الفصل الرابع: كيفية إثبات تهمة التجسس
وابتداءً أقول: إن النظر في هذه المسألة إنما هو كنازلة حالّةٍ عمت وطمت، وداهية قائمة قرعت واحتنكت، فلو كان المسلمون يعيشون في دولة إسلامية ممكنة، لها سلطتها وسطوتها وقضاؤها وقوتها، وكانت صور التجسس حالات فرديةً متفرقةً ووقائع جزئية منحصرة؛ لكان الأمر في غاية الوضوح واليسر، إذ النظر في كل حالة سيكون نظرًا قضائيًا يعتمد مباشرة على شهادة الشهود أو إقرار المتهم تمامًا كأي مسألة قضائية تعرِض في دولة الإسلام، ولعل هذا هو سبب عدم وجود كلام للعلماء في هذه المسألة يطابق حالنا الذي نحن فيه؛ لأنهم كانوا يبحثونها ويقررونها بناءً على واقعٍ يحيونه ليس فيه خروج عن الجادة من وجود السلطان الممكّن والقضاء النافذ، والشوكة الملزمة، هذا مع ندرة هذه الحالات والوقائع أصلًا.
ولأن هذا المرض لا ينشأ بصورة شائعة عامة إلا في بيئة مهيَّأة له، كذهاب الدين، وتفكك عرى الأمة، وتسلط الأعداء، كما هو حالنا في هذا العصر، فما نحن فيه اليوم هو أمرٌ أكبر من أن يعالج ببعض الجزئيات التي يذكرها الفقهاء رحمهم الله وهو يفوق ما تصوروه بأضعاف مضاعفة نوعًا وكمًّا وانتشارًا.
ومع وجود بعض الأبحاث العصرية التي تحدثت عن حكم الجاسوس، إلا أني لم أجد من تطرق لهذه المسألة وبحثها بحثًا يناسب واقعها وحقيقتها كنازلة حلت بالمسلمين، مع أن العناية بها يجب ألا تقل عن العناية بمعرفة حكم الجاسوس، خاصةً بعد مداهمة قوات الصليب لبلاد المسلمين وتكوينها لجيوش خفية كبيرة من الجواسيس الذين تعدهم أهم ركائز حملتها وأعظم ممهد لكل عملياتها.
فمما لا شك فيه أن المجاهدين يخوضون حربًا شرسة مع جيوش جرارة من «الجنود» الأخفياء الذين قعدوا لأهل الإسلام كل مرصد، بحيث لم يعد الأمر مُقتصرًا على حوادث عينية متفرقة ولا منحصرًا في أفراد معدودين كما هو الحال في الحروب الغابرة، بل إن ساحات الجهاد كلها وما يقع فيها من حوادث تشهد شهادة لا لبس فيها أن حربهم الحقيقية إنما هي مع أجهزة استخبارات تلك الدول، فهي «خطها الأول» الذي تعتمد عليه في الدفاع عنها وحماية سلطتها، وقوانينها، وسائر أنظمتها، ودوائرها، فهي التي تتعامل تعاملًا مباشرًا مع المجاهدين اعتقالًا، وتنكيلًا، وتحقيقًا، وإفسادًا، وتفريقًا.
ولذا فعلى المجاهدين أن يجعلوا مراكز استخبارات تلك الدول -العلنية والخفية- على رأس أهدافهم، وأن يقدموها على ثكنات الجيوش ومراكز الشُرط كلما وجدوا إلى ذلك سبيلًا، فهي -فيما نرى- حياة الدول، وقوتها الحقيقية تكمن في هذه الأجهزة الخبيثة، التي تقوم على أهل المكر والدهاء والخديعة والانسلاخ من القيم، وهي التي تحكم قبضتها على الدولة وأمورها السيادية وكافة أسرارها، فالتركيز على هذه الأجهزة هو من إتيان البيوت من أبوابها، واختصار الطريق إلى التمكين وانشغال بالرأس عن الأذناب.
هذا ولأن جيوش الاحتلال تعد غريبة عن بلاد الإسلام جنسًا ودينًا ولغةً فإنها اعتمدت اعتمادًا كاملًا في تجنيد العيون والجواسيس على المنتسبين للإسلام من سكان البلاد التي اغتصبوها وتغلبوا عليها، فذلك أدعى لحصولهم على أدق المعلومات وأهمها مع تقليل جانب الخطر الذي قد يحدق بالجاسوس؛ لأنه يقيم بين المسلمين كواحد منهم يعيش حياتهم، ويتزيّا بزيهم، ويظهر بمظهرهم، ويأكل مما يأكلون منه ويشرب مما يشربون، ومن ثَم يخلص إلى ما لا تستطيع الجنود المجندة من قوات الاحتلال الخلوص إليه، ويعبِّد لها الطريق ويمهدها بحيث تؤدي مهمتها من قتلٍ، أو اعتقالٍ أو قطع طريقٍ، أو تدمير ملاجئ، أو نسف مخازن، وهي آمنة مطمئنة قد أخذت حذرها وحزمت أمرها ووضعت خطتها بدقة وعناية اعتمادًا على «المعلومات الاستخباراتية» التي جمعتها من أفواه الجواسيس وتقاريرهم ووسائلهم.
وكل من عاش في ساحات الجهاد -لا سيما التي دهمتها قوات الصليب- يعلم علم اليقين أن قواتهم المحتلة -على كثرتها- لا يمكنها أن تقوم بمعشار ما تقوم به الآن لولا ما بثته من العيون والجواسيس الذين تغدق عليهم أموالها بغير حساب، وذلك لما يقدمونه إليها من خدمات عظيمة لا تبلغها جيوشهم ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا، بل إن الاستقراء والاستقصاء والإحصاء والتتبع كلها تدل دلالة قطعية على أن أكثر قادة المجاهدين وجنودهم، إنما قتلوا أو أُسِروا بناء على معلومات «استخباراتية» تحصلت عليها القوات الكافرة من الجنود الأخفياء الذين بثتهم كالجراد المنتشر ممن هم من بني جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا ويتظاهرون بالانتساب إلى ديننا.
كما أننا نعلم يقينًا أن الاقتصار على خوض المعارك مع القوات العسكرية العلنية وحصر المواجهات في الاقتحامات والغارات والكمائن والتفخيخ ونحوها -مع التغاضي عن مواجهة هذه «الجيوش الخفية» - كل ذلك غير كافٍ وحده في جبهات قد اتخذت وسائل متعددة وصورًا متنوعة وجيوشًا مختلفة عسكرية، واستخباراتية «تجسسية»، وإعلامية، واقتصادية، وفكرية وغيرها، فهي معركة لا ساحل لها بحيث تعد من أشرس ما خاضه المسلمون ضد القوات التي دهمت أرضهم.
فكان لزامًا على المجاهدين -في كل الساحات- أن يستأصلوا هذا الورم السرطاني الاستخباراتي الذي يمد الجيوش الكافرة بالمعلومات مدًا، وأن يشنوا عليهم حربًا ضروسًا لا تقل شراسة عما يخوضونه ضد القوات العسكرية العلنية، وأن يتتبعوا هؤلاء الجواسيس تتبعًا يكافئ جريمتهم التي يقترفونها في حق الإسلام والمسلمين، وأن يغلظوا عليهم أيما غلظة اقتداء بنبيهم ﷺ الذي قال الله له في موضعين من كتابه: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَٰهِدِ ٱلۡكُفَّارَ وَٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَٱغۡلُظۡ عَلَيۡهِمۡۚ وَمَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ﴾ [التوبة: 73].
بيد أن أصعب ما يواجه المجاهدين في خوض هذه «الحرب الشرسة» هو كيفية إثبات جريمة التجسس في حق الواحد منهم إثباتًا شرعيًا ينبني عليه الحكم من قتلٍ أو غيره، وأسباب هذه الصعوبات تكمن في عدة أمور:
الأول: شدة تخفي هؤلاء الجواسيس، وتقلبهم وتنقلهم في أنواع الصفات والأحوال التي يتلبسون بها، وكما ذكرت في مقدمة هذا البحث فإن المقصود الأول من مهمتهم هو كيفية تحصيل المعلومة ومن ثَم نقلها إلى أوليائهم الكفرة، وعليه فلا حاجة للعناية بثقافة، ولا شهادة، ولا تعليم، ولا مظهرٍ، ولا وظيفة، ولا لون، ولا جنس، ولا لياقة، ولا لباقة، بل لقد سمعت من بعض المجاهدين أنهم عثروا على أخبث الجواسيس وهم ممن ينتسبون إلى العلم والدين لينفع أولياءه بسبب حسن ظن المسلمين بهم، وقد جعلوا أنفسهم عيونًا مبصرة لقوات الصليب، فإلى الله المشتكى من عِظم ما دهى الإسلام!
الثاني: كثرة هؤلاء الجواسيس، وانتشارهم انتشارًا كبيرًا في كل ساحات الجهاد، فاكتظت بهم المدن، والقرى، والأرياف، والأسواق، فلا يكاد المجاهدون يتسللون إلى منطقة من المناطق في ظلام الليل الدامس إلا ودهمتم قوات الصليب وأعوانهم عند الغلس، فيُقتَل من يقتل منهم ويُؤسر من يأسر، ومن المؤكد أن ما يُنفق على «الجيوش الخفية» هو أكثر بكثير مما يُنفَق على القوات العسكرية، وذلك لأهميتها أولًا ولكثرتها ثانيًا.
الثالث: تسارع أحداث التقتيل والأسر والتدمير المبنية على معلومات الجواسيس، وتتابعها بصورة كبيرة لا يمكن معها النظر في كل حادثة بصورة جزئية متأنية وبحثها بحثًا قضائيًا خالصًا، ويكفينا أن نصفها بأنها «حربٌ مفتوحة» على جبهات واسعة وساحات شاسعة.
ثم إن المطلوب ليس فقط المعاقبة والمجازاة على حوادث وقعت وانتهت من قصف أو تدمير أو قتل أو أسر، بل إن المقصود الأول والأساس هو الحيلولة دون وقوع مثل هذه المصائب ابتداءً، وكف شر هؤلاء الجواسيس حتى لا يحصل من وراء معلوماتهم من التقتيل والاعتقالات والفساد ما نراه كل يوم، فلا يجب على المجاهدين أن ينتظروا ويترقبوا ويكفوا أيديهم عن هؤلاء المجرمين حتى إذا وقعت الواقعة ونزلت المصيبة فعندها -وعندها فقط- يستنفرون في طلب مَن كان وراءها والبحث عن مَن شارك فيها، بل الواجب عليهم أصالة وابتداء هو كف فتنتهم وقطع دابرهم ودوام تتبعهم ومطاردتهم واستمرار ملاحقتهم، ليحفظوا أنفسهم ويحافظوا على مراكزهم ويكسروا شوكة عدوهم استجابة لأمر الله تعالى: ﴿وَقَٰتِلُوهُمۡ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتۡنَةٞ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ كُلُّهُۥ لِلَّهِۚ فَإِنِ ٱنتَهَوۡاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ﴾ [الأنفال: 39].
الرابع: أن الغالب من حال المجاهدين والشائعَ في صور جهادهم هو الكر والفر، وكثرة التنقل وتتابع الحركة، وكل ما بأيديهم من الأراضي والمناطق فتمكّنهم فيها تمكنٌ ناقصٌ، واحترازهم فيها احتراز دائم، فقصف الأعداء وغاراتهم وإنزالاتهم -التي تعتمد على أخبار الجواسيس- لا تكاد تنقطع، ولهذا فإن المجاهدين -قادةً وأفرادًا- الذين قتلوا في مثل هذه المناطق هم أكثر بكثير من الذين استشهدوا في المواجهات المباشرة التي تكون في بعض الجبهات، وبناءً على هذا الواقع الحقيقي -وليس الافتراضي- فمن الصعب جدًا الاحتفاظ بالشخص المتهم بالتجسس مدة طويلة حتى يقر طوعًا واختيارًا أو يشهد عليه شاهدان بأنه يتجسس للكفار على المسلمين.
ولهذا فقد حصل أن بعض المراكز عند المجاهدين، تعرضت للقصف وقتل فيها عددٌ منهم وبداخلها أحد الجواسيس المقبوض عليهم، والمسجون عندهم! فحتى مواطن محاكمتهم ومساءلتهم معرضة للقصف والتدمير بناءً على المعلومات التي ينقلها إخوانهم في التجسس!
الخامس: وإذا قبِلْنا تنزلًا إمكان الاحتفاظ برجلٍ أو رجلين أو حتى عَشرة من هؤلاء المتهمين إلى حين التأكد من حالهم، فإن هذا غير متأت على الإطلاق في مئات -إن لم يكن ألوفًا- من المبثوثين كالذّر، وإبقائهم في مراكز المجاهدين حتى يقرَّ كل واحدٍ منهم طواعية، أو يشهد شاهدان عدلان عليهم فردًا فردًا، فإن كان ذاك وإلا خلي سبيلهم!
فلا المجاهدون يملكون هذه الأراضي -فضلًا عن السجون- التي يتمكنون فيها من الاحتفاظ بهذه الأعداد الكبيرة، ولا قدراتهم وإمكاناتهم المالية والبشرية تستوعبها.
السادس: أن هؤلاء المتهمين بالتجسس ليسوا على صفة واحدة من حيث القدرة عليهم وامتناعهم، فتارةً يستطيع المجاهدون الترصد لبعضهم وتحين الفرص الملائمة للقبض عليهم، ومن ثَم التحقيق معهم ومعرفة أحوالهم، وهذا غالبًا يحصل في المناطق التي يكون للمجاهدين فيها نوع سيطرة وغلبة، وتارة يكون الأمر في غاية العسر أو الاستحالة لامتناع المتهم بقوته وشوكته وقبيلته، أو باعتبار المناطق التي يعيش فيها حيث سيطرة العدو الكاملة عليها، وهذا كله مع قوة الدلائل والشواهد والقرائن التي تدل على تورطه في التجسس، فإن أمكن القبض على النوع الأول منهم -وهم الأقل- وسنحت الفرص بإثبات الجريمة في حقهم، فما العمل والحل مع البقية الباقية -وهم الكثرة الكاثرة- والذين يتعذر على المجاهدين التمكن منهم والقبض عليهم فضلًا عن استدعائهم وطلبهم للتحقيق معهم والتحقق من حالهم؟!
السابع: وبناء على ذلك فإن أكثر «المتهمين» بالتجسس هم ممتنعون عن القدرة، محتمون بالشوكة، مقيمون في «دار حرب» لا سلطان للمسلمين عليها، آوون إلى ركن شديدٍ من القوة، لا يمكن بسببه التعامل معهم تعاملًا قضائيًا خالصًا، وكيف ستقاضي من لا سلطة لك عليه، ولا قدرة لك على إحضاره ومساءلته، ولا سبيل لإلزامه بحكم وإجباره عليه؟!
وكون هؤلاء الجواسيس يمثلون بمجموعهم طائفة ممتنعة وفِرقةً صائلة على الدماء والأموال هذا مما لا ينبغي أن يُختلف فيه، وليس هذا هو موطن البحث ومحله، وإنما في الكيفية التي يثبت بها شرعًا انتماء الواحد منهم إلى هذه الطائفة الممتنعة الصائلة.
ولو افترضنا أن هؤلاء الجواسيس يمارسون نفس أعمالهم علانية ومجاهرة مع انتمائهم لأجهزة الاستخبارات المتعددة والتي تعهدت بحمايتهم والدفاع عنهم؛ فعندها لا تكاد تجد أحدًا يتردد في وصفها بأنها طائفة ممتنعة قد أوجب الشرع قتالها حتى تكف شرها وتفيء إلى أمر الله وتكون كلمته ﷻ هي العليا.
فتخفِّيها وإسرارها لا يغير من حقيقة الامتناع شيئًا بل يؤكده ويوطده، كما أنه لا يمحو الجرائم والمفاسد التي تقترفها وتتفنن في أدائها، بل هؤلاء كما ذكرت مرارًا هم شر وأضر من جيوش الكفر السافرة الجاهرة بحربها والمصرحة بامتناعها، فليس بينهما -من حيث قيام أصل الإفساد في الدين والدنيا- من الفروق إلا الإسرار والإشهار، والإخفاء والإبداء، والإبطان والإعلان، ولم نسمع أحدًا من الأولين والآخرين أوجب على المجاهدين أن يثبتوا تهمة «المظاهرة والمعاونة» بشاهدين أو إقرار في حق من انضوى في صفوف الكفار مجاهرًا معلنًا، بل الأمر كما قال النبي ﷺ لعمه العباس يوم بدر: (أما ظاهرك فكان علينا، وأما سريرتك فإلى الله ﷻ)١٬٥٦٧[هكذا ذكره ابن تيمية في مجموع الفتاوى: (19/225)، ولفظه: (الله أعلم بشأنك، إن يك ما تدعي حقا فالله يجزيك بذلك، وأما ظاهر أمرك فقد كان علينا، فافد نفسك)، رواه أحمد: (3310)، وحسنه الأرنؤوط مع تضعيف إسناده]..
فالمطلوب في حق المتهمين بالتجسس هو معرفة السبيل الشرعي التي يقال لهم بعدها: إن ظاهركم قد كان علينا.
ولقد بقيت مدة طويلة وأنا أتأمل في هذه المسألة وأشاور فيها مَن أمكنني من المشايخ الذين هم في ساحات الجهاد وغيرهم بحسب الوسع والطاقة، وكان هناك إشكالٌ حقيقي، وتعسّرٌ عملي بين ما قرره بعض العلماء -من اشتراط البينة بالشاهدين أو الإقرار لإثبات التهمة- وبين الواقع الذي نعيشه يومًا بيوم بل لحظةً بلحظة، فمن المقطوع به واقعًا أن الأخذ التام والتقيد الدائم بمسألة الاشتراط المذكور يعني -يقينًا- استحالة إثبات تهمة التجسس على أحدٍ مهما كانت قوة القرائن والشواهد التي تحف به وتدل عليه وتقطع بتورطه، وهذا بالضرورة يعني أن ينعم الجواسيس بالأمان ويتنقلوا بين صفوف المجاهدين ومراكزهم وبيوتهم ومعسكراتهم في غاية الاطمئنان لاستحالة إثبات التهمة عليهم بالشاهدين أو الإقرار.
وكما قلت سابقًا فإن الأمر اليوم -وفي هذه المعارك- لم يعد مُقتصرًا على حالات عينية أو منحصرًا في عدد محدود من الأفراد بحيث يُتحمَّل ضررهم ويُغضُّ عن جرائمهم لاقتصار تأثيرها على نطاق ضيق وصور عابرة، بل الأمر خلاف ذلك تمامًا، فقد أصبحت مسألة التجسس وبث الجواسيس والاعتماد عليهم ظاهرة شائعة، وأسلوبًا فاشيًا، وركنًا ركينًا في كل عملية تقوم بها قوات الكفرة، ولا تكاد تقلع طائرة، أو ينطلق صاروخ، أو تتحرك قافلة، أو يداهم مركز، أو يصدر أمر، إلا بالاستناد المباشر على معلومات «الجواسيس» الذين اكتظت بهم ساحات الجهاد من أقصاها إلى أقصاها.
فصرنا بحكم هذا الواقع بين أمرين:
الأول: هو الاقتصار على الشاهدين أو الإقرار طوعًا في إثبات تهمة التجسس على أي فرد مهما كانت قرائن الحال وملابساته تقطع بتورطه، وهذا يؤدي يقينًا إلى إطلاق أيدي العدو في استمرار تقتيل المجاهدين، واعتقالهم، ودك مراكزهم، بسبب العجز التام عن إثبات التهمة على أي فردٍ من الأفراد بهذه الطريقة.
الثاني: القطع بأن هناك طرقًا «شرعية» أخرى تثبت بها جريمة التجسس على كل مَن تلبس بها، بحيث تكون حاسمة في كف عاديتهم، ومناسبة لضخامة المعركة التي يخوضها المجاهدون ضدهم، من غير أن يقع ظلم أو حيف على أحد.
فنحن نعلم قطعًا أن الشرع أمرنا بقتال الكفرة، وأوجب علينا جهادهم، ويتعين هذا الحكم عندما يكون قتالنا دفعًا لشرهم وإنقاذًا لبلاد المسلمين من سطوة جيوشهم، فقد قال الله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ ٱلۡكُفَّارِ وَلۡيَجِدُواْ فِيكُمۡ غِلۡظَةٗۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: 123].
كما أن الواقع شاهد شهادة لا لبس فيها أن جيوش الكفرة قد داهمت كثيرًا من بلدان المسلمين وتغلبت عليها وقهرت أهلها مثل أفغانستان، والعراق، وفلسطين، والصومال، هذا سوى البلاد التي تغلب عليها المرتدون فقاموا بما قام به هؤلاء المحتلون وزيادة؛ فصار الجهاد في بلاد المسلمين بسبب هذه المداهمة والتسلط واجبًا شرعيًا متعينًا على أهلها حتى ينقذوها ويردوها إلى حظيرة الإسلام وتحكمها شريعة الرحمن، وهذا باتفاق أهل العلم كما قال شيخ الإسلام رحمه الله: «وأما قتال الدفع فهو أشد أنواع دفع الصائل عن الحرمة والدين فواجب إجماعًا، فالعدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا لا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه، فلا يشترط له شرط، بل يدفع بحسب الإمكان، وقد نص على ذلك العلماء أصحابنا وغيرهم فيجب التفريق بين دفع الصائل الظالم وبين طلبه في بلاده»١٬٥٦٨الفتاوى الكبرى: (5/537)..
وقال الإمام ابن القيم رحمه الله: «فمن المعلوم أن المجاهد قد يقصد دفع العدو إذا كان المجاهد مطلوبًا والعدو طالبًا، وقد يقصد الظفر بالعدو ابتداء إذا كان طالبًا والعدو مطلوبًا، وقد يقصد كلا الأمرين، والأقسام ثلاثة يؤمر المؤمن فيها بالجهاد، وجهاد الدفع أصعب من جهاد الطلب؛ فإن جهاد الدفع يشبه باب دفع الصائل؛ ولهذا أبيح للمظلوم أن يدفع عن نفسه؛ لأن دفع الصائل على الدين جهاد وقربة، ودفع الصائل على المال والنفس مباح ورخصة فإن قتل فيه فهو شهيد.
فقتال الدفع أوسع من قتال الطلب وأعم وجوبًا؛ ولهذا يتعين على كل... وهذا كجهاد المسلمين يوم أحد والخندق.
ولا يشترط في هذا النوع من الجهاد أن يكون العدو ضعفي المسلمين فما دون، فإنهم كانوا يوم أحد والخندق أضعاف المسلمين، فكان الجهاد واجبًا عليهم؛ لأنه حينئذ جهاد ضرورة ودفع لا جهاد اختيار»١٬٥٦٩الفروسية: (188)..
كما أن الأحداث المتواصلة والمتكررة في ساحات الجهاد تقطع بأن «جيوش الجواسيس» هم أهم الجبهات التي يعتمد عليها الكفرة في حربهم على الإسلام والمسلمين، ولا يختلف اثنان من المجاهدين -في أي ساحة من الساحات- أن النكاية التي تحدث فيهم بسبب هؤلاء الجواسيس لا تعدلها نكاية سواء في الأنفس، أو الأموال، أو المعدات؛ وعليه فنحن مأمورون شرعًا بمواجهة هذه «الجنود الأخفياء» وقتالها تمامًا كما تُقاتَل «الجنود الصرحاء»؛ لأن كف الأضرار الناتجة عنهم وقطع دابر الشرور العظيمة المتولدة بسببهم -والشرع يحتم علينا ذلك- لا يمكن أن يكون إلا بالتصدي لهم واستئصال شأفتهم وبذل أقصى الجهود للتعرف عليهم وتتبع «جيوشهم».
ومن خلال الواقع الذي نعايشه ونلامسه ونراه، فإن هذا التصدي الذي أوجبه علينا الشرع لنواجه «جنود الجواسيس الخفية» لا يمكن أن يحصل بالاقتصار على الشاهدين أو الإقرار، فهذا يعني يقينًا عدم التعرض لهؤلاء الجواسيس إذ إن ذلك لا يمكن -على سبيل التنزل- إلا في حالات أندر من النادر، ومن المقطوع به أن أحكام الشرع لا تتعارض في نفسها، ولا تقصُر عن الإحاطة بكل جزئيات الوقائع وعلاجها مهما كانت، عَلِم ذلك من علمه وجهله من جهله.
فلن يأمرنا الشرع -إذن- بقطع دابر «جيوش الجواسيس» حتى نؤدي ما أوجبه علينا من تخليص بلاد المسلمين ثم نجد أنفسنا عاجزين عن القيام بهذا الأمر من خلال الاقتصار على بينة الشاهدين أو الإقرار-والتي لا يمكن إيجادها- في التعرف عليهم وكشف جريمتهم ودفع صولتهم.
وما دام الأمر كذلك، فإما أن يكون تصورنا للحكم الشرعي في أصله تصورًا خاطئًا فيكون القصور في فهمنا لا في أصل الحكم، وإما أن يكون الواقع الذي نريد أن نسقط عليه ذلك الحكم مخالفًا لما وصِّف به، فيكون محل الحكم موضعًا آخر غير هذا الذي توهمناه له.
وبما أن الواقع هو ما حكيناه من انتشار جيوش التجسس، واعتماد الكفرة عليهم اعتمادًا كاملًا، واستفحال ما يحصل بسببهم من النكاية في المسلمين والتوهين للإسلام، وهي حقيقة لا أحسب أن أحدًا يجهلها أو يماري فيها إلا على سبيل المكابرة -وليس حديثنا مع مثله- فلم يبق إلا أن الحكم الشرعي الخاص بهذه النازلة والمتعلق بها تعلقًا مباشرًا هو خلاف ما ظنناه، وليس هذا اعتراضًا على الشرع بالواقع فنعوذ بالله من ذلك، ولا تطويعًا لأحكامه وتمحلًا في حملها على غير محلها ومحملها فنبرأ إلى الله من الضلال وأهله، وإنما حكاية حقيقة لا يمكن تجاهلها ولا التهرب منها ولا غض الطرف عن النظر فيها وإعطائها الحكم الشرعي المناسب لها وفقًا لطرق البحث والترجيح المنضبطة التي قعدها العلماء ونسأل الله الهداية والتوفيق والسداد ونعوذ به من الهوى والغي والضلال.
وإلا فهذا الواقع كما حكيناه وزيادة، فالتقتيل مستمر، والتنكيل متماد، والشر مستطير، والفساد مستفحل، والكفرة يواصلون تجنيد الجواسيس، والجواسيس منتشرون في كل مكان وهم لا يكفون شرهم، فمَن كان عنده فتوى أو بحث أو توجيه يعالج به هذه المسألة علاجًا شرعيًا عمليًا ينزل به إلى الواقع بتفاصيله وأحداثه وحوادثه فليسعفنا به وإنا له لمن الشاكرين والله المستعان.
وفي نظير ذلك يقول العلامة ابن القيم رحمه الله في مسألة هي من صلب موضوعنا الذي نحن فيه وهو الحكم بالقرائن واعتبارها في بعض الأحيان بينات شرعية معتمدة في الأحكام: «وقال ابن عقيل في الفنون: جرى في جواز العمل في السلطنة بالسياسة الشرعية أنه هو الحزم ولا يخلو من القول به إمام، فقال شافعيٌ: لا سياسة إلا ما وافق الشرع.
[البحر: الرجز]
[البحر: الرجز]
لَمَّا رَأَيْتُ الْأَمْرَ أَمْرًا مُنْكَرًا | أَجَّجْتُ نَارِي وَدَعَوْتُ قُنْبُرًا١٬٥٧٠[أنساب الأشراف (2/166)]. |
ونفيُ عمر لنصر بن حجاج.
وهذا موضع مَزلة أقدام، ومضلة أفهام، وهو مقام ضنك، ومعترك صعب، فرط فيه طائفة فعطلوا الحدود، وضيعوا الحقوق، وجرَّؤوا أهل الفجور على الفساد، وجعلوا الشريعة قاصرة لا تقوم بمصالح العباد، محتاجة إلى غيرها، وسدوا على نفوسهم طرقًا صحيحة من طرق معرفة الحق والتنفيذ له، وعطلوها مع علمهم وعلم غيرهم قطعًا أنها حق مطابق للواقع؛ ظنًا منهم منافاتها لقواعد الشرع.
ولعمر الله إنها لم تناف ما جاء به الرسول ﷺ وإن نافت ما فهموه من شريعته باجتهادهم، والذي أوجب لهم ذلك نوع تقصير في معرفة الشريعة وتقصير في معرفة الواقع وتنزيل أحدهما على الآخر.
فلما رأى ولاة الأمور ذلك، وأن الناس لا يستقيم لهم أمرهم إلا بأمر وراء ما فهمه هؤلاء من الشريعة، أحدثوا من أوضاع سياساتهم شرًا طويلًا، وفسادًا عريضًا، فتفاقم الأمر، وتعذر استدراكه، وعز على العالِـمين بحقائق الشرع تخليص النفوس من ذلك، واستنقاذها من تلك المهالك.
وأفرطت طائفة أخرى قابلت هذه الطائفة، فسوغت من ذلك ما ينافي حكم الله ورسوله، وكلتا الطائفتين أُتيت من تقصيرها في معرفة ما بعث الله به رسوله وأنزل به كتابه؛ فإن الله سبحانه أرسل رسله وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط -وهو العدل الذي قامت به الأرض والسماوات- فإذا ظهرت أمارات العدل، وأسفر وجهه بأي طريق كان فثم شرع الله ودينه، والله سبحانه أعلم وأحكم وأعدل من أن يخص طرق العدل وأماراته وأعلامه بشيء ثم ينفي ما هو أظهر منها وأقوى دلالة وأبين أمارة فلا يجعله منها ولا يحكم عند وجودها وقيامها بموجبها.
بل قد بيّن سبحانه بما شرعه من الطرق أن مقصوده إقامة العدل بين عباده، وقيام الناس بالقسط، فأي طريق استخرج بها العدل والقسط فهي من الدين وليست مخالفة له، فلا يقال: إن السياسة العادلة مخالفة لما نطق به الشرع، بل هي موافقة لما جاء به، بل هي جزء من أجزائه ونحن نسميها سياسة تبعًا لمصطلحهم، وإنما هي عدل الله ورسوله ظهر بهذه الأمارات والعلامات.
فقد حبس رسول الله ﷺ في تهمة، وعاقب في تهمة لما ظهرت أمارات الريبة على المتهم، فمن أطلق كل متهم وحلَّفه وخلى سبيله مع علمه باشتهاره بالفساد في الأرض وكثرة سرقاته وقال: لا آخذه إلا بشاهدي عدل، فقوله مخالف للسياسة الشرعية»١٬٥٧١الطرق الحكمية: (1 /17- 20)..
وكلام الإمام ابن القيم رحمه الله وما نقله عن الإمام أبي الوفاء في غاية الدقة والخطورة، فيمكن لأهل الحق والعدل وأتْباع الدليل أن يحملوه على الوجه الشرعي الصحيح الذي قصده وأراده هذان الإمامان، ويمكن لأهل الأهواء وضلالات الآراء وتطويع الحق وتمييعه ليوافق بعض السخافات أن يوجهوه إلى ما يُريدون ثم يزعمون أن هذا من العدل -وما مِن عدل إلا وهو موافقٌ للشرع بل هو جزء منه- ويطيرون بمثل هذه العبارات يصولون ويجولون بها على أحكام الشرع وأصوله ينقضونها عروةً، عروة، باسم السياسة والعدل وما هو إلا الأهواء واتباع الشهوات، كما قال الله تعالى في أمثالهم: ﴿وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيۡكُمۡ وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوَٰتِ أَن تَمِيلُواْ مَيۡلًا عَظِيمٗا﴾ [النساء: 27]، فهو تمامًا كما وصفه الإمام ابن القيم: مزلة أقدام، ومضلة أفهام، ومقام ضنك، ومعترك صعب، نسأل الله أن يرينا الحق حقًا ويرزقنا اتباعه ويرينا الباطل باطلًا ويرزقنا اجتنابه.
وقال أيضًا رحمه الله: «ولا نقول إن السياسة العادلة مخالفة للشريعة الكاملة بل هي جزء من أجزائها، وباب من أبوابها، وتسميتها سياسة أمر اصطلاحي، وإلا فإذا كانت عدلًا فهي من الشرع، فقد حبس رسول الله ﷺ في تهمة، وعاقب في تهمة، لما ظهرت أمارات الريبة على المتهم، فمن أطلق كل متهم وخلى سبيله أو حلفه مع علمه باشتهاره بالفساد في الأرض ونقب الدور وتواتر السرقات، ولا سيما مع وجود المسروق معه، وقال: لا آخذه إلا بشاهدي عدل أو إقرار اختيار وطوع، فقوله مخالف للسياسة الشرعية»١٬٥٧٢إعلام الموقعين: (4 / 374)..
وقال ابن القيم أيضًا وهو يعدد أقسام المتهمين، فذكر ثالثهم وهو من كان معروفًا بالفجور: «القسم الثالث: أن يكون المتهم معروفًا بالفجور كالسرقة، وقطع الطريق، والقتل، ونحو ذلك، فإذا جاز حبس المجهول فحبس هذا أولى.
قال شيخنا ابن تيمية رحمه الله وما علمت أحدًا من أئمة المسلمين يقول إن المدعى عليه في جميع هذه الدعاوي يحلف ويرسل، بلا حبس ولا غيره، فليس هذا على إطلاقه مذهبًا لأحد من الأئمة الأربعة ولا غيرهم من الأئمة، ومن زعم أن هذا على إطلاقه وعمومه هو الشرع فقد غلط غلطًا فاحشًا مخالفًا لنصوص رسول الله ﷺ ولإجماع الأمة.
وبمثل هذا الغلط الفاحش تجرأ الولاة على مخالفة الشرع، وتوهموا أن الشرع لا يقوم بسياسة العالم ومصلحة الأمة، وتعدوا حدود الله، وتولد من جهل الفريقين بحقيقة الشرع خروج عنه إلى أنواع من الظلم، والبدع، والسياسة، جعلها هؤلاء من الشرع، وجعلها هؤلاء قسيمة ومقابلة له، وزعموا أن الشرع ناقص لا يقوم بمصالح الناس، وجعل أولئك ما فهموه من العموميات والإطلاقات هو الشرع، وإن تضمن خلاف ما شهدت به الشواهد والعلامات الصحيحة، والطائفتان مخطئتان في الشرع أقبح خطأ وأفحشه، وإنما أتوا من تقصيرهم في معرفة الشرع الذي أنزله الله على رسوله وشرعه بين عباده كما تقدم بيانه، فإنه أنزل الكتاب بالحق ليقوم الناس بالقسط، ولم يسوغ تكذيب صادق، ولا إبطال أمارة وعلامة شاهدة بالحق، بل أمر بالتثبت في خبر الفاسق ولم يأمر برده مطلقًا، حتى تقوم أمارة على صدقه فيقبل، أو كذبه فيرد، فحكمه دائر مع الحق، والحق دائر مع حكمه أين كان ومع من كان وبأي دليل صحيح كان، فتوسع كثير من هؤلاء في أمور ظنوها علامات وأمارات أثبتوا بها أحكامًا، وقصر كثير من أولئك عن أدلة وعلامات ظاهرة ظنوها غير صالحة لإثبات الأحكام»١٬٥٧٣الطرق الحكمية: (1 / 151)..
❖ ❖ ❖
فبعد هذا التقديم والتوطيد فالذي يظهر لي -والله تعالى أعلم- أنه لا يتعين على المجاهدين في هذه النازلة الاقتصار على «الشاهدين أو الإقرار» لإثبات جريمة التجسس بحق من اتُهِم بها من هؤلاء الذين فشا شرهم، وتضاعف ضررهم، وعم فسادهم، بل الأمر أوسع من ذلك بكثير، وإنما قلت ذلك للأسباب التالية:
أولًا: بعد التأمل والتملِّي فالذي يظهر -والله تعالى أعلم- أن المسألة النازلة من رأسها ليست هي من مسائل القضاء بجوانبه الكاملة وأحكامه الشاملة، لانعدام التمكّن الحقيقي التام الذي يستطيع معه الناظر في هذه القضايا تتبعَها تمامًا كما يفعل القاضي في دولة الإسلام الممكّنة، وإذا كان هذا متيسرًا -أحيانًا- في بعض المواطن أو الحالات، فقطعًا ليس هو الصورة العامة الشاملة لجميع ساحات الجهاد، والمستوعبة لكل حالات هذه القضايا، فنظر القاضي إنما يكون في حق المقدور عليه الذي تشمله سلطته وولايته وقدرته، بحيث يُجري عليه ما يناسب حاله من استدعاء أو إخلاء، أو حبس، أو إلزامٍ بحكمٍ أو حقٍ، أما إذا حصل العجز إما لفقد القاضي للقوة والسلطة والولاية الملزمة، وإما لامتناع من يريد إجراء الحكم عليه، فأنى له -في مثل هذه الحالات- النظر في القضايا نظرًا قضائيًا مجردًا.
ولهذا فرق الشرع في مسألة قطاع الطرق بين حالة امتناعهم وعجز السلطان عن استيفاء الحقوق منهم وإقامة الحد عليهم، وبين حالة القدرة عليهم والتي تشمل انكسار شوكتهم وتمكّن السلطة منهم وإلزامهم بما يحكم به القاضي عليهم، لأن معنى القدرة عليهم هو التمكن من عقوبتهم بالحد بشروطه الوافية لدخولهم تحت سلطان المسلمين وذهاب قوتهم التي يمتنعون بها عن ذلك، كما قال شيخ الإسلام رحمه الله: «معنى القدرة عليهم: إمكان الحد عليهم لثبوته بالبينة أو بالإقرار، وكونهم في قبضة المسلمين، فإذا تابوا قبل أن يؤخذوا سقط ذلك عنهم»١٬٥٧٤الصارم المسلول: (1 / 507)..
فإمكان إقامة الحد مركب من القدرة على العقوبة مع كيفية إثباتها إما بالبينة أو الإقرار وهذا لا يتأتى في حالة الامتناع، ولا يحصل إلا حينما يكون الجاني في قبضة المسلمين وتحت قوة سلطانهم، ومن ثم إنزال العقوبة المناسبة التي يستحقها شرعًا.
وتفريق الشريعة في العقوبات بين المقدور عليه والممتنع مشهور معلوم ولهذا قال شيخ الإسلام رحمه الله: «العقوبات التي جاءت بها الشريعة لمن عصى الله ورسوله نوعان: أحدهما: عقوبة المقدور عليه من الواحد والعدد كما تقدم، والثاني: عقاب الطائفة الممتنعة كالتي لا يقدر عليها إلا بقتال»١٬٥٧٥مجموع الفتاوى: (28 / 349)..
وقال أيضًا: «وأما الواحد المقدور عليه من الخوارج والرافضة فقد روي عنهما أعني عمر وعلي قتلهما أيضًا، والفقهاء وإن تنازعوا في قتل الواحد المقدور عليه من هؤلاء، فلم يتنازعوا في وجوب قتالهم إذا كانوا ممتنعين، فإن القتال أوسع من القتل، كما يقاتل الصائلون العداة، والمعتدون البغاة، وإن كان أحدهم إذا قدر عليه لم يعاقب إلا بما أمر الله ورسوله به»١٬٥٧٦مجموع الفتاوى: (28 / 476)..
ثانيًا: أن عدم القدرة على النظر في هذه المسألة قضائيًا ناتج عن أمرين:
الأول: عدم وجود الدولة الإسلامية الممكنة التي تعلوها أحكام الشريعة، إذ إن الديار التي تغلب عليها هؤلاء الكفرة وأجروا على أهلها أحكامهم قد صارت ديار حربٍ، وقتالُ المسلمين أصلًا لإقامة دولة الإسلام وبسط شريعته على الأنام.
الثاني: اجتماع صورتين من الامتناع في حق هؤلاء، الأولى: امتناعهم بشوكة طائفتهم التي ينتسبون إليها، إذ هي في ذاتها تمثل طائفة ممتنعة عن شرائع الإسلام، وفي الوقت نفسه هي صائلة على الأنفس والأموال، والثانية: كونهم مقيمين في دار حربٍ، ومحتمين بقوتها ومستندين إلى سلطتها وقانونها.
فمن المعلوم أن امتناع الأفراد أو الطوائف عن قدرة سلطان المسلمين تارة يكون بإشهار السلاح وشق عصا الطاعة -ولو كانوا في دار الإسلام- وتارة تكون بمجرد لحاقهم بدار الحرب؛ لأن نفس اللحاق بها والفرار إليها يعد امتناعًا، لأن الفار يلجأ إلى مكان لا تعلوه الأحكام الشرعية ولا تتناوله سلطة الإمام لعدم شمول حكم الإسلام لها، وإلا لما كانت دار حرب، وذكر هاتين الصورتين من الامتناع شائع في كلام الفقهاء، فمن ذلك قول شيخ الإسلام رحمه الله: «ولأن المرتد لو امتنع بأن يلحق بدار الحرب أو بأن يكون المرتدون ذوي شوكة يمتنعون بها عن حكم الإسلام فإنه يقتل قبل الاستتابة بلا تردد»١٬٥٧٧الصارم المسلول: (1 / 328)..
وقال وهو يحكي مذاهب العلماء فيما ينتقض به عهد أهل الذمة: «إذا لم يكن ممتنعًا عن حكم الإمام، فمذهب أبي حنيفة أن مثل هذا لا يكون ناقضًا للعهد، ولا ينقض عهد أهل الذمة عنده إلا أن يكونوا أهل شوكة ومنعة، ويمتنعوا بذلك عن الإمام، ولا يمكنه إجراء أحكامنا عليهم، أو تخلفوا بدار الحرب؛ لأنهم إذا لم يكونوا ممتنعين أمكن الإمام أن يقيم عليهم الحدود ويستوفي منهم الحقوق، فلا يخرجون بذلك عن العصمة الثابتة، كمن خرج عن طاعة الإمام من أهل البغي ولم تكن له شوكة»١٬٥٧٨الصارم المسلول: (1/272)..
وليس هذا الحكم -أعني انتفاء القدرة- خاصًا بالممتنعين من المرتدين، أو الكفار الأصليين كأهل الذمة، بل يشمل كل طائفة امتنعت بقوتها وشوكتها عن حق من الحقوق أو حكمٍ من الأحكام التي وجبت عليها شرعًا، ولهذا فإن عليًا رضي الله عنه حينما نبغ الخوارج وتحيزوا ولم يشهروا السلاح ويتظاهروا به في شق عصا الطاعة لم يقاتلهم، بل كان يقول لهم: «لكم علينا ثلاث: لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسم الله، ولا نبدؤكم بقتال، ولا نمنعكم الفيء ما دامت أيديكم معنا»١٬٥٧٩[الأحكام السلطانية للماوردي: (ص 100)].، حتى إذا سفكوا الدم الحرام وامتنعوا بالشوكة قاتلهم هو والصحابة رضي الله عنهم حتى استأصلوهم.
قال الإمام الماوردي رحمه الله: «وإذا بغت طائفة من المسلمين، وخالفوا رأي الجماعة، وانفردوا بمذهب ابتدعوه، فإن لم يخرجوا به عن المظاهر بطاعة الإمام، ولا تحيزوا بدار اعتزلوا فيها وكانوا أفرادًا متفرقين تنالهم القدرة وتمتد إليهم اليد تركوا ولم يحاربوا، وأجريت عليهم أحكام العدل فيما يجب لهم وعليهم من الحقوق والحدود... إلى أن قال: وإن امتنعت هذه الطائفة الباغية من طاعة الإمام، ومنعوا ما عليهم من الحقوق، وتفردوا باجتباء الأموال وتنفيذ الأحكام، فإن فعلوا ذلك ولم ينصبوا لأنفسهم إمامًا ولا قدموا عليهم زعيمًا كان ما اجتبوه من الأموال غصبًا لا تبرأ منه ذمة، وما نفذوه من الأحكام مردودًا لا يثبت به حق.
وإن فعلوا ذلك وقد نصبوا لأنفسهم إمامًا اجتبوا بقوله الأموال ونفذوا بأمره الأحكام لم يتعرض لأحكامهم بالرد ولا لما اجتبوه بالمطالبة وحوربوا في الحالين على سواء لينزعوا عن المباينة ويفيئوا إلى الطاعة»١٬٥٨٠الأحكام السلطانية: (1/99)..
ثالثًا: لا أعني بقولي: ليست من مسائل القضاء رأسًا، أنها خارجة عن نطاق النظر الشرعي، والتقيد بالأحكام في حقها -والعياذ بالله- فما هذا البحث بمجمله إلا لمعرفة الحكم الشرعي الواجب في هذه المسألة، وإنما المقصود أن النظر القضائي بأحكامه التفصيلية المعروفة غير متأتٍ في الواقع لأسباب عدة ذكرتها من قبلُ، أعظمها امتناع هؤلاء «المتهمين» ووجود الشوكة التي يحتمون بها ويركنون إليها.
وواضحٌ من كلام الفقهاء أن ما يذكرونه من بعض أحكام الجاسوس المسلم، إنما يرتبط بالواقع الذي كانوا يعيشونه من استقامة الحال، وتمكن الإسلام، وبسط سلطانه، ووجود القضاء، وندرة صور التجسس، إذ لم يكن الأمر قطعًا على ما هو عليه اليوم من هذا الانتشار الواسع «لجيوشهم» وانبثاثهم في كل شِعب وواد، ولم يكن حال الإسلام والمسلمين على ما هو عليه اليوم من الضعف والقلة والذلة، واستعلاء الكفرة وتغلبهم بقواتهم الضخمة ومعداتهم المتطورة، ولم يكن اعتماد الكفرة في حربهم للمسلمين ومداهمتهم لبلدانهم على ما هو عليه اليوم والذي صار فيه الجواسيس قطب رحى الحرب وركيزتها التي تستند إليها استنادًا تامًا أو شبه تام.
فالمقصود إذن أن النظر في تهمة التجسس التي قد توجه إلى بعض الأفراد على سبيل القضاء مع التقيد التام بملحقاته وتوابعه، فهذا يعني بالضرورة عدم التعرض لهم بتاتًا، والكف التام عنهم ابتداءً مهما حامت حولهم الشكوك، وحف بهم من القرائن، ومن ثَم تركهم يعيثون في الأرض فسادًا، يصولون ويجولون، وهم آمنون مطمئنون؛ لأن قضيتهم متعلقة بالقضاء، والقضاء مفقود والقضاة معدومون فمِمَّ الخوف إذن؟!
ولنستحضر دائمًا أننا لا نتحدث هنا عن حادثة أو حادثتين أو حتى عشر يمكن التغاضي فيها والتجاوز عنها والتسامح في علاجها، وإنما الحديث عن ظاهرة واسعة استطار شرها، واستفحل ضررها، وتأصَّل فسادها، وتأكد إلحادها، وأصابت لُب الإسلام، واستعلى بسببها الكفرة اللئام، وتمكنوا عن طريقها من إصابة المجاهدين أينما حلوا حتى ولو كانوا في غرف نومهم وبين أهليهم وأبنائهم، وفي مراكبهم وتنقلاتهم، وتتبعوهم واصطادوهم اصطياد الرامي لصيده، والبازي لفريسته فحينما نتحدث عن هذه المشكلة لا ننظر إليها باعتبارها حوادث جزئية متفرقة، أو قضايا عابرة نادرة، بل أمرها ما ذكرتُ ووصفت، فلا بد أن يكون علاجها مكافئًا لحجمها مستحضرًا لخطرها، وإلا فإننا لم نفعل شيئًا.
وعليه فإن مدار الأمر في هذه النازلة المطبقة على قوله تعالى: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُمۡ﴾ [التغابن: 16]، وعلى قوله ﷺ: (فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم)١٬٥٨١رواه مسلم [١٣٣٧] عن أبي هريرة..
رابعًا: تتقابل في هذه المسألة مفسدتان:
المفسدة الأولى: مفسدة عظيمة عامة واقعةٌ متحققة ومتيقَّنة.
المفسدة الثانية: مفسدة خاصة محدودة متوقعة ومحتَملة.
فأما الأولى: فهي ما يحصل للإسلام والمسلمين كل يوم من النكاية البالغة والفتك الشديد بسبب هؤلاء الجواسيس، فالقتل دائمٌ، والدمار شامل، والتنكيل متواصل، والأسر -للرجال والنساء- مستمر، والكفر مستعلٍ، وهذه الأمور كلها مشاهدة محسوسة لا يمكن لأحدٍ أن يتجاهلها أو يتغافل عنها، فليس شيء منها مجرد افتراضات واحتمالات وتوقعات، ونحن مأمورون شرعًا وعقلًا بكف عادية هؤلاء الكفرة ورد صيالهم عنا، وقطع دابر الأسباب التي تعينهم على ارتكاب ما يرتكبون، ومن هذه الأسباب -بل هي أعظمها- جواسيسهم وعيونهم التي نشروها في كل جهة.
وأما الثانية: وهي المفسدة المتوقعة وليست المحققة، فهي احتمال إصابة دم مسلمٍ بريء على سبيل الخطأ ممن اتهم بالتجسس وليس حاله كذلك في نفس الأمر، وليس سفك دم المسلم بغير حق بالأمر الهين، فبهذا يصير المجاهدون متأرجحين بين حالين:
أولهما: السعي لرفع المفسدة «الواقعة» والمضرة القائمة من خلال تتبع الجواسيس، والاعتماد على القرائن والملابسات والأمارات والأحوال في إثبات التهمة عليهم، والتي يحصل بها اليقين -غالبًا- في تحقيق ما اتهموا به، فيكونون بذلك قد كفوا شرًا مستطيرًا وفسادًا عريضًا وأوهنوا شوكة أعدائهم.
ثانيهما: أن يتركوا أعداءهم يصولون ويجولون، ويقتلون ويدمرون، ويغتالون ويأسرون، ويداهمون ويقصفون، خشيةَ أن يُصيب المجاهدون بعض المسلمين البريئين، إذا حاولوا أن يمنعوا كل تلك المصائب من خلال تتبع الجواسيس واستنادهم في ذلك على الأمارات والعلامات والقرائن والملابسات والتي يعلم المرءُ معها يقينًا لصوق التهمة بصاحبها، ولكن لا سبيل له إلى إيجاد الشاهدين العدلين، وتحصيل الإقرار منه طائعًا مختارًا فيخلَّى سبيله، بل لا يتعرض له أصلًا، إما للعجز وإما لعدم الفائدة من ذلك، وبهذا يبقى الفساد العام الكبير «الواقع» مستمرًا احترازًا من حصول المفسدة الخاصة «المتوقعة».
ولا شك أن قواعد الشرع وأصوله تأبى هذا ويتبين ذلك من خلال النقطة الآتية.
خامسًا: اشتهر عند الفقهاء رحمهم الله ذكر مسألة التترس المعروفة، وهي فيما لو تترس الكفار بأسرى المسلمين، ليتقوا بهم رمي المسلمين لهم، لأنهم يعلمون أن المسلمين يحترزون من قتل إخوانهم، فيكون هذا «التترس» سببًا إما في زحفهم وهم آمنون، وإما في الحفاظ على أنفسهم وهم في حصونهم وقلاعهم، وفي هذه المسألة يقول شيخ الإسلام رحمه الله: «بل لو كان فيهم قوم صالحون من خيار الناس ولم يمكن قتالهم إلا بقتل هؤلاء لقتلوا أيضًا، فإن الأئمة متفقون على أن الكفار لو تترسوا بمسلمين وخيف على المسلمين إذا لم يقاتلوا فإنه يجوز أن نرميهم ونقصد الكفار، ولو لم نخف على المسلمين جاز رمي أولئك المسلمين أيضًا في أحد قولي العلماء، ومن قتل لأجل الجهاد الذي أمر الله به ورسوله وهو في الباطن مظلومٌ كان شهيدًا وبعث على نيته، ولم يكن قتله أعظمَ فسادًا من قتل من يقتل من المؤمنين المجاهدين»١٬٥٨٢مجموع الفتاوى: (28/538)..
وقال أيضًا رحمه الله: «وقد اتفق العلماء على أن جيش الكفار إذا تترسوا بمن عندهم من أسرى المسلمين، وخيف على المسلمين الضرر إذا لم يقاتلوا، فانهم يقاتلون وإن أفضى ذلك إلى قتل المسلمين الذين تترسوا بهم، وإن لم يخف على المسلمين ففي جواز القتال المفضي إلى قتل هؤلاء المسلمين قولان مشهوران للعلماء، وهؤلاء المسلمون إذا قتلوا كانوا شهداء، ولا يترك الجهاد الواجب لأجل من يقتل شهيدًا، فإن المسلمين إذا قاتلوا الكفار فمن قتل من المسلمين يكون شهيدًا، ومن قتل وهو في الباطن لا يستحق القتل لأجل مصلحة الإسلام كان شهيدًا»١٬٥٨٣مجموع الفتاوى: (28/547)..
وقال رحمه الله: «وكما لو تترس الكفار بمسلمين ولم يندفع ضرر الكفار إلا بقتالهم، فالعقوبات المشروعة والمقدورة قد تتناول في الدنيا من لا يستحقها في الآخرة، وتكون في حقه من جملة المصائب كما قيل في بعضهم: القاتل مجاهد والمقتول شهيد»١٬٥٨٤مجموع الفتاوى: (10 / 376)..
وليس المقصود هنا هو الحديث على مسألة التترس وأحكامها، وما اتفق عليه منها وما اختلف فيه فهذا له موطنه، وإنما المقصود هو المقارنة بين هذه الحال التي اتفق العلماء عليها وبين ما نحن بصدده ليظهر لنا أولوية مسألة الجواسيس بالحكم من مسألة أسرى المسلمين المتترس بهم، وذلك من خلال المسائل التالية:
المسألة الأولى: أن مدار تجويز رمي الكفار المتترِّسين بالمسلمين هو دفع الضرر «المتوقع» حصوله للمسلمين فيما لو كفوا عنهم، وهو كما عبر عنه شيخ الإسلام بقوله: «وخيف على المسلمين الضرر إذا لم يقاتلوا»، والرمي في هذه الصورة متفقٌ على جوازه بين العلماء حتى ولو أدى إلى قتل أسرى المسلمين بالتبع، وأما الضرر الذي نتحدث عنه في مسألتنا فهو واقعٌ متحققٌ عامٌّ كبير، فالقتال في هذه الحالة أوجب والإلزام به أوكد.
المسألة الثانية: أن الأسرى المسلمين المتترَّس بهم هم بريئون بلا شك بل ومكرهون على الوقوف في الموطن الذي تُزهق فيه أرواحهم، وقتلهم في بعض الحالات ليس محتملًا، بل مستيقنًا منه، فالمجاهد الرَّامي للكفار المتترِّسين يعلم يقينًا أنه بعمله ذلك يقوم بقتل عددٍ من المسلمين البريئين المكرَهين استنادًا إلى حكم الشرع الذي جوز له ذلك ولم يأمره إلا بأن يقصد -بقلبه- رمي الكفار لا الأسرى المسلمين، وسبب تسويغ هذا الرمي هو دفع الضرر الذي يُخاف على المسلمين إن امتنع عن ذلك.
وأما في حالتنا، فإن كثيرًا من القرائن والشواهد والأحوال تجعل الحكم بانتساب الشخص إلى سلك الجواسيس قطعيًا وتلبسَه بهذه الجريمة لا شك فيه، ووقوعُ بعض الحالات الجزئية المحتملة والتي قد يقتل فيها مَن كان بريئًا في حقيقة الأمر-مع التحري والاحتياط- ليست بأشد نكارة من قتل «ترس الأسرى» ممن استيقنتْ براءته، ومع ذلك جوز الشرع الرميَ مع القطع بوقوع القتل.
وقد صوَّر أبو حامد الغزالي رحمه الله مسألة التترس تصويرًا دقيقًا وهو يطرح إشكالها من حيث ارتكاب أحد المحظورين فقال: «فإن قيل: كيف يجوز المصير إلى هذا في هذه المسألة وفي مسألة الترس وقد قدمتم أن المصلحة إذا خالفت النص لم تتبع كإيجاب صوم شهرين على الملوك إذا جامعوا في نهار رمضان، وهذا يخالف قوله تعالى: ﴿وَمَن يَقۡتُلۡ مُؤۡمِنٗا مُّتَعَمِّدٗا﴾ [النساء: 93]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقۡتُلُواْ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۚ﴾ [الأنعام: 151]، وأي ذنب لمسلم يتترس به كافر؟ فإن زعمتم أنا نخصص العموم بصورة ليس فيها خطر كلي فلنخصص العتق بصورة يحصل بها الانزجار عن الجناية حتى يخرج عنها الملوك، فإذا غاية الأمر في مسألة الترس أن يقطع باستئصال أهل الإسلام، فما بالنا نقتل من لم يذنب قصدًا ونجعله فداء للمسلمين ونخالف النص في قتل النفس التي حرم الله تعالى؟ إلى أن قال: وقول القائل: هذا سفك دم محرم معصوم، يعارضه أن في الكف عنه إهلاك دماء معصومة لا حصر لها، ونحن نعلم أن الشرع يؤثر الكلي على الجزئي، فإن حفظ أهل الإسلام عن اصطلام الكفار أهم في مقصود الشرع من حفظ دم مسلمٍ واحد فهذا مقطوع به من مقصود الشرع والمقطوع به لا يحتاج شهادة أصل»١٬٥٨٥المستصفى: (1 / 445)..
المسألة الثالثة: أن الضرر الذي يُخشى وقوعه في مسألة التترس لا يد للأسرى فيه ولا مشاركة لهم في إيقاعه لا باليقين ولا بالظن ولا بالوهم فليس لهم أدنى ملابسة في إيصال الضرر بالمسلمين بل إن حالتهم على مقابلة ذلك تمامًا إذ هم مكرهون على ما هم له كارهون، ولو استطاعوا لكانوا معينين لإخوانهم المسلمين في دفع الضرر عنهم، أما في حالة التجسس، فإن الضرر الحاصل للمسلمين هو بإعانة مباشرة ومشاركة حقيقية من قبل شراذم الجواسيس بل هم ركن الضرر الركين، وأساسه المتين، ومصدره بيقين، فإذا كان الشرع قد جوز رمي الترس -مع القطع بقتلهم- لأجل دفع ضرر لا يد لهم في جلبه وإيقاعه ولا حيلة لهم في كفه ودفعه، فكيف لا يجوِّز قتل مَن كان هو أساس الضرر وسببه ومنبعه مع التحري في معرفته وبذل أقصى الجهد الممكن للوقوف على فاعله بوسائل وطرق تعينت سبيلًا لذلك -لانعدام غيرها-كالاعتماد على القرائن الواضحة، والأمارات الجلية، والشواهد المتكاثرة، والدلائل المتوافرة؟
المسألة الرابعة: كما أن الشرع قد جوز رمي الترس عند الخوف على المسلمين، لتعين الرمي هنا طريقًا لدفع الضرر المتوقع، ولم يأمرهم بكف أيديهم حفاظًا على الأسرى المقهورين، ولم يكلفهم تحمل ما يدهمهم من المضار جراء تغلب الكفرة عليهم، فكذلك الحال عند تعين طريق قطع شر الجواسيس وانحصارها في الاعتماد على القرائن والشواهد والعلامات، فكما أن الكف عن الرمي في مسألة التترس يؤدي إلى وقوع الضرر على المسلمين فاغتفر ما يحصل للأسرى المظلومين، فكذلك التخلي عن الاستناد على شواهد الحال وقرائنه تقود قطعًا إلى استمرار المفاسد العظيمة والمضار الجسيمة التي حلت بالإسلام والمسلمين، ففي الحالتين جاز القتل بناءً على تعين الطريق الذي يكف به الضرر العام إما دفعًا وإما رفعًا، مع أن الأمر في مسألة الجواسيس أبعد عن إصابة البريئين، لأن عقوبتهم -بالقتل أو غيره- لا تكون إلا مع التحري، والتثبت، وقوة الدلائل قدر الإمكان.
المسألة الخامسة: نعم قد يكون هناك فرقٌ مهمٌ بين الصورتين، ففي الأولى يلزم الرامي من المجاهدين -مع تيقنه بقتل إخوانه الأسرى- أن يقصد بقتله الكفار لا المسلمين، وهذا القصد القلبي وإن كان لا يغير من حقيقة الواقع المشهود شيئًا إلا أنه داخلٌ في قوله تعالى: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُمۡ﴾ [التغابن: 16]، وجريًا على القاعدة الفقهية «أن الميسور لا يسقط بالمعسور»، أما في حالة قتل الجواسيس، فإن تعمّد قتل الواحد منهم مقصود، فاجتمع على قتله الفعل والقصد، بل إن فاعله يعده من الأعمال التي يتقرب بها إلى الله تعالى، وما يمكن أن يجاب به عن ذلك هو أن ما يُبذَل من الجهد لمعرفة المتجسس حقيقةً واستقصاء الممكن من الشواهد والدلائل والأحوال هو أيضًا داخلٌ في قوله تعالى ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُمۡ﴾ [التغابن: 16]، بل إن الانتفاع العملي بهذا الجهد أظهر من مجرد عدم قصد القلب مع ممارسة فعل الرمي؛ لأن في هذا التتبع والاستقصاء فائدتين:
الفائدة الأولى: متعلقة بذات الشخص الذي يُبحَث عن حاله وينظر في شواهد أفعاله، وهذا يؤدي قطعًا إلى تضييق دائرة قتل من لا يستحق ذلك إلى أقصى حد وإن لم يمكن منع ذلك تمامًا، ونتيجة هذا هو المنع من إصابة دماء المسلمين أو تقليل ذلك حسب الممكن، والواقع شاهدٌ على هذه الحقيقة في سائر ساحات الجهاد والتي لم يجد المجاهدون لأنفسهم فيها مناصًا من الاعتماد على قرائن الأحوال وشواهدها في تتبع الجواسيس وقتلهم.
والفائدة الثانية: متعلقة بنفس الشخص المستقصي للشواهد والمتتبع للأمارات حيث يكون قد بذل جهده، واستفرغ وسعه، واتقى الله ما استطاع، وفي حقه يقال أيضًا: إن الميسور لا يسقط بالمعسور، فما أمكنه تحصيله وإيجاده من قرائن الأحوال وملابساتها مما يمكن أن يزيد من درجة التيقن في إثبات الجريمة على المتهم لا يسقطه العجز عن وجود الشاهدين، أو الاعتماد على إقرار المتهم.
أما في حالة رمي الترس، فإن الانتفاع باستثناء القصد القلبي عند الرمي ترجع فائدته -فقط- إلى الرامي، وإلا فإن فعله يؤدي قطعًا إلى سفك دم مسلم بريء لا يملك من أمره شيئًا، والله تعالى أعلم.
❖ ❖ ❖
هذا وقد بيّن الشرع جواز الاعتماد على الشواهد والقرائن وتعاضد الدلائل في بعض المواطن التي يتعذر فيها إقامة البينات، بحيث يؤدي ترقبها والتكليف بإقامتها إلى تضييع الحقوق وإهدارها، وإنما قلت ما قلتُ بناء على أن البينة -وإن جرى الاصطلاح على معنى معين لها- إلا أنها في الحقيقة أوسع من ذلك لتشمل كل طريقة يمكن بها إثبات الحق كما قال الإمام ابن القيم رحمه الله: «وبالجملة فالبينة اسم لكل ما يبين الحق ويظهره، ومَن خصها بالشاهدين، أو الأربعة، أو الشاهد، لم يوف مسماها حقه، ولم تأتِ البينة قط في القرآن مرادًا بها الشاهدان، وإنما أتت مرادا بها الحجة والدليل والبرهان مفردة ومجموعة... والشاهدان من البينة، ولا ريب أن غيرها من أنواع البينة قد يكون أقوى منها لدلالة الحال على صدق المدعي؛ فإنها أقوى من دلالة إخبار الشاهد، والبينة والدلالة والحجة والبرهان والآية والتبصرة والعلامة والأمارة متقاربة في المعنى»١٬٥٨٦الطرق الحكمية: (1/16)..
فالاعتضاد بالقرائن والملابسات في تقوية الحكم، بل الاستناد إليها أحيانًا في إثباته لا شك أنه من الشرع؛ لأنه من البينات المعتبرة كما دل على ذلك الكتاب والسنة والاعتبار، وفي هذا يقول الإمام ابن القيم رحمه الله: «فالشارع لم يلغ القرائن والأمارات ودلالات الأحوال، بل من استقرأ الشرع في مصادره وموارده وجده شاهدًا لها بالاعتبار، مرتبًا عليها الأحكام»١٬٥٨٧الطرق الحكمية: (1/16)..
وهذا في حال تمكن الإسلام ووجود سلطته وظهور دولته، وإنما المقصود هنا هو أن الشرع قد جوز «القتل» في بعض الحالات التي تعذر فيها إقامة البينة استنادًا إلى قرائن الحال واعتبارًا لشواهده والتي قد تكون في بعض الحالات أقوى حجة وأظهر دليلًا وأقطع صدقًا من البينة نفسها بل حتى من الإقرار الذي يسمى «سيد الأدلة»، مع التنبيه الضروري على أن ما نحن بصدده في هذه المسألة ليس هو من الدعاوى الخاصة التي تتعلق بأعيان الناس ومظالمهم الجزئية، وإنما هو من مصالح الأمة العامة التي يرتبط بها تأمين الناس على أنفسهم، ودمائهم، وأعراضهم، وأموالهم، ودينهم، ودنياهم، وبالتالي فالمفاسد المترتبة على إهدار الأخذ بالشواهد والقرائن ليست مفاسد جزئية محدودة مغمورة وإنما هي أعظم المفاسد وأفدح المضار وهو اصطلام الإسلام واستعلاء الكفرة الطغام، والجاسوسية التي هي إحدى سبل وقوع هذه المفاسد -وكلامنا عليها هنا- هي مما عمت به البلوى عمومًا ظاهرًا، وظهرت نكايتها وفتكها بأهل الإسلام ظهورًا واضحًا.
فإذا كان الشرع قد أباح بعض الدماء -وفي حالات جزئية- اعتمادًا على القرائن والشواهد، كي لا تضيع حقوق الناس فلأن يجيز ذلك في مثل الحال التي ذكرناها -حيث الضرر العام والمفسدة الكبرى- من باب أولى وأحرى، ونشير هنا إلى بعض تلك الأدلة الشرعية التي اعتبرت فيها القرائن وشواهد الحال كافية في إثبات الجناية ومن ثَم إنزال العقوبة الشرعية على مقترفها.
الدليل الأول: عن وائل بن حجر رضي الله عنه: «أن امرأة وقع عليها رجل في سواد الصبح، وهي تعمد إلى المسجد، فاستغاثت برجل مر عليها، وفر صاحبها، ثم مر عليها قوم ذوو عدة، فاستغاثت بهم، فأدركوا الذي استغاثت به، وسبقهم الآخر فذهب، فجاؤوا به يقودونه إليها، فقال: أنا الذي أغثتك، وقد ذهب الآخر، فأتوا به رسول الله ﷺ فأخبرته أنه وقع عليها، وأخبره القوم أنهم أدركوه يشتد، فقال: إنما كنت أغيثها على صاحبها، فأدركني هؤلاء فأخذوني، قالت: كذب هو الذي وقع علي، فقال رسول الله ﷺ: (اذهبوا به فارجموه)؛ فقام رجل من الناس، فقال: لا ترجموه، وارجموني أنا الذي فعلت بها الفعل فاعترف، فاجتمع ثلاثة عند رسول الله ﷺ، الذي وقع عليها والذي أجابها والمرأة، فقال لها: (أما أنت فقد غفر الله لك)، وقال: للذي أصابها قولًا حسنًا، قال عمر: «ارجم الذي اعترف بالزنا»، قال رسول الله ﷺ: (لا لأنه قد تاب توبة إلى الله -أحسبه قال- توبة لو تابها أهل المدينة، أو أهل يثرب لقبل منهم)؛ فأرسلهم»١٬٥٨٨رواه أحمد [27240]، وأبو داود [4379]، والترمذي [1454]، والنسائي [٧٢٧٠]، والطبراني في الكبير [22/16]، والبيهقي [2652] -واللفظ له- وابن الجارود [٨٨٨]، وفي رواية بعضهم أن النبي ﷺ أمر برجم الْمُقر، وقد حسن الشيخ الألباني هذا الحديث إلا قوله: (فارجموه)، كما في بعض الروايات..
قال الإمام ابن القيم رحمه الله: «هذا الحديث إسناده على شرط مسلم، ولعله تركه لهذا الاضطراب الذي وقع في متنه، والحديث يدور على سماك، وقد اختلفت الرواية في رجم المعترف، فقال أسباط بن نصر عن سماك: فأبى أن يرجمه، ورواية أحمد، وأبي داود ظاهرة في ذلك، ورواية الترمذي عن محمد بن يحيى صريحة في أنه رجمه.
وهذا الاضطراب إما من سماك -وهو الظاهر- وإما ممن هو دونه، والأشبه أنه لم يرجمه كما رواه أحمد، والنسائي، وأبو داود، ولم يذكروا غير ذلك، ورواته حفظوا أن رسول الله ﷺ سئل رجمه فأبى وقال: لا.
الذي قال: إنه أمر برجمه إما أن يكون جرى على المعتاد، وإما أن يكون اشتبه عليه أمره برجم الذي جاءوا به أولًا فوهم وقال إنه أمر برجم المعترف، وأيضا فالذين رجمهم رسول الله ﷺ في الزنا مضبوطون معدودون وقصصهم محفوظة معروفة، وهم ستة نفر الغامدية، وماعز، وصاحبة العسيف، واليهوديان، والظاهر أن راوي الرجم في هذه القصة استبعد أن يكون قد اعترف بالزنا بين يدي رسول الله ﷺ ولم يرجمه وعلم أن من هديه رجم الزاني فقال: وأمر برجمه»١٬٥٨٩الطرق الحكمية: (1 /87)..
ففي هذا الحديث أمر النبي ﷺ برجم الرجل الْمُغيث بناءً على شواهد الحال؛ لأن المرأة ذكرت شيئًا من الشواهد القوية في حقه من ذلك قرينة عدوه وشهود القوم على ركضه وأخذه على تلك الحال، مع أن الذي يثبت به الزنا فيما يتعلق بالشهود من أشد القضايا تشددا، وكذلك معلوم أن المرأة إذا أقرت أن رجلًا زنى بها فإقرارها على نفسها لا يجري عليه، ولكن قرائن الواقعة هنا قضت عليه بالتهمة كقيء الخمر مع أنه في نفس الأمر كان بريئًا، ولو لم يقم صاحب الفعلة ويعترف بما اقترف لرجم الرجل، فإذا ساغ هذا في حادثة عابرة، وقضية جزئية لا يتعلق فسادها إلا بامرأة واحدة لم تُصِب في اتهامها للرجل، فكيف بالأمر إذا كان تعلقه بالحفاظ على دين الأمة، ودماء المسلمين، ورفع تسلط الكافرين، مع أن أكثر الشواهد والضمائم١٬٥٩٠[هو من «الضم»: أي جمع الشيء إلى الشيء كما في كتب اللغة؛ فالضمائم هنا بمعنى: اجتماع القرائن]. التي يُعتمد عليها في حق المتهمين بالتجسس تكون مقطوعًا بها لا يتطرق إليها أدنى شك، واحتمال إصابة مَن لا ذنب له منهم بعد الاجتهاد والتحري والتثبت كالاحتمال الذي كاد الرجل المغيث أن يُقتل به، أو أدنى والله تعالى أعلم.
قال العلامة ابن القيم رحمه الله: «فإن قيل: فكيف أمر رسول الله ﷺ برجم المغيث من غير بيّنة ولا إقرار؟
قيل: هذا من أدل الدلائل على اعتبار القرائن والأخذ بشواهد الأحوال في التهم، وهذا يشبه إقامة الحدود بالرائحة والقيء كما اتفق عليه الصحابة، وإقامة حد الزنا بالحبل كما نص عليه عمر وذهب إليه فقهاء أهل المدينة وأحمد في ظاهر مذهبه، وكذلك الصحيح أنه يقام الحد على المتهم بالسرقة إذا وجد المسروق عنده، فهذا الرجل لما أدرك وهو يشتد هربًا وقالت المرأة هذا هو الذي فعل بي، وقد اعترف بأنه دنا منها، وأتى إليها، وادعى أنه كان مغيثًا لا مريبًا، ولم ير أولئك الجماعة غيره كان في هذا أظهر الأدلة على أنه صاحبها، وكان الظن المستفاد من ذلك لا يقصر عن الظن المستفاد من شهادة البيّنة.
واحتمال الغلط وعداوة الشهود كاحتمال الغلط أو عداوة المرأة ههنا، بل ظن عداوة المرأة في هذا الموضع في غاية الاستبعاد، فنهاية الأمر أن هذا لوث ظاهر لا يستبعد ثبوت الحد بمثله شرعًا، كما يقتل في القسامة باللوث الذي لعله دون هذا في كثير من المواضع، فهذا الحكم من أحسن الأحكام وأجراها على قواعد الشرع، والأحكام الظاهرة تابعة للأدلة الظاهرة من البينات والأقارير وشواهد الأحوال، وكونها في نفس الأمر قد تقع غير مطابقة ولا تنضبط أمر لا يقدح في كونها طرقًا وأسبابًا للأحكام»١٬٥٩١إعلام الموقعين: (3 / 9)..
وقال ابن القيم في القصة نفسها: «فإن قيل: كيف أمر برجم البريء؟
قيل: لو أنكر لم يرجمه، ولكن لما أخذ وقالت هو هذا ولم ينكر، ولم يحتج عن نفسه، فاتفق مجيء القوم به في صورة المريب، وقول المرأة هذا هو وسكوته سكوت المريب، وهذه القرائن أقوى من قرائن حد المرأة بلعان الرجل وسكوتها فتأمله»١٬٥٩٢إعلام الموقعين: (4 / 371)..
وما ذكره الإمام ابن القيم رحمه الله من أن الرجل المغيث لم ينكر ولم يحتج عن نفسه، الظاهر من الرواية خلافه، فإن فيها قول الرجل: «أنا الذي أغثتك»، وقوله أمام رسول الله ﷺ: «إنما كنت أغيثها على صاحبها، فأدركني هؤلاء فأخذوني»، فردت عليه المرأة قوله وقالت: «كذب هو الذي وقع علي» كل هذا يدل على أن الرجل كان يبرِّئ نفسه، ويدفع التهمة عنه، ويخبر بأنه كان مغيثًا لا مريبًا، فكيف يقال بعد هذا كله: بأنه لم ينكر؟!
فالظاهر -والله تعالى أعلم- أن اشتداده وركضه كالفارِّ، مع إخبار المرأة للجمع بأن رجلًا فعل بها ما فعل، وعدم عثورهم على أحدٍ سواه، ثم تأكيد المرأة بعد رؤيته بأنه صاحبها، كل ذلك عيّن التهمة عليه وأكدها في حقه، ولم يكن لإنكاره تأثير مقابل كل هذه الشواهد والدلائل؛ فلهذا أمر النبي ﷺ برجمه.
ولهذا قال الإمام ابن القيم رحمه الله نفسه في هذا الحديث: «فإن قيل: فكيف تصنعون بأمره برجم المتهم الذي ظهرت براءته، ولم يقر، ولم تقم عليه بينة، بل بمجرد إقرار المرأة عليه؟
قيل: هذا لَعمر الله هو الذي يحتاج إلى جواب شاف؛ فإن الرجل لم يُقر، بل قال أنا الذي أغثتها، فيقال -والله أعلم-: إن هذا مثل إقامة الحد باللوث الظاهر القوي؛ فإنه أدرك وهو يشتد هاربًا بين يدي القوم، واعترف بأنه كان عند المرأة، وادعى أنه كان مغيثًا لها، وقالت المرأة هو هذا وهذا لوث ظاهر.
وقد أقام الصحابة حد الزنا والخمر باللوث الذي هو نظير هذا أو قريب منه وهو الحمل والرائحة، وجوز النبي ﷺ لأولياء القتيل أن يقسموا على عين القاتل وإن لم يروه للوث ولم يدفعه إليهم، فلما انكشف الأمر بخلاف ذلك تعين الرجوع إليه كما لو شهد عليه أربعة أنه زنا بامرأة فحكم برجمه فإذا هي عذراء أو ظهر كذبهم، فإن الحد يدرأ عنه ولو حكم به، فهذا ما ظهر في هذا الحديث الذي هو من مشكلات الأحاديث والله أعلم»١٬٥٩٣الطرق الحكمية: (1/89)..
الدليل الثاني: القتل بالقسامة، وهي: «أيمان مكررة يحلفها وليُّ الدم عند وجود قتيل في محلة لم يعرف قاتله وبينه وبينهم لوث»١٬٥٩٤معجم لغة الفقهاء: (1/362)..
فعن سهل بن أبي حثمة رضي الله عنه قال: «انطلق عبد الله بن سهل ومحيصة بن مسعود إلى خيبر، وهي يومئذ صلح، فتفرقا، فأتى محيصة إلى عبد الله بن سهل -وهو يتشحط في دمه قتيلًا- فدفنه، ثم قدم المدينة، فانطلق عبد الرحمن بن سهل ومحيصة وحويصة ابنا مسعود إلى النبي ﷺ؛ فذهب عبد الرحمن يتكلم، فقال النبي ﷺ: (كبر، كبر) -وهو أحدث القوم- فسكت، فتكلما، فقال: أتحلفون وتستحقون قاتلكم أو صاحبكم؟ قالوا: وكيف نحلف، ولم نشهد، ولم نر؟ قال: فتبرئكم يهود بخمسين يمينًا، قالوا: كيف بأيمان قوم كفار؟ فعقله النبي ﷺ من عنده»١٬٥٩٥متفق عليه، [البخاري: (٣١٧٣) واللفظ له، ومسلم: (١٦٦٩)]..
فالقسامة تشرع في القتيل يوجد ولم يعلم قاتله، واتهم به شخص، ولم تكن بيّنة، وقامت القرائن على صدق المدعي، وفي الأخذ بها وما يترتب عليها من قصاص أو دية خلافٌ بين العلماء، والحديث الصحيح يدل عليها، والمقصود هنا، هو أن الشرع لم يهدر دم القتيل بسبب عدم وجود البينة أو الإقرار، بل شرع طريقًا أخرى مع وجود «اللوث» وهو: «القرينة الدالة على حدوث أمر من الأمور دون دليل قاطع، ومنه قولهم في القسامة: إذا قتل في محلة ولم يعرف قاتله، وبين المقتول وهذا الحي لوث»١٬٥٩٦معجم لغة الفقهاء: (1/394)..
وصور اللوث عديدة وقد اختلف العلماء في كثير منها، ولكن مدارها على ما ذكرنا، وهو قيام قرينة ينشأ عنها غلبة الظن بصدق المدعي، ولهذا تحتاج إلى التأكيد بالأيمان المكررة من أولياء دم القتيل، مع أنهم لم يشهدوا عين القاتل ولا صفة القتل، وإذا فعلوا ذلك استحقوا دم الرجل الذي عيّنوه.
فالشرع في هذه الصورة، لم يهدر دم القتيل لعدم معرفة عين قاتله، ولم يكلفهم تحصيل الشاهدين العدلين -وهو يعلم عجزهم عنه-؛ لأن ذلك يؤدي إلى شيوع القتل وانتشاره مع بقاء القتلة في مأمن من سيف القصاص، بل شرع طريقًا آخر تحفظ به الدماء وتصان به الأنفس بناء على غلبة الظن الحاصلة من اللوث والأيمان معًا، فإذا كان الاعتماد على القرائن وشواهد الحال مشروعًا في قتل المتهم مع أن ضرره وقع على نفسٍ واحدة، والشرع قد جعل لذلك بديلًا وهو الدية، وقد يكون دافع القتل عداوة دنيوية مجردة، فكيف بالقرائن وشواهد الأحوال التي يحصل بها اليقين غالبًا والتي يؤدي إهدارها وإلغاؤها إلى تسلط الكفرة على المسلمين، واستفحال القتل في خيارهم، مع أن الأمر لا يتعلق بقتل شخص ولا شخصين بل بحرب منظمة مستمرة تستهدف استئصال الساعين لإقامة دين الله تعالى والمجتهدين في أن تكون كلمته هي العليا، وليس بين هؤلاء وبين المتهمين بالتجسس إلا عداوة الدين الخالصة، أليس هؤلاء أولى بأن تهدر دماؤهم ويدفع شرهم اعتمادًا على القرائن والشواهد والملابسات التي تكون في الغالب قطعية يقينية، لا سيما مع التيقن بعدم وجود غيرها مما يمكن أن يؤدي الغرض ويكفي لتحصيل المقصود؟!
قال الإمام ابن القيم رحمه الله: «وقد تقدم استشهاد ابن عقيل باللوث في القسامة وهو من أحسن الاستشهاد؛ فإنه اعتماد على ظاهر الأمارات الْمُغلبة على الظن صدقَ المدعي، فيجوز له أن يحلف بناء على ذلك، ويجوز للحاكم -بل يجب عليه- أن يثبت له حق القصاص أو الدية مع علمه أنه لم يرَ، ولم يشهد، فإذا كان هذا في الدماء المبني أمرها على الحظر والاحتياط فكيف بغيرها»١٬٥٩٧الطرق الحكمية: (1/15)..
وقال أيضًا في ثبوت الحكم بالقسامة عدم معارضة ذلك لحديث: (لو يعطى الناس بدعواهم...)١٬٥٩٨[والحديث متفق عليه، البخاري: (٤٥٥٢)، ومسلم: (١٧١١)].: «والذي شرع الحكم بالقسامة هو الذي شرع ألا يعطى أحد بدعواه المجردة، وكلا الأمرين حق من عند الله، لا اختلاف فيه، ولم يعط في القسامة بمجرد الدعوى، وكيف يليق بمن بهرت حكمة شرعه العقول أن لا يعطي المدعي بمجرد دعواه عودًا من أراك ثم يعطيه بدعوى مجردةٍ دمَ أخيه المسلم؟
وإنما أعطاه ذلك بالدليل الظاهر الذي يغلب على الظن صدقه فوق تغليب الشاهدين، وهو اللوث والعداوة والقرينة الظاهرة من وجود العدو مقتولا في بيت عدوه، فقوى الشارع الحكيم هذا السبب باستحلاف خمسين من أولياء القتيل الذين يبعد -أو يستحيل- اتفاقهم كلهم على رمي البريء بدم ليس منه بسبيل ولا يكون فيهم رجل رشيد يراقب الله؟
ولو عرض على جميع العقلاء هذا الحكم والحكم بتحليف العدو الذي وجد القتيل في داره بأنه ما قتله لرأوا أن ما بينهما من العدل كما بين السماء والأرض، ولو سئل كل سليم الحاسة عن قاتل هذا لقال من وجد في داره، والذي يقضي منه العجب أن يرى قتيل يتشحط في دمه وعدوه هارب بسكين ملطخة بالدم ويقال: القول قوله، فيستحلفه بالله ما قتله ويخلي سبيله، ويقدم ذلك على أحسن الأحكام وأعدلها وألصقها بالعقول والفطر، الذي لو اتفقت العقلاء لم يهتدوا لأحسن منه، بل ولا لمثله»١٬٥٩٩إعلام الموقعين: (2 / 500)..
وقال أيضًا: «بل الحكم بالقسامة وتقديم أيمان مدعي القتل هو من هذا استنادًا إلى القرائن الظاهرة»١٬٦٠٠زاد المعاد: (3 / 129)..
وقال الإمام القرافي المالكي –رحمه الله- في ذكر بعض الحالات التي اعتمد فيها على القرائن في الحكم: «وأما ما ورد في السنة النبوية فمواضع منها أنه: ﷺ حكم بموجب اللوث في القسامة، وجوز للمدعين أن يحلفوا خمسين يمينا، ويستحقوا دم القتيل في حديث حويصة ومحيصة، والحديث فيه ذكر العداوة بينهم، وأنه قتل في بلدهم، وليس فيها غير اليهود، أو أنه قد قام من القرائن ما دل على أن اليهود قتلوه، ولكن جهلوا عين القاتل، ومثل هذا لا يبعد إثباته لوثا فلذلك جرى حكم القسامة فيه»١٬٦٠١أنوار البروق في أنواع الفروق: (7/475).
الدليل الثالث: عن ابن عمر رضي الله عنهما: «أن النبي ﷺ قاتل أهل خيبر حتى ألجأهم إلى قصرهم فغلب على الأرض، والزرع، والنخل، فصالحوه على أن يجلوا منها ولهم ما حملت ركابهم، ولرسول الله ﷺ الصفراء والبيضاء، ويخرجون منها، فاشترط عليهم أن لا يكتموا ولا يغيبوا شيئًا، فإن فعلوا، فلا ذمة لهم ولا عصمة، فغيبوا مسكًا فيه مال وحلي لحيي بن أخطب، كان احتمله معه إلى خيبر، حين أجليت النضير، فقال رسول الله ﷺ لعم حيي: (ما فعل مسك حيي الذي جاء به من النضير؟) فقال: «أذهبته النفقات والحروب»، فقال ﷺ: (العهد قريب والمال أكثر من ذلك)، فدفعه رسول الله ﷺ إلى الزبير بن العوام، فمسه بعذاب، وقد كان حيي قبل ذلك قد دخل خربة، فقال: قد رأيت حييًا يطوف في خربة هاهنا، فذهبوا فطافوا، فوجدوا المسك في خربة فقتل رسول الله ﷺ ابني أبي حقيق وأحدهما زوج صفية بنت حيي بن أخطب، وسبى رسول الله ﷺ نساءهم وذراريهم، وقسم أموالهم للنكث الذي نكثوه»١٬٦٠٢رواه ابن حبان [٢١٤٥] -واللفظ له-، وأبو داود [٣٠٠٦]، والبيهقي [١٨٣٨٧]، وابن المنذر [في الأوسط: (٦٧٠١)]، وقال الإمام ابن حجر: «أخرجه البيهقي بإسناد رجاله ثقات» فتح الباري: (7 /479)، وحسنه الشيخ الألباني رحمه الله..
والعجيب أن شيخ الإسلام رحمه الله قد عزا هذا الحديث إلى الصحيح فقال: «وقد ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ أمر الزبير أن يمس بعض المعاهدين بالعذاب لما كتم إخباره بالمال حين سأله عن كنز حي بن أخطب، فقال: يا محمد أذهبته النفقات والحروب، فقال: (المال كثير والعهد أقرب من هذا)، ثم قال للزبير: (دونك هذا)، فمسه الزبير بشيء من العذاب فدلهم على المال»١٬٦٠٣مختصر الفتاوى المصرية: (1 / 358)..
وقال في موطن آخر: «وقد روى البخاري في صحيحه عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي ﷺ لما صالح أهل خيبر... الحديث»١٬٦٠٤السياسة الشرعية: (41)، فالله تعالى أعلم، [وقال محقق كتاب السياسة الشرعية في تعليقه على ما ذكره ابن تيمية (ص 62): «ذكر البخاري بعد (2730) سنده فقط دون متنه وقال: (اختصره)، وقد عزاه الحميدي مطولا للبخاري في «الجمع بين الصحيحين»: (1/ 121)، وعزاه المؤلف في «الفتاوى»: (35/ 407) للصحيح، وشيخ الإسلام كثير الاعتماد على كتاب الحميدي، بل هو من أوائل محفوظاته، فالغالب أنه اعتمد عليه في العزو، وقد نبه الحافظ ابن حجر في «الفتح»: (5/ 387) إلى صنيع الحميدي في هذا الحديث فقال: «تنبيه: وقع للحميدي نسبة رواية حماد بن سلمة مطولة جدا إلى البخاري، وكأنه نقل السياق من مستخرج البرقاني كعادته وذهل عن عزوه إليه، وقد نبه الإسماعيلي على أن حمادا كان يطوله تارة ويرويه تارة مختصرا»»]..
والشاهد من هذا الحديث: أن النبي ﷺ قد اعتمد على شواهد الحال وقرائنه على تكذيب اليهود في ادعائهم ذهاب مسك حيي، فقال: (العهد قريب والمال أكثر من ذلك)، وبناء على هذه القرينة أمر الزبير بأن يمسه بشيء من العذاب، فظهر كذبه به بعدما عرّف مكان المال الذي أخفوه، وبهذا عدهم النبي ﷺ ناكثين للعهد فقتل من قتل منهم وسبى نساءهم وذراريهم، وهذا ألجمه ﷺ بشواهد الحس التي لا يمكن دفعها: العهد قريب والمال أكثر من ذلك؛ أي أكثر من أن تفنيه نفقات الحرب في هذه المدة اليسيرة، وهذه قرينة دلت على كذب الرجل فتناقصت عصمته شيئا فشيئا أولًا بمسه بشيء من العذاب ثم بعد الحصول على المال قتل.
قال الإمام ابن القيم رحمه الله: «وكثير من القرائن والأمارات أقوى من النكول، والحس شاهد بذلك فكيف يسوغ تعطيل شهادتها؟
من ذلك أن النبي ﷺ أمر الزبير أن يقرر عم حيي بن أخطب بالعذاب على إخراج المال الذي غيبه وادعى نفاده فقال له العهد قريب والمال أكثر من ذلك فهاتان قرينتان في غاية القوة: كثرة المال، وقصر المدة التي ينفق كله فيها... ففي هذه السنة الصحيحة الاعتماد على شواهد الحال والأمارات الظاهرة، وعقوبة أهل التهم، وجواز الصلح على الشرط وانتقاض العهد إذا خالفوا ما شرط عليهم.
وفيه من الحكم إخزاء الله لأعدائه بأيديهم وسعيهم وإلا فهو سبحانه قادر أن يطلع رسوله على الكنز فيأخذه عنوة ولكن كان في أخذه على هذه الحال من الحكم والفوائد وإخزاء الكفرة أنفسهم بأيديهم ما فيه والله أعلم.
وفي بعض طرق هذه القصة أن ابن عم كنانة اعترف بالمال حين دفعه رسول الله ﷺ إلى الزبير فعذبه»١٬٦٠٥الطرق الحكمية: (9/11)..
وقال وهو يعدد الفوائد المستنبطة من الحادثة: «ومنها: الأخذ في الأحكام بالقرائن والأمارات كما قال النبي ﷺ لكنانة: (المال كثير والعهد قريب)؛ فاستدل بهذا على كذبه في قوله: أذهبته الحروب والنفقة»١٬٦٠٦زاد المعاد: (3 /306)..
وهؤلاء الذين كتموا مكان المال كانوا معاهدين فأمر النبي ﷺ الزبير بضربهم لما ظهر له من القرائن والأمارات كذبهم، إذ لا يمكن نفاد المال -لكثرته- في المدة القليلة، فلما دلوا على مكانه واستخرجه المسلمون أمر النبي ﷺ بقتلهم وعد ذلك نقضًا منهم لما عاهدوا عليه.
ومن المعلوم أن هناك من قرائن الأحوال ودلائل الأمارات والعلامات في حق المتهمين بالتجسس ما هو أقوى من هذا بكثير، لا سيما وأن الموطن موطن دفع مضار متحققة وواقعة ومتتابعة وعامة مع انسداد أو انعدام الطرق الأخرى التي تؤدي إلى كفها وقطعها أو حتى تخفيفها، مع أن القصة ليس فيها تصريح بأن مَن مسه الزبير بشيء من العذاب هو من قام بإخفاء مسك المال، ولا ذكر أنه يعلم مكانه، وإنما أشار إلى أنه رأى حييًا يطوف في خربة عيَّنها، فحينما عثر على المال كان هذا أكبر شاهد على معرفته به، ومشاركته -ولو بسكوته- في إخفائه والتستر عليه، ومن ثم حكم النبي ﷺ بقتلهم.
الدليل الرابع: عن ابن عباس رضي الله عنهما أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خطب فقال: «إن الله بعث محمدًا بالحق وأنزل عليه الكتاب، فكان فيما أنزل عليه آية الرجم قرأناها ووعيناها وعقلناها فرجم رسول الله ﷺ، ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: ما نجد الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، وإن الرجم حق في كتاب الله تعالى: على من زنى، إذا أُحصن من الرجال والنساء، إذا قامت البينة، أو كان الحَبَل، أو الاعتراف»١٬٦٠٧متفق عليه، [البخاري: (٦٨٢٩)، ومسلم: (١٦٩١) واللفظ له]..
فالشاهد من الحديث: أن عمر رضي الله عنه قد عدد الأمور التي يثبت بها الزنى على المرأة فيقام به حد الرجم عليها، وهي البيّنة، أو الحبل؛ أي الحمل، أو اعترافها، فقد جعل الحبل -وهو قرينة من القرائن- دليلًا على وقوعها في الزنى كما قال شيخ الإسلام: «فجعل الحبل دليلا على ثبوت الزنا كالشهود»١٬٦٠٨منهاج السنة النبوية: (6 /94)..
وقال: هذا بمحضر من الصحابة رضي الله عنهم وفي خطبة الجمعة، ولم ينكر عليه أحدٌ فيكاد يكون إجماعًا منهم.
قال الإمام ابن القيم رحمه الله: «والمقصود أن الشارع لم يوقف الحكم في حفظ الحقوق البتة على شهادة ذكرين لا في الدماء، ولا في الأموال، ولا في الفروج، ولا في الحدود، بل قد حد الخلفاء الراشدون والصحابة في الزنا بالحبل، وفي الخمر بالرائحة والقيء، وكذلك إذا وجد المسروق عند السارق كان أولى بالحد من ظهور الحبل والرائحة في الخمر، وكل ما يمكن أن يقال في ظهور المسروق أمكن أن يقال في الحبل والرائحة، بل أولى؛ فإن الشبهة التي تعرض في الحبل من الإكراه ووطء الشبهة، وفي الرائحة، لا يعرض مثلها في ظهور العين المسروقة، والخلفاء الراشدون والصحابة رضي الله عنهم لم يلتفتوا إلى هذه الشبهة التي تجيز غلط الشاهد ووهمه، وكذبه أظهر منها بكثير، فلو عطل الحد بها؛ لكان تعطيله بالشبهة التي تمكن في شهادة الشاهدين أولى، فهذا محض الفقه والاعتبار ومصالح العباد، وهو من أعظم الأدلة على جلالة فقه الصحابة وعظمته ومطابقته لمصالح العباد وحكمة الرب وشرعه، وأن التفاوت الذي بين أقوالهم وأقوال من بعدهم كالتفاوت الذي بين القائلين»١٬٦٠٩إعلام الموقعين: (1 / 103)..
وقال أيضًا: «ولقد حد أصحاب النبي ﷺ في الزنى بمجرد الحبل، وفي الخمر بالرائحة والقيء، وهذا هو الصواب؛ فإن دليل القيء والرائحة والحبل على الشرب والزنى أولى من البيّنة قطعًا، فكيف يظن بالشريعة إلغاء أقوى الدليلين؟»١٬٦١٠إعلام الموقعين: (4 / 374)..
وقال الإمام ابن تيمية رحمه الله: «واختلفوا في المرأة إذا وجدت حُبلى، ولم يكن لها زوج، ولا سيد، ولم تدع شبهة في الحبل، ففيها قولان في مذهب أحمد قيل: لا حد لها؛ لأنه يجوز أن تكون حبلت مكرهة، أو بتحملٍ، أو بوطءِ شبهة، وقيل: بل تحد، وهذا هو المأثور عن الخلفاء الراشدين، وهو الأشبه بأصول الشريعة، وهو مذهب أهل المدينة؛ فإن الاحتمالات النادرة لا يلتفت إليها كاحتمال كذبها وكذب الشهود»١٬٦١١السياسة الشرعية: (1 /133)..
وقال أيضًا: «ومن ذلك أهل المدينة يتبعون ما خطب به عمر بن الخطاب على منبر رسول الله ﷺ حيث قال: «الرجم في كتاب الله حق على كل من زنا من الرجال والنساء إذا أحصن وقامت البيّنة، أو كان الحبل، أو الاعتراف، وكذلك يحدون في الخمر بما إذا وجد سكرانًا، أو تقيأ، أو وجدت منه الرائحة ولم يكن هناك شبهة، وهذا هو المأثور عن النبي ﷺ وخلفائه الراشدين كعمر وعثمان وعلي.
وأبو حنيفة والشافعي لا يرون الحد إلا بإقرار أو بينة على الفعل، وزعموا أن ذلك شبهة، وعن أحمد روايتان، ومعلوم أن الأول أشبه لسنة رسول الله وسنة خلفائه الراشدين، وهو حفظ لحدود الله تعالى التي أمر الله بحفظها، والشبهة في هذا كالشبهة في البيّنة والإقرار الذي يحتمل الكذب والخطأ»١٬٦١٢مجموع الفتاوى: (20 /384)..
وقال العلامة ابن فرحون المالكي رحمه الله وهو يعدد بعض ما جاء في السنة من الاعتماد على الشواهد في الأحكام: «ومنها: حكم عمر بن الخطاب رضي الله عنه والصحابة معه متواترون برجم المرأة إذا ظهر بها حمل ولا زوج لها، وقال بذلك مالك وأحمد بن حنبل اعتمادًا على القرينة الظاهرة»١٬٦١٣تبصرة الحكام: (4 /169)..
الدليل الخامس: عن أَنَسٍ رضي الله عنه: «أَنَّ نَاسًا من عُكْلٍ وَعُرَيْنَةَ قَدِمُوا على النبي ﷺ وَتَكَلَّمُوا بِالْإِسْلامِ، فَاسْتَوْخَمُوا الْمَدِينَةَ، فَأَمَرَ لهم النبي ﷺ بِذَوْدٍ وَرَاعٍ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَخْرُجُوا فَلْيَشْرَبُوا من أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا، فَانْطَلَقُوا حتى إذَا كَانُوا بِنَاحِيَةِ الْحَرَّةِ كَفَرُوا بَعْدَ إسْلامِهِمْ، وَقَتَلُوا رَاعِيَ النبي ﷺ، وَاسْتَاقُوا الذَّوْدَ، فَبَلَغَ ذلك النبي ﷺ، فَبَعَثَ الطَّلَبَ في آثَارِهِمْ فَأَمَرَ بِهِمْ فَسَمَرُوا أَعْيُنَهُمْ وَقَطَّعُوا أَيْدِيَهُمْ وَتُرِكُوا في نَاحِيَةِ الْحَرَّةِ حتى مَاتُوا على حَالِهِمْ»١٬٦١٤رواه البخاري [(٤١٩٢) واللفظ له]، ومسلم [١٦٧١]، وأبو داود [٤٣٦٤]، والترمذي [٧٢]، والنسائي [٢٩٠]، وابن ماجه [٢٥٧٨] وغيرهم..
فقد استدل بعض العلماء بهذا الحديث على جواز الاعتماد على القرائن والشواهد في الأحكام، حيث لم يُنقل أن ما فعله هؤلاء قد ثبت عند النبي ﷺ بالشهادة ولا بالإقرار، ولكن انفرادهم براعي النبي ﷺ، وفرارهم بما أخذوه من سرحه يعد أعظم دلالة على اقترافهم للجريمة من شهادة الشهود.
قال العلامة ابن فرحون وهو يذكر بعض السنن في الاعتماد على شواهد الحال: «ومنها: أنه ﷺ فعل بالعرنيين ما فعل بناء على شاهد الحال، ولم يطلب بينة بما فعلوا ولا وقف الأمر على إقرارهم»١٬٦١٥تبصرة الحكام: (4 /169)..
وقال الإمام ابن القيم رحمه الله: ««وأمر بإمساك اليهودي الذي أومأت الجارية برأسها أنه رضخها بين حجرين فأخذ فأقر فرضخ رأسه»، وهذا يدل على جواز أخذ المتهم إذا قامت قرينة التهمة.
والظاهر: أنه لم تقم عليه بينة، ولا أقر اختيارا منه للقتل، وإنما هدد أو ضرب فأقر.
وكذلك العرنيون فعل بهم ما فعل بناء على شاهد الحال، ولم يطلب بينة بما فعلوا، ولا وقف الأمر على إقرارهم»١٬٦١٦الطرق الحكمية: (1 / 19)..
وأخيرًا قال الشيخ عبد القادر عودة رحمه الله: «وبالرغم من إقامة كثير من أحكام الشريعة على القرائن، واتجاه القضاء من وقت نزول الشريعة إلى الأخذ بالقرائن، فإن جمهور الفقهاء لا يسلم باعتبار القرائن دليلًا عامًا من أدلة الإثبات في الجرائم، اللهم إلا فيما نص عليه بنص خاص كالقسامة، ولعل عذرهم في ذلك أن القرائن في أغلب الأحوال قرائن غير قاطعة وأنها تحمل أكثر من وجه، فإذا اعتمد عليها كدليل لإثبات الجريمة فقد اعتمد على دليل مشكوك فيه لا يمكن التسليم مقدمًا بصحته.
أما أقلية الفقهاء فيرون الأخذ بالقرائن في إثبات الجرائم مع الاعتدال، ومن هؤلاء ابن القيم فإنه يرى أن الحاكم إذا أهمل الحكم بالقرائن أضاع حقًا كثيرًا وأقام باطلًا كبيرًا، وأنه إن توسع وجعل معوله عليها دون الأوضاع الشرعية وقع في أنواع من الظلم والفساد»١٬٦١٧التشريع الجنائي في الإسلام: (3 / 372)..
❖ ❖ ❖
صفوة القول
فالخلاصة أن مجموع الأدلة التي ذكرتها -مع أدلة غيرها- تدل على أن الشرع قد أجاز في بعض المواطن الاعتماد على قوة القرائن وتعاضد الشواهد واجتماع الأمارات في إثبات الأحكام ومعاقبة الجناة بما في ذلك القتل، وأن الأخذ بها والاستناد إليها ليس بدعًا من القول، لا سيما في المواطن التي تتعذر فيها البينة تعذرًا مقطوعًا به، ويؤدي التكليف بها إلى تضييع الحقوق وإهدارها، ويقود إلى شيوع الظلم وانتشار الجرائم؛ وذلك لأن المجرمين سيتخذون العجز عن إقامتها ملجًا لهم يأمنون فيه من حكم الشرع، وبذلك يستشري شرهم ويتفاقم فسادهم وتتضاعف جرائمهم.
وهذا في القضايا الخاصة التي ترتبط بأشخاص بأعيانهم، أما إذا كان الضرر عامًا والفساد شاملًا والشر متعديًا -كما هو الحال في مسألة جواسيس العصر- مع عدم وجود طرق أخرى تدفع الصولة عن الإسلام والمسلمين بحيث يحفظ بها دينهم، وأنفسهم، ودماؤهم، وأعراضهم، وأموالهم حفظًا حقيقيًا، وترد بها هجمة الكفرة ردًا عمليًا، فإن الاعتماد على القرائن وشواهد الحال ودلائل الأمارات تتعين طريقًا لإثبات التهم على هؤلاء المجرمين الصائلين المعينين للكافرين على المسلمين، الذين لم يبق بيت وبر ولا مدر إلا وتسللوا إليه ودلوا الكفرةَ عليه، ونحن نعلم قطعًا أن بعض تلك الشواهد والأمارات هي أقوى دلالة على تلبس هؤلاء بجريمة التجسس من شهادة الشهود بأضعاف مضاعفة، وأن ورود التشكيك على دلالتها معدومٌ انعدامًا تامًّا أو يكاد، كما أننا رأينا من خلال الواقع العملي أن اعتماد المجاهدين عليها قد كف كثيرًا من شرورهم التي لم تزل تتولد وتتعدد.
فالاعتماد عليها هو أقصى ما في طوق المجاهدين، وقصارى ما يبلغه تحريهم واحتياطهم، ومنتهى ما يصل إليه جهدهم وتثبتهم، وإغلاق هذا الباب رأسًا وتكليفهم بالضرب في الأرض بحثًا عن الشهود أو انتظار الإقرار الاختياري الطوعي في كل حالة يعني بالضرورة عدم الجدوى العملية من بيان حكم الجاسوس المدعي للإسلام، وسيبقى الحديث عن حكمه حبيس بطون الكتب وصفحات الأبحاث من غير أن يكون له تأثيرٌ يذكر في قطع شرهم ودفع صولهم، فتأمل مثلًا في هذه الفتوى التي جاءت في موقع الشبكة الإسلامية على «الإنترنت» حيث ورد إليهم سؤال سائل بقوله: «أود أن أطرح سؤالًا عما يفعله أعوان اليهود من تجسس على المسلمين وإيقاع الأذى بهم، والأمر ليس هكذا فقط، بل إنهم يستخدمون السحر والاتصال بالجن عبر المسحور له، وبذلك يعلمون أسراره، ومن مات من هؤلاء هل يحق أن يدفن ويصلى عليه في مساجد ومقابر المسلمين أم أنهم كفرة ومنافقون ومرتدون عن الإسلام، فأنا أعلم أنه من كان في خندق الأعداء ومات يموت على ميتتهم، فكيف الذي يقوم بعمل الأسحار للمسلمين بهدف إيذائهم ومعرفة أسرارهم وإيصالها لليهود، لاعتقالهم أو اغتيالهم؟
فكان مما جاء في الجواب بعد ذكر تفاصيل اختلاف العلماء في حكم الجاسوس: ويجب التنبه إلى أن الذي يتولى إقامة هذا الحد عليه هو السلطان بعد تقديمه لقضاء شرعي عادل وإقرار بالذنب أو ثبوت ذلك ببينة، أما أفراد الأمة فلا تحق لهم إقامة الحدود»١٬٦١٨فتوى رقم (59804) بإشراف شيخنا عبد الله الفقيه حفظه الله..
فأما عدم إقامة الحدود لأفراد الأمة فهذا مسلّمٌ إجمالًا، مع تفاصيل تعرف في محلها، لأحوالِ شغور الزمان عن إمامٍ ونحوها، ولكن -والسائل يسأل عن حكمٍ معينٍ يتعلق بفلسطين والتجسس لليهود- مَن هو السلطان هذا الذي سيتولى إقامة الحد على هؤلاء الجواسيس؟ وأين هو القضاء الشرعي العادل الذي سيقدَّمون له لينظر في شأنهم، ومن أين للناس أن يثبتوا تلبسه بجريمة التجسس بالإقرار أو البينة، وإذا ثبت عندهم -حيث لا سلطان ولا قضاء- فما فائدة ذلك وهم ليس لهم إقامة الحدود؟
ونحن نتحدث هنا عن واقع يعلمه كل الناس، ويدركه القريب والبعيد، وأن فلسطين عريةٌ عن هذا السلطان الممكن، وعن القضاء الشرعي العادل، فهل سيغير مثل هذا الجواب من حال انتشار الجواسيس في فلسطين شيئًا؟
فعلى المجاهدين ومشايخهم وعلمائهم أن يتقوا الله ﷻ بما في وسعهم، ويتحرزوا قدر الإمكان من إصابة مسلمٍ بريء لم يتلوث بمهنة التجسس الخسيسة، وأن يحتاطوا في ذلك غاية الاحتياط، ويتثبتوا بما في وسعهم وطاقتهم، ويتبينوا بأقصى ما يصله جهدهم وبحثهم، ويتريثوا بما يناسب حالهم وظرفهم، ويستوثقوا استيثاقًا تامًا من دلالة القرائن والشواهد والعلامات التي يعتمدون عليها، ويشاورا ويسألوا من يقرب منهم من أهل العلم والخبرة والمعرفة، فإن قويت عندهم دلائل تلك القرائن والشواهد والعلامات والأمارات في حق شخصٍ من الأشخاص بحيث يحصل بها اليقين بانتسابه إلى طائفة الجواسيس المفسدة، وتُحقِّق عليه تلبسه بهذه المهنة القذرة فليتوكلوا على الله ﷻ ويقيموا عليه من الحكم ما ذكرته أعلاه -مما ظهر لي رجحانه-، إما تحتم القتل إن كان نوع تجسسه إعانة جلية للكفار على المسلمين وبحثه عن عوراتهم، أو الاجتهاد في تعزيره بما يناسب حاله وجرمه إن كان دون ذلك، ولا بأس بالعفو أحيانًا جلبًا لمصلحة جلية، أو درءًا لمفسدة ردية قد تلحق بالمجاهدين من وراء قتله أو عقوبته، وهذا في الجاسوس الذي يقع في أيدي المجاهدين وتشمله قدرتهم ويمكنهم التحقيق معه وكشف حاله.
أما الممتنع منهم بالشوكة إما لقوته أو لعجز المجاهدين الحقيقي عن بلوغه واعتقاله -مع ثبوت الجريمة في حقه ثبوتًا يحصل به اليقين والثلج كاشتهاره بالتجسس- فلا بأس بعدها أن يبادروا باغتياله وقتله كيفما أمكن وحسبما تيسر، قطعًا لشره ودفعًا لأذاه، مع استحضار ما ذكرته أولًا من تقوى الله تعالى والاجتهاد في الممكن وبذل الوسع في المقدور.
جاء في مجلة البيان١٬٦١٩[العدد 236 /ص 15].: «سادسًا: نبَّه جمع من علماء المسلمين إلى خطورة التعاون مع الصهاينة والعمالة الجاسوسيَّة لهم تجاه المسلمين، وبيَّنوا أنَّ الجاسوس الذي يرشد الأعداء على المجاهدين، ويسعى في الأرض فسادًا، إن عُرِفَ هذا منه واشتهر به، فإنَّه يُقْتَل ويثاب قاتله، وأمَّا إذا لم يُعْرَف هذا عنه، فأمره موكول لحاكم المسلمين وأهل الحل والعقد؛ فإن رأوا قتله قُتِل، وإن رأوا تعزيره عُزِّر، فيتخيروا ما هو أصلح للمسلمين».
هذا ما تبيّن لي في هذه المسألة النازلة، وهي مما يبيّن حاجة ساحات الجهاد للعلماء المجتهدين، الذين يجمعون بين علم الشريعة وفقه الواقع والغوص في تفاصيله وتفاريعه بمعايشته والمشاركة فيه، لا بالتصورات والافتراضات التي قد تكون أبعد شيء عن الحقيقة وأحداثها، ومع ذلك فما كتبتُه فهو معروض على أهل العلم والديانة والنصح آخذين منه ما شاؤوا ورادين ما أرادوا، واضعين في الاعتبار أن المسألة ليست من قبيل ما يمكن تأخيره، ولا التريث في بحثه، لأن نارها المتأججة يتطاير شررها كل لحظة لتحرق ما تحرق من شرائع الإسلام وخيار المجاهدين والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا، فعلى كل من ينظر في هذه النازلة أن يعطيها حقّها ويتجنب عَقّها١٬٦٢٠[العق: هو القطع، ومنه الولد العاق: قاطع بِر والديه فلا يصلهم، والمقصود هنا: ضرورة تحرير المسألة بما يقطع فيها النزاع].، ويتقن مولجها ومخرجها حتى يعالج الداء علاجًا عمليًا وإلا فستبقى في عالم البحث المجرد والافتراضات البعيدة التي لا تحل مشكلة ولا ترفع معضلة، فما كان فيما كتبته من حق فهو من توفيق الله وفتحه وعونه، وما كان من خطأ فمن النفس والشيطان وأنا عنه راجعٌ بغير توان، والله المستعان ونسأله عفوه وعونه ورحمته التي وسعت كل شيء وهو حسبنا ونعم الوكيل.
❖ ❖ ❖