يمضي الخيار

[قصيدة في رثاءِ الشيخ الشهيد: صلاح فتحي بن سليمان «أبو عبد الرحمن الحطاب»، المولود في طرابلس (1964م)، والمقتول شهيدًا بِمدينة دَرنة الليبية (1997م)، وهو أحد قيادات الجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة ومؤسسيها، ويظهر أن الشيخ نظمها في عام شهادته]

[البحر: الكامل]

اللهُ يَقْضِي مَا يَشَاءُ وَيَكْتُبُ

وَلِمَا قَضَى الرَّحْمَنُ لَا نَتَعَقَّبُ

سُبْحَانَهُ مَنْ ذَا يَرُدُّ قَضَاءَهُ

وَهُوَ الَّذِي مَا عَنْهُ شُيْءٌ يَعْزُبُ

كَتَبَ الْفَنَاءَ عَلَى سِوَاهُ فَكُلُّ مَا

فِي هَذِهِ الدُّنْيَا يَجِيءُ وَيَذْهَبُ

وَلِكُلِّ نَفْسٍ مَنْزِلٌ سَتَحُلُّهُ

يَوْمًا وَمِنْ أَبْوَابِهِ تَتَقَرَّبُ

وَالْمَوْتُ حَتْمٌ لَا يُرُدُّ عَنِ الْفَتَى

إِن جَاءَ مَوْعِدُهُ وَلَا يَتَغَيَّبُ

فَاطْلُبْهُ فِي سَاحَاتِ عِزٍّ وَارْتَقِبْ

يَوْمَ الشَّهَادَةِ خًيْرَ مَا يُتَرَقَّبُ

فَلَقَدْ أَتَانَا مِنْ مَقَالِ نَبِيِّنَا

قَوْلٌ صَحِيحٌ صَادِقٌ لَا يَكْذِبُ

لَا يَسْتَوِي غُبَارُ خَيْلِ اللهِ فِي

أَنْفِ امْرِئٍ وَدُخَانُ نَارٍ تَلَهَّبُ

يُمْسِي الشَّهِيدُ إِذَا مَضَى مُتَلَحِّفًا

ثَوْبَ الدِّمَاءِ بِلَوْنِهِ يَتَخَضَّبُ

عُذْرًا أَخِي «الحَطَّابُ» إِنَّ قَصَائِدِي

مِنْ هَوْلِ مَا قَدْ نَابَهَا تَتَهَرَّبُ

فَإِذَا طَلَبْتُ الْقَوْلَ ضَلَّ فَلَمْ أَجِدْ

إَلَّا شَتَاتًا فِي الدُّجَى يَتَسَرَّبُ

فَأَرُومُ جَمْعَ شَتَاتهِ لَكِنَّهُ

مِنِّي يَتِيهُ وَعَنْ فُؤَادِي يُسْلَبُ

وَلِذَا تُرَانِي بَاكِيًا مِنْ كَرْبِ مَا

قَدْ حَلَّ بِي فَأَحَارُ مَاذَا أَكْتُبُ

جُرْحٌ أَصَابَ الْقَلْبَ بَعْدَ رَحِيلِهِ

فَالنَّفْسُ فِي نَارِ الْأَسَى تَتَقَلَّبُ

جَلَّ الْمُصَابُ بِفَقْدِهِ وَذَهَابِهِ

فَدَعِ الْعُيُونَ بِدَمْعِهَا تَتَصَبَّبُ

يَمْضِي الْخِيَارُ وَتَنْقَضِي آجَالُهُمْ

لَكِنَّ شَمْسَ صَنِيعُهُمْ لَا تَغْرُبُ

فَإِذَا مَضَى «حَطَّابُنَا» فَدِمَاؤُهُ

لِلْجِيلِ مِنْ بَعْدِ الْغِيَابِ الصَّيِّبُ

عَرَفَ الطَّرِيقَ فَخَاضَهَا مُسْتَيْقِنًا

لَمْ يَلْتَفِتْ أَبَدًا لِمَنْ يَتَذَبْذَبُ

وَسَعَى لِجَنَّاتِ النَّعِيمِ مُشَمِّرًا

يَا نِعْمَ مَنْ لِنَعِيمِهَا يَتَأَهَّبُ

حُبُّ الشَّهَادَةِ قَدْ تَمَلَّكَ قَلْبَهُ

فَسَعَى لَهَا فِي كُلِّ قُطْرٍ يَطْلُبُ

تَبْكِي ثَرى الْأَفْغَانِ حُرَّ فِرَاقِهِ

وَلَكَمْ تَمَنَّتْ ضَمَّهُ فَتُخَيَّبُ

بَكَتِ الْجَزَائِرُ فَارِسًا قَدْ حَلَّهَا

حِينًا وَكَانَ عَطَاؤُهُ لَا يَنْضُبُ

تَبْكِي بِلَادٌ سَاسَهَا أَنذَالُهُا

تَصْلَى بِنَارِ جَحِيمِهِمْ وَتُعَذَّبُ

تَبْكِي قُرَاهَا وَالْمَدَائِنُ كُلُّهَا

تَبْكِي جِبَالٌ بَلْ وَتَبْكِي السَّبْسَبُ

فَاضَتْ دُمُوعُ الْفَجْرِ مِنْهَا حَسْرَةً

إِذْ غَابَ عَنْهَا مَا يَقُولُ وَيَكْتُبُ

وَقَفَاتُهُ بَعْدَ الرَّحِيلِ تَوَقَّفَتْ

وَلَكَمْ أَرَاهَا أَوْقَفَتْ مَن يَكْذِبُ

يَبْكِيكَ جِيلٌ بِالْهُدَى مُتَمَسِّكٌ

جِيلٌ لَهُ جَنَّاتُ عَدْنٍ مَطْلَبُ

إِيهٍ أَخِي فَلَقَدْ عَرَفْتُكَ صَافِيًا

وَبِكُمْ تَحُفُّ مَهَابَةٌ وَتَأَدَّبُ

بَشَّاً نَصُوحًا مُؤْنِسًا لِجَلِيسِهِ

وَإِذَا يَقُولُ فَقَوْلُهُ يُسْتَعْذَبُ

سَلِسَ الْقِيَادِ لِكُلِّ قَوْلٍ نَاصِحٍ

وَلِغَيْرِ دِينِ اللهِ لَا يَتَعَصَّبُ

سَمْتٌ وَصَمْتٌ فِيهِ دُونَ تَكُلُّفٍ

وَالْأُسْدُ عِندَ صُمَاتِهَا تُتَهَيَّبُ

وَلَقَدْ عَرَفْتُكَ فِي حَيَاتِكَ زَاهِدًا

وَلَكُمْ مِنَ الزُّهْدِ الْمَقَامُ الْأَرْحَبُ

هُوَ لِلْأَحِبَّةِ جَنَّةٌ قَدْ حَفَّهَا

حُبٌّ وَلِلْأَعْدَاءِ نَارٌ تَلَهَّبُ

قَدْ كَانَ حَقًّا يُسْتَنَارُ بِرَأْيِهِ

وَكَأَنَّهُ بَيْنَ الْأَحِبَّةِ كَوْكَبُ

تَغْلِي الدِّمَاءُ بِجِسْمِهِ فَتَفَجَّرَتْ

لَمَّا دَنَا أَعْدَاؤُهُ وَتَأَلَّبُوا

شُهُبًا تَخَطَّفُ مَنْ يَرُومُ شَرِيعَةً

يَنْوِي مَسَاسَ صَفَائِهَا وَيُخَرِّبُ

فَسَقَاهُمُ كَأْسَ الْمَذَلَّةِ وَارْتَدَى

ثَوْبَ الْفَخَارِ بِرِيحِهِ يَتَطَيَّبُ

نَمْ يَا أَخِي إِنَّا عَلَى دَرْبِ الْهُدَى

نَمْضِي فَنُقْتَلُ أَوْ نَعِيشُ فَنَغلِبُ

نَمْ يَا أَخِي فَلَيَعْلَمَنَّ عَدُوُّنَا

أَنَّا لُيُوثٌ فِي الْوَغَى تَتَوَثَّبُ

يَا أَيُّهَا الْوَغْدُ اللَّئِيمُ مُعَمَّرٌ

لِلْحَقِّ نُورٌ سَاطِعٌ لَا يُحْجَبُ

مَهْمَا سَعَيْتَ لِحَرْبِهِ فَبَرِيقُهُ

يُجْلِي الْعَمَى وَطَرِيقُهُ لَا يُقْضَبُ

يَا ذَا الْخَنَا أَتُرِيدُ أَنْ نَحْيَا عَلَى

أَقْذَارِ فِكْرٍ لِلْهُدَى مُتَنَكِّبُ

فَاخْسَأْ سَتَعْلَـمُ أَنَّ وَقْعَ سُيُوفِنَا

نَارٌ بِهَا هَامَاتِكُم تَتَكَبْكَبُ

وَلَتَشْرَبَنَّ مِنَ الْمَهَانَةِ أَكْؤُسًا

قَدْ خَابَ مَنْ كَأْسَ الْمَهَانَةِ يَشْرَبُ

لَا تَحْسَبِ «الحَطَّابَ» فَرْدًا قَدْ مَضَى

كَلاَّ فَإِنَّ جُنُودَهُ لَمْ يَذْهَبُوا

يَتَسَابَقُونَ إِلَى الْوَغَى وَوَقُودُهُمْ

غَيْظٌ عَلَى أَعْدَائِهِمْ يَتَصَبَّبُ

لِمُصَابِكُمْ آلَ الشَّهِيدِ تَصَبَّرُوا

فَالصَّابِرُونَ أُجُورُهُمْ لَا تُحْسَبُ

سَنَشِيدُ لِلْإِسْلَامِ صَرْحًا شَامِخًا

بِدِمَائِنَا لَا يُرْتَقَى أَوْ يُنْقَبُ

وَسَيَحْكُمُ الْهَدْيُ الْمُنِيرُ رُبُوعُنَا

يَوْمًا وَيُرْفَعُ عَنْ رُبَانَا الْغَيْهَبُ

❖ ❖ ❖

ص 2957

📚
نهاية هذا المبحث

لقد أتممت قراءة كتاب: يمضي الخيار

يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.

تحميل الكتاب مفردًا