حرب المصطلحات
[مجهول التاريخ، ويُحتمل أنه في عام 1428 هـ / 2007م]
۞
من الخطأ تصور انحصار المعارك والحروب بيننا وبين أعدائنا في ساحات القتال ومواطن النزال وحدها، وإن كانت هذه الصورة مدرَكة يستشعرها كل مسلم، كما أنها تعد أبرز صور التعبير عن العداوة بين المؤمنين والكافرين، ولهذا كان الجهاد ذروة سنام الإسلام، لأنه يعبر تعبيرًا حقيقيًا واقعيًا صريحًا عن أوثق عرى الإيمان بشقيه؛ الحب في الله والبغض في الله، بحيث لا يبقى مجال للشك في صدق ولاء المجاهد لله ولحزبه المؤمنين، كما لا تتقبل العقول أن يكون في قلبه مثقال ذرة من حب أو ميل للكافرين.
فأقوى صور التعبير عن الحب والموالاة؛ هي أن يقدم الحبيب دمه ونفسه وماله ويسترخص كل غال طمعا في نيل رضا محبوبه، وتعبيرا عن شوقه إليه، فالجود بالنفس أقصى غاية الجود، وفي المقابل فإن أنصع صور الترجمة العملية عن العداوة والبراءة من الأعداء؛ هي تقديم المهج والأموال من أجل دفعهم وكسر شوكتهم واستباحة دمائهم وأموالهم، ولهذا قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ثُمَّ لَمۡ يَرۡتَابُواْ وَجَٰهَدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلصَّٰدِقُونَ﴾ [الحجرات: 15].
وأعداء الإسلام -وهم يخوضون حربهم ضد هذا الدين وأصحابه- لا يدعون فجا يمكن أن ينالوا به من الإسلام وأهله إلا وسلكوه، ولا تتهيأ لهم فرصة سانحة إلا وظفوها ورعوها حق رعايتها، لتكون لهم سندا وركنا يؤوون إليه ويعتمدون عليه في حربهم الكبرى التي يريدون بها استئصال شأفة الحق، كما قال تعالى مخبرا عنهم تتبعهم الصعب والذلول وارتكاب المستحيل لأجل ذلك: ﴿يُرِيدُونَ أَن يُطۡفِـُٔواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَيَأۡبَى ٱللَّهُ إِلَّآ أَن يُتِمَّ نُورَهُۥ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡكَٰفِرُونَ﴾ [التوبة: 32].
وهذا أمر كما يقرره القرآن الكريم تقريرا وافيا ويبينه بيانا شافيا ويعرِّف فيه المؤمنين حقيقة أعدائهم، فإن تاريخ الصراع الطويل الممتد عبر أقاصي القرون؛ يبرهن ذلك ويؤكده، كما أن الواقع المشاهد والحياة اليومية بأحداثها المتجددة ووقائعها المتنوعة؛ تدعم هذه الحقائق وتساندها مساندة تصيِّرها حق اليقين بل عينه.
ومن بين هذه الأساليب المتبعة -والتي لا تكاد تنفك عن سبيل من سبل سعيهم المتنوع والمتعدد- أسلوب يمكن أن نسميه بـ «حرب المصطلحات».
والمقصود به؛ أن يعمد أعداء الله إلى أمر من أمور الإسلام ذات الحقائق المحددة والمسميات المبينة والأسماء المنضبطة، فيضعون لها اسما مزيفا منفرا، يقلب صورة حقيقتها في الأذهان، ويصيرها مطبوعة بطابع تشمئز منه النفوس، وتنفر لدى سماعه القلوب، أو أن يقصدوا شيئا من القبائح التي نهى الشارع عنها ومقَتَها وبين حكمها ونَفر وحذر منها، وأظهر مضارها ومفاسدها؛ فيخترعون لها مصطلحًا جذابًا متألقًا، يزينونها به ويرغبون فيها بواسطته، لتدنو منه النفوس خطوة خطوة، وتستأنس به الأفئدة وتألفه، وتميل نحوه القلوب وتقل درجة النفرة بينها وبين تلك القبائح شيئا فشيئا، حتى تتلاشى، فيسهل على النفس بعدها اقتحامها والعب منها دون شعور بالحرج، بل تستطيبها مع الأيام وتطمئن لها لطول الإلف وتوثق الصلة.
وهذا الأسلوب بشقيه -تحسين القبيح، وتقبيح الحسن- اعتمادًا على المصطلحات المخترعة؛ يعد من الأساليب الخطيرة التي رافقت أعداء الله تعالى عبر مسيرتهم الطويلة في صراعهم مع الحق، فلم يكد ينفك عنه زمن من الأزمنة، أو تهمله طائفة من الطوائف المشاقة للحق.
وهو نهج إن لم يتنبه له المسلمون ويعوا خطورته ويدركوا عواقبه؛ فإنه سيؤدي حتما إلى قلب كثير من الحقائق الشرعية في أذهانهم ومن ثَم في واقعهم، وسينقلب من ورائه الحق باطلا والباطل حقا، والمنكر معروفًا والمعروف منكرًا، والمصلح مفسدًا والمفسد مصلحًا، وسيقود إلى فتح أبواب عريضة من الشر المستطير، وكلما استمرت الأيام ازداد شرها وظهر أثرها وتضاعف تأثيرها، وعسر إغلاقها وعلاجها، إلا بجهد متواصل وعمل دؤوب مضاعف، لا سيما مع تكفل وسائل الإعلام المتنوعة ذات الصيت العالي؛ بالقيام بهذه المهمة والتي يقوم كثير منها أو معظمها على حرب الله ورسوله.
إن «حرب المصطلحات» -بالمعنى الذي أردناه وبيناه- أسلوب إبليسي قديم، أسسه عدو الإنسان اللدود، ووضع لبنته من أول معصية دعا إليها ورغب فيها، والتي أغوى بها نبي الله آدم عليه السلام وهو في الجنة حتى أُخرج منها، ولم يزل أتباعه وأولياؤه وحزبه يقفون أثره، ويهتدون بهديه، ويسلكون سبيله، لشعورهم بمدى أهمية هذا الأسلوب، ولمعاينتهم لنجاحه في كثير من الأحيان، ولهذا لم ينقطع اهتمامهم به، وعنايتهم بطرقه، وحرصهم الشديد على تطويره وإقحامه في جزئيات حربهم لأهل الحق في كل زمن، كما هو محكي عنهم في القصص القرآني، ومروي في سيرتهم على مدى عصور التاريخ، وكما هو مشاهد اليوم من خلال ما تقوم به وسائل الإعلام بأنواعها كافة.
قص الله ﷻ علينا ما جرى لآدم عليه السلام في الجنة، وكيف أغواه الشيطان، وقاده إلى معصية ربه، فأكل من الشجرة التي نهاه عن الاقتراب والأكل منها، فكان مما جاء في القصة بيان ما خاطب به إبليس -لعنه الله- آدمَ وزوجه حتى جعلهما يأكلان من تلك الشجرة المنهي عنها، والتي حذرهما ربهما من اقترابها، فقال الله ﷻ حاكيًا لنا ما قاله إبليس اللعين: ﴿فَوَسۡوَسَ إِلَيۡهِ ٱلشَّيۡطَٰنُ قَالَ يَٰٓـَٔادَمُ هَلۡ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلۡخُلۡدِ وَمُلۡكٖ لَّا يَبۡلَىٰ﴾ [طه: 120]، وقال في آية أخرى: ﴿وَقَالَ مَا نَهَىٰكُمَا رَبُّكُمَا عَنۡ هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلَّآ أَن تَكُونَا مَلَكَيۡنِ أَوۡ تَكُونَا مِنَ ٱلۡخَٰلِدِينَ وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّٰصِحِينَ﴾ [الأعراف: 20-21].
فإبليس عندما أراد أن يجر آدم عليه السلام إلى المعصية -وهي الأكل من الشجرة- أول ما قام به إضفاء الاسم الحسن الجذاب المغري على تلك الشجرة، فسماها «شجرة الخلد»، وفرَّع على ذلك حصولهما -بعد الأكل منها-؛ على ملك لا يبلى أي لا يزول ولا ينقطع، بل فوق ذلك يعترف أمامهما بأن الله قد نهاهما عن الأكل من هذه الشجرة: ﴿مَا نَهَىٰكُمَا رَبُّكُمَا عَنۡ هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ﴾ [الأعراف: 20]، ولكنه يضفي على هذا النهي عبارات خلابة ليستميل بها آدم وزوجه، ويبعث في النفس أماني فطر الإنسان على حبها والتعلق بها -وهي حب الملك وطلب الخلود- فخلع على المعصية هذه الخلعة، ونمقها بتلك النعوت المغرية، وزعم لهما أن عاقبة الأكل من الشجرة ﴿أَن تَكُونَا مَلَكَيۡنِ أَوۡ تَكُونَا مِنَ ٱلۡخَٰلِدِينَ﴾ [الأعراف: 20]، وأضاف إلى هذا التزيين والتزييف أن ﴿وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّٰصِحِينَ﴾ [الأعراف: 21].
فهذه هي أول سبيل سلكها إبليس -وهو المتمرس في الإغواء المختص به- للإيقاع في المعاصي، حيث تقمص لأجلها ثوب الناصح الصادق المشفق، وارتدى ثوب مريد الخير الحريص على إيصاله لآدم أو إيصال آدم إليه، وأفلح اللعين «بقلب الأسماء» وتغيير الصفات في أن أوقع آدم وزوجه فيما نهاهما الله عنه وحذرهما منه، وعلمنا ما ترتب على ذلك من إخراج آدم وزوجه من الجنة بعد أن تاب الله عليهما وإنزالهما إلى الأرض.
وإذ رأينا عاقبة هذا الأسلوب «الإبليسي» وعلمنا أنه أول ما استخدم للإغواء والإغراء والإيقاع في المعاصي؛ أدركنا خطره ولزمنا التنبه إليه، والحرص على معرفته ومعرفة مروجيه؛ لتُسد أمامه الأبواب.
ثم لم يزل هذا الأسلوب الإبليسي يتلقفه أتباعه جيلا بعد جيل، ويسلمه سلفهم لخلفهم فتشابهت عليه قلوبهم، وسارت به سيرتهم، وتواطأت أقدامهم، فلم يرتضوا التفريط فيه أو الغفلة عنه وإهماله.
فهذا فرعون -وهو إمام من أئمة الكفر، ومارد من مارديه- رغم جبروته وطغيانه واستكباره وعلوه في الأرض وبسط نفوذه على بني إسرائيل؛ لم ينس أن يسلك هذا المسلك، ولم يغفل عنه وهو في أوج تبجحه وفوران استعلائه، إذ يصف رسول الله موسى عليه السلام بأنه مجنون -وقد علم هو قبل غيره بأنه كاذب- ذلك أن موسى عليه السلام قد تربى في قصر فرعون ونشأ بين عينيه، ولذا فإن فرعون من أعرف الناس به، ولكن خشيته على ملكه، وخوفه من زوال عرشه، وتهيبه من تخلي الناس عن عبادته، وانتفاضهم وتحديهم لقهره جعله يقول: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِيٓ أُرۡسِلَ إِلَيۡكُمۡ لَمَجۡنُونٞ﴾ [الشعراء: 27].
وما هي إلا لحظات من الحوار حتى يناقض فيها فرعون نفسه جهارا، ويُكذِّب -أمام ملئه- قولَه، فيلتفت إليهم في غير استحياء من هذا التناقض الفاضح قائلا لهم: ﴿إِنَّ هَٰذَا لَسَٰحِرٌ عَلِيمٞ﴾ [الأعراف: 109].
ويا لله العجب! كيف تتهاوى حجج أهل الباطل أمام براهين الحق، وكيف تتضعضع أركان أتباع الشيطان أمام سلطان أولياء الرحمن، فشتان شتان بين «المجنون» الذي يتخبط لا يعلم ما يأتي وما يذر ولا يفرق بين بشر أو حجر وبين «الساحر العليم» الذي يدبر ويكيد ويخطط، ويُخشى حتى يقال في حقه: ﴿يُرِيدُ أَن يُخۡرِجَكُم مِّنۡ أَرۡضِكُمۡۖ فَمَاذَا تَأۡمُرُونَ﴾ [الأعراف: 110].
ولكنه التذبذب الذي يرسله الهوى، والاضطراب الذي يغذيه الحقد الدفين، فلا غرو إذا أن يصف فرعونُ موسى عليه السلام بأي وصف وينعته بكل نعت، يرجو من ورائه نيل مرغوبه واقتناص مراده، وهو تنفير الناس منه وبعدهم عنه، وهو دأب الطغاة في كل حين.
وهذا الأسلوب عينه سلكه كفار قريش مع نبينا ﷺ، فبعد أن عرفوه قبل بعثته بصدقه وأمانته، وبعده عن لغطهم وسفههم، وتنزهه عن ركسهم ورجسهم، حتى لقبوه بالصادق الأمين، فما إن دعاهم إلى الحق وبين لهم سبيل الهدى من سبيل الردى، وأراد أن يوقظهم من سكرتهم التي هم فيها يعمهون، ويخرجهم من ظلماتهم التي في حوالكها يتقلبون، حتى قلبوا له ظهر المجن، وتنكروا لما يعرفونه عنه من الصدق والأمانة، وراحوا يطلقون عليه أبشع النعوت، ويصفونه بوضيع الأوصاف -وهو الطاهر الزكي المزكي فداه أبي وأمي- تنفيرًا للناس عن دعوته، وإبعادا لهم عن الاستماع لحجته، فتارةً قالوا: «ساحر»، وتارةً «شاعر»، وحينًا «مجنون»، وطورًا «كاهن»، كل ذلك ليصبح في أذهان الناس بسبب هذه «المصطلحات» والنعوت كغيره من الناس، فلا ينال مع اتصافه بها مزية تجعل الناس يصغون لقوله، ويهتمون بدعوته، ويحرصون على معرفة جديده، إذ الشعراء غيره كثير، ومثل ذلك السحرة والكهان والمجانين.
قال الله ﷻ ذاكرًا بعض ما وصف به كفار قريش نبينا محمدًا ﷺ: ﴿وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوٓاْ ءَالِهَتِنَا لِشَاعِرٖ مَّجۡنُونِۭ﴾ [الصافات: 36]، وقال ﷻ: ﴿وَإِن يَكَادُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَيُزۡلِقُونَكَ بِأَبۡصَٰرِهِمۡ لَمَّا سَمِعُواْ ٱلذِّكۡرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُۥ لَمَجۡنُونٞ﴾ [القلم: 51]، وقد رد الله ﷻ عليهم فريتهم ودحض كذبتهم في آيات عدة كقوله سبحانه: ﴿وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجۡنُونٖ﴾ [التكوير: 22]، وقال ﷻ: ﴿فَذَكِّرۡ فَمَآ أَنتَ بِنِعۡمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٖ وَلَا مَجۡنُونٍ﴾ [الطور: 29]، وقال ﷻ: ﴿مَآ أَنتَ بِنِعۡمَةِ رَبِّكَ بِمَجۡنُونٖ﴾ [القلم: 2]، والآيات في ذلك كثيرة معلومة.
والشاهد من هذا كله؛ أن كفرة قريش قد لجئوا إلى ما سار عليه أسلافهم من الأمم الخالية، وآووا إلى طريقتهم في انتقاء الألفاظ المنفرة واختيار الأسماء المنبوذة التي يصفون بها النبي ﷺ ودعوته وكتاب ربه الذي يتلوه عليهم، كل ذلك لأجل صد الناس عنه وصرف أسماعهم عن الإصغاء لما يدعوهم إليه.
وهي سنة متبعة بينهم وطريقة قديمة لم تزل الأمم تنتهجها، كما قال ﷻ: ﴿كَذَٰلِكَ مَآ أَتَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُواْ سَاحِرٌ أَوۡ مَجۡنُونٌ ٥٢ أَتَوَاصَوۡاْ بِهِۦۚ بَلۡ هُمۡ قَوۡمٞ طَاغُونَ﴾ [الذاريات: 52-53].
ولأهمية هذا الأسلوب؛ كانت -ولا زالت- تعقد لأجله الندوات والمؤتمرات للتشاور في انتقاء «المصطلحات» والصفات التي يرجى من ورائها حصول المرام.
كما جاء في كتب السيرة٢٬٧٣٢[الرحيق المختوم: (ص 71)].؛ أن كفار قريش لما دنا موسم الحج بعد أن أمر النبي ﷺ بإشهار دعوته وتبليغها للناس كافة والصدع بما أمره الله، اجتمعوا للتشاور في الكيفية التي يحيلون بها بين النبي ﷺ وبين عرض دعوته على الوافدين على مكة من الحجيج، فرأوا أنه لا بد من كلمة يقولونها إليهم في شأن النبي ﷺ حتى لا تكون لدعوته أثر في نفوس العرب، فاجتمعوا إلى الوليد بن المغيرة يتداولون في اختيار تلك الكلمة اللائقة، فقال الوليد: «أجمعوا فيه رأيًا واحدًا ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضًا، ويرد قولكم بعضه بعضًا»، فطلبوا منه أن يشير عليهم برأيه ويدلي معهم بدلوه، فرد الأمر إليهم ليستمع هو ما يقولون، قالوا: «نقول كاهن»، قال: «لا والله ما هو بكاهن، لقد رأينا الكهان فما هو بزمزمة الكهان ولا سجعهم»، قالوا: «فنقول: مجنون»، فقال: «ما هو بمجنون، لقد رأينا الجنون وعرفناه، ما هو بخنقه ولا تخالجه ولا وسوسته»، قالوا: «فنقول شاعر»، قال: «ما هو بشاعر، لقد عرفنا الشعر كله رجزه وهزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه، فما هو بالشعر»، قالوا: «فنقول ساحر»، قال: «ما هو بساحر، لقد رأينا السحرة وسحرهم، فما هو بنفثهم ولا عقدهم»، قالوا: فما نقول؟، قال -بعد أن اعترف بعذوبة القرآن وحلاوته وطلاوته وطيب أصله وفرعه- قال: «إن أقرب القول فيه أن تقولوا: ساحر، جاء بقول هو سحر، يفرق بين المرء وأبيه، وبين المرء أخيه، وبين المرء وزوجه وبين المرء وعشيرته»، فعلى هذا اتفقت كلمتهم وتفرق جمعهم وانعقد عزمهم.
فتأمل هذا العبث والسخف الذي يدرك ذووه -قبل غيرهم- مخالفته للحقيقة، ومصادمته للواقع، وأنه كذب مفترى ومين مختلق.
وانظر أيضًا؛ كيف يعمي الهوى صاحبه، ويطبق الحسد على قلبه، فيجعله مجاهرًا بالمكابرة، مصرًا على الإنكار، مستمسكًا بضلاله عاضا عليه بنواجذه، وهذا الهوى والحسد والكبر هو الذي دفعهم إلى الإصرار على التمسك بسبيل «التشويه» عن طريق التنقيب عن الأسماء والأوصاف التي يختلقونها، رجاء أن يقلبوا بها الحقائق للناس فيَضلون ويُضلون، وفساد طويتهم وخراب أفئدتهم وطيش عقولهم؛ هو الذي أداهم إلى صبغ الحق ودعاته بأصباغ تجعل القلوب في زهد عنه ونفرة من سماعه.
وبما أن هذا النهج متفق عليه بين أمم الكفر من قديم الزمان، وبما أن قلوبهم قد انعقدت على التشبث به حتى لكأنهم تواصوا به؛ فلن يكون عصرنا الذي نعيشه -وهو عصر التحضر والرقي والتقدم!- إلا كسابقه من العصور في الاستفادة من هذا الأسلوب، ومن يشابه أبه فما ظلم، ولن يتجاوزا الاعتماد عليه كركيزة أساسية في الصد عن سبيل الله.
بل لأن كان نهج القرون الأولى في ذلك مقتصرا على اختلاق النعوت للأنبياء وأصحابهم، فإن عصر التحضر قد ارتقى -تبعا لرقيه!- ليستتبع في اختراع الأسماء ووضع الأوصاف جزئيات القضايا الشرعية، فلم يعد إنشاء «المصطلحات» المنفرة من أوامر الشرع أو الجاذبة نحو الموبقات؛ قاصرا على عموم الدعاة وعموم الشريعة -كما هو مسلك غالب آبائهم-، بل أصبح الأمر يمس كثيرًا من أوامر ومنهيات الشريعة التفصيلية، فيُحسن فيها القبيح ويُقبَّح فيها الحسن.
فالربا؛ أصبح فوائد وعوائد، والزنا؛ غدا حرية شخصية، والتهتك والخلاعة والاختلاط؛ أصبحت تقدما وحضارة ومواكبة للعصر، والأغاني الماجنة والمسلسلات الفاضحة والمسرحيات الدنيئة المتهتكة القاتلة للغيرة والمحرضة على الفواحش ما ظهر منها وما بطن؛ كل هذا من الفن والقائمون عليه فنانون ونجوم، والملابس الكاسية العارية؛ إنما هي أزياء وموضات، والخمور بأنواعها وأشكالها؛ هي مشروبات روحية أو كحولية، ولقد صدق رسولنا ﷺ إذ قال: (ليشرب أناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها)٢٬٧٣٣رواه أحمد [٢٢٩٠٠] وأبو داود [(٣٦٨٨)، وصححه الألباني]..
وصار الجهاد والإعداد؛ تطرفًا وغلوًا وإرهابًا وعنفًا، وتطبيق الشريعة الإسلامية وإقامة أحكام الله؛ انقلب رجعية، وترويج الأفكار الإلحادية والطعن على الله ورسوله وأوليائه؛ من حرية التعبير، والتفلت من التكاليف الشرعية وهدم أصولها وفروعها وتفصيلها وخياطتها وتقديمها حسب تعاريج الجسم العصري؛ أصبح من التنوير والعقلانية والواقعية والتفتح، والأخذ بالنصوص الشرعية والتمسك بها والدعوة إليها والذب عنها؛ صار جمودًا وتحجيرًا و«أصولية» و«فكرًا» سلفيًا، وتكلُّم الرويبضة والجهلة في أمور العامة وتشقيقها وتمطيطها وتمييعها والإدلاء بما يشاءون فيها؛ صار تفكيرًا، وأهله غدوا مفكرين ومحللين ومتنورين، وإفراغ الألفاظ من معانيها ومسخها وتفسيرها تفسيرًا باطنيًا مغرضًا هدامًا؛ لُقِّب بالحداثة، وحرب الإسلام علانية وتتبع أهله المستمسكين به والتنكيل بهم وعقد الاتفاقات لتقويضهم ومطاردتهم وبذل الأموال الطائلة بسخاء لاقتفاء آثارهم؛ أصبح حربًا للإرهاب والتطرف وحماية للأوطان من خطرهم وصونًا لها وللشعوب من شرهم.
وبيع الأراضي والتفريط في المقدسات والانبطاح التام أمام الأعداء واللهث الدائم لتلبية رغباتهم والتنافس في تقديم متطلباتهم والاستسلام المخزي لهم؛ كل ذلك صار سلامًا.. بل «سلام الشجعان»، والسعي للاعتراف بأحقية المحتل اليهودي بأرض فلسطين واستحقاقه إقامة دولته عليها، مقابل نيل حفنة من التراب تحت أعينهم ومراقبتهم؛ يسمى سلامًا عادلًا شاملا دائمًا، والمدافع عن حرماته وأرضه وعرضه والمقدم لنفسه وماله حماية للمقدسات؛ أصبح عدوًا للسلام وخارجًا عن «الشرعية» الدولية! وتهيئة الظروف لاستقدام عشرات الآلاف من قوات النصارى التي جلبت على أراضي المسلمين بخيلها ورجلها ومكنت لنفسها برًّا وبحرًا وجوًّا وامتصت خيراتهم وثرواتهم من تحت الأرض ومن فوقها ودكها للشعوب المسلمة و«تجريبها» اليومي لأسلحتها المتطورة عليهم؛ كل ذلك لا يعدو أن يكون «استعانة» بالقوات «الصديقة» لطرد عدو عات متمرد، وتآلف الدول الكافرة وتكتلها وتكاتفها لأجل قهر الشعوب وإذلالها وإرغامها على الانصياع للركب العالمي والخضوع لإرادات معينة ومخصوصة؛ كل ذلك يقع باسم «الشرعية الدولية»، ومنع الخروج عن قوانين «المجتمع الدولي».
والقائمة في ذلك لا تنتهي، واستقصاؤها يستحيل، فما هذا إلا نُتَفٌ ونماذج من أسلوب «حرب المصطلحات» الذي أغرق فيه أهل هذا العصر أيما إغراق، واعتنوا به بالغ العناية، سيما مع توفر الظروف الإعلامية التي صيرت العالم كالقرية الواحدة... بل كالبيت الواحد، حيث لا يكاد يغيب عمن في مشارق الأرض ما يجري في مغاربها ولا العكس.
فالمتمعن فيها ببصيرة، والنبيه الذي لا تنطلي عليه زخارف القول، ولا ينساق وراء بهارج العبارات؛ يدرك إدراكًا تامًا أن هذا الأسلوب يعد مرتكزًا وعمودًا فقريًا، ووسيلة أساسية معتمدة عندهم، بحيث يندر أن ينالوا بدونها تمام ما يريدون.
فهكذا تقلب الحقائق وتغير المسميات وتنزه القباحات من الأقوال الشنيعة والأفعال الوضيعة، وتشوه الفضائل والمكارم مما أرشد إليه دين الهدى ودعت إليه شريعة الإسلام.
ونحن نقول لهؤلاء كما قال الله سبحانه لعابدي الأصنام -إذ دعوها بأسماء مختلفة وجعلوها بذلك آلهة تعبد من دون الله-: ﴿إِنۡ هِيَ إِلَّآ أَسۡمَآءٞ سَمَّيۡتُمُوهَآ أَنتُمۡ وَءَابَآؤُكُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلۡطَٰنٍۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَمَا تَهۡوَى ٱلۡأَنفُسُۖ وَلَقَدۡ جَآءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ ٱلۡهُدَىٰٓ﴾ [النجم: 23].
ونقول لهم في كل ما زعموه وزينوه من الأدناس للناس: ﴿ذَٰلِكُمۡ قَوۡلُكُم بِأَفۡوَٰهِكُمۡۖ وَٱللَّهُ يَقُولُ ٱلۡحَقَّ وَهُوَ يَهۡدِي ٱلسَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: 4].
فالأسماء لا تغير من المسميات شيئا، والنعوت لا تقلب الحقائق أو تحورها، وإن كنا ندرك خطورة تنصيل المسميات عن أسمائها، وعزل الحقائق عن صفاتها الصادقة.
وهذا هو مكمن الداء ومنبع الأدواء، ففرق كبير بين أن يقدم شيء للناس على أنه استسلام وخنوع وامتهان، وبين أن يروج له على أنه سلام ومصالحة، والبون شاسع بين أن تسمى الفواحش والموبقات المستهجنة بأسمائها الشرعية -كالزنا والربا والخمر- وبين أن تلبس لبوسًا تهوِّن من بشاعتها وتقلل من فظاعتها -كالحرية الشخصية أو التقدم أو مواكبة العصر أو المشروبات الروحية أو المروِّحة أو الكحولية- ونحوها، وقس على ذلك ما ذكرنا فسترى العجب العجاب.
وإن مما يزيد الأمر خطورة، ويبين أن هذا الأسلوب قد آتى أكله أو يكاد؛ أن ينساق بعض المسلمين... بل بعض قياديهم؛ وراء أعدائهم في الترويج لكثير من المصطلحات والأسماء المستحدثة والمنتقاة من قبل الأعداء بدقة بالغة، ويتلقفوها من غير روية ولا تأنٍّ، بل ربما يضيفون عليها كثيرًا مما يحسنها ويرغب فيها ويؤكد صحة شرعيتها، فصار كثير منها مألوفا لدى الناس، ركنت إليه نفوسهم، وسكنت عقولهم، واطمأنت قلوبهم، فلا عجب أن تجد نتيجة ذلك أن ينكروا إنكارها، ويحتجوا على محاولة استبدال غيرها بها.
ولا جرم أنهم باستعجالهم في تلقي تلك المصطلحات وأسلمتها؛ قد جنوا على أنفسهم وعلى أمتهم جناية عظيمة من حيث لا يدرون، وبذلك قدموا لأعدائهم خدمة سخية طالما سعوا لأن يجدوا لها مَنفذًا ومُنفِّذًا.
فمن أمثلة إرادة قلب الحقائق بقلب أسمائها، وتنفير الناس منها بتغيير صفاتها؛ كلمة «الجهاد»:
هذه الكلمة التي يدرك كل مسلم علو منزلتها، ويستشعر في قرارة نفسه سمو مكانتها، واستقامة نهج أهلها، ولذا فهي كلمة سواء بينهم، بين الله فضلها وفضل أهليها، وحث على القيام بها ورغب فيها، وحرض عليها النبي ﷺ وتشرف بها أصحابه في حياته وبعد مماته.
وإنما يمدح قادة الإسلام وتظهر مكانتهم بين المسلمين -قديمًا وحديثًا- كلما كانوا أرسخ قدمًا فيها وأكثر حرصًا عليها، وإنما ينالون حب مسلمين لهم ويُعلم صدقهم بينهم إذا كانوا رافعين للوائه، خائضين لغماره، قائمين على أدائه.
فلما رأى أعداء الإسلام مكانة هذه العبادة في قلوب المؤمنين، وراجعوا التاريخ وتمعنوا فيه؛ فألفوا الأمة تحيا بإحياء هذه الفضيلة، وتضعف بالتخلي عنها والزهد فيها، وتكونت لديهم قناعة تامة أنهم لن يستطيعوا القضاء على هذه الأمة ولن يدكوا مرامهم منها، إلا حيث فصلوا بينها وبين هذه العبادة، واستيقنوا أن ذلك لن يكون لهم إلا عندما يغرسون في قلوب المؤمنين؛ بأن الجهاد أمر وراء ما تتصورون، وأن حقيقته خلاف ما تعتقدون.
غير أن هذه المعاني التي يريد الأعداء إيصالها وإقناع الناس بها؛ لا يمكن تقبلها بسهولة، والناس يرون كثيرا من الشعوب الإسلامية تقاتل من أجل نيل حقوقها، وكثيرا من الجماعات الإسلامية ترفع راية الجهاد هنا وهناك، فلما وجدوا أنفسهم أمام هذا المأزق، وخشوا أن ينفلت الزمام، وأن تخطو الأمة عبر ممارستها لعبادة الجهاد خطوات لاستعادة سالف مجدها؛ سلطوا وسائل إعلامهم، وبثوا مروجيهم في الأقطار، وراحوا يصفون تلك الأعمال الجهادية بالإرهاب والعنف والتطرف، مستغلين في ذلك بعض التجاوزات التي يقع فيها الجهلة أو المغرضون من أتباعهم الذين تربوا على أعينهم -دعمًا لسياسة التشويه-.
حتى نشأت في أذهان كثير من المسلمين؛ قناعات، مضمونها أن الجهاد رديف التطرف والإرهاب والعنف، وأن المجاهدين؛ هم المتطرفون والإرهابيون، وأن كل من حمل السلاح مجاهدًا في سبيل الله مدافعًا عن الحرمات وذابًا عن الأعراض؛ يعد إرهابيًا متطرفًا.
وأصبحت هذه النعوت تلاحق المجاهدين حيثما كانوا، ولو كانت قضيتهم التي يقومون عليها من أعدل القضايا وأبينها لكل عاقل منصف -كما هو الحال في الشيشان وفلسطين وكشمير وغيرها-.
ولو ارتقوا درجة وأرادوا أن يصفوا قضية من القضايا بـ «وصف حسن» يسايرون فيه ركب الناس، فإنهم يسمونها بـ «المقاومة»، والتي لا تتجاوز دلالتها معنى المدافعة، بل فوق هذا يضعون لها قيدًا احترازيًا خشية أن يصبح الأمر في أذهان الناس محصورا في هذا الأسلوب، فيسمونها «خيار المقاومة»، والذي يقصد به مقابلته بـ «خيار السلام» -كما هو مشهور في قضية فلسطين وفي مواضع مخصوصة ومحددة منها-، وهكذا انقلب الجهاد -ولو كان دفاعيًا- إلى تطرف وعنف وما شابه ذلك من مصطلحات القائمة المعروفة.
وحتى ندرك مكانة كلمة «الجهاد» في قلوب الناس، وأنها جذابة محرضة مهيجة لهم؛ لنتأمل قليلًا كيف يستغلها كثير من الطغاة المارقين كلما أرادوا أن يستميلوا الشعوب نحوهم، ويستثيروا عواطفهم ويلهبوا مشاعرهم، فيزعمون رفع لوائها، ويدندنون حولها، كما فعل طاغية العراق البعثي في حرب الخليج الثانية استثارة لقلوب الشعوب المخدوعة.
فعلى المسلم أن يكون يقظا منتبها عند التقاطه لأي مصطلح جديد، وأن يحرص على الالتزام بالأسماء الشرعية، ففيها الكفاية والغنية عما دونها، وأن يستقبل ما تبثه وسائل الإعلام بحذر، فهي غالبا ما تقدم السم فيما نحسب أنه عسل، فيلعقه بعضهم مغترين بألوانه وأشكاله، فلا يستيقظون إلا حيث تتهاوى قواهم، وتذهب حرماتهم، ويمسخ كثير من شعائر دينهم، فيضيفون مرضا جديدا مزمنا في جسد أمتهم الذي أنهكته الجراح وآلمته القروح، مما يستدعي زيادة تكليف وعناء في علاجه، وقد كان يُغني عنه سد الباب الذي يتسبب فيه وإغلاق المسالك المؤدية إليه.
وفق الله الجميع لما يحب ويرضى
❖ ❖ ❖
لقد أتممت قراءة كتاب: حرب المصطلحات
يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.
تحميل الكتاب مفردًا