فلسطين؛ تقعيد الفقهاء لا تعقيد الساسة
[مجلة طلائع خراسان، العدد الثاني عشر
شعبان 1429 هـ / 8 - 2008م]
۞
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، وبعد...
فلا أحسب أن هناك قضية من قضايا العصر قد حظيت بالاهتمام والتركيز والاعتناء الذي نالته القضية الفلسطينية، وعلى جميع مستوياتها السياسية والعسكرية والإعلامية وغيرها، بل لن نكون مبالغين إن قلنا: إنها محور قضايا العصر التي تدور حولها بقية القضايا، فهي التي لا توجد دولة من الدول العربية أو الغربية -صغرت أم كبرت، قربت أم بعدت- إلا وَسَعت لأن يكون لها ارتباط ما وعلى أي شكل بها، وأن تتخذ لها نهجًا يعبر عن موقفها تجاهها، وما من محفل من المحافل الإقليمية أو الدولية إلا وكان ملف هذه القضية على رأس اهتماماتها وأول أولوياتها -إما زعمًا أو حقيقةً- يخفت ذلك حينًا وينشط أحيانًا إلا أنه لا يُلقى في أرشيف النسيان ويطوى طيًا تامًا.
فلما كانت الأطراف التي تتصل بهذه القضية بهذا التعدد والتنوع، من حيث الانتماءات، والبواعث، والسياسات، والخلفيات، والممارسات، والمواقف كان حتميًا أن يجتهد كلٌ منها في تجلية نوعية العلاقة التي تشده إليها، ومن ذلك إثبات أحقيته بها، وسيستميت من أجل برهنة شرعيته فيها، وسيكون مستعدًا لتحقيق ذلك بكل الوسائل مستغلًا جميع الإمكانات التي تترجم عمليًا ما يذهب إليه، وبسبب هذه النزعات التعددية في المنطلقات:
أولًا: كيفية التعامل.
ثانيًا: نتج كمٌّ هائل من التفريعات والتحريفات والملابسات التي لها ارتباط مباشر بأصل القضية ولا يقف تولدها عند حد.
ولذا فمن ضروب العجب أن مسألة فلسطين مع بساطتها من جهة التصور الإسلامي والتوصيف الشرعي حيث يمكن صياغتها في عبارة واضحة تتداولها كل المراجع الإسلامية والتي تتلخص في: «أرض إسلامية دهمها الكفار فيجب طردهم منها»٢٬٧٣٤في «2/11/1917م» وجه بلفور، بوصفه وزيرًا للخارجية البريطانية كتابًا إلى روتشيلد، رئيس الاتحاد الصهيوني البريطاني هذا نصه: «إن حكومة صاحبة الجلالة، تنظر بعطف إلى إنشاء وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وتبذل خير مساعيها لتسهيل تحقيق هذا الغرض، لكن لن نفعل أي شيء يمس الحقوق المدنية والدينية للجماعات غير اليهودية المقيمة الآن في فلسطين، ولا الحقوق أو المركز السياسي التي يتمتع بها اليهود في أي بلد آخر»، وهو المعروف بوعد بلفور، وقد أُدخل هذا التصريح في صلب صك الانتداب البريطاني على فلسطين، وفي دستور فلسطين، وكان أساس السياسة البريطانية التي ساعدت على قيام إسرائيل، «بتصرف يسير من الموسوعة العربية الشاملة للمعلومات»، ولهذا فإن حكومات بريطانيا المتعاقبة مسؤولة مسؤولية مباشرة عن كل ما جرى ويجري على أرض فلسطين منذ زرع بذرة بني صهيون الخبيثة على أرضها -بل وقبل ذلك- وإلى يومنا هذا، وهي شريكة شراكة تامة في سائر الجرائم التي تقترفها عصابات الإجرام اليهودية، فلولاها لما كان للكيان الصهيوني وجود، وبمباركتها وتحت رعايتها وبدعمها استمرت عمليات الإبادة الجماعية للفلسطينيين، وتهجير الملايين وأسر الآلاف منهم، وتجريف قراهم، فعليهاإذن أن تدفع نفس الضريبة التي يدفعها اليهود في فلسطين ولا يبرئها أو يعفيها من ذلك تباعد الديار وتلون السياسات والمجاملات الباهتة التي تتذرع بها أحيانًا فالردء والمباشر في الحرب سواء، فكيف إذا كان هذا الردء يمد صاحبه مدًا لا ينقطع بالمال والرأي والسياسات وكل أوجه الدعم، فعلى عاصمة الضباب أن تحصد ما زرعته أيدي ساستها جزاءً وفاقًا.، -ومثل هذا الموطن مما اتفق العلماء على تعين «الجهاد» فيه-، ورغم ذلك كله أصبحت في أذهان الكثير من المسلمين قضية معقدة الفهم، متشعبة المسالك، عسيرة الإدراك، ذات تداخلات تضل في محاولة استيعابها الأفهام وتحار للإحاطة بمضامينها العقول، ومن ثم تبلدت تجاهها المشاعر، وفترت الهمم، وضربت عنها صفحًا.. وما ذلك إلا نتاج الدس الخفي ومكر الليل الذي يتولى غسيل الأذهان من خلال السيل الإعلامي الجارف الذي ينطلق عبر الوسائل المختلفة والتي تتخذ سياسة: «اكذب، اكذب، اكذب، حتى يصدقك الناس» فخَدَّت لهذه القضية أخاديد ونصبت سككًا لا يكاد الشيخ المفتي ولا السياسي المحلل، ولا الصحفي الكاتب، ولا الخطيب المفوه يخرج عنها أو ينجو من مجراها؛ بل لا يخطر بباله أصلًا مخالفة المسلك الذي يسير عليه تجاهها ومصادمته لبدهيات التصور الصحيح في التعامل مع هذه القضية، فهي أمور ورثها اللاحق عن السابق ووجدها المتأخر مذللة مسلمة جرى عليها «الاصطلاح» وألفتها الأسماع واعتادتها النفوس، وازداد الأمر انحرافًا وخطورة حيث أصبح الكثيرون ممن انساقوا وراء هذا التيار وتقيدوا بهذا السبيل يقفون موقف المعارض المنتقد، وربما المشنِّع المجدِّع على من يحاول تصحيح المفاهيم وإرجاعها إلى أصلها الصحيح ولا حول ولا قوة إلا بالله؛ فأصل القضية ولبها والذي منه المنطلق لتقديم التقويم السليم؛ علينا أن ندرك جيدًا أننا كمسلمين -وحسب الفهم الإسلامي الصحيح- لا نهتم كثيرًا بالنزعة القومية والملكية الأسبقية والتنقيبات التاريخية التي يدندن حولها اليهود الغاصبون، والتي يريدون من ورائها إثبات أنهم هم ملاَّك الأرض الأصليون، ومن ثم يخلصون إلى نتيجة مفادها: أن أخذهم لفلسطين وطرد شعبها المسلم منها لا يخرج عن دائرة إرجاع المالك لملكه بعد طول زمن.
ولهذا فليس صحيحًا أن ننساق وراء هذا التأصيل والتضليل «اليهودي»، ولا أن نجعل تصويرنا للقضية وتحديدنا لحقيقة المشكلة منبثقًا ونابعًا منه، فكم استهلكت المساجلات والمجادلات والبحث عن شهادة التاريخ حول تصحيح أو تزييف هذه الحقيقة من الوقت دون أدنى جدوى، بل كم أنتجت من مفاهيم مستحدثة زائفة رخيصة لا تمت إلى المنطلق الإسلامي الشرعي بأدنى صلة، إذ كانت من أهم أسباب وضع القضية في قالب القومية العربية ثم تعزيز هذا المفهوم وتقويته، والذي رفعت شعاره ولبست دثاره الأنظمة العميلة وألهبت به حماسة الجماهير المسلمة وخدرتهم بأمانيها وأكاذيبها، ومن ثَمَّ أسقطت عنها الراية الإسلامية وسلخت القضية من المفهوم العقدي الإسلامي الأصيل سلخًا تامًا، ومسخته مسخًا مشينًا، وأصبح الوصاة عليها والآخذون بزمام أمورها أناسًا فاقوا اليهود في إجرامهم ونذالتهم وخياناتهم، وهذا من أعظم الجناية على فلسطين وأهلها، وأكبر عطية وهدية قدمت للصهاينة المحتلين لدعم وإنجاح واستمرار مشروعهم الاحتلالي الكبير.
ثم لم يقف سوء الأمر عند حد تطويقها بالسياج القومي العربي، والذي أصبحت معه باقي الشعوب الإسلامية تلقائيًا بمعزل عن القضية الفلسطينية «العربية»، بل توالى تحجيم هذه المسألة في تتابع مستمر تنأى معه شعوب عالمنا الإسلامي الكبير شيئًا فشيئًا حتى تقلصت؛ لتصبح فيما بعد قضية الفلسطينيين وحدهم لينفرد اليهود بهم تنكيلًا وتقتيلًا وتدميرًا واجتياحات مدمرة واعتقالات شاملة وليكون حظهم بعد ذلك من الحكومات العربية العميلة «التطوع السياسي» لدعم الفلسطينيين، بعد أن أخذ هذا المسلك الاستخزائي المقزز اسم «الصراع العربي الإسرائيلي».
وفوق ذلك لم يكن هذا التقليص المتواصل لهذه القضية الإسلامية الخطرة هو آخر المطاف ونهاية المؤامرة؛ بل تتابعت خطته فصلًا، فصلًا، حتى أصبحت «منظمة التحرير الفلسطينية» العلمانية هي الممثل الوحيد للشعب الفلسطيني، والتي تعني باختصار: شخص الهالك ياسر عرفات، ثم من بعده البهائي الأحقر محمود عباس، وأرغمت أغلب الفصائل الفلسطينية على الاصطفاف خلف المنظمة الشرعية الوحيدة الممثِلة لشعب فلسطين٢٬٧٣٥من أكبر المزالق التي وقعت فيها بعض الحركات الإسلامية في فلسطين هو حرصها على الاعتراف الدولي بها، وتطوافها في العواصم الدولية لاستجلاب ذلك الاعتراف وإسباغ الشرعية على مطلبهم «العادل» المتمثل في إقامة دولة فلسطينية لا تساوي شبرًا في شبر، والتي في حقيقتها وفحواها ولاية تابعة للدولة العبرية ليس لها من الاستقلال سوى العنوان الممسوخ.
فإن أعظم ما يطمح إليه الغربيون وعلى رأسهم أمريكا ومن يلف في فلكها هو إقرار الجميع -تصريحًا أو تلميحًا- بأن المدخل «الشرعي» الوحيد لحل القضية إنما هو عبر الشرعية الدولية أو محافل المجتمع الدولي ونحو ذلك، وأن ما سوى هذا المدخل يعد شيئًا خارجًا عن القانون يؤخذ عليه بالنواصي والأقدام، وعليه فهو تقديم القضية الفلسطينية بأيدينا وعلى إناء من ذهب إلى الذئاب الفاتكة لتمزقها بمخالبها وأنيابها ولسان حالنا -على أفضل الأحوال- يقول لهم: «على رسلكم إنما قدمناها لكم لتمتعوا بها أنظاركم وتقلبوا أفكاركم لا لتملئوا بها بطونكم!!»،
ولست أدري أين ذهبت عقول هؤلاء وكيف طُوعت ومُيعت إلى هذا الحد حيث يقرون بأفواههم بأن «المجتمع الدولي» منحازًا انحيازًا تامًا إلى الكيان الصهيوني، وأنه يتعامل بالازدواجية مع الأطراف المعنية، وفي نفس الوقت يركضون نحوه ويترقبون نظرة حانية وميلة عاطفة منه ليحل لهم مشكلتهم؛ فسبحان الله.، وهي بإيجاز: الذراع الممتد في العمق الفلسطيني والمتولي تنفيذ مهام «اللجنة الرباعية» والتي ما تأسست إلا لأجل تقرير وتثبيت الوجود اليهودي حيث تفرض شروطها بكل جلاء على كل من دخل مجلبة الصراع السياسي مع بني صهيون وهي: «الاعتراف بإسرائيل كدولة، نبذ العنف والإرهاب، الالتزام بالاتفاقات الموقعة معهم».
فرجع الأمر إلى اليهود مرة أخرى فأصبحت جميع حبال المؤامرة في اليد اليهودية تحرك هذا تارة وتوقفه أخرى وتهز ذاك حينًا وتسكنه حينًا والجميع بعد هذا يترقب «تحرير فلسطين» عن طريق هذه المسالك المعوجة فما حالهم وحال اليهود إلا كما قيل: «فيك الخصام وأنت الخصم والحكم»، فيا للعجب!
إذن فكل الشبهات التي أثيرت وتثار حول القضية الفلسطينية في جوانبها المتعددة مرجعها إلى عدم التحرر الفكري من التصورات الزائفة التي داخلتها ومازجتها والتي تتطور مرة بعد مرة بحسب ما تقتضيه ويتطلبه المشروع الصهيوني في المنطقة حتى تصبح في الأذهان حقيقة مسلمة ومنهجًا جاريًا مقبولًا.
إلا أن رأس تلك المنطلقات المنحرفة هو الانجرار وراء البحث عن الإثباتات التاريخية التي تنقب عمن كانت له الأسبقية في سكنى وتملك الأرض المقدسة وما حولها.
وللعودة بالقضية إلى موطنها الطبيعي من حيث الفهم أولًا، والتعامل السليم ثانيًا؛ فيجب أن يكون تأصيلنا الشرعي الفقهي لها واضحًا محددًا بحيث يضعها في موطنها الصحيح كغيرها من القضايا الإسلامية المعاصرة المشابهة -وما أكثرها- وأن نستقل في ذلك التأصيل استقلالًا كاملًا منبعثًا من خضوعنا للدليل الشرعي مقيدًا بالقواعد المنضبطة في فهمه بعيدًا عن المؤثرات التاريخية والسياسية والإعلامية التي تستدرجنا نحو نتيجة منحرفة خطرة ليس لها في الأحكام الفقهية نصيب؛ إلا أن يكون الوصفَ بالخيانة والخور وتضييع الأمانة والرضى بالدون والهون.
فكلنا يعلم أن الخطاب العلماني العربي طوال سني الصراع العربي الإسرائيلي ظل يردد أطروحة ممجوجة تقول إن العرب اليبوسيين هم أول من سكن «أورشليم» أو «أورسالم» قبل مجيء بني إسرائيل إليها، ولهذا فهم أصحاب الحق التاريخي فيها! وهذا منطق يمكِّن لليهود أنفسهم الآن أن يدعوا أحقيتهم بمصر التي عاشوا فيها قبل الفتح العربي الإسلامي، ويمكن للنصارى الأقباط من باب أَوْلى أن يدَّعوا هذا الحق التاريخي فيها كلها، ويمكن للطوائف والأقليات العرقية القديمة في كل موطن أن يدعوا حقا تاريخيا في كل أرض سبقوا إليها.
إن الحقيقة التي ندين بها: أن الحق في وراثة الأرض المقدسة، بل في الأرض كلها يرجع إلى الثبات على الدين والدخول في ركب المؤمنين، كما قال ﷻ: ﴿وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَيَسۡتَخۡلِفَنَّهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ كَمَا ٱسۡتَخۡلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ﴾ [النور: 55]، ﴿إِنَّ ٱلۡأَرۡضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦۖ وَٱلۡعَٰقِبَةُ لِلۡمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: 128]، ﴿أَنَّ ٱلۡأَرۡضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ ٱلصَّٰلِحُونَ﴾ [الأنبياء: 105].
اليهود وفلسطين:
هذا ولئن فرضنا جدلًا أن الاعتماد على الحقائق التاريخية ربما يكون مجديًا مع بعض الطوائف الكافرة فإن اليهود قطعًا ليسوا من هؤلاء، فهم-لعنهم الله- قومٌ بهت يكابرون ويصرون على إنكار الحقائق القطعية التي لا امتراء فيها؛ فوالله لو أن نبي الله داود وقبله موسى عليهما الصلاة والسلام، بل وأحبار بني إسرائيل كلهم قاموا من قبورهم وعاينهم اليهود بأنفسهم معاينة لا غبش معها، وشهدوا عندهم شهادة عقلوها واستيقنوها بأن ملاك الأرض الأصليين لها هم العرب، وأن اليهود لا حق لهم في تملك الأرض المقدسة لقال اليهود عندها: «هذا سحر مبين»، ولأنكروا ذلك وتنكروا لشهادتهم وردوا القول على قائليه.
فليست هذه هي المرة الأولى التي تغلَّب فيها الكفرة على فلسطين وارتكبوا جرائمهم التي بقي ذكرها شاهدًا تاريخيًا على شدة العداوة التي يخرجونها صريحة كلما سنحت لهم الفرص وتهيأ الظرف، ففي عام «492هـ» دخل الصليبيون المسجد الأقصى وذبحوا في ساحته أكثر من سبعين ألفًا من المسلمين، وبقي المسلمون في محنتهم واستمر أنين المسجد الأقصى وشكواه من قرع النواقيس؛ حتى سخَّر الله له بطلًا من أبطال الإسلام فنفر إليه بهمة الرجال وعزيمة الأبطال، وبدافع الشعور بالواجب الشرعي، وهو القائد المظفر صلاح الدين رحمه الله فأعاد فتحه عام «583هـ»، ولم يضيع عمره في الركض وراء المحافل الدولية، ولا حاول أن يهون وطأة عدوه بسلخ القضية من إسلاميتها ليجعلها عربية أو أرضية محضة، بل جيَّش وحشد وحرض حتى عرف المسلمون واجبهم، وأدركوا سر نجاحهم وباب نصرهم وهو الجهاد في سبيل الله؛ فخاضوا غمار الحرب غير هيابين، براية صافية وأهداف محددة، فما لبث أن انهزم عدوهم واندحر وانكسر؛ فاستقام الأمر ورجعت مآذن المسجد الأقصى لنداء التوحيد والإيمان بعد أن أرهقتها دقات نواقيس الصلبان.
فببساطة هذا هو المدخل والمخرج لحل قضية فلسطين وتحرير أرضها وعتق شعبها من ربقة التسلط اليهودي، وإلا فسنبقى مرهقين في دائرة مغلقة مطبقة لا منفذ لها ولا منقذ منها، والوحوش اليهودية تقضم أرضنا شيئًا فشيئًا، وستستمر «الشرعية الدولية» ومؤسساتها ومنظماتها كلها تعد وتمني، وتغري وترغِّب، لتميت الحماسة، وتقتل الغيرة، وتئد الحمية، وتنأى بنا بعيدا عن تصورنا للقضية تصورا صحيحا وتوصيفنا لها توصيفا دقيقا وحكمنا عليها حكمًا شرعيًّا صريحًا، لا نحتاج معه إلى مهاتراتهم ولا إرشاداتهم وتضليلاتهم التي أدخلتنا في أنفاق مظلمة من الألفاظ الغريبة والمفاهيم المحرفة والتصورات المضللة والسياسات المتلاعبة والقرارات المجحفة نسينا معها حقيقة قضيتنا، وصارت القضية قضيتين:
الأولى: إرجاعها إلى المفهوم الإسلامي الخالص وغرسه في قلوب المسلمين وترسيخه في نفوسهم، وإزالة كل التراكمات التي أحدثتها سنون متوالية من التضليل المستمر، مع أنها في أصلها مسألة واضحة محسومة يدركها العامي والعالم.
والثانية: السعي الجاد العملي في رفع راية الجهاد النقية بالمفهوم الصحيح؛ حتى ترجع فلسطين كما يريدها الشرع الإسلامي لا كما تقدمها الشرعية الدولية، وهذا مما يؤكد لنا أن سلوك أي طريق لإعادة فلسطين أو أية أرض إسلامية محتلة بمسلك سوى القتال براية شرعية صافية مما يزيد الأمور تعقيدًا والعدو تمكينًا والقضية تطويلًا، وما حال من ارتأى أن إعادة فلسطين عبر الشرعية الدولية أو الصناديق الانتخابية إلا كمن شرب الخمر فظمأ بسببها؛ فأصبح يكثر من شربها ليقتل ظمأه فلا تزيده إلا عطشًا، فكلما ظن أتباع الشرعية الدولية أنهم اقتربوا من نيل شيء مما مُنُّوا به ازداد طمعهم فتضاعف تمسكهم بهذه الشرعية فزادتهم من إملاءاتها وقراراتها وهكذا دواليك.
فمن حسب أنه سيعيد شبرًا واحدًا من فلسطين عبر هذه «الشرعية»؛ فهو إما خادع لئيم أو مخدوع أبله، ومن كان هذا حاله لا يصلح أن يكون جنديًا في صفوف المجاهدين المخلصين فضلًا عن أن يتصدر لقيادتهم ويُسلَم له مصيرهم ويتولى شؤونهم ويؤتمن على قضية أمة بأكملها فاعتبروا يا أولي الألباب.
قال ﷻ: ﴿ٱنفِرُواْ خِفَافٗا وَثِقَالٗا وَجَٰهِدُواْ بِأَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ﴾ [التوبة: 41].
❖ ❖ ❖
لقد أتممت قراءة كتاب: فلسطين؛ تقعيد الفقهاء لا تعقيد الساسة
يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.
تحميل الكتاب مفردًا