[نص رسالة الشيخ أبي يحيى]
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أبعث إليك رسالتي هذه راجيًا من المولى ﷻ أن تصلك وأنت في خير حالٍ في دينك الذي هو عصمة أمرك، ودنياك التي فيها معاشك، في ازدياد من الطاعة والقربات، وابتعادٍ عن المعاصي والموبقات، يراك الله حيث يحب، ولا يراك حيث يسخط، سائلا المولى ﷻ أن يشرح صدورنا للحق ويذلل قلوبنا لاتباعه، ويجنبنا وإياكم مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن ويعيذنا من عبادته باتِّباعِ الظنِّ وما تهوى الأنفس، إذ لا شيء أهلك للمرء من الانقياد لهواه والاستسلام لدواعي النفس والانعزال عن وازع العلم الصحيح والورع الصادق.
كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرٗا لَّيُضِلُّونَ بِأَهۡوَآئِهِم بِغَيۡرِ عِلۡمٍۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُعۡتَدِينَ﴾ [الأنعام: 119]، ونعوذ بالله من سلوك سبيل مَن قال الله فيهم: ﴿فَإِن لَّمۡ يَسۡتَجِيبُواْ لَكَ فَٱعۡلَمۡ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهۡوَآءَهُمۡۚ وَمَنۡ أَضَلُّ مِمَّنِ ٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ بِغَيۡرِ هُدٗى مِّنَ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [القصص: 50].
أخي المكرَّم: أبعث إليك هذه الرسالة -وهي رسالتي الأولى إليكم- راجيًا أن تقع منكم الموقع الحسن، وأن تجد منكم كل قبولٍ وإصغاء، فلن أكون بإذن الله تعالى غاشًا لكم ولا لأحدٍ من المسلمين ولا المجاهدين، وإنما هي زكاةُ علمٍ نؤديها لست فيها إلا ناصحًا مذكِّرًا، لا أريد من وراء ذلك جزاء ولا شكورًا، فهي رسالةٌ أخصكم بها لا يدفعني إلى كتابتها إلا طلب إحقاق الحقِّ الذي نزعم جميعًا أننا نسعى لإقامته ونشره والقتال دونه٣٬٧٥١[قال الأخ أبو عامر الناجي: إذن فهي نصيحة كذلك لأهل العلم بأن يؤدوا زكاة علمهم بإبداء النصح للأمراء، وعدم السكوت على المنكرات والمخالفات، فلا يمنعه من النصيحة أن يكون المنصوح أميرا له في نفس الجماعة، كما لا يمنعه أن يكون هو مستقلا لا ينتمي لجماعة المنصوح، فإن الدين النصيحة، وهكذا رأينا دأب علماء الجهاد، فبين يدي بالإضافة إلى هذه الرسالة العديد من الرسائل التي كتبت بغرض النصيحة والإنكار على عدد من قيادات الجهاد في شتى البقاع]..
ولتعلم -أخي المكرم- أننا لسنا من أهل العصبية المقيتة، ولا القوميات المنتنة، ولا التحزبات الضيقة الذين يوالون لأجل جماعتهم ويعادون عليها، فإننا نعلم أن هذه الجماعات إما أن تكون عونًا للمرء على طاعة الله، وإما أن تكون وبالًا عليه تبعده عن الحق وتعميه عن الهدى وتغرقه في العمى وتجعله «على غير شيءٍ»، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمۡ وَكَانُواْ شِيَعٗا لَّسۡتَ مِنۡهُمۡ فِي شَيۡءٍۚ إِنَّمَآ أَمۡرُهُمۡ إِلَى ٱللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفۡعَلُونَ﴾ [الأنعام: 159].
أقول هذا؛ حتى لا ينفث الشيطان في روعكم أنني أكتب كلماتي هذه بناءً على دافعٍ حزبي أو انطلاقًا من انتماءٍ إلى جماعةٍ أو تنظيمٍ أو حركةٍ أنتصر لها وأتعصبُ لمنهجها بل إننا ننشد الحقَّ حيثما كان ولا نبالي من أين أتانا ولا من أرشدنا إليه سواء كان من جماعتنا أم من غيرها، وسواء كان مجاهدًا أم قاعدًا، وسواء كان موافقًا أم مخالفًا، ما دام ما ينطق به هو الحقَّ الحقيقَ بالاتباع، فالحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها فهو أحق بها.