معركة فانظر موقفك منها!

هذا وليس عصرنا بمعزلٍ عن معركة الشبهات التي خاضها القرآن ضِدَّ المنافقين وضعاف الإيمان فكشف زيفها، وفضح أهلها، وأبطل دعواها، وكَبت طغواها، وفنّد حججها، وقطَّع لَجَجها، بل أصبحت اليوم متجددة متولّدةً في صورٍ شتى، ويُسَوَّق لها بوسائل متعددة، وتُنفَّق سلعتها بطرائقَ متنوعة، وتُبثُّ في الناس وتنشر ويبدى فيها ويعاد حتى تثبَّت في النفوس وترسَّخ في القلوب؛ فتصبح من المسلَّمات التي هي عين العقل والحِكمة والرأي -الذي هو قبل شجاعة الشجعان- وتحاط بزخارف الأقاويل، وتُدثَّرُ بالتفخيم والتهاويل، مع أن القرآن قد دحضَ نظائرها مما تعلق به المتعلقون، وللمعاصرين أمثالها.

فالشبهة هي الشبهة روّج لها مَن روَّج ونشرها من نشر، والتثبيط هو التثبيط مارسه مَن مارسه وأداه من أدى، حتى وإن خلصت نيته وصدقت طويته؛ لأن ضرر رواجها عائدٌ على الإسلامِ وأهله ولا بد، فرب مفسدٍ بأفعاله وهو مريدٌ للإصلاح بقلبه.

ولقد كانت آيات القرآن تأتي بتفنيد الشبه وقطع حجج المعتذرين ثم تخلُص إلى أعماق قلوبهم لتظهر الدوافع الحقيقية وراء ما يبثونه وتجلِّيها غاية التجلية حتى ينظر المؤمنون في كل زمان إلى أمثال تلك الأعذار والتعللات بعين الريبة وعدم المبادرة في الاستقبال والقبول، ولا يفتنهم زخرفها أو يسبيهم بهرجها فتقع الكارثة على الدين وأهله، سواء كانت تلك الدوافع القلبية الخفية نفاقًا أو مرضَ قلبٍ، أو ضعف إيمانٍ، أو جبنًا، أو تعلّقًا بالدنيا، أو خوفًا من الموت وحرصًا على الحياة، أو مراعاةً لمنصبٍ وجاهٍ أو غير ذلك مما يستكنُّ في القلوب ولا يعلمه إلا العليم الخبير: ﴿أَلَمۡ يَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ سِرَّهُمۡ وَنَجۡوَىٰهُمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ عَلَّٰمُ ٱلۡغُيُوبِ﴾ [التوبة: 78].

ص 936

فمثلًا تأمل قوله تعالى: ﴿وَيَسۡتَـٔۡذِنُ فَرِيقٞ مِّنۡهُمُ ٱلنَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوۡرَةٞ وَمَا هِيَ بِعَوۡرَةٍۖ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارٗا﴾ [الأحزاب: 13]، كيف ذكروا حجتهم «المقبولة» لينسلوا بها من ساحة المعركة فإذا بالقرآن يفضحهم ويظهر ما وراء زخرف القول من الداء الدفين وهو إرادة الفرار، ليس هذا فحسب بل بين حقيقة حالهم وتذبذب إيمانهم وأنهم: ﴿وَلَوۡ دُخِلَتۡ عَلَيۡهِم مِّنۡ أَقۡطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُواْ ٱلۡفِتۡنَةَ لَأٓتَوۡهَا وَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَآ إِلَّا يَسِيرٗا﴾ [الأحزاب: 14]، ونحو ذلك من الآيات التي تذكر ما يحتج به المحتجون -وغالبًا ما تكون بظاهرها مستحسنةً- ثم يكشف الله عن حقيقة ما يحرّكهم ويدفعهم للتسلل والتخلي عن عبادة الجهاد، كما قال ﷻ: ﴿يُخۡفُونَ فِيٓ أَنفُسِهِم مَّا لَا يُبۡدُونَ لَكَۖ﴾ [آل عمران: 154]، وقال ﷻ: ﴿يَقُولُونَ بِأَفۡوَٰهِهِم مَّا لَيۡسَ فِي قُلُوبِهِمۡۚ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا يَكۡتُمُونَ﴾ [آل عمران: 167]، وقال سبحانه: ﴿يَقُولُونَ بِأَلۡسِنَتِهِم مَّا لَيۡسَ فِي قُلُوبِهِمۡۚ﴾ [الفتح: 11]، فليكن هذا الأمر نصب الأعين، فسبحان من خلق الإنسان ويعلم ما توسوس به نفسه وهو أقرب إليه من حبل الوريد، ونعوذ بالله من حال الذين: ﴿يُخَٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَمَا يَخۡدَعُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمۡ وَمَا يَشۡعُرُونَ﴾ [البقرة: 9].

وانظر إلى الفرق الكبير بين الباحثين عن الأعذار المنقبين عنها ولو كانت أدق من رؤوس الإبر وبين الحريصين على الجهاد البكَّائين لفواته الذين وصفهم الله بقوله: ﴿وَلَا عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوۡكَ لِتَحۡمِلَهُمۡ قُلۡتَ لَآ أَجِدُ مَآ أَحۡمِلُكُمۡ عَلَيۡهِ تَوَلَّواْ وَّأَعۡيُنُهُمۡ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمۡعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ﴾ [التوبة: 92]، هذا مع أنهم مشاركين للنافرين في أجرهم رغم قعودهم بسبب عذرهم كما قال النبي ﷺ: (إن بالمدينة أقوامًا ما سرتم مسيرًا ولا أنفقتم من نفقة ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم فيه، قالوا: يا رسول الله وهم بالمدينة، قال: وهم بالمدينة حبسهم العذر)١٬٦٤٥رواه [بألفاظ قريبة] البخاري [٢٨٣٩] ومسلم [١٩١١]..

وقد بين الله ﷻ حال الفريقين؛ الحريصين على الجهاد الجادِّين في القيام به وغيرهم ممن يفتش لنفسه عن أي شيءٍ يتعلَّق به كي لا ينفر إلى ساحاته فقال ﷻ: ﴿لَا يَسۡتَـٔۡذِنُكَ ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ أَن يُجَٰهِدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلۡمُتَّقِينَ ٤٤ إِنَّمَا يَسۡتَـٔۡذِنُكَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَٱرۡتَابَتۡ قُلُوبُهُمۡ فَهُمۡ فِي رَيۡبِهِمۡ يَتَرَدَّدُونَ﴾ [التوبة: 44-45].

ص 937

قال الإمام ابن جرير رحمه الله: «وهذا إعلامٌ من الله ﷻ لنبيَّه ﷺ سِيمَا المنافقين؛ أن من علاماتهم التي يُعرفون بها تخلُّفهم عن الجهاد في سبيل الله، باستئذانهم رسول الله ﷺ في تركهم الخروجَ معه إذا استنفروا بالمعاذير الكاذبة»١٬٦٤٦[تفسير الطبري: (14/274)]..

ولا أقصد بذلك أن نجعل كل ما يقال عن المجاهدين مدعاةً للطعن في نيات الأشخاص وتكلُّف معرفة الغيوب، فليس هذا من شأننا ولا نحن بطالبين له أو مطالبين به، وإنما علينا أن نضع تلك الشبهات التي تدعو إلى الكفِّ عن الجهاد وتقيم العقبات تلو العقبات لمنع النفير إلى ساحاته في دائرة «التهمة» والتشكيك والحذر ليضعُف أو يبطل أثرها اتباعًا لمسلك القرآن الكريم في رد تلك الشبه التي صاحبت الغزوات ولاصقت مسيرة الجهاد زمَنَ النبي ﷺ، حيث ظهر أن أغلب -إن لم يكن كل- تلك المتعلقات التي تشبَّث بها مَن أراد التنصل عن الجهاد كان دافعها داءً مكنونًا ومرضًا دفينًا وسقمًا غائرًا وليس هو النصح للحق، ولا الحرص على أهله، ولا طلب الأصلح لهم، ولا الخبرة بالعواقب ﴿لَوۡ نَعۡلَمُ قِتَالٗا لَّٱتَّبَعۡنَٰكُمۡۗ﴾ [آل عمران: 167]؛ فلا يُبهَر المرء بزينة ما يُقدّم له من الاحتجاجات والمسوِّغات مهما كانت رائقةً تَسُرُّ الناظرين.

❖ ❖ ❖

ص 938