كثرًا يشددونها وهم لا يشعرون].

وإذا لم يكن الاستضعاف في ذلك الوقت وأمام ذلك العدو حجة يُتعلق بها لإسقاط فريضة الجهاد ورفع التكليف عن الأمة لعدم الاستطاعة، فما بال هذه الحجة قد اكتُشفت اليوم، واطّلعنا فجأة على أن الأمة لا طاقة لها بمواجهة عدوها، ولا قدرة على مقاتلته، ولا تثريب عليها إن تركت جهاد هؤلاء الطغاة؛ لأن شرط التكليف «الاستطاعة» في حقها غير متوفر، وما دام الأمر كذلك فلا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، وابشر بطول سلامة يا مربع!! لأن الوثيقة قد أثبتت عجز الأمة فكانت النتيجة «نرى عدم جواز الصدام مع السلطات الحاكمة في بلدان المسلمين من أجل تطبيق الشريعة باسم الجهاد، فالتغيير باليد والصدام كلاهما ليسا من الخيارات الشرعية الميسورة فلا تجب، وإنما تجب الدعوة بالحسنى».

الرابع: على التسليم بأن الأمة في حالة عجز وضعف وفقدان للاستطاعة، وأن «الصدام» مع «السلطات الحاكمة» في بلدان المسلمين وتغيير المنكر باليد ليسا من الخيارات الشرعية الميسورة، فلا يجب عليها ذلك.

فلماذا انتقل المرشد مباشرة إلى «وجوب» الدعوة بالحسنى، وغفل أو تغافل عن الواجب الشرعي البديل عن الجهاد عند العجز، ألا وهو إعداد القوة لذلك، والسعي لتحصيل الاستطاعة؟ وهل الواجب الشرعي عند سقوط الجهاد للعجز وانتفاء كونه خيارًا شرعيًا -هو الانتقال للدعوة بالحسنى؟ وهل الدعوة بالحسنى هي التي يرتفع بها «العجز والاستضعاف» وتُحصَّل عن طريقها القدرة والاستطاعة؟

ص 734

الجواب هو ما قاله الشيخ عبد القادر نفسه: «إذا اكتمل للمسلمين الإعداد المادي قدر الاستطاعة ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم﴾ [الأنفال: 60] مع مظنة الظفر فيجب الشروع في الجهاد ولا يؤجل من أجل إكمال الإعداد الإيماني، وهذا معناه أنه عند العجز عن الجهاد يجب السعي في الإعدادين المادي والإيماني معًا، فمن سعى في الإعداد الإيماني وترك المادي أو أَجَّله، فقد أثم لترك المأمور به ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةٖ﴾ [الأنفال: 60]»١٬٣٣٠العمدة: (395)..

فلو كانت الأمة عاجزة مستضعفة حقًا كما تزعم وثيقة الترشيد؛ فمخرجها من هذا الاستضعاف ليس فقط فيما «أرشدت» إليه واقتصرت عليه من الدعوة بالحسنى، ليتم تدجين الأمة كلها لتضع الندى في موضع السيف، وتغمد سيفها -أو تكسره- أبد الآباد، وإنما مخرج الأمة من استضعافها وعدم «استطاعتها»، بإعداد القوة المادية جنبًا إلى جنب مع تربيتها الإيمانية؛ فيجب عليها أن تسعى لتحصيل السلاح، وتخزينه، والتدرب عليه، وتهيئة الخبراء العسكريين وغيرهم، ليكون أبناؤها جنودًا يقارعون السلاح بالسلاح، ويردون الظلم بالحسم، ويقابلون الكفر بالغلظة والشدة، ويدفعون القوة بالقوة، وهذا هو الواجب الشرعي المتحتم الذي تجاهلته وثيقة الترشيد وحادت عنه حيدة مكشوفة لتسوق الأمة إلى رحاب الدعوة بالحسنى أمام من ينحرها ويمزق أوصالها ويدنس مقدساتها ويهتك أعراض حرائرها وينهب أموالها.

وما أجمل ما قاله الأستاذ سيد قطب r عند آية الإعداد: «إن الإسلام ليس نظامًا لاهوتيًا يتحقق بمجرد استقراره عقيدة في القلوب، وتنظيمًا للشعائر، ثم تنتهي مهمته! إن الإسلام منهج عملي واقعي للحياة؛ يواجه مناهج أخرى تقوم عليها سلطات وتقف وراءها قوى مادية، فلا مفر للإسلام - لإقرار منهجه الرباني- من تحطيم تلك القوى المادية، وتدمير السلطات التي تنفذ تلك المناهج الأخرى، وتقاوم المنهج الرباني»١٬٣٣١في ظلال القرآن: (3 / 432)..

ص 735

فإذا لم يكن الجهاد فرضًا على الأمة لعدم قدرتها على أدائه، فهذا لا يعني أن خيار أمة الجهاد هو الركون إلى الراحة والجنوح إلى الدعة، بل يصبح الإعداد -الذي به تحصل القدرة- فرض عين في حقها كما قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «وكما يجب الاستعداد للجهاد بإعداد القوة ورباط الخيل في وقت سقوطه للعجز فإن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب»١٬٣٣٢[مجموع الفتاوى: (28 / 259)].، وقد ذكرناه من قبل.

وأمر الإعداد ليس بالتعقيد الذي يظنه الكثيرون، وإمكانية القيام به أيسر مما يُتوقع، ومجالاته متنوعة وكثيرة، ولا يعجز المسلم عن أن يكون له في بعضها نصيب، وبفضل الله تعالى فإن حالة الأمة اليوم أفضل بكثير مما كانت عليه قبل سنوات، سواء من جهة عدد المجاهدين، أو من جهة كثرة ساحات الجهات المفتوحة والتي شملت الأطراف والوسط «الجزائر، وأفغانستان، والشيشان، والعراق، والصومال، وفلسطين»، أو من جهة ما لديهم من الإمكانات العسكرية، وطرق ووسائل التدريب المختلفة، وهذا الخير العميم لم يأت نتيجة «الدعوة بالحسنى» فقط، ولا بتجنب الصدامات، وإنما جاء بعد توفيق الله ﷻ، بجهود مضنية، وعمل دؤوب، وتضحيات باهظة، حتى من الله ﷻ على المجاهدين بما منَّ، وأكرمهم بما أكرمهم وهو من سبل الخير التي هداهم إليها، كما قال ﷻ: ﴿وَٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ فِينَا لَنَهۡدِيَنَّهُمۡ سُبُلَنَاۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ [العنكبوت: 69]، وقال سبحانه: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرۡتَدَّ مِنكُمۡ عَن دِينِهِۦ فَسَوۡفَ يَأۡتِي ٱللَّهُ بِقَوۡمٖ يُحِبُّهُمۡ وَيُحِبُّونَهُۥٓ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ يُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوۡمَةَ لَآئِمٖۚ ذَٰلِكَ فَضۡلُ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: 54].

والأمر لا يحتاج إلا إلى توكل على الله ﷻ أولًا، ثم إلى همة وعزيمة وإصرار وصدق إرادة ثانيًا، ولنأخذ العبرة من بعض ساحات الجهاد التي يخوض فيها المجاهدون أشرس الحروب مع أخبث أعدائها، فالمجاهدون في فلسطين حينما بدأوا الانتفاضة لم يكن لديهم من السلاح إلا الحجر –والحجر قليل- ثم لم يزالوا يتطورون شيئًا فشيئًا إلى المقلاع، إلى السكاكين والحراب، إلى البنادق، إلى العمليات الاستشهادية، إلى صواريخ القسام وغيرها، مصداقًا لقول الله تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ فِينَا لَنَهۡدِيَنَّهُمۡ سُبُلَنَاۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ [العنكبوت: 69].

ص 736

الخامس: لو سلمنا أن الأمة في حالة ضعف وعجز وشلل يُسقط عنها وجوب الجهاد؛ فإن هذا لا يلزم منه سقوط جوازه لمن أراد أن يحمل عليه نفسه، سواء بالفعل، أو بالقول، بل هو -إن شاء الله- مثابٌ عليه، حتى ولو لم يكن له غرض سوى الشهادة في سبيل الله تعالى، فكيف إذا ضم إلى ذلك تجرئة المسلمين على أعدائهم، وإظهار قوة الإيمان ورسوخ العقيدة في قلوب أهل الإسلام، والتأكيد على رفض هذا الباطل المتمثل في أنظمة الطغيان، وأن لا شرعية له مهما استعلى وانتفش، فكل هذه المعاني يمكن تحصيلها بمجرد أفعال فردية قد يقوم بها بعض أبطال الإسلام، لا سيما إذا كانت كلمة حق يصدع بها عالمٌ من العلماء في وجه الباطل.

وقد قال الله تعالى لنبيه ﷺ: ﴿فَقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفۡسَكَۚ وَحَرِّضِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأۡسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ وَٱللَّهُ أَشَدُّ بَأۡسٗا وَأَشَدُّ تَنكِيلٗا﴾ [النساء: 84].

قال الإمام ابن عطية رحمه الله: «هذا أمر في ظاهر اللفظ للنبي عليه السلام وحده، لكن لم نجد قط في خبر أن القتال فرض على النبي ﷺ دون الأمة مدة ما، المعنى -والله أعلم- أنه خطاب للنبي عليه السلام في اللفظ، وهو مثال ما يقال لكل واحد في خاصة نفسه، أي أنت يا محمد وكل واحد من أمتك القول له: «قاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك»، ولهذا ينبغي لكل مؤمن أن يستشعر أن يجاهد ولو وحده، ومن ذلك قول النبي ﷺ: (والله لأقاتلنهم حتى تنفرد سالفتي)، وقول أبي بكر رضي الله عنه وقت الردة: «ولو خالفتني يميني لجاهدتها بشمالي»»١٬٣٣٣المحرر الوجيز: (2 / 164)، [وحديث: (والله لأقاتلنهم)، رواه البخاري: (2731)، وأثر أبي بكر ذكره الزجاج في «معاني القرآن»: (2/85)]..

وقد روى الطبري بسنده عن أبي إسحاق قال: قلت للبراء بن عازب: «يا أبا عمارة الرجل يلقى ألفًا من العدو فيحمل عليهم، وإنما هو وحده أيكون ممن قال: ﴿وَلَا تُلۡقُواْ بِأَيۡدِيكُمۡ إِلَى ٱلتَّهۡلُكَةِ﴾ [البقرة: 195]، فقال: لا ليقاتلْ حتى يقتل، قال الله لنبيه: ﴿فَقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفۡسَكَۚ﴾ [النساء: 84]»١٬٣٣٤تفسير الطبري: (2/203)..

ص 737

وهذا عبد الله بن رواحة رضي الله عنه -وهو أحد القادة الذين اختارهم رسول الله ﷺ- يقف يوم مؤتة خطيبًا في جيش قوامه ثلاثة آلف مقاتل ليواجه جيشًا عرمرمًا تعداده مائتا ألف مقاتل، ويقول لهم: «إن الذي تكرهون للتي خرجتم تطلبون الشهادة وما نقاتل بعدد ولا قوة ولا نقاتل إلاَّ لهذا الدين فانطلِقوا فإحدى الحسنيين إما ظهور وإما شهادة»١٬٣٣٥[السيرة النبوية لابن هشام: (2/٣٧٥)، والطبراني في الكبير: (١٥٠١١)].، وعلم رسول الله ﷺ ذلك كله ولم ينكر ولم يشنع ولم يقل لهم ألقيتم بأيديكم إلى التهلكة، ولم يؤاخذهم أن كانوا قلة فاقتحموا -مع قلتهم- ذلك البحر الضخم من جيش الروم.

وقد ذكرنا من قبل قصة عبد الله بن أم مكتوم وأبي طلحة رضي الله عنهما والقصص في ذلك كثيرة.

والمقصود أن سقوط واجب الجهاد لا يعني سقوط جوازه، لا سيما قول كلمة الحق من العلماء الربانيين، فإن هذا من أعظم أسباب إحياء الأمة وتجرئتها على عدوها، ورفع العجز والضعف عنها، ولهذا استحق صاحب تلك الكلمة أن يكون من سادات الشهداء كما قال النبي ﷺ: (سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله)١٬٣٣٦رواه الترمذي [وهو ليس فيه، وقد عزاه إليه المنذري في الترغيب والترهيب (3/158) وصححه الشيخ الألباني، وقال في تحقيقه للترغيب: «عزوه للترمذي خطأ، ولعله من الناسخ أو الطابع»]، والحاكم [(4884) وصحح إسناده] عن جابر رضي الله عنه..

وقال النبي ﷺ: (أفضل الجهاد من قال كلمة حق عند سلطان جائر)١٬٣٣٧رواه الترمذي، وأبو داود، وابن ماجه [وسبق في: (ص 688)]..

وقال شيخ الإسلام رحمه الله: «ومن تكلم بحق عند سلطان جائر فإن ذلك قتل مجاهدًا ففي قتله مصلحة لدين الله تعالى»١٬٣٣٨الفتاوى الكبرى: (26 / 182)..

السادس: حينما نقول إن الاستطاعة التي يحصل بها وجوب الجهاد مفقودة، فلا بد أيضًا أن نبحث عن أسباب انعدام هذه الاستطاعة، لا أن نذكرها ونركن إليها ونمر عليها مرورًا عابرًا؛ لأن الأمة في الأصل هي أمة جهاد وإعداد وقدرة وتهيؤ للقتال في كل حين، فما الذي أخرجها من هذه الحال إلى ما هي عليه اليوم من الضعف والعجز حتى سقط عنها وجوب الجهاد.

ص 738

فإذا كان سبب هذا الاستضعاف كسبيًا ناتجًا عن تقصير الأمة في تكاليف شرعية؛ كان يجب عليها أن تقوم بها وتعتني بأدائها فقصرت وفرطت وضيعت، فإن هذا يراكم عليها الواجبات، ويضاعف عليها التكاليف، ولا يسقطها عنها، وأما إذا كان ناتجًا عن أمر قهري كوني لا يد لها فيه ولا طاقة عندها بإزالته؛ فعندها تكون معذورة في عدم جهادها.

والشيخ عبد القادر نفسه قد قرر أن أمة الإسلام هي أمة جهاد، وأن الأصل في علاقتها مع الأمم السابقة هي علاقة قتال وحرب لا علاقة صلح وسلم، ولا يستثنى من ذلك إلا حالة العجز والاضطرار فكان مما قاله في كتابه «العمدة»: «ولا يمنع المسلمين من الجهاد إلا العجز، ويجب الإعداد حينئذ؛ وذلك لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَهِنُواْ وَتَدۡعُوٓاْ إِلَى ٱلسَّلۡمِ وَأَنتُمُ ٱلۡأَعۡلَوۡنَ﴾ [محمد: 35]، فما دامت بالمسلمين قوة وكانوا أعلى من عدوهم فلا سِلْم ولا هدنة ولا صلح، بل القتال حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله، وذلك لأن آخر ما نزل في الجهاد هو قوله تعالى: ﴿فَٱقۡتُلُواْ ٱلۡمُشۡرِكِينَ حَيۡثُ وَجَدتُّمُوهُمۡ وَخُذُوهُمۡ وَٱحۡصُرُوهُمۡ وَٱقۡعُدُواْ لَهُمۡ كُلَّ مَرۡصَدٖۚ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ﴾ [التوبة: 5]، فهذه الآية وآية الجزية بنفس الصورة أمر بالقتال العام، وهو من أواخر ما أنزل من القرآن، فلا ناسخ له، روى البخاري عن البراء رضي الله عنه قال: «آخر سورة نزلت براءة»، وهكذا فَعَل النبي ﷺ والخلفاء من بعده في قتال المشركين وأهل الكتاب كما يأتي في الفقرة «13»، ولا يمنع من هذا إلا العجز ولذلك ترى الكافرين يجتهدون في منع المسلمين من حيازة السلام، كما قال تعالى: ﴿وَدَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡ تَغۡفُلُونَ عَنۡ أَسۡلِحَتِكُمۡ وَأَمۡتِعَتِكُمۡ فَيَمِيلُونَ عَلَيۡكُم مَّيۡلَةٗ وَٰحِدَةٗۚ﴾ [النساء: 102]، وقد كررت في هذه الرسالة أنه إذا منع من الجهاد عجزٌ وَجَب الاستعداد، للآية ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم﴾ [الأنفال: 60]، وهكذا قال ابن تيمية رحمه الله.

مما سبق تعلم أن الأصل في العلاقة بين المسلمين والكافرين هو القتال وأن الاستثناء منه هو السلم في صورة هدنة أو صلح، وأنه لا يلجأ إلى هذا الاستثناء إلا لضرورة من عجز ونحوه، وذلك لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَهِنُواْ وَتَدۡعُوٓاْ إِلَى ٱلسَّلۡمِ وَأَنتُمُ ٱلۡأَعۡلَوۡنَ﴾ [محمد: 35]»١٬٣٣٩العمدة: (371)..

ص 739

ومن المعلوم فإن أبرز مظاهر الاستضعاف الذي تعيشه الأمة:

أولها: التفرق والتشرذم والاختلاف الذي مزق أوصالها وقطع جسدها الواحد، مع أن الله ﷻ قد أمر بالائتلاف ونهى عن الاختلاف، في مواطن عدة من كتابه، وكذلك نبيه ﷺ، فما تعيشه الأمة اليوم من التنازع هو مخالفٌ للأمر الشرعي الذي يجب عليها أن تجتهد في أدائه، وتسعى بكل وسيلة لإقامته، حتى يزيل عنها شيئًا من الاستضعاف الذي تتقلب فيه، وإلا فإنها ستبقى آثمة من جهة حصول العجز المتولد عن تفرقها، ومن جهة عدم جهادها لعجزها قال الله تعالى: ﴿وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَنَٰزَعُواْ فَتَفۡشَلُواْ وَتَذۡهَبَ رِيحُكُمۡۖ وَٱصۡبِرُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ﴾ [الأنفال: 46].

ومن أعظم أسباب اتفاق الأمة، وإزالة تفرقها الجهاد في سبيل الله تعالى، ولهذا فكلما تخلت الأمة عنه، وهجرت ساحاته دب بينها الخلاف، وسرى في أوصالها التنازع، فلا يكاد يرفع تفرقها إلا بالجهاد ولا يؤتي الجهاد ثمرته الكاملة إلا بالاتفاق فهما أمران في غاية التلازم، كما قال شيخ الإسلام رحمه الله: «فإذا ترك الناس الجهاد في سبيل الله فقد يبتليهم بأن يوقع بينهم العداوة حتى تقع بينهم الفتنة كما هو الواقع فإن الناس إذا اشتغلوا بالجهاد في سبيل الله؛ جمع الله قلوبهم وألف بينهم وجعل بأسهم على عدو الله وعدوهم، وإذا لم ينفروا في سبيل الله؛ عذبهم الله بأن يلبسهم شيعًا ويذيق بعضهم بأس بعض»١٬٣٤٠مجموع الفتاوى: (15/44)..

ص 740

الثاني: تهاونها في إقامة عبادة إعداد القوة بجميع صورها، والتي بها تؤدى عبادة الجهاد، فلما تكاسلت الأمة في تنفيذ الأمر الإلهي ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةٖ﴾ [الأنفال: 60]، وفرطت في سلوك السبل المؤدية إليه، أصابها الضعف، وقد أطلنا الكلام على هذه المسألة من قبل، وأنه عند سقوط الجهاد للعجز؛ فإن الواجب البديل هو الإعداد، ولكن المقصود هنا هو أن عموم حالة الاستضعاف وعدم الاستطاعة التي أشارت إليها الوثيقة، إنما هو ناتج عن التفريط في أوامر شرعية جاء بها كتاب الله ﷻ وسنة نبيه ﷺ، وليس ذلك الاستضعاف بسبب أمر قهري قسري ليس للأمة سببٌ فيه، ولهذا ولأهمية الإعداد، ولأن أمة الإسلام أمة جهاد، فقد جاء الاعتناء به حتى في حالة التمكين والغلبة؛ لتكون الأمة في كل حين مرهوبة الجانب محفوظة الحقيقة، ولهذا قال النبي ﷺ: (ستفتح عليكم أرضون ويكفيكم الله فلا يعجز أحدكم أن يلهو بأسهمه)١٬٣٤١رواه مسلم [١٩١٨] عن عقبة بن عامر..

الثالث من أسباب الاستضعاف ومظاهره أيضًا: هو انشغال الأمة بأمور دنياها، وانكبابها عليها، أضعاف أضعاف، اعتنائها بأمور دينها، ولو أن أمة الإسلام أعطت دينها -دعوة وتعلـمًا وتعليمًا وإعدادًا وإنفاقًا وتحريضًا وأمرًا بالمعروف ونهيًا عن المنكر وجهادًا- نصف ما تعطيه لدنياها من الجهد لما كان حالها ما هي عليه اليوم، ولما كان للاستضعاف إليها سبيل، فعن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال النبي ﷺ: (إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم)١٬٣٤٢رواه أبو داود، [وسبق في: (ص 664)]..

قال العلامة شمس الحق العظيم آبادي: «حمل هذا على الاشتغال بالزرع في زمن يتعين فيه الجهاد (وتركتم الجهاد)؛ أي المتعين فعله، (سلط الله عليكم ذلا) بضم الذال المعجمة وكسرها أي صغارًا ومسكنة، ومن أنواع الذل الخراج الذي يسلمونه كل سنة لملاك الأرض وسبب هذا الذل والله أعلم؛ أنهم لما تركوا الجهاد في سبيل الله الذي فيه عز الإسلام وإظهاره على كل دين عاملهم الله بنقيضه وهو إنزال الذلة بهم فصاروا يمشون خلف أذناب البقر بعد أن كانوا يركبون على ظهور الخيل التي هي أعز مكان»١٬٣٤٣عون المعبود: (9/241)..

وقال العلامة ابن رجب الحنبلي رحمه الله: «ومن أعظم ما حصل به الذل من مخالفة أمر الرسول ﷺ ترك ما كان عليه من جهاد أعداء الله فمن سلك سبيل الرسول ﷺ؛ عز، ومن ترك الجهاد مع قدرته عليه؛ ذل.

ص 741

وقد سبق حديث: (إذا تبايعتم بالعينة واتبعتم أذناب البقر وتركتم الجهاد في سبيل الله سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه من رقابكم حتى تراجعوا دينكم)، ورأى النبي ﷺ سكة الحرث فقال: (ما دخلت دار قوم إلا دخلها الذل)١٬٣٤٤[رواه البخاري: (2321) بلفظ مشابه]..

فمن ترك ما كان عليه النبي ﷺ من الجهاد مع قدرته واشتغل عنه بتحصيل الدنيا من وجوهها المباحة حصل له من الذل فكيف إذا اشتغل عن الجهاد بجمع الدنيا من وجوهها المحرمة»١٬٣٤٥الحكم الجديرة بالإذاعة: (1 / 21)..

الرابع: انتشار المعاصي وفشو الموبقات، وضعف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذه كلها أسباب مكتسبة أدت إلى نزول عقاب الله تعالى، ومنها تسلط أعداء الله على أمة الإسلام، ولهذا قال الله ﷻ: ﴿وَمَآ أَصَٰبَكُم مِّن مُّصِيبَةٖ فَبِمَا كَسَبَتۡ أَيۡدِيكُمۡ وَيَعۡفُواْ عَن كَثِيرٖ﴾ [الشورى: 30].

والمقصود من ذلك كله، إنه على التسليم بأن الأمة الإسلامية اليوم تعيش حالة استضعاف حقيقي يسقط عنها فريضة الجهاد، فإن هذا العجز سببه الأمة نفسها، وهي مسؤولة عنه بين يدي الله تعالى، لأنه نتيجة حتمية لمخالفة أوامر الله ﷻ وارتكاب مناهيه، وهذا يزيد عليها التكاليف، ويضاعف في حقها الواجبات، ويعدد المطالب والله المستعان.

وللحديث بقية إن يسر الله تعالى، والحمد لله أولًا وآخرًا.

❖ ❖ ❖

ص 742

📚
نهاية هذا المبحث

لقد أتممت قراءة كتاب: التبديد لأباطيل وثيقة الترشيد

يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.