مآسي الشام.. بين إجرام النصيرية ومكائد الغرب
[رجب 1433 هـ / 5 - 2012م]
۞
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد...
إخواني المسلمين: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
لقد مضى أكثر من عام على اشتعال ثورة المسلمين في الشام ضد الطاغوت النصيري المستبد، وقدَّم أهلنا في تلك الأرض المباركة تضحياتٍ باهظة للخروج من ربقة تسلطه، ومحاولة الانفكاك من شراك نظامه الإجرامي، ورأى العالم من أقصاه إلى أقصاه صورًا متنوعةً بشعة من الإجرام الذي يُعبِّر عن حقدٍ أسود تمتلئ به قلوب جنود الطغيان وأعوانهم من الرافضة.
فلسنا في حاجةٍ اليوم إلى تَعداد تلك الفظائع التي تُرتكب ساعةً بساعة ولحظةً بلحظة؛ فقد ألِف الناسُ رؤيتها واعتادوا سماع أنبائها، ولا زال الغرب وأعوانه العملاء يُمَوِّهون على تواطئهم في تسهيل ارتكاب هذه الجرائم بمبادراتهم السخيفة؛ التي تكون في كل حين مناسبةً لاقتراف المزيد من التنكيل ضد شعبنا المسلم المكلوم في شام الرباط، فهم الذين: ﴿لَا يَأۡلُونَكُمۡ خَبَالٗا وَدُّواْ مَا عَنِتُّمۡ قَدۡ بَدَتِ ٱلۡبَغۡضَآءُ مِنۡ أَفۡوَٰهِهِمۡ وَمَا تُخۡفِي صُدُورُهُمۡ أَكۡبَرُۚ﴾ [آل عمران: 118]، فمن تعلَّق بهؤلاء القتلة وعوَّل عليهم وانتظر نصرتهم؛ فما حاله إلا كما قال ﷻ: ﴿وَأَنَّهُۥ كَانَ رِجَالٞ مِّنَ ٱلۡإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٖ مِّنَ ٱلۡجِنِّ فَزَادُوهُمۡ رَهَقٗا﴾ [الجن: 6] فلن تزيد هذه المبادرات الباردة شعبنا المسلم في الشام إلا مزيدًا من الرهق والنكال والوبال، ولن يُجنَى من ورائها إلا تمادي النظام بالتبجح بجرائمه ضد الضعفاء من الرجال والنساء والولدان الذين لا يستطيعون حيلةً ولا يهتدون سبيلًا للنجاة من قبضته.
إخواني المسلمين في شام الرباط: إنَّ الملحمة التي تخوضونها اليوم وتواجهون فيها عدوًّا عاتيًا سفَّاحًا، وتتصدُّون لمؤامراتٍ محكمة ماكرة؛ توجب عليكم أول ما توجب اللجوء إلى الله تعالى بصدق وإخلاص وتضرُّع، فهو ولي المؤمنين وولي الصالحين، فمن استنصر به نصره، ومن لجأ إليه أعانه، ومن توكل عليه كفاه.
[البحر: البسيط]
[البحر: البسيط]
مَا بَيْنَ طَرْفَةِ عَيْنٍ وَانْتِبَاهَتِهَا | يُغَيِّرُ اللهُ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالِ٣٬٤٦٤[لم أقف على قائله، وهو من مشاهير أبيات الحكمة المبثوثة في الكتب. انظر: ريحانة الكتاب، للسان الدين بن الخطيب (2/204)]. |
وقد قال النبي ﷺ: (واعلم أنَّ النصر مع الصبر، وأنّ الفرج مع الكرب، وأنّ مع العسر يسرًا)٣٬٤٦٥[رواه أحمد: (2803)، وصححه الأرنؤوط].؛ فما من خيارٍ أمامكم اليوم إلا الصبر على هذه المحنة، والثبات على طريق التضحية، والاستمرار في مواجهة هذا النظام العاتي بكل وسيلة، واحتساب ما تُقَدِّمونه عند الله ﷻ؛ فإنه لا يضيع أجر من أحسن عملًا.
إخواني المسلمين في شام الرباط: لقد انتفضتم يوم قمتم في وجه طاغية الشام ومطلبكم واضحٌ ومحدد؛ وهو إزالة هذا النظام المتجبر وإراحة البلاد والعباد منه، وتحمَّلتم جرَّاء ذلك ما شهد لكم به القريب والبعيد.
واليوم.. نرى مؤامرات الغرب -وعلى رأسهم أمريكا- تُنسج خيوطها ضد ثورتكم لتجعل أقصى مطالب أهلها: توفير الحماية للمدنيين بإشراف مراقبيهم وتحت وصاية نظام الإجرام؛ مما يعني تثبيت أركانه، وإفساح المجال أمامه ليلتقط أنفاسه من جديد؛ فهي مكائد تُحَاك ضدكم قبل أن تكون جهودًا تُبذل للحفاظ عليكم؛ فمتى كانت الأمم المتحدة أوْ مجلس الأمن أو أمريكا ومعها الغرب حريصين على دماء المسلمين وجادين في حقنها؟! وهم الذين عانت ولا تزال تعاني الأمة من جرائمهم السافرة التي لا تقل عن جرائم طاغية الشام.. فمن الذي يقتِّل المسلمين في أفغانستان؟! ويدك قراهم في اليمن؟ ويبيد خضراءهم في الصومال، ويشردهم في فلسطين؟!
فمنذ متى كانت هذه المنظمات الإجرامية تفيض على أمة الإسلام المكلومة رحمةً ورأفةً وحرصًا على دماء أهلها؟! قال الله تعالى: ﴿إِن يَثۡقَفُوكُمۡ يَكُونُواْ لَكُمۡ أَعۡدَآءٗ وَيَبۡسُطُوٓاْ إِلَيۡكُمۡ أَيۡدِيَهُمۡ وَأَلۡسِنَتَهُم بِٱلسُّوٓءِ وَوَدُّواْ لَوۡ تَكۡفُرُونَ﴾ [الممتحنة: 2].
لقد صمتنا أمدًا كافيًا وعلى مضض، وما كنا يومًا لنظنَّ خيرًا أو نرجو تأييدًا ممن أخبرنا الله ﷻ بحالهم، وعرَّفنا بمكنونات صدورهم، وها قد مضى العام وأكثر.. فما هي ثمرات مساعيهم؟
هل توقف قتل الأطفال الرضَّع، والشيوخ الركَّع؟
هل كف نظام الإجرام عن إبادة القرى بمن فيها وما فيها؟
هل منع وحوشه الهائجة عن انتهاك أعراض الحرائر الطاهرات؟
وهل انتفع أهل الشام شيئًا من التصريحات الخاوية التي يطلقها قادة الغرب؟
وهل أنقذهم مراقبوهم وبعثاتهم من مطحنة التنكيل النصيري والحقد الرافضي؟
فهل بقي بعد هذا كله عند ذي عقل أي شك في أنَّ ترقَّب النصرة من هؤلاء؛ إنما هو ركضٌ وراء السراب؟
فمن هنا، فإننا ندعو إخواننا المسلمين وأبطالنا المجاهدين في العراق والأردن وتركيا أن يهبوا لنصرة إخوانهم، وأن يجعلوا نحورهم دون نحورهم؛ حقنًا لدماء الضعفاء وصيانةً لأعراض الحرائر، وأن يبذلوا في سبيل ذلك كل غالٍ ونفيس من الأموال والْمُهج، ويسترخصوا لأجل الدفاع عنهم كل تضحية؛ فلئن كان الغرب صادقًا في مزاعمه بحماية المدنيين فأنتم أولى بأن تكونوا بجانب إخوانكم، وقد جمعتكم بهم رابطة العقيدة وأخوَّة الإيمان، فكيف ونحن نعلم أنَّ ما يكيدُ به كفرة الغرب وعملاء الشرق لن يزيد شعبنا المسلم في شام الرباط إلا عذابًا ووبالًا ونكالًا.
إننا أمةٌ واحدة في عقيدتها ودينها وأفراحها ومصائبها، ولن نرضى أبدًا الاستسلام لمن مزَّق جسدها باتفاقيات «سايكس بيكو» ولا غيرها؛ ليَسُوسُنا بها أو يُخضع مواقفنا لها.
فكتاب ربنا ينطق بيننا بالحق: ﴿إِنَّ هَٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَأَنَا۠ رَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 92]، ونبينا ﷺ يقول: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمَّى)٣٬٤٦٦[صحيح البخاري: (6011)، صحيح مسلم: (2586)]..
كما أننا لن نقنع بأن نجعل حظنا من مناصرة إخواننا المكروبين مجرَّد النحيب وذرف الدموع وإصدار بيانات الشجب والتنديد، فليس ذلك من شأننا ولن يكون بإذن الله في يومٍ من الأيام كذلك؛ فلقد أرشدنا الله ﷻ إلى سبيل استنقاذ المستضعفين فقال: ﴿وَمَا لَكُمۡ لَا تُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلۡمُسۡتَضۡعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلۡوِلۡدَٰنِ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخۡرِجۡنَا مِنۡ هَٰذِهِ ٱلۡقَرۡيَةِ ٱلظَّالِمِ أَهۡلُهَا وَٱجۡعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيّٗا وَٱجۡعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا﴾ [النساء: 75].
وبيَّن لنا طريق كف بأس الكافرين وقطع دابر إجرامهم؛ فقال: ﴿فَقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفۡسَكَۚ وَحَرِّضِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأۡسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ وَٱللَّهُ أَشَدُّ بَأۡسٗا وَأَشَدُّ تَنكِيلٗا﴾ [النساء: 84].
وهدانا إلى طريقة إذلالهم وإخزائهم وتحصيل النصرة عليهم؛ فقال: ﴿قَٰتِلُوهُمۡ يُعَذِّبۡهُمُ ٱللَّهُ بِأَيۡدِيكُمۡ وَيُخۡزِهِمۡ وَيَنصُرۡكُمۡ عَلَيۡهِمۡ وَيَشۡفِ صُدُورَ قَوۡمٖ مُّؤۡمِنِينَ﴾ [التوبة: 14].
إننا لنعلم أنَّ سبيل الجهاد والقتال ليس سهلًا، ولكنه أيضًا ليس طريقًا مسدودًا وإلا لما أمرنا الله ﷻ به وفرضه علينا، ولقد كان كثيرٌ من الصحابة رضي الله عنهم يوم بدر يودون أن تكون لهم العير ويُكفوا مواجهة النفير، وأراد الله ﷻ غير ما أرادوا؛ فكان عاقبة أمرهم خيري الدنيا والآخرة، قال الله ﷻ: ﴿وَإِذۡ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحۡدَى ٱلطَّآئِفَتَيۡنِ أَنَّهَا لَكُمۡ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيۡرَ ذَاتِ ٱلشَّوۡكَةِ تَكُونُ لَكُمۡ وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ ٱلۡحَقَّ بِكَلِمَٰتِهِۦ وَيَقۡطَعَ دَابِرَ ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ [الأنفال: 7].
فلئن أردتم لثورتكم أن تكون سلمية فلعلَّ الله ﷻ قد اختار لكم غير ذلك؛ فما الركون إلى أوهام السلمية بعد هذه التضحيات الباهظة وأمام هذا العدو المتوحش إلا ضربٌ من العجز الذي لا يليق بأمة الجهاد والصبر والفداء، قال الله ﷻ: ﴿كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡقِتَالُ وَهُوَ كُرۡهٌ لَّكُمۡۖ وَعَسَىٰٓ أَن تَكۡرَهُواْ شَيۡـٔٗا وَهُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۖ وَعَسَىٰٓ أَن تُحِبُّواْ شَيۡـٔٗا وَهُوَ شَرّٞ لَّكُمۡۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ﴾ [البقرة: 216].
فيا أبطال الشام شمروا، ويا أسود العراق هبوا، ويا ليوث الأردن انفروا، ويا رجال تركيا تقدموا؛ فإنها أعراض أخواتكم وأمهاتكم، ودماء أبنائكم وإخوانكم، وحرمات أهلكم ودياركم؛ قد عَبَث بها الأراذل، وعاث فيها المفسدون، فكونوا صفًّا واحدًا متراصًّا؛ صدًّا لهجمتهم، وردًّا لصولتهم، وسعيًا لإقامة شريعة ربكم، وامضوا متوكلين على الله ﷻ.
وتذكروا أنه من فرَّج عن مؤمنٍ كربةً من كرب الدنيا فرَّج الله عنه كربةً من كرب يوم القيامة؛ فإخوانكم اليوم في كرباتٍ رَكِب بعضها بعضًا، يستغيثون فلا مغيث ويستنجدون ولا منجد.
فلتعلنوها بأقوالكم وأفعالكم: لبيك، لبيك يا أرض الرباط، لبيك، لبيك يا عفيفة الشام، لبيك، لبيك يا منارة العلماء ومهد الأبطال النجباء، فلا بقينا إن بقي طاغيتها يتبجَّح، ولا نجونا إن نجا.
والله أكبر والعزة لله ولرسوله وللمؤمنين..
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
❖ ❖ ❖
لقد أتممت قراءة كتاب:
يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.
تحميل الكتاب مفردًا