كفر «نظام كرزاي» ووجوب قتاله

[ربيع الأول 1427 هـ / 4 - 2006م]

۞

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد...

فإن إثارة الشبهات وإشاعتها بين المسلمين بغية تحريفهم عن دينهم وإبعادهم عن شريعتهم؛ يعتبر سنة إبليسية.

وضع الشيطان أساسها لأوليائه ووطد لهم أركانها ومهد أمامهم طريقها حينما دعى آدم عليه السلام وزوجه للأكل من الشجرة التي حرمها الله عليهما ملبسًا لهما الحق بالباطل ومكتسيًا ثوب الناصح الأمين والمشفق الحريص المريد للخير الداعي إليه: ﴿فَوَسۡوَسَ إِلَيۡهِ ٱلشَّيۡطَٰنُ قَالَ يَٰٓـَٔادَمُ هَلۡ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلۡخُلۡدِ وَمُلۡكٖ لَّا يَبۡلَىٰ﴾ [طه: 120]، ﴿وَقَالَ مَا نَهَىٰكُمَا رَبُّكُمَا عَنۡ هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلَّآ أَن تَكُونَا مَلَكَيۡنِ أَوۡ تَكُونَا مِنَ ٱلۡخَٰلِدِينَ﴾ [الأعراف: 20].

ثم لم يزل أتباعه وعبدته يسلكون سبيله ويستنون بسنته ويأخذون بتلبيسه كما قال ﷻ: ﴿وَإِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰٓ أَوۡلِيَآئِهِمۡ لِيُجَٰدِلُوكُمۡۖ وَإِنۡ أَطَعۡتُمُوهُمۡ إِنَّكُمۡ لَمُشۡرِكُونَ﴾ [الأنعام: 121]، فهم يقْفون أثره ويتتبعون خطواته حذو القُذة بالقذة، يوحي إليهم فيستمعون، ويوصيهم فينصتون، ويأمرهم فيطيعون، ويحثهم فيجتهدون.

ص 2799

وهذا أمر قدره الله ﷻ؛ امتحانًا لعباده واختبارًا لهم ليعلم الصادق المستيقن الذي لا تستميله الشبهات ولا تستهويه الشهوات، من الشاك المرتاب الذي يزيغ مع الهوى حيث زاغ، وتلقيه رياح الشبهات في كل واد، وتأخذه الآراء والضلالات كل مأخذ، كما قال ﷻ: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّٗا شَيَٰطِينَ ٱلۡإِنسِ وَٱلۡجِنِّ يُوحِي بَعۡضُهُمۡ إِلَىٰ بَعۡضٖ زُخۡرُفَ ٱلۡقَوۡلِ غُرُورٗاۚ وَلَوۡ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُۖ فَذَرۡهُمۡ وَمَا يَفۡتَرُونَ ١١٢ وَلِتَصۡغَىٰٓ إِلَيۡهِ أَفۡـِٔدَةُ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ وَلِيَرۡضَوۡهُ وَلِيَقۡتَرِفُواْ مَا هُم مُّقۡتَرِفُونَ﴾ [الأنعام: 112-113].

ومع ذلك فما كان للباطل أن يقارع الحق في ميدان المحاجَّة أو يرد برهانه ويبطل سلطانه في ساحة المجادلة، بل هو زاهق مكبوت، ومقموع مبكوت، كلما نبغ برأسه أو أطلَّ بزيفه استأصلت شأفتُه وانكشفت تمويهاته: ﴿بَلۡ نَقۡذِفُ بِٱلۡحَقِّ عَلَى ٱلۡبَٰطِلِ فَيَدۡمَغُهُۥ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٞۚ وَلَكُمُ ٱلۡوَيۡلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: 18]، فما من شبهة يثار نقعها وينفخ فيها أصحابها إلا وتبددت وتفتت أمام قوة الحق ونصاعة براهينه ونفاذ بيناته وصلابة حججه، كما قال ﷻ: ﴿وَلَا يَأۡتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئۡنَٰكَ بِٱلۡحَقِّ وَأَحۡسَنَ تَفۡسِيرًا﴾ [الفرقان: 33].

فما هي إلا لحظات انتفاش وانتعاش، يُظن فيها الورم شحمًا، والسراب ماء، ثم تنجلي الحقيقة ويتكشف الواقع، فإذا هي دعاوى بغير بينات، وأوهام وخزعبلات؛ حسبها ذووها شيئًا وليست بشيء، ﴿أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَسَالَتۡ أَوۡدِيَةُۢ بِقَدَرِهَا فَٱحۡتَمَلَ ٱلسَّيۡلُ زَبَدٗا رَّابِيٗاۖ وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيۡهِ فِي ٱلنَّارِ ٱبۡتِغَآءَ حِلۡيَةٍ أَوۡ مَتَٰعٖ زَبَدٞ مِّثۡلُهُۥۚ كَذَٰلِكَ يَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡحَقَّ وَٱلۡبَٰطِلَۚ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذۡهَبُ جُفَآءٗۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمۡكُثُ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ كَذَٰلِكَ يَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡأَمۡثَالَ﴾ [الرعد: 17].

فكما أن حد السيف فالق لهامات أهل المروق والكفران؛ فكذا قوة الحجة والبيان والبرهان ممزقة لأردية الشبهات، وأثواب الضلالات، وأكسية الزيغان؛ مهما موه المموهون ولبس الملبسون وزيف المزيفون، فالحقُّ باقٍ والحجة قائمة، والبينات مستمرة، وسبيل الهدى سليم قويم لا يزيغ عنها إلا هالك.

هذا، ومما خرج به علينا بعض المتفيهقون الذين باعوا دينهم بدنيا غيرهم البحثُ عن شبهات زائفة يرومون بها إثبات شرعية نظام «حكومة كرزاي» وأنصارها المرتدين، ومن ثم حُرمة قتالهم ووجوب السمع والطاعة لهم والانقياد لقوانينهم.

ص 2800

وتلك وربي عجيبة الدهر وغريبة العصر، ولَعمر الحق ما كان يخطر ببال مسلم يومًا من الأيام أن تصبح هذه القضية محل بحث ونقاش وأخذ ورد لولا أهل الأهواء أصحاب الألسن الحداد، الذين خروا ركعا وسجدًا أمام أحذية المحتل الأمريكي النصراني يبتغون عرض الحياة الدنيا ويطلبون رضا الغاصب الغاضب، ويستَجْدُونه لتحصيل لقمة عيش خبيثة خسيسة أو منصب حقير يوشك أن يرتحل عنه ولعنات المسلمين تشيعه وتتبعه في حياته ومماته؛ كما كان قدوتهم الذي صار مثلًا مضروبًا لكل متعظ وآية باقية لكل معتبر: ﴿وَٱتۡلُ عَلَيۡهِمۡ نَبَأَ ٱلَّذِيٓ ءَاتَيۡنَٰهُ ءَايَٰتِنَا فَٱنسَلَخَ مِنۡهَا فَأَتۡبَعَهُ ٱلشَّيۡطَٰنُ فَكَانَ مِنَ ٱلۡغَاوِينَ ١٧٥ وَلَوۡ شِئۡنَا لَرَفَعۡنَٰهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُۥٓ أَخۡلَدَ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُۚ فَمَثَلُهُۥ كَمَثَلِ ٱلۡكَلۡبِ إِن تَحۡمِلۡ عَلَيۡهِ يَلۡهَثۡ أَوۡ تَتۡرُكۡهُ يَلۡهَثۚ ذَّٰلِكَ مَثَلُ ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَاۚ فَٱقۡصُصِ ٱلۡقَصَصَ لَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: 175-176].

فلما بدأت تلك الشبهات المتهالكة المتهاوية البالية تروج على بعض المخلصين الذين يبحثون عن الحق بجد ويطلبونه بصدق ويتحرون الوقوف عند حدود الله، كان لزاما بيان الحق الحقيق بالإتباع مما لا يبقى معه تلبيس لملبس ولا تخليط لمخلط، لا سيما وأن بعض من تولى كبر إحداث ونشر تلك الشبهات ممن يشار له بالبنان وتضفى عليهم الألقاب.

وقد طلب مني ذلك من الأحبة من لا يسعني مخالفته ولا رد طلبه، ممن له اعتناء بأمر الجهاد وتتبع لقضايا المجاهدين، فأجبته إلى مراده، راجيًا التوفيق من الله في بيان الحق وكشف زيوف الباطل: ﴿لِّيَهۡلِكَ مَنۡ هَلَكَ عَنۢ بَيِّنَةٖ وَيَحۡيَىٰ مَنۡ حَيَّ عَنۢ بَيِّنَةٖۗ﴾ [الأنفال: 42].

وليكن دعاء المتجرد في طلب الحق الحريص على تحصيله والجاد في اتباعه: (اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل فاطر السماوات والأرض أن تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم).

ص 2801

فالتوفيق -أولًا وآخرًا- بيد الله، والهداية له وحده وليست لأحد سواه؛ فكم من خلقه الذين لهم منزلة بين أقوامهم ورئاسة لأتباعهم، ﴿۞وَإِذَا رَأَيۡتَهُمۡ تُعۡجِبُكَ أَجۡسَامُهُمۡۖ وَإِن يَقُولُواْ تَسۡمَعۡ لِقَوۡلِهِمۡۖ كَأَنَّهُمۡ خُشُبٞ مُّسَنَّدَةٞۖ﴾ [المنافقون: 4]، ومع ذلك فإن حالهم ووصفهم: ﴿لَهُمۡ قُلُوبٞ لَّا يَفۡقَهُونَ بِهَا وَلَهُمۡ أَعۡيُنٞ لَّا يُبۡصِرُونَ بِهَا وَلَهُمۡ ءَاذَانٞ لَّا يَسۡمَعُونَ بِهَآۚ أُوْلَٰٓئِكَ كَٱلۡأَنۡعَٰمِ بَلۡ هُمۡ أَضَلُّۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡغَٰفِلُونَ﴾ [الأعراف: 179].

نسأل الله العافية لنا ولإخواننا المسلمين.

وتمهيدًا لذلك ينبغي التنبيه؛ على أن الغياب الطويل لشريعة الإسلام، وذهاب سلطانها الرادع، وفشو الجهل بين أبنائه، وتتابع جيوش الشبهات التي تشن حربًا ضروسًا على المسلمين وعقائدهم وأخلاقهم ومبادئهم، وافتتان كثير من المسلمين ببعض زخارف القول التي زُين بها الباطل وطُلي بها وجهه الشاحب؛ كل ذلك جعل قواطع الحق -التي لم تكن يومًا من الأيام لتدخل حلبة النقاش، والتي كانت تضرب الأعناق دون الدنو منها والتشكيك فيها-.. جعلها اليوم مثار جدال ومحل نزاع بالأقوال والأفعال.

ولكن الحال كما قال ﷻ: ﴿فَخَلَفَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ خَلۡفٞ وَرِثُواْ ٱلۡكِتَٰبَ يَأۡخُذُونَ عَرَضَ هَٰذَا ٱلۡأَدۡنَىٰ وَيَقُولُونَ سَيُغۡفَرُ لَنَا وَإِن يَأۡتِهِمۡ عَرَضٞ مِّثۡلُهُۥ يَأۡخُذُوهُۚ أَلَمۡ يُؤۡخَذۡ عَلَيۡهِم مِّيثَٰقُ ٱلۡكِتَٰبِ أَن لَّا يَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡحَقَّ وَدَرَسُواْ مَا فِيهِۗ وَٱلدَّارُ ٱلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ﴾ [الأعراف: 169].

فحتى يتم تصوير حقيقة الوضع في أفغانستان تصويرًا سليمًا يدركه كل سوي، صاحب قلب سليم، ينتمي لهذه الأمة انتماء المناصر الموالي المتجرد، نضرب لذلك مثلًا يظهر به قباحة ووقاحة وشناعة تلك الأقوال التي يبثها وينشرها ويروِّج لها بعض الخُلوف الذين لا يهمهم أين وصلت أمتهم ولا ما دهاها.

ص 2802

فلو أن دولة الإسلام زمن الصديق رضي الله عنه، وهو خليفة رسول الله ﷺ، تآمر عليها قيصر ملك الروم، وساعده وسانده في ذلك بعض طوائف المرتدين، كأصحاب مسيلمة الكذاب وطليحة الأسدي والأسود العنسي، ثم جاء هؤلاء جميعًا بجيوشهم الجرارة، واقتحموا مدينة رسول الله ﷺ وباقي أطراف دولة الإسلام، تحت شعار إحلال السلام فيها ومطاردة الإرهابيين من المسلمين، وتنصيب شخص محسوب على المسلمين ولكنه مرضي مقبول من قبلهم يسير وفق سياساتهم وينضبط بقوانينهم ويفرض على المسلمين أنظمتهم، ويقوم بعض الأعراب بمناصرتهم في ذلك، وتكوين جيش يطارد الصديق وأصحابه المعارضين لتلك القوات النصرانية المحتلة -قوات حفظ السلام في المدينة!- فهل يقول عاقل أو مسلم عرف دينه؛ أن هذا الحاكم الـمُنصَّب من قبل ملك الروم وأنصاره المرتدين والمحارب للمسلمين يعتبر إمامًا تجب طاعته ويحرم الخروج عليه؟! وأن تنصيب ملك الروم له يجعله واليًا شرعيا مرضيًا؟! وأن جنوده وأنصاره وأتباعه يعدون جيشًا إسلاميًا يحرم قتلهم وقتالهم؟! وأن الصديق رضي الله عنه -وكبار الصحابة من ورائه- هو في قتاله لذلك الرئيس يُعد باغيًا أو مُخطئًا حائدًا عن الحق ومجانبًا للهدى؟!

فانظر أيها المسلم المتجرد؛ ما يجيبك به قلبك، ثم قِس عليه حال أفغانستان وما جرى ويجري فيها، ولا تغتر بتبديل الأسماء ولا تنخدع بتقليب الحقائق، فالإسلام هو الإسلام، والمسلمون هم المسلمون، وأعداء دينك هم أعداء دينك، لم يتغير من ذلك شيء.

فهذه مقدمة لو تصوّرها المسلم تصورًا صحيحًا، لتجلى له كثير من زيوف الباطل وشبهات ذوي الأهواء، وهي حجة يمكن لكل مسلم -مهما كانت بساطته- أن يحاج بها جميع الملفقين الذين ينفقون أعمارهم في التسويغ للباطل والتنقيب عن أدلة يقررون بها شرعيته.

❖ ❖ ❖

📚
نهاية هذا المبحث

لقد أتممت قراءة كتاب: كفر «نظام كرزاي» ووجوب قتاله

يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.

تحميل الكتاب مفردًا