وفي الختام
هذا ومن يتأمل ما وصلت إليه شبهات القوم؛ يعلم أن الضلال لا يولد إلا الضلال، والبدعة لا تنجب إلا بدعةً، فإذا كانت دعاوى كثير من القوم من قبل قائمة على الاعتراف بحقيقة هذه الأنظمة وعدم المكابرة في محادتها لله ولرسوله، وأنها حكومات كافرة محاربة للدين، فإن الحديث عن هذه الأمور صار اليوم عند الكثيرين ليس بذي قيمة يستحق بها العناية والعناء، بل تقدم بعضهم خطوة وخطوات حتى انتقلوا إلى عدوة التقرير لشرعية هذه الأنظمة وسخَّروا أنفسهم وما آتاهم الله من العلم لينقبوا عن نقير الشبهات وقطميرها وجادلوا بالباطل؛ ليدحضوا به الحق بعد أن بدأت الأمة الإسلامية تفيق من سباتها العميق وتقترب من الهدى الذي أبعدها عنه هؤلاء الطغاة عقودًا طويلة، وتلك والله جنايةٌ عظيمة سيسألون عنها بين يدي الله ﷻ.
وذلك أن إفهام الأمة لحقيقة هذه الأنظمة المرتدة وكشف الغشاوة عن أعينها، وإزالة الشبهات التي تخدِّرها لم يقع بين عشية وضحاها ولا بجرة قلمٍ وإنما بجهودٍ ضخمةٍ متواصلةٍ دفعت -ولا زالت تدفع- فيها ضرائب عظيمة من الأنفس والأعراض والأعمار والأموال، واليوم لم تقف دعوات الانحراف والتمييع عند إثبات شرعية هذه الأنظمة المترهلة فقط بل انحطَّ بعض دعاة الزيغ إلى حضيض التقارب مع اليهود والنصارى ومحاولة محو أوثق عرى الإيمان «الحب في الله والبغض في الله»؛ فأصبح هناك تيارٌ متميزٌ قائمٌ على تمييع الدين وتطويع أدلته بل التلاعب بأحكامه، يحصل كل ذلك هروبًا من تكاليف المواجهة التي لا انفكاك لهم عنها مهما بذلوا من الجهد وأقاموا من العراقيل، لأنهم بين خيارين لا ثالث لهم:
- إما أن يستمسكوا بالحق الناصع وهذا ما لا يُرضي أعداءهم من اليهود والنصارى وأذنابهم.
- وإما أن يعلنوا اتّباعهم لملة المغضوب عليهم والضالين وذلك هو الخسران المبين، قال ﷻ: ﴿وَلَن تَرۡضَىٰ عَنكَ ٱلۡيَهُودُ وَلَا ٱلنَّصَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمۡۗ قُلۡ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلۡهُدَىٰۗ وَلَئِنِ ٱتَّبَعۡتَ أَهۡوَآءَهُم بَعۡدَ ٱلَّذِي جَآءَكَ مِنَ ٱلۡعِلۡمِ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: 120]، وقال ﷻ: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَٰتِلُونَكُمۡ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمۡ عَن دِينِكُمۡ إِنِ ٱسۡتَطَٰعُواْۚ وَمَن يَرۡتَدِدۡ مِنكُمۡ عَن دِينِهِۦ فَيَمُتۡ وَهُوَ كَافِرٞ فَأُوْلَٰٓئِكَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ﴾ [البقرة: 217].
أما التأرجح والوقوف بينَ بين وجهود الإحسان والتوفيق أو التلفيق؛ فإنها لا تغني من الحق شيئًا وسيجد كثيرٌ من هؤلاء الملفقين أنفسهم قد أهدروا زهرات أعمارهم في الركض وراء السراب وأنفقوا جهودهم في تحسين الضلال وتزيين الخبال وأنهم لم يزالوا متقهقرين وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا فعندها سيعضون أصابع الندم والأمر لله ﷻ من قبل ومن بعد: ﴿وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتۡنَتَهُۥ فَلَن تَمۡلِكَ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ شَيۡـًٔاۚ﴾ [المائدة: 41].
ولو أنهم استمسكوا بالحق وعضوا عليه بالنواجذ وقذفوا به في وجه الباطل غير هيَّابين ولا مداهنين؛ لعلِموا أن ضريبة ذلك هي أقل بكثيرٍ مما يدفعونه في جهود التلفيق التي يخادعون بها الله ﷻ والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون، ولو أنهم أقاموا الحق وقاموا به؛ لرأوا من بركات ذلك ما لم يخطر على بالهم، ولم تحط به حساباتهم التي كبَّلتهم وخدعتهم وخدَّرتهم، قال ﷻ: ﴿وَلَوۡ أَنَّهُمۡ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِۦ لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۡ وَأَشَدَّ تَثۡبِيتٗا ٦٦ وَإِذٗا لَّأٓتَيۡنَٰهُم مِّن لَّدُنَّآ أَجۡرًا عَظِيمٗا ٦٧ وَلَهَدَيۡنَٰهُمۡ صِرَٰطٗا مُّسۡتَقِيمٗا﴾ [النساء: 66-68].
فلتمضوا يا أهل الجهاد على طريقكم فإنكم على الحق، فمن رام اللحوق بركبكم؛ فالقافلة تسعه، ومن أشغل نفسه بإثارة الشبهات وإقامة العقبات؛ فما جنايته إلا على نفسه ولن يضر الله شيئًا، وقد قال النبي ﷺ: (لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس)١٬٦٨٧[رواه مسلم: (١٠٣٧)].، نسأل الله أن يجعلنا منهم.
والحمد لله رب العالمين
وكتبه / أبو يحيى «حسن قائد»
«الجمعة 15/ جمادَى الأولى/ 1431هـ»
❖ ❖ ❖
لقد أتممت قراءة كتاب: الجهاد ومعركة الشبهات!
يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.